فصل: بَاب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*4بَاب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب‏)‏ سقط من رواية الأصيلي، وكذا أكثر الأبواب‏.‏

وهو منون، ويجوز فيه الإضافة إلى جملة الحديث، لكن لم تأت به الرواية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المسلم‏)‏ استعمل لفظ الحديث ترجمة من غير تصرف فيه‏.‏

الحديث‏:‏

-10-حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ‏:‏ ‏"‏ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ‏"‏‏.‏

قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ‏:‏ حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى‏:‏ عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-‏.‏

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏أبي إياس‏)‏ اسمه ناهية بالنون وبين الهاءين ياء أخيرة‏.‏

وقيل اسمه‏:‏ عبد الرحمن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أبي السفر‏)‏ اسمه سعيد بن يحمد كما تقدم، وإسماعيل مجرور بالفتحة عطفا عليه، والتقدير‏:‏ كلاهما عن الشعبي‏.‏

وعبد الله بن عمرو هو‏:‏ ابن العاص صحابي ابن صحابي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المسلم‏)‏ قيل‏:‏ الألف واللام فيه للكمال، نحو زيد الرجل أي‏:‏ الكامل في الرجولية‏.‏

وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملا‏.‏

ويجاب‏:‏ بأن المراد بذلك مراعاة باقي الأركان، قال الخطابي‏:‏ المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله تعالى أداء حقوق المسلمين‏.‏

انتهى‏.‏

وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكر مثله في علامة المنافق‏.‏

ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه‏.‏

والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن في ذلك‏.‏‏(‏1/54‏)‏

وخص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس، وهكذا اليد لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد، لأن اللسان يمكنه القول في الماضيين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم‏.‏

ويستثنى من ذلك شرعا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعازير على المسلم المستحق لذلك‏.‏

وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء‏.‏

وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق‏.‏

‏(‏فائدة‏)‏ ‏:‏ فيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو كثير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والمهاجر‏)‏ هو بمعنى الهاجر، وإن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع فعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر‏.‏

ويحتمل أن يكون على بابه لأن من لازم كونه هاجرا وطنه مثلا أنه مهجور من وطنه، وهذه الهجرة ضربان‏:‏ ظاهرة وباطنة‏.‏

فالباطنة‏:‏ ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان‏.‏

والظاهرة‏:‏ الفرار بالدين من الفتن‏.‏

وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييبا لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ هذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، بخلاف جميع ما تقدم من الأحاديث المرفوعة‏.‏

على أن مسلما أخرج معناه من وجه آخر، وزاد ابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث أنس صحيحا‏:‏ ‏"‏ المؤمن من أمنه الناس ‏"‏ وكأنه اختصره هنا لتضمنه لمعناه‏.‏

والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال أبو معاوية حدثنا داود‏)‏ هو ابن أبي هند، وكذا في رواية ابن عساكر عن عامر وهو الشعبي المذكور في الإسناد الموصول‏.‏

وأراد بهذا التعليق بيان سماعه له من الصحابي، والنكتة فيه رواية وهيب بن خالد له عن داود عن الشعبي عن رجل عن عبد الله بن عمرو، حكاه ابن منده، فعلى هذا لعل الشعبي بلغه ذلك عن عبد الله، ثم لقيه فسمعه منه‏.‏

ونبه بالتعليق الآخر على أن عبد الله الذي أهمل في روايته هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية رفيقه، والتعليق عن أبي معاوية وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عنه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من طريقه ولفظه‏:‏ ‏"‏ سمعت عبد الله بن عمرو يقول‏:‏ ورب هذه البنية لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يقول‏:‏ المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده ‏"‏ فعلم أنه ما أراد إلا أصل الحديث‏.‏

والمراد بالناس هنا‏:‏ المسلمون كما في الحديث الموصول، فهم الناس حقيقة عند الإطلاق، لأن الإطلاق يحمل على الكامل، ولا كمال في غير المسلمين‏.‏

ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط وهو إلا بحق، مع أن إرادة هذا الشرط متعينة على كل حال، لما قدمته من استثناء إقامة الحدود على المسلم‏.‏

والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

*3*5بَاب أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ‏؟‏

الشرح‏:‏ ‏(‏1/55‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب‏)‏ هو منون، وفيه ما في الذي قبله‏.‏

الحديث‏:‏

-11- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -قَالَ‏:‏ ‏"‏ قَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ‏؟‏

قَالَ‏:‏ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ‏.‏‏"‏

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو بردة‏)‏ هو بريد بالموحدة والراء مصغرا، وشيخه جده وافقه في كنيته لا في اسمه، وأبو موسى هو الأشعري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قالوا‏)‏ رواه مسلم والحسن بن سفيان وأبو يعلى في مسنديهما عن سعيد بن يحيى بن سعيد شيخ البخاري بإسناده هذا بلفظ ‏"‏ قلنا‏"‏، ورواه ابن منده من طريق حسين بن محمد الغساني أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى هذا بلفظ ‏"‏ قلت‏"‏، فتعين أن السائل أبو موسى، ولا تخالف بين الروايات لأنه في هذه صرح وفي رواية مسلم أراد نفسه ومن معه من الصحابة، إذ الراضي بالسؤال في حكم السائل‏.‏

وفي رواية البخاري‏:‏ أراد أنه وإياهم‏.‏

وقد سأل هذا السؤال أيضا أبو ذر، رواه ابن حبان‏.‏

وعمير بن قتادة، رواه الطبراني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أي الإسلام‏)‏ إن قيل الإسلام مفرد، وشرط أي أن تدخل على متعدد‏.‏

أجيب‏:‏ بأن فيه حذفا تقديره‏:‏ أي ذوي الإسلام أفضل‏؟‏

ويؤيده رواية مسلم‏:‏ أي المسلمين أفضل‏؟‏

والجامع بين اللفظين أن أفضلية المسلم حاصلة بهذه الخصلة‏.‏

وهذا التقدير أولى من تقدير بعض الشراح هنا‏:‏ أي خصال الإسلام‏.‏

وإنما قلت إنه أولى لأنه يلزم عليه سؤال آخر بأن يقال‏:‏ سئل عن الخصال فأجاب بصاحب الخصلة، فما الحكمة في ذلك‏؟‏

وقد يجاب بأنه يتأتى نحو قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين‏)‏ الآية، والتقدير‏:‏ ‏"‏ بأي ذوي الإسلام ‏"‏ يقع الجواب مطابقا له بغير تأويل‏.‏

وإذا ثبت أن بعض خصال المسلمين المتعلقة بالإسلام أفضل من بعض حصل مراد المصنف بقبول الزيادة والنقصان، فتظهر مناسبة هذا الحديث والذي قبله لما قبلهما من تعداد أمور الإيمان، إذ الإيمان والإسلام عنده مترادفان، والله أعلم‏.‏

فإن قيل‏:‏ لم جرد ‏"‏ أفعل ‏"‏ هنا عن العمل‏؟‏

أجيب‏:‏ بأن الحذف عند العلم به جائز، والتقدير أفضل من غيره‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ هذا الإسناد كله كوفيون‏.‏

ويحيى بن سعيد المذكور اسم جده أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ونسبه المصنف قريشا بالنسبة الأعمية‏.‏

يكنى أبا أيوب‏.‏

وفي طبقته يحيى بن سعيد القطان، وحديثه في هذا الكتاب أكثر من حديث الأموي، وليس له ابن يروى عنه يسمى سعيدا فافترقا‏.‏

وفي الكتاب ممن يقال له يحيى بن سعيد اثنان أيضا، لكن من طبقة فوق طبقة هذين، وهما يحيى بن سعيد الأنصاري السابق في حديث الأعمال أول الكتاب، ويحيى بن سعيد التيمي أبو حيان، ويمتاز عن الأنصاري بالكنية‏.‏

والله الموفق‏.‏

*3*6 بَاب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنْ الْإِسْلَامِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب‏)‏ هو منون، وفيه ما في الذي قبله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من الإسلام‏)‏ للأصيلي ‏"‏ من الإيمان‏"‏، أي‏:‏ من خصال الإيمان‏.‏

ولما استدل المصنف على زيادة الإيمان ونقصانه بحديث الشعب، تتبع ما ورد في القرآن والسنن الصحيحة من بيانها، فأورده في هذه الأبواب تصريحا وتلويحا، وترجم هنا بقوله‏:‏ ‏"‏ إطعام الطعام ‏"‏ ولم يقل أي الإسلام خير كما في الذي قبله إشعارا باختلاف المقامين وتعدد السؤالين كما سنقرره‏.‏‏(‏1/56‏)‏

الحديث‏:‏

-12- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -‏"‏ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ‏؟‏

قَالَ‏:‏ تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ‏.‏‏"‏

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عمرو بن خالد‏)‏ هو الحراني، وهو بفتح العين، وصحف من ضمها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الليث‏)‏ هو ابن سعد فقيه أهل مصر، عن يزيد هو ابن أبي حبيب الفقيه أيضا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن رجلا‏)‏ لم أعرف اسمه، وقيل أنه أبو ذر، وفي ابن حبان أنه هانئ بن يزيد والد شريح‏.‏

سأل عن معنى ذلك فأجيب بنحو ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أي الإسلام خير‏؟‏‏)‏ فيه ما في الذي قبله من السؤال، والتقدير‏:‏ أي خصال الإسلام‏؟‏ وإنما لم أختر تقدير خصال في الأول فرارا من كثرة الحذف، وأيضا فتنويع التقدير يتضمن جواب من سأل فقال‏:‏ السؤالان بمعنى واحد والجواب مختلف‏.‏

فيقال له‏:‏ إذا لاحظت هذين التقديرين بان الفرق‏.‏

ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان، إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد والسلام لسلامة اللسان، قاله الكرماني‏.‏

وكأنه أراد في الغالب ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن لوحظ بين لفظ أفضل ولفظ خير فرق‏.‏

وقال الكرماني‏:‏ الفضل بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلة، والخير بمعنى النفع في مقابلة الشر، فالأول من الكمية والثاني من الكيفية فافترقا‏.‏

واعترض بأن الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يعقل تأتيه في الأخرى فلا‏.‏

وكأنه بنى على أن لفظ خير اسم لا أفعل تفضيل، وعلى تقدير اتحاد السؤالين جواب مشهور وهو الحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول تحذير من خشي منه الإيذاء بيد أو لسان، فأرشد إلى الكف، وفي الثاني ترغيب من رجى فيه النفع العام بالفعل والقول فأرشد إلى ذلك، وخص هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلك الوقت، لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف‏.‏

ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام حث عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي وغيره مصححا من حديث عبد الله بن سلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تطعم‏)‏ هو في تقدير المصدر، أي‏:‏ أن تطعم، ومثله تسمع بالمعيدي‏.‏

وذكر الإطعام ليدخل فيه الضيافة وغيرها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وتقرأ‏)‏ بلفظ مضارع القراءة بمعنى تقول، قال أبو حاتم السجستاني‏:‏ تقول‏:‏ اقرأ عليه السلام، ولا تقول أقرئه السلام، فإذا كان مكتوبا قلت أقرئه السلام أي اجعله يقرأه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومن لم تعرف‏)‏ أي‏:‏ لا تخص به أحدا تكبرا أو تصنعا، بل تعظيما لشعار الإسلام ومراعاة لأخوة المسلم‏.‏

فإن قيل‏:‏ اللفظ عام فيدخل الكافر والمنافق والفاسق‏.‏

أجيب‏:‏ بأنه خص بأدلة أخرى أو أن النهي متأخر وكان هذا عاما لمصلحة التأليف، وأما من شك فيه فالأصل البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص‏.‏ ‏(‏تنبيهان‏)‏ ‏:‏ الأول - أخرج مسلم من طريق عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الإسناد نظير هذا السؤال، لكن جعل الجواب كالذي في حديث أبي موسى، فادعى ابن منده فيه الاضطراب‏.‏

وأجيب‏:‏ بأنهما حديثان اتحد إسنادهما، وافق أحدهما حديث أبي موسى‏.‏

ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام كما تقدم‏.‏

الثاني - هذا الإسناد كله بصريون، والذي قبله كما ذكرنا كوفيون، والذي بعده من طريقيه بصريون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء‏.‏

وهو من اللطائف‏.‏

*3*7 بَاب مِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ

الشرح‏:‏ ‏(‏1/57‏)‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من الإيمان‏)‏ قال الكرماني‏:‏ قدم لفظ الإيمان بخلاف أخواته حيث قال‏:‏ ‏"‏ إطعام الطعام من الإيمان ‏"‏ إما للاهتمام بذكره أو للحصر، كأنه قال‏:‏ المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان‏.‏

قلت‏:‏ وهو توجيه حسن، إلا أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معا، وهو قوله‏:‏ ‏"‏ باب حب الرسول من الإيمان‏"‏‏.‏

فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه‏.‏

والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

-13- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ‏:‏

‏"‏ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ‏"‏

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏يحيى‏)‏ هو ابن سعيد القطان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعن حسين المعلم‏)‏ هو ابن ذكوان، وهو معطوف على شعبة‏.‏

فالتقدير عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وإنما لم يجمعهما لأن شيخه أفردهما، فأورده المصنف معطوفا اختصارا، ولأن شعبة قال‏:‏ عن قتادة،

وقال حسين‏:‏ حدثنا قتادة‏.‏

وأغرب بعض المتأخرين فزعم أنه طريق حسين معلقة، وهو غلط، فقد رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق إبراهيم الحربي عن مسدد شيخ المصنف عن يحيى القطان عن حسين المعلم‏.‏

وأبدى الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي أن يكون تعليقا أو معطوفا على قتادة، فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة، إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئا من علم الإسناد‏.‏

والله المستعان‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ المتن المساق هنا لفظ شعبة، وأما لفظ حسين من رواية مسدد التي ذكرناها فهو‏:‏ ‏"‏ لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره‏"‏، وللإسماعيلي من طريق روح عن حسين‏:‏ ‏"‏ حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ‏"‏ فبين المراد بالأخوة، وعين جهة الحب‏.‏

وزاد مسلم في أوله عن أبي خيثمة عن يحيى القطان‏:‏ ‏"‏ والذي نفسي بيده‏"‏، وأما طريق شعبة فصرح أحمد والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس، فانتفت تهمة تدليسه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يؤمن‏)‏ أي‏:‏ من يدعي الإيمان، وللمستملي‏:‏ ‏"‏ أحدكم ‏"‏ وللأصيلي‏:‏ ‏"‏ أحد ‏"‏ ولابن عساكر‏:‏ ‏"‏ عبد ‏"‏ وكذا لمسلم عن أبي خيثمة، والمراد بالنفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء - على معنى نفي الكمال عنه - مستفيض في كلامهم كقولهم‏:‏ فلان ليس بإنسان‏.‏

فإن قيل‏:‏ فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنا كاملا وإن لم يأت ببقية الأركان‏.‏

أجيب‏:‏ بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله‏:‏ ‏"‏ لأخيه المسلم ‏"‏ ملاحظة بقية صفات المسلم‏.‏

وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد ولفظه‏:‏ ‏"‏ لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان ‏"‏ ومعنى الحقيقة هنا الكمال، ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرا، وبهذا يتم استدلال المصنف على أنه يتفاوت، وأن هذه الخصلة من شعب الإيمان، وهي داخلة في التواضع على ما سنقرره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى يحب‏)‏ بالنصب لأن حتى جارة وأن بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع فتكون حتى عاطفة فلا يصح المعنى، إذ عدم الإيمان ليس سببا للمحبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما يحب لنفسه‏)‏ أي‏:‏ من الخير كما تقدم عن الإسماعيلي، وكذا هو عند النسائي، وكذا عند ابن منده من رواية همام عن قتادة أيضا‏.‏

و ‏"‏ الخير ‏"‏‏:‏ كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات لأن اسم الخير لا يتناولها‏.‏

والمحبة‏:‏ إرادة ما يعتقده خيرا، قال النووي‏:‏ المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون بحواسه كحسن الصورة، أو بفعله إما لذاته كالفضل والكمال، وإما لإحسانه كجلب نفع أو دفع ضرر‏.‏

انتهى ملخصا‏.‏ ‏(‏1/58‏)‏‏.‏

والمراد بالميل هنا‏:‏ الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضا أن يحب أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له، لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له لا مع سلبه عنه ولا مع بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال‏.‏

وقال أبو الزناد بن سراج‏:‏ ظاهر هذا الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل‏.‏

لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين‏.‏

قلت‏:‏ أقر القاضي عياض هذا، وفيه نظر‏.‏

إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة، لأن المقصود الحث على التواضع‏.‏

فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة‏.‏

ويستفاد ذلك من قوله تعالى‏:‏ ‏(‏تلك الدار الآخرة تجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا‏)‏ ، ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد والغل والحقد والغش، وكلها خصال مذمومة‏.‏

‏(‏فائدة‏)‏ قال الكرماني‏:‏ ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء‏.‏

والله أعلم‏.‏

*3*8 باب حُبُّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْإِيمَانِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب حب الرسول‏)‏ اللام فيه للعهد، والمراد سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -بقرينة قوله‏:‏ ‏"‏ حتى أكون أحب ‏"‏ وإن كانت محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏.‏

الحديث‏:‏

-14- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ‏:‏ ‏"‏ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ‏.‏‏"‏

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏شعيب‏)‏ هو ابن أبي حمزة الحمصي، واسم أبي حمزة دينار‏.‏

وقد أثمر المصنف من تخريج حديثه عن الزهري وأبي الزناد‏.‏

ووقع في غرائب مالك للدار قطني إدخال رجل - وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن - بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث‏.‏

وهي زيادة شاذة‏.‏

فقد رواه الإسماعيلي بدونها من حديث مالك، ومن حديث إبراهيم بن طهمان‏.‏

وروى ابن منده من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي اليمان شيخ البخاري هذا الحديث مصرحا فيه بالتحديث في جميع الإسناد، وكذا النسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده‏)‏ فيه جواز الحلف على الأمر المهم توكيدا وإن لم يكن هناك مستحلف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا يؤمن‏)‏ أي‏:‏ إيمانا كاملا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أحب‏)‏ هو أفعل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، وفصل بينه وبين معموله بقوله‏:‏ ‏"‏ إليه ‏"‏ لأن الممتنع الفصل بأجنبي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من والده وولده‏)‏ قدم الوالد للأكثرية لأن كل أحد له والد من غير عكس‏.‏

وفي رواية النسائي في حديث أنس تقديم الولد على الوالد، وذلك لمزيد الشفقة‏.‏

ولم تختلف الروايات في ذلك في حديث أبي هريرة هذا، وهو من أفراد البخاري عن مسلم‏.‏

الحديث‏:‏

-15- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -‏.‏

ح

و حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ‏:‏ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -‏:‏ ‏"‏ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ‏.‏‏"‏

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا يعقوب بن إبراهيم‏)‏ هو الدورقي‏.‏

والتفريق بين ‏"‏ حدثنا ‏"‏ و ‏"‏ أخبرنا ‏"‏ لا يقول به المصنف كما يأتي في العلم‏.‏‏(‏1/59‏)‏

وقد وقع في غير رواية أبي ذر ‏"‏ حدثنا يعقوب‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحدثنا آدم‏)‏ عطف الإسناد الثاني على الأول قبل أن يسوق المتن فأوهم استواءهما، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه‏:‏ ‏"‏ والناس أجمعين‏"‏، ولفظ عبد العزيز مثله إلا أنه قال كما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن يعقوب شيخ البخاري بهذا الإسناد‏:‏ ‏"‏ من أهله وماله ‏"‏ بدل من والده وولده، وكذا لمسلم من طريق ابن علية، وكذا للإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز ولفظه‏:‏ ‏"‏ لا يؤمن الرجل ‏"‏ وهو أشمل من جهة، و ‏"‏ أحدكم ‏"‏ أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيلي‏:‏ ‏"‏ لا يؤمن أحدكم‏"‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قتادة، وصنيع البخاري يوهم اتحادهما في المعنى وليس كذلك‏.‏

فالجواب‏:‏ أن البخاري يصنع مثل هذا نظرا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه، واقتصر على سياق قتادة لموافقته لسياق حديث أبي هريرة، ورواية شعبة عن قتادة مأمون فيها من تدليس قتادة، لأنه كان لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي، وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضا في حديث أبي هريرة، وهل تدخل الأم في لفظ الوالد إن أريد به من له الولد فيعم، أو يقال‏:‏ اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذكر على سبيل التمثيل والمراد الأعزة، كأنه قال‏:‏

أحب إليه من أعزته، وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص وهو كثير، وقدم الوالد على الولد في رواية لتقدمه بالزمان والإجلال، وقدم الولد في أخرى لمزيد الشفقة‏.‏

وهل تدخل النفس في عموم قوله ‏"‏والناس أجمعين ‏"‏‏؟‏

الظاهر دخوله‏.‏

وقيل‏:‏ إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام كما سيأتي‏.‏

والمراد بالمحبة هنا‏:‏ حب الاختيار لا حب الطبع، قاله الخطابي‏.‏

وقال النووي‏:‏ فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي -صلى الله عليه وسلم -راجحا، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس‏.‏

وفي كلام القاضي عياض أن ذلك شرط في صحة الإيمان، لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال‏.‏

وتعقبه صاحب المفهم بأن ذلك ليس مرادا هنا، لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة، إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته‏.‏

قال‏:‏ فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يومئ قول عمر الذي رواه المصنف في ‏"‏ الأيمان والنذور ‏"‏ من حديث عبد الله بن‏.‏ هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي -صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي‏.‏

فقال‏:‏ لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك‏.‏

فقال له عمر‏:‏ فإنك الآن والله أحب إلي من نفسي‏.‏

فقال‏:‏ الآن يا عمر ‏"‏ انتهى‏.‏

فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعا‏.‏

ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم -أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا‏.‏

وليس ذلك محصورا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته، والذب عن شريعته، وقمع مخالفيها‏.‏

ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها‏.‏

أما نفسه‏:‏ فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب‏.‏

وأما غيرها‏:‏ فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ومآلا‏.‏

فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول -صلى الله عليه وسلم -الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة وإما بالسبب، ‏(‏1/60‏)‏ علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره، لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه‏.‏

ولا شك أن حظ الصحابة -رضي الله عنهم -هذا المعنى أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم، والله الموفق‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ كل من آمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم -إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون‏.‏

فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقا في الشهوات محجوبا في الغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم -اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجدانا لا تردد فيه‏.‏

وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره، ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر في قلوبهم من محبته‏.‏

غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات، والله المستعان‏.‏

انتهى ملخصا‏.‏

*3*9 باب حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب حلاوة الإيمان‏)‏ مقصود المصنف أن الحلاوة من ثمرات الإيمان‏.‏

ولما قدم أن محبة الرسول من الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذلك‏.‏

الحديث‏:‏

-16- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ‏:‏ ‏"‏ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ‏:‏

أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ‏.‏‏"‏

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن المثنى‏)‏ هو أبو موسى العنزي بفتح النون بعدها زاي، قال‏:‏ حدثنا عبد الوهاب، هو ابن عبد المجيد، حدثنا أيوب، هو ابن أبي تميمة السختياني بفتح السين المهملة على الصحيح، وحكى ضمها وكسرها، عن أبي قلابة بكسر القاف وبباء موحدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثلاث‏)‏ هو مبتدأ والجملة الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض المضاف إليه، فالتقدير‏:‏ ثلاث خصال، ويحتمل في إعرابه غير ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كن‏)‏ أي‏:‏ حصلن، فهي تامة‏.‏

وفي قوله‏:‏ ‏"‏ حلاوة الإيمان ‏"‏ استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئا ما نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوي استدلال المصنف على الزيادة والنقص‏.‏

قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة‏:‏ إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة‏)‏ فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة أصل الإيمان، وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي، وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطاعات، وحلاوة الثمر جني الثمرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أحب إليه‏)‏ منصوب لأنه خبر يكون، قال البيضاوي‏:‏ المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه، ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهي إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك،‏(‏1/ 61‏)‏ تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ بذلك التذاذا عقليا، إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك‏.‏

وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة‏.‏

قال‏:‏ وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان، لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه‏:‏ فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله‏.‏

وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينا‏.‏

ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار‏.‏

انتهى ملخصا‏.‏

وشاهد الحديث من القرآن قوله تعالى‏:‏ ‏(‏قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم - إلى أن قال - أحب إليكم من الله ورسوله‏)‏ ثم هدد على ذلك وتوعد بقوله‏:‏ ‏(‏فتربصوا‏.‏ ‏(‏

‏(‏فائدة‏)‏ ‏:‏ فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالأول من الأول والأخير من الثاني‏.‏

وقال غيره‏:‏ محبة الله على قسمين فرض وندب‏.‏

فالفرض‏:‏ المحبة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما يقدره، فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله حيث قدم هوى نفسه‏.‏ والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع‏.‏

وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم‏.‏

وإلى الثاني يشير حديث‏:‏ ‏"‏ لا يزني الزاني وهو مؤمن‏"‏‏.‏

والندب‏:‏ أن يواظب على النوافل، ويتجنب الوقوع في الشبهات، والمتصف عموما بذلك نادر‏.‏

قال‏:‏ وكذلك محبة الرسول على قسمين كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك‏.‏

وقال الشيخ محيي الدين‏:‏ هذا حديث عظيم، أصل من أصول الدين‏.‏

ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا، ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول‏.‏

وإنما قال‏:‏ ‏"‏ مما سواهما ‏"‏ ولم يقل‏:‏ ‏"‏ ممن ‏"‏ ليعم من يعقل ومن لا يعقل‏.‏

قال‏:‏ وفيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية‏.‏

وأما قوله للذي خطب فقال‏:‏ ومن يعصهما ‏"‏ بئس الخطيب أنت‏"‏

فليس من هذا، لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي -صلى الله عليه وسلم -حيث قاله في موضع آخر قال‏:‏ ‏"‏ ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه‏"‏‏.‏

واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضا في حديث خطبة النكاح‏.‏

وأجيب‏:‏ بأن المقصود في خطبة النكاح أيضا الإيجاز فلا نقض‏.‏

وثم أجوبة أخرى، منها‏:‏ دعوى الترجيح، فيكون حيز المنع أولى لأنه عام‏.‏

والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل، ولأنه قول والآخر فعل‏.‏

ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضا حاصل بكل قول، ليس فيه صيغة عموم أصلا، ومنها دعوى أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي -صلى الله عليه وسلم -ولا يمتنع منه، لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك‏.‏

وإلى هذا مال ابن عبد السلام‏.‏

ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر، وهو أن كلامه -صلى الله عليه وسلم -هنا جملة واحدة فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر‏.‏

وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر أن يكره إقامة المضمر فيها مقام الظاهر، فما وجه الرد على الخطيب مع أنه هو -صلى الله عليه وسلم -جمع كما تقدم‏؟‏

ويجاب‏:‏ بأن قصة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغة عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية كما تقدم‏.‏ ‏(‏1/62‏)‏

ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى‏.‏

فمن يدعي حب الله مثلا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله‏)‏ فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد ومحبة الله تعالى للعباد‏.‏

وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى‏:‏ ‏(‏أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم‏)‏ فأعاد ‏"‏ أطيعوا ‏"‏ في الرسول ولم يعده في أولي الأمر لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول‏.‏

انتهى ملخصا من كلام البيضاوي والطيبي‏.‏

ومنها أجوبة أخرى فيها تكلم‏:‏ منها أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، ومنها أن له أن يجمع بخلاف غيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأن يحب المرء‏)‏ قال يحيى بن معاذ‏:‏ حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأن يكره أن يعود في الكفر‏)‏ زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق الحسن بن سفيان عن محمد ابن المثنى شيخ المصنف‏:‏ ‏"‏ بعد إذ أنقذه الله منه‏"‏، وكذا هو في طريق أخرى للمصنف، والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة‏.‏

وعلى الأول فيحمل قوله‏:‏ ‏"‏ يعود ‏"‏ على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني فإن العود فيه على ظاهره‏.‏

فإن قيل‏:‏ فلم عدى العود بفي ولم يعده بإلى‏؟‏

فالجواب‏:‏ أنه ضمنه معنى الاستقرار، وكأنه قال‏:‏ يستقر فيه‏.‏

ومثله قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما كان لنا أن نعود فيها‏.‏ ‏(‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ هذا الإسناد كله بصريون‏.‏

وأخرجه المصنف بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة عن قتادة عن أنس، واستدل به على فضل من أكره على الكفر فترك البتة إلى أن قتل، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله، ولفظه في هذه الرواية‏:‏ ‏"‏ وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه ‏"‏ وهي أبلغ من لفظ حديث الباب، لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه في نار الأخرى، وكذا رواه مسلم من هذا الوجه، وصرح النسائي في روايته والإسماعيلي بسماع قتادة له من أنس، والله الموفق‏.‏

وأخرجه النسائي من طريق طلق بن حبيب عن أنس وزاد في الخصلة الثانية ذكر البغض في الله ولفظه‏:‏ ‏"‏ وأن يحب في الله ويبغض في الله ‏"‏ وقد تقدم للمصنف في ترجمته‏:‏ ‏"‏ والحب في الله والبغض في الله من الإيمان ‏"‏ وكأنه أشار بذلك إلى هذه الرواية‏.‏

والله أعلم‏.‏

*3*10 باب عَلَامَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب‏)‏ هو منون‏.‏

ولما ذكر في الحديث السابق أنه‏:‏ ‏"‏ لا يحبه إلا الله ‏"‏ عقبه بما يشير إليه من أن حب الأنصار كذلك، لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف - وهو النصرة - إنما هو لله تعالى، فهم وإن دخلوا في عموم قوله‏:‏ ‏"‏ لا يحبه إلا الله ‏"‏ لكن التنصيص بالتخصيص دليل العناية‏.‏

الحديث‏:‏

-17- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ‏:‏ ‏"‏ آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ‏.‏‏"‏

الشرح‏:‏ ‏(‏1/ 63‏)‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو الوليد‏)‏ هو الطيالسي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جبر‏)‏ بفتح الجيم وسكون الموحدة، وهو ابن عتيك الأنصاري، وهذا الراوي ممن وافق اسمه اسم أبيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏آية الإيمان‏)‏ هو بهمزة ممدودة وياء تحتانية مفتوحة وهاء تأنيث، والإيمان مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات، في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد‏.‏

والآية‏:‏ العلامة كما ترجم به المصنف، ووقع في إعراب الحديث لأبي البقاء العكبري‏:‏ ‏"‏ إنه الإيمان ‏"‏ بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء، والإيمان مرفوع، وأعربه فقال‏:‏ إن للتأكيد، والهاء ضمير الشأن، والإيمان مبتدأ وما بعده خبر، ويكون التقدير‏:‏ إن الشأن الإيمان حب الأنصار‏.‏

وهذا تصحيف منه‏.‏

ثم فيه نظر من جهة المعنى لأنه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار، وليس كذلك‏.‏

فإن قيل‏:‏ واللفظ المشهور أيضا يقتضي الحصر، وكذا ما أورده المصنف في فضائل الأنصار من حديث البراء بن عازب‏:‏ ‏"‏ الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن‏"‏

فالجواب عن الأول‏:‏ أن العلامة كالخاصة تطرد ولا تنعكس، فإن أخذ من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به‏.‏

سلمنا الحصر لكنه ليس حقيقيا بل ادعائيا للمبالغة، أو هو حقيقي لكنه خاص بمن أبغضهم من حيث النصرة‏.‏

والجواب عن الثاني‏:‏ أن غايته أن لا يقع حب الأنصار إلا لمؤمن‏.‏

وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلك، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم‏.‏

فإن قيل‏:‏ فعلى الشق الثاني هل يكون من أبغضهم منافقا وإن صدق وأقر‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن ظاهر اللفظ يقتضيه، لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة - وهي كونهم نصروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق‏.‏

ويقرب هذا الحمل زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب‏:‏ ‏"‏ من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم‏"‏، ويأتي مثل هذا الحب كما سبق‏.‏

وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد رفعه‏:‏ ‏"‏ لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر‏"‏، ولأحمد من حديثه‏:‏ ‏"‏ حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق‏"‏‏.‏

ويحتمل أن يقال‏:‏ إن اللفظ خرج على معنى التحذير فلا يراد ظاهره، ومن ثم لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، بل قابله بالنفاق إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يظهر الإيمان، أما من يظهر الكفر فلا، لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الأنصار‏)‏ هو جمع ناصر كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير كأشراف وشريف، واللام فيه للعهد أي‏:‏ أنصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمراد الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذلك يعرفون ببني قيلة بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -‏"‏ الأنصار ‏"‏ فصار ذلك علما عليهم، وأطلق أيضا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم‏.‏

وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي -صلى الله عليه وسلم -ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويها بعظيم فضلهم، وتنبيها على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركا لهم في الفضل المذكور كل بقسطه‏.‏

وقد ثبت في صحيح مسلم عن علي أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال له‏:‏ ‏"‏ لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق‏"‏، وهذا جار بإطراد في أعيان الصحابة، لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من حسن الغناء في الدين‏.‏

قال صاحب المفهم‏:‏ وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذاك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذاك حال المجتهدين في الأحكام‏:‏ للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد‏.‏

والله أعلم‏.‏ ‏(‏1/ 64‏)‏‏.‏

*3*11 باب

الحديث‏:‏

-18- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ -أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ‏:‏ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ‏"‏ بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ‏:‏

إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ‏"‏ فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك‏.‏

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب‏)‏ كذا هو في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيلي أصلا،فحديثه عنده من جملة الترجمة التي قبله، وعلى روايتنا فهو متعلق بها أيضا، لأن الباب إذا لم تذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفصل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء‏.‏

ووجه التعلق أنه لما ذكر الأنصار في الحديث الأول أشار في هذا إلى ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار، لأن أول ذلك كان ليلة العقبة لما توافقوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند عقبة منى في الموسم، كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى في السيرة النبوية من هذا الكتاب‏.‏

وقد أخرج المصنف حديث هذا الباب في مواضع أخر‏:‏

في باب من شهد بدرا لقوله فيه‏:‏ ‏"‏ كان شهد بدرا‏"‏‏.‏

وفي باب وفود النصارى لقوله فيه‏:‏ ‏"‏ وهو أحد النقباء‏"‏‏.‏

وأورده هنا لتعلقه بما قبله كما بيناه‏.‏

ثم إن في متنه ما يتعلق بمباحث الإيمان من وجهين آخرين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن اجتناب المناهي من الإيمان كامتثال الأوامر‏.‏

وثانيهما‏:‏ أنه تضمن الرد على من يقول‏:‏ إن مرتكب الكبيرة كافر أو مخلد في النار، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عائذ الله‏)‏ هو اسم علم أي‏:‏ ذو عياذة بالله، وأبوه عبد الله ابن عمرو الخولاني صحابي، وهو من حيث الرواية تابعي كبير، وقد ذكر في الصحابة لأن له رؤية، وكان مولده عام حنين‏.‏

والإسناد كله شاميون‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان شهد بدرا‏)‏ يعني حضر الوقعة المشهورة الكائنة بالمكان المعروف ببدر، وهي أول وقعة قاتل النبي -صلى الله عليه وسلم -فيها المشركين، وسيأتي ذكرها في المغازي‏.‏

ويحتمل أن يكون قائل ذلك أبو إدريس، فيكون متصلا إذا حمل على أنه سمع ذلك من عبادة، أو الزهري فيكون منقطعا‏.‏

وكذا قوله‏:‏ ‏"‏ وهو أحد النقباء‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -‏)‏ سقط قبلها من أصل الرواية لفظ ‏"‏ قال ‏"‏ وهو خبر أن، لأن قوله‏:‏ ‏"‏ وكان ‏"‏ وما بعدها معترض، وقد جرت عادة كثير من أهل الحديث بحذف قال خطأ لكن حيث يتكرر في مثل ‏"‏ قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -‏"‏ ولا بد عندهم مع ذلك من النطق بها، وقد ثبتت في رواية المصنف لهذا الحديث بإسناده هذا في باب من شهد بدرا فلعلها سقطت هنا ممن بعده، ولأحمد عن أبي اليمان بها الإسناد أن عبادة حدثه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحوله‏)‏ بفتح اللام على الظرفية، والعصابة بكسر العين‏:‏ الجماعة من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها، وقد جمعت على عصائب وعصب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بايعوني‏)‏ زاد في باب وفود الأنصار ‏"‏ تعالوا بايعوني‏"‏، والمبايعة عبارة عن المعاهدة، سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كما في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا تقتلوا أولادكم‏)‏ قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره‏:‏ خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم‏.‏

فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان شائعا فيهم، وهو وأد البنات وقتل البنين خشية الإملاق، أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم‏.‏‏(‏1/65‏)‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا تأتوا ببهتان‏)‏ البهتان‏:‏ الكذب يبهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل بالافتراء لأن معظم الأفعال تقع بهما، إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمون الصنائع الأيادي‏.‏

وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال‏:‏ هذا بما كسبت يداك‏.‏

ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحا وبعضكم يشاهد بعضا، كما يقال‏:‏ قلت كذا بين يدي فلان، قاله الخطابي، وفيه نظر لذكر الأرجل‏.‏

وأجاب الكرماني‏:‏ بأن المراد الأيدي، وذكر الأرجل تأكيدا، ومحصله أن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيا فليس بمانع‏.‏

ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه، فلذلك نسب إليه الافتراء، كأن المعنى‏:‏ لا ترموا أحدا بكذب تزورونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم‏.‏

وقال أبو محمد بن أبى جمرة‏:‏ يحتمل أن يكون قوله‏:‏ ‏"‏ بين أيديكم ‏"‏ أي‏:‏ في الحال، وقوله‏:‏ ‏"‏ وأرجلكم ‏"‏ أي‏:‏ في المستقبل، لأن السعي من أفعال الأرجل‏.‏

وقال غيره‏:‏ أصل هذا كان في بيعة النساء، وكنى بذلك - كما قال الهروي في الغريبين - عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها‏.‏

ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا‏.‏

والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا تعصوا‏)‏ للإسماعيلي في باب وفود الأنصار ‏"‏ ولا تعصوني ‏"‏ وهو مطابق للآية، والمعروف‏:‏ ما عرف من الشارع حسنه نهيا وأمرا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في معروف‏)‏ قال النووي‏:‏ يحتمل أن يكون المعنى ولا تعصوني ولا أحد أولي الأمر عليكم في المعروف، فيكون التقييد بالمعروف متعلقا بشيء بعده‏.‏

وقال غيره‏:‏ نبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله، فهي جديرة بالتوقي في معصية الله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فمن وفى منكم‏)‏ أي‏:‏ ثبت على العهد‏.‏

ووفى بالتخفيف، وفي رواية بالتشديد، وهما بمعنى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأجره على الله‏)‏ أطلق هذا على سبيل التفخيم، لأنه لما أن ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضـع أحدهما‏.‏

وأفصح في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في الصحيحين بتعيين العوض فقال‏:‏ ‏"‏ الجنة‏"‏، وعبر هنا بلفظ ‏"‏ على ‏"‏ للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات، ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القائمة على أنه لا يجب على الله شيء، وسيأتي في حديث معاذ في تفسير حق الله على العباد تقرير هذا‏.‏

فإن قيل‏:‏ لم اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات‏؟‏

فالجواب‏:‏ أنه لم يهملها، بل ذكرها على طريق الإجمال في قوله‏:‏ ‏"‏ ولا تعصوا ‏"‏ إذ العصيان مخالفة الأمر‏.‏

والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات‏:‏ أن الكف أيسر من إنشاء الفعل، لأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح، والتخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب‏)‏ زاد أحمد في روايته ‏"‏ به‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فهو‏)‏ أي‏:‏ العقاب ‏(‏كفارة‏)‏ ، زاد أحمد ‏"‏ له ‏"‏ وكذا هو للمصنف من وجه آخر في باب المشيئة من كتاب التوحيد، وزاد ‏"‏ وطهور‏"‏‏.‏

قال النووي‏:‏ عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الله لا يغفر أن يشرك به‏)‏ فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة‏.‏

قلت‏:‏ وهذا بناء على أن قوله‏:‏ ‏"‏ من ذلك شيئا ‏"‏ يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر، وقد قيل‏:‏ يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك، بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه، ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث‏:‏ ‏"‏ ومن أتى منكم حدا ‏"‏ إذ القتل على الشرك لا يسمى حدا‏.‏

لكن يعكر على هذا القائل أن الفاء في قوله‏:‏ ‏"‏ فمن ‏"‏ لترتب ما بعدها على ما قبلها، وخطاب المسلمين بذلك لا يمنع التحذير من الإشراك‏.‏

وما ذكر في الحد عرفي حادث، فالصواب ما قال النووي‏.‏

وقال الطيبي‏:‏ الحق أن المراد بالشرك الشرك الأصغر وهو الرياء، ويدل عليه تنكير شيئا أي‏:‏ شركا أيا ما كان‏.‏

وتعقب بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك‏.‏

ويجاب‏:‏ بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز، فما قاله محتمل وإن كان ضعيفا‏.‏ ‏(‏1/ 66‏)‏

ولكن يعكر عليه أيضا أنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا، والرياء لا عقوبة فيه، فوضح أن المراد الشرك وأنه مخصوص‏.‏

وقال القاضي عياض‏:‏ ذهب أكثر العلماء أن الحدود كفارات واستدلوا بهذا الحديث، ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏"‏ لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا‏"‏، لكن حديث عبادة أصح إسنادا‏.‏

ويمكن - يعني على طريق الجمع بينهما - أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله، ثم أعلمه بعد ذلك‏.‏

قلت‏:‏ حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار من رواية معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وهو صحيح على شرط الشيخين‏.‏

وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، وذكر الدار قطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله‏.‏

قلت‏:‏ وقد وصله آدم ابن أبي إياس عن ابن أبي ذئب وأخرجه الحاكم أيضا فقويت رواية معمر، وإذا كان صحيحا فالجمع - الذي جمع به القاضي - حسن، لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة، لما بايع الأنصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم -البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر، فكيف يكون حديثه متقدما‏؟‏

وقالوا في الجواب عنه‏:‏ يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم -قديما ولم يسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم -بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة، وفي هذا تعسف‏.‏

ويبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه، وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك‏.‏

والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح وهو ما تقدم على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، وإنما كان ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال لمن حضر من الأنصار‏:‏ ‏"‏ أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ‏"‏ فبايعوه على ذلك، وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه‏.‏

وسيأتي في هذا الكتاب - في كتاب الفتن وغيره - من حديث عبادة أيضا قال‏:‏ بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏

وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام ‏"‏ فقال‏:‏ يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -على السمع والطاعة قي النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة‏.‏

فهذه بيعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -التي بايعناه عليها‏.‏

فذكر بقية الحديث‏.‏

وعند الطبراني له طريق أخرى وألفاظ قريبة من هذه‏.‏

وقد وضح أن هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى‏.‏

ثم صدرت مبايعات أخرى ستذكر في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، منها هذه البيعة التي في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة‏.‏

والذي يقوي أنها وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة وهي قوله تعالى‏:‏ ‏(‏يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك‏)‏ ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف، والدليل على ذلك ما عند البخاري في كتاب الحدود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري في حديث عبادة هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم -لما بايعهم قرأ الآية كلها، وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال‏:‏ ‏"‏ قرأ آية النساء ‏"‏ ولمسلم من طريق معمر عن الزهري قال‏:‏ ‏"‏ فتلا علينا آية النساء قال‏:‏ أن لا تشركن بالله شيئا ‏"‏ وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال‏:‏ ‏"‏ ألا تبايعونني على ما بايع عليه النساء‏:‏ أن لا تشركوا بالله شيئا ‏"‏ الحديث‏.‏

وللطبراني من وجه آخر عن الزهري بهذا السند‏:‏ ‏"‏ بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة‏"‏‏.‏

ولمسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث‏:‏ ‏"‏ أخذ علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -كما أخذ على النساء‏"‏‏.‏

فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية، ‏(‏1/67‏)‏

بل بعد صدور البيعة، بل بعد فتح مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة‏.‏

ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -‏:‏ ‏"‏ أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا ‏"‏ فذكر نحو حديث عبادة، ورجاله ثقات‏.‏

وقد قال إسحاق بن راهويه‏:‏ إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر‏.‏ ا ه‏.‏

وإذا كان عبد الله بن عمرو أحد من حضر هذه البيعة وليس هو من الأنصار ولا ممن حضر بيعتهم، وإنما كان إسلامه قرب إسلام أبي هريرة، وضح تغاير البيعتين - بيعة الأنصار ليلة العقبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة، وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة وشهدها عبد الله بن عمرو وكان إسلامه بعد الهجرة بمدة طويلة - ومثل ذلك ما رواه الطبراني من حديث جرير قال‏:‏ ‏"‏ بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -على مثل ما بايع عليه النساء ‏"‏ فذكر الحديث، وكان إسلام جرير متأخرا عن إسلام أبي هريرة على الصواب، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا، وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به، فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقيته، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك، توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك‏.‏

ونظيره ما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده - وكان أحد النقباء - قال‏:‏ ‏"‏ بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -بيعة الحرب ‏"‏ وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى ‏"‏ على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ‏"‏ الحديث‏.‏

فإنه ظاهر في اتحاد البيعتين، ولكن الحديث في الصحيحين كما سيأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة، وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبادة بن الوليد‏.‏

والصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة، ويمكن تأويل رواية ابن إسحاق وردها إلى ما تقدم، وقد اشتملت روايته على ثلاث بيعات‏:‏

بيعة العقبة وقد صرح أنها كانت قبل أن يفرض الحرب في رواية الصنابحي عن عبادة عند أحمد‏.‏

والثانية بيعة الحرب وسيأتي في الجهاد أنها كانت على عدم الفرار‏.‏

والثالثة بيعة النساء أي‏:‏ التي وقعت على نظير بيعة النساء‏.‏

والراجح أن التصريح بذلك وهمٌ من بعض الرواة، والله أعلم‏.‏

ويعكر على ذلك التصريح في رواية ابن إسحاق من طريق الصنابحي عن عبادة أن بيعة ليلة العقبة كانت على مثل بيعة النساء، واتفق وقوع ذلك قبل أن تنزل الآية، وإنما أضيفت إلى النساء لضبطها بالقرآن‏.‏

ونظيره ما وقع في الصحيحين أيضا من طريق الصنابحي عن عبادة قال‏:‏ ‏"‏ إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -‏"‏؛ وقال‏:‏ ‏"‏ بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا ‏"‏ الحديث‏.‏

فظاهر هذا اتحاد البيعتين، ولكن المراد ما قررته أن قوله‏:‏ ‏"‏ إني من النقباء الذين بايعوا - أي ليلة العقبة - على الإيواء والنصر ‏"‏ وما يتعلق بذلك، ثم قال‏:‏ بايعناه الخ أي‏:‏ في وقت آخر، ويشير إلى هذا الإتيان بالواو العاطفة في قوله‏:‏ ‏"‏ وقال بايعناه‏"‏‏.‏

وعليك برد ما أتى من الروايات موهما بأن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نهجت إليه فيرتفع بذلك الإشكال، ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة وعبادة تعارض، ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة‏.‏

واعلم أن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا المعنى، بل روى ذلك علي بن أبي طالب وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه ‏"‏ من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثنى العقوبة على عبده في الآخرة ‏"‏ وهو عند الطبراني بإسناد حسن من حديث أبى تميمة الهجيمي، ولأحمد من حديث خزيمة بن ثابت بإسناد حسن ولفظه‏:‏ ‏(‏1/ 68‏)‏

‏"‏ من أصاب ذنبا أقيم عليه ذلك الذنب فهو كفارة له‏"‏‏.‏

وللطبراني عن ابن عمرو مرفوعا ‏"‏ ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب‏"‏‏.‏

وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني لم أر من أزال اللبس فيه على الوجه المرضي، والله الهادي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فعوقب به‏)‏ قال ابن التين‏:‏ يريد به القطع في السرقة والجلد أو الرجم في الزنا‏.‏

قال‏:‏ وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة، إلا أن يريد قتل النفس فكنى عنه، قلت‏:‏ وفي رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث ‏(‏ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق‏)‏ ولكن قوله في حديث الباب ‏"‏ فعوقب به ‏"‏ أعم من أن تكون العقوبة حدا أو تعزيرا‏.‏

قال ابن التين‏:‏ وحكى عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لأنه لم يصل إليه حق‏.‏

قلت‏:‏ بل وصل إليه حق وأي حق، فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل، كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان وغيره ‏"‏ إن السيف محاء للخطايا‏"‏، وعن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"‏ إذا جاء القتل محا كل شيء ‏"‏ رواه الطبراني، وله عن الحسن ابن علي نحوه، وللبزار عن عائشة مرفوعا‏:‏ ‏"‏ لا يمر القتل بذنب إلا محاه ‏"‏ فلولا القتل ما كفرت ذنوبه، وأي حق يصل إليه أعظم من هذا‏؟‏ ولو كان حد القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل، وهل تدخل في العقوبة المذكورة المصائب الدنيوية من الآلام والأسقام وغيرها‏؟‏

فيه نظر‏.‏

ويدل للمنع قوله‏:‏ ‏"‏ ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله ‏"‏ فإن هذه المصائب لا تنافي الستر، ولكن بينت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تكفر الذنوب، فيحتمل أن يراد أنها تكفر ما لا حد فيه‏.‏

والله أعلم‏.‏

ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود، وهو قول الجمهور‏.‏

وقيل‏:‏ لا بد من التوبة، وبذلك جزم بعض التابعين، وهو قول للمعتزلة، ووافقهم ابن حزم ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة، واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم‏)

والجواب في ذلك‏:‏ أنه في عقوبة الدنيا، ولذلك قيدت بالقدرة عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثم ستره الله‏)‏ زاد في رواية كريمة ‏"‏ عليه‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فهو إلى الله‏)‏ قال المازني‏:‏ فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم -أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لا بد أن يعذبه‏.‏

وقال الطيبي‏:‏ فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد أو بالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه‏.‏

قلت‏:‏ أما الشق الأول فواضح‏.‏

وأما الثاني فالإشارة إليه إنما تستفاد من الحمل على غير ظاهر الحديث وهو متعين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه‏)‏ يشمل مـن تاب من ذلك ومن لم يتب‏.‏

وقال بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة، ومع ذلك فلا يأمن مكر الله لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أو لا‏.‏

وقيل‏:‏ يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب، واختلف فيمن أتى ما يوجب الحد، فقيل‏:‏ يجوز أن يتوب سرا ويكفيه ذلك‏.‏

وقيل‏:‏ بل الأفضل أن يأتي الإمام ويعترف به، ويسأله أن يقيم عليه الحد كما وقع لماعز والغامدية‏.‏

وفصل بعض العلماء بين أن يكون معلنا بالفجور فيستحب أن يعلن بتوبته وإلا فلا‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ زاد في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث‏:‏ ‏"‏ ولا ينتهب ‏"‏ وهو مما يتمسك به في أن البيعة متأخرة، لأن الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن فرض، والمراد بالانتهاب‏:‏ ما يقع بعد القتال في الغنائم‏.‏

وزاد في روايته أيضا‏:‏ ‏"‏ ولا يعصى بالجنة، إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئا ما كان قضاء ذلك إلى الله ‏"‏ أخرجه المصنف في باب وفود الأنصار عن قتيبة عن الليث، ووقع عنده ‏"‏ ولا يقضى ‏"‏ بقاف وضاد معجمة وهو تصحيف، وقد تكلف بعض الناس في تخريجه وقال‏:‏ إنه نهاكم عن ولاية القضاء، ويبطله أن عبادة -رضي الله -عنه ولي قضاء فلسطين في زمن عمر -رضي الله عنهما-‏.‏‏(‏1/ 69‏)‏

وقيل‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏"‏ بالجنة ‏"‏ متعلق بيقضي، أي‏:‏ لا يقضى بالجنة لأحد معين‏.‏

قلت‏:‏ لكن يبقى قوله‏:‏ ‏"‏ إن فعلنا ذلك ‏"‏ بلا جواب، ويكفي في ثبوت دعوى التصحيف فيه رواية مسلم عن قتيبة بالعين والصاد المهملتين، وكذا الإسماعيلي عن الحسن ابن سفيان، ولأبي نعيم من طريق موسى بن هارون كلاهما عن قتيبة، وكذا هو عند البخاري أيضا في هذا الحديث في الديات عن عبد الله بن يوسف عن الليث في معظم الروايات، لكن عند الكشميهني بالقاف والضاد أيضا وهو تصحيف كما بيناه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ بالجنة ‏"‏ إنما هو متعلق بقوله في أوله ‏"‏ بايعنا‏"‏‏.‏

والله أعلم‏.‏