فصل: باب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*2*كتاب الأطعمة

*3*باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ

وَقَوْلِهِ أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَقَوْلِهِ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ

الشرح‏:‏

وقول الله تعالى‏:‏ كلوا من طيبات ما رزقناكم الآية‏.‏

وقوله‏:‏ أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏.‏

وقوله‏:‏ كلوا من الطيبات واعملوا صالحا‏)‏ كذا في أكثر الروايات في الآية الثانية ‏(‏أنفقوا‏)‏ على وفق التلاوة، ووقع في رواية النسفي ‏"‏ كلوا ‏"‏ بدل أنفقوا، وهكذا في بعض الروايات عن أبي الوقت وفي قليل من غيرها وعليها شرح ابن بطال، وأنكرها وتبعه من بعده، حتى زعم عياض أنها كذلك للجميع، ولم أرها في رواية أبي ذر إلا على وفق التلاوة كما ذكرت، وكذا في نسخة معتمدة من رواية كريمة، ويؤيد ذلك أن المصنف ترجم بهذه الآية وحدها في كتاب البيوع فقال ‏"‏ باب قوله أنفقوا من طيبات ما كسبتم ‏"‏ كذا وقع على وفق التلاوة للجميع إلا النسفي، وعليه شرح ابن بطال أيضا، وفي بعض النسخ من رواية أبي الوقت وزعم عياض أنه وقع للجميع ‏"‏ كلوا ‏"‏ إلا أبا ذر عن المستملي فقال ‏"‏ أنفقوا‏"‏، وتقدم هناك التنبيه على أنه وقع على الصواب في كتاب الزكاة حيث ترجم ‏"‏ باب صدقة الكسب والتجارة ‏"‏ لقول الله تعالى ‏(‏يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم‏)‏ ولا اختلاف بين الرواة في ذلك، ويحسن التمسك به في أن التغيير فيما عداه من النساخ‏.‏

والطيبات جمع طيبة وهي تطلق على المستلذ مما لا ضرر فيه وعلى النظيف، وعلى ما لا أذى فيه، وعلى الحلال‏.‏

فمن الأول قوله تعالى ‏(‏يسألونك ماذا أحل لهم‏؟‏ قل أحل لكم الطيبات‏)‏ وهذا هو الراجح في تفسيرها، إذ لو كان المراد الحلال لم يزد الجواب على السؤال، ومن الثاني ‏(‏فتيمموا صعيدا طيبا‏)‏ ، ومن الثالث‏:‏ هذا يوم طيب وهذه ليلة طيبة، ومن الرابع الآية الثانية في الترجمة، فقد تقدم في تفسيرها في الزكاة أن المراد بالتجارة الحلال، وجاء أيضا ما يدل على أن المراد بها الجيد لاقترانها بالنهي عن الإنفاق من الخبيث والمراد به الرديء، كذلك فسره ابن عباس، وورد فيه حديث مرفوع ذكره في ‏"‏ باب تعليق القنو في المسجد ‏"‏ من أوائل الصلاة من حديث عوف بن مالك، وأوضح منه فيما يتعلق بهذه الترجمة ما أخرجه الترمذي من حديث البراء قال ‏"‏ كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي بالقنو فيعلقه في المسجد؛ وكان بعض من لا يرغب في الخير يأتي بالقنو من الحشف والشيص فيعلقه، فنزلت هذه الآية ‏(‏ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون‏)‏ فكنا بعد ذلك يجيء في الصدقة، فنزلت هذه الآية ‏"‏ وليس بين تفسير الطيب في هذه الآية بالحلال وبما يستلذ منافاة، ونظيرها قوله تعالى ‏(‏يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث‏)‏ وقد جعلها الشافعي أصلا في تحريم ما تستخبثه العرب مما لم يرد فيه نص بشرط سيأتي بيانه، وكأن المصنف - حيث أورد هذه الآيات - لمح بالحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال ‏"‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال‏:‏ ‏(‏يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا‏)‏ وقال ‏(‏يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم‏)‏ الحديث ‏"‏ وهو من رواية فضيل بن مرزوق، وقد قال الترمذي إنه تفرد به، وهو ممن انفرد مسلم بالاحتجاج به دون البخاري، وقد وثقه ابن معين‏.‏

وقال أبو حاتم‏:‏ يهم كثيرا ولا يحتج به، وضعفه النسائي‏.‏

وقال ابن حبان‏:‏ كان يخطئ على الثقات‏.‏

وقال الحاكم‏:‏ عيب على مسلم إخراجه‏.‏

فكأن الحديث لما لم يكن على شرط البخاري اقتصر على إيراده في الترجمة‏.‏

قال ابن بطال لم يختلف أهل التأويل في قوله تعالى ‏(‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم‏)‏ وأنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ الطعام واللذات المباحة‏.‏

ثم ذكر المصنف ثلاثة أحاديث تتعلق بالجوع والشبع‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ قَالَ سُفْيَانُ وَالْعَانِي الْأَسِيرُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏أطعموا الجائع، وعودوا المريض‏)‏ الحديث تقدم في الوليمة من كتاب النكاح بلفظ ‏"‏ أجيبوا الداعي ‏"‏ بدل أطعموا الجائع ومخرجهما واحد، وكأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر‏.‏

قال الكرماني‏:‏ الأمر هنا للندب وقد يكون واجبا في بعض الأحوال ا هـ‏.‏

ويؤخذ من الأمر بإطعام الجائع جواز الشبع لأنه ما دام قبل الشبع فصفة الجوع قائمة به والأمر بإطعامه مستمر‏.‏

قوله ‏(‏وفكوا العاني‏)‏ أي خلصوا الأسير، من فككت الشيء فانفك‏.‏

قوله ‏(‏قال سفيان‏:‏ والعاني الأسير‏)‏ تقدم بيان من أدرجه في النكاح، وقيل للأسير عان من عنا يعنو إذا خضع‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض‏)‏ في رواية مسلم من طريق يزيد بن كيسان عن أبي حازم بلفظ ‏"‏ ما شبع محمد وأهله ثلاثة أيام تباعا ‏"‏ أي متوالية، وسيأتي بعد هذا من حديث عائشة التقييد أيضا بثلاث، لكن فيه ‏"‏ من خبز البر ‏"‏ وعند مسلم ‏"‏ ثلاث ليال ‏"‏ ويؤخذ منها أن المراد بالأيام هنا بلياليها، كما أن المراد بالليالي هناك بأيامها، وأن الشبع المنفي بقيد التوالي لا مطلقا‏.‏

ولمسلم والترمذي من طريق الأسود عن عائشة ‏"‏ ما شبع من خبز شعير يومين متتابعين ‏"‏ ويؤخذ مقصوده من جواز الشبع في الجملة من المفهوم، والذي يظهر أن سبب عدم شبعهم غالبا كان بسب قلة الشيء عندهم، على أنهم كانوا قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم، وسيأتي بعد هذا وفي الرقاق أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة ‏"‏ خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير ‏"‏ ويأتي بسط القول في شرحه في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيَّ فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقَامَنِي وَعَرَفَ الَّذِي بِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَحْلِهِ فَأَمَرَ لِي بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ عُدْ يَا أَبَا هِرٍّ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ ثُمَّ قَالَ عُدْ فَعُدْتُ فَشَرِبْتُ حَتَّى اسْتَوَى بَطْنِي فَصَارَ كَالْقِدْحِ قَالَ فَلَقِيتُ عُمَرَ وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِي وَقُلْتُ لَهُ فَوَلَّى اللَّهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَرُ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَقْرَأْتُكَ الْآيَةَ وَلَأَنَا أَقْرَأُ لَهَا مِنْكَ قَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَأَنْ أَكُونَ أَدْخَلْتُكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال‏:‏ أصابني جهد شديد‏)‏ هو موصول بالإسناد الذي قبله‏.‏

وذكر محدث الديار الحلبية برهان الدين أن شيخنا الشيخ سراج الدين البلقيني استشكل هذا التركيب وقال‏:‏ قوله ‏"‏ وعن أبي حازم ‏"‏ لا يصح عطفه على قوله عن أبيه لأنه يلزم منه إسقاط فضيل فيكون منقطعا إذ يصير التقدير عن أبيه وعن أبي حازم، قال‏:‏ ولا يصح عطفه على قوله ‏"‏ وعن أبي حازم ‏"‏ لأن المحدث الذي لم يعين هو محمد ابن فضيل فيلزم الانقطاع أيضا‏.‏

قال‏:‏ وكان اللائق أن يقول‏:‏ وبه إلى أبي حازم انتهى‏.‏

وكأنه تلقفه من شيخنا في مجلس بسماعه للبخاري، وإلا فلم يسمع بأن الشيخ شرح هذا الموضع، والأول مسلم، والثاني مردود لأنه لا مانع من عطف الراوي لحديث على الراوي بعينه لحديث آخر، فكأن يوسف قال‏:‏ حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم بكذا وعن أبي حازم بكذا، واللائق الذي ذكره صحيح لكنه لا يتعين، بل لو قال‏:‏ وبه إلى أبيه عن أبي حازم لصح، أو حذف قوله ‏"‏ عن أبيه ‏"‏ فقال‏:‏ وبه عن أبي حازم لصح، وحدثنا تكون به مقدرة والمقدرة في حكم الملفوظ‏.‏

وأوضح منه أن قوله ‏"‏ وعن أبي حازم ‏"‏ معطوف على قوله ‏"‏ حدثنا محمد بن فضيل إلخ ‏"‏ فحذف ما بينهما للعلم به، وزعم بعض الشراح أن هذا متعلق، وليس كما قال، فقد أخرجه أبو يعلى عن عبد الله بن عمر بن أبان عن محمد بن فضيل بسند البخاري فيه، فظهر أنه معطوف على السند المذكور كما قلته أولا ولله الحمد‏.‏

قوله ‏(‏أصابني جهد شديد‏)‏ أي من الجوع، والجهد تقدم أنه بالضم وبالفتح بمعنى والمراد به المشقة، وهو في كل شيء بحسبه‏.‏

قوله ‏(‏فاستقرأته آية‏)‏ أي سألته أن يقرأ علي آية من القرآن معينة على طريق الاستفادة، وفي غالب النسخ ‏"‏ فاستقريته ‏"‏ بغير همزة، وهو جائز على التسهيل وإن كان أصله الهمزة‏.‏

قوله ‏(‏فدخل داره وفتحها علي‏)‏ أي قرأها علي وأفهمني إياها، ووقع في ترجمة أبي هريرة في ‏"‏ الحلية لأبي نعيم ‏"‏ من وجه آخر عن أبي هريرة أن الآية المذكورة من سورة آل عمران، وفيه ‏"‏ فقلت له أقرئني وأنا لا أريد القراءة وإنما أريد الإطعام ‏"‏ وكأنه سهل الهمزة فلم يفطن عمر لمراده‏.‏

قوله ‏(‏فخررت لوجهي من الجهد‏)‏ أي الذي أشار إليه أولا وهو شدة الجوع، ووقع في الرواية التي في ‏"‏ الحلية ‏"‏ أنه كان يومئذ صائما وأنه لم يجد ما يفطر عليه‏.‏

قوله ‏(‏فأمر لي بعس‏)‏ بضم العين المهملة بعدها مهملة هو القدح الكبير‏.‏

قوله ‏(‏حتى استوى بطني‏)‏ أي استقام من امتلائه من اللبن‏.‏

قوله ‏(‏كالقدح‏)‏ بكسر القاف وسكون الدال بعدها حاء مهملة هو السهم الذي لا ريش له، وسيأتي لأبي هريرة قصه في شرب اللبن مطولة في كتاب الرقاق، وفيها أنه قال ‏"‏ اشرب، فقال‏:‏ لا أجد له مساغا ‏"‏ ويستفاد منه جواز الشبع ولو حمل المراد بنفي المساغ على ما جرت به عادته لا أنه أراد أنه زاد على الشبع، والله أعلم‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ ذكر لي محدث الديار الحلبية برهان الدين أن شيخنا سراج الدين البلقيني قال‏:‏ ليس في هذه الأحاديث الثلاثة ما يدل على الأطعمة المترجم عليها المتلو فيها الآيات المذكورة قلت‏:‏ وهو ظاهر إذا كان المراد مجرد ذكر أنواع الأطعمة، أما إذا كان المراد بها ذلك وما يتعلق به من أحوالها وصفاتها فالمناسبة ظاهرة، لأن من جملة أحوالها الناشئة عنها الشبع والجوع؛ ومن جملة صفاتها الحل والحرمة والمستلذ والمستخبث، ومما ينشأ عنها الإطعام وتركه، وكل ذلك ظاهر من الأحاديث الثلاثة‏.‏

وأما الآيات فإنها تضمنت الإذن في تناول الطيبات، فكأنه أشار بالأحاديث إلى أن ذلك لا يختص بنوع من الحلال ولا المستلذ ولا بحالة الشبع ولا بسد الرمق، بل يتناول ذلك بحسب الوجدان وبحسب الحاجة، والله أعلم‏.‏

قوله ‏(‏تولى ذلك‏)‏ أي باشره من إشباعي ودفع الجوع عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكى الكرماني أن في رواية ‏"‏ تولى الله ذلك ‏"‏ قال و ‏"‏ من ‏"‏ على هذا مفعول، وعلى الأول فاعل انتهى‏.‏

ويكون ‏"‏ تولى ‏"‏ على الثاني بمعنى ولى‏.‏

قوله ‏(‏ولأنا أقرأ لها منك‏)‏ فيه إشعار بأن عمر لما قرأها عليه توقف فيها أو في شيء منها حتى ساغ لأبي هريرة ما قال، ولذلك أقره عمر على قوله‏.‏

قوله ‏(‏أدخلتك‏)‏ أي الدار وأطعمتك‏.‏

قوله ‏(‏حمر النعم‏)‏ أي الإبل، وللحمر منها فضل، على غيرها من أنواعها، وقد تقدم في المناقب البحث في تخصيصها بالذكر والمراد به، وتقدم من وجه آخر عن أبي هريرة ‏"‏ كنت أستقرئ الرجل الآية وهي معي كي ينقلب معي فيطعمني ‏"‏ قال ابن بطال‏:‏ فيه أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله إلى منزله ويطعمه ما تيسر، ويحمل ما وقع من عمر على أنه كان له شغل عاقه عن ذلك، أو لم يكن عنده ما يطعمه حينئذ انتهى ويبعد الأخير تأسف عمر على فوت ذلك‏.‏

وذكر لي محدث الديار الحلبية أن شيخنا سراج الدين البلقيني استبعد قول أبي هريرة لعمر ‏"‏ لأنا أقرأ لها منك يا عمر ‏"‏ من وجهين‏:‏ أحدهما مهابة عمر، والثاني عدم اطلاع أبي هريرة على أن عمر لم يكن يقرؤها مثله‏.‏

قلت‏:‏ عجبت من هذا الاعتراض، فإنه يتضمن الطعن على بعض رواة الحديث المذكور بالغلط مع وضوح توجيهه، أما الأول فإن أبا هريرة خاطب عمر بذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي حالة كان عمر فيها في صورة الخجلان منه فجسر عليه، وأما الثالث فيعكس ويقال‏:‏ وما كان أبو هريرة ليقول ذلك إلا بعد اطلاعه، فلعله سمعها من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت وما سمعها عمر مثلا إلا بواسطة‏.‏

*3*باب التَّسْمِيَةِ عَلَى الطَّعَامِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين‏)‏ المراد بالتسمية على الطعام قول بسم الله في ابتداء الأكل، وأصرح ما ورد في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة مرفوعا ‏"‏ إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل‏:‏ بسم الله في أوله وآخره ‏"‏ وله شاهد من حديث أمية ابن مخشي عند أبي داود والنسائي، وأما قول النووي في أدب الأكل من ‏"‏ الأذكار ‏"‏‏:‏ صفة التسمية من أهم ما ينبغي معرفته، والأفضل أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قال بسم الله كفاه وحصلت السنة‏.‏

فلم أر لما ادعاه من الأفضلية دليلا خاصا، وأما ما ذكره الغزالي في آداب الأكل من ‏"‏ الإحياء ‏"‏ أنه لو قال في كل لقمة بسم الله كان حسنا، وأنه يستحب أن يقول مع الأولى بسم الله ومع الثانية بسم الله الرحمن ومع الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم، فلم أر لاستحباب ذلك دليلا، والتكرار قد بين هو وجهه بقوله حتى لا يشغله الأكل عن ذكر الله‏.‏

وأما قوله ‏"‏ والأكل باليمين ‏"‏ فيأتي البحث فيه، وهو يتناول من يتعاطى ذلك بنفسه، وكذا بغيرة بأن يحتاج إلى أن يلقمه غيره ولكنه بيمينه لا بشماله‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏أخبرنا سفيان، قال الوليد بن كثير أخبرني‏)‏ كذا وقع هنا وهو من تأخير الصيغة عن الراوي، وهو جائز‏.‏

وقد أخرجه الحميدي في مسنده وأبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ من طريقه عن سفيان قال ‏"‏ حدثنا الوليد بن كثير ‏"‏ وأخرجه الإسماعيلي من رواية محمد بن خلاد عن سفيان عن الوليد بالعنعنة ثم قال آخره ‏"‏ فسألوه عن إسناده فقال‏:‏ حدثني الوليد بن كثير ‏"‏ ولعل هذا هو السر في سياق علي بن عبد الله له على هذه الكيفية، ولسفيان بن عيينة في هذا الحديث سند آخر أخرجه النسائي عن محمد بن منصور وابن ماجه عن محمد بن الصباح كلاهما عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة، وقد اختلف على هشام في سنده فكأن البخاري عرج عن هذه الطريق، لذلك‏.‏

قوله ‏(‏عمر بن أبي سلمة‏)‏ أي ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبي سلمة عبد الله، وأم عمر المذكور هي أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك جاء في آخر الباب الذي يليه وصفه بأنه ‏"‏ ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ قوله ‏(‏كنت غلاما‏)‏ أي دون البلوغ، يقال للصبي من حين يولد إلى أن يبلغ الحلم غلام، وقد ذكر ابن عبد البر أنه ولد في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة بأرض الحبشة، وتبعه غير واحد، وفيه نظر بل الصواب أنه ولد قبل ذلك، فقد صح في حديث عبد الله بن الزبير أنه قال ‏"‏ كنت أنا وعمر بن أبي سلمة مع النسوة يوم الخندق، وكان أكبر مني بسنتين ‏"‏ انتهى‏.‏

ومولد ابن الزبير في السنة الأولى على الصحيح فيكون مولد عمر قبل الهجرة بسنتين‏.‏

قوله ‏(‏في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم، أي في تربيته وتحت نظره وأنه يربيه في حضنه تربية الولد، قال عياض‏:‏ الحجر يطلق على الحضن وعلى الثوب فيجوز فيه الفتح والكسر، وإذا أريد به معنى الحضانة فبالفتح لا غير، فإن أريد به المنع من التصرف فبالفتح في المصدر وبالكسر في الاسم لا غير‏.‏

قوله ‏(‏وكانت يدي تطيش في الصحفة‏)‏ أي عند الأكل، ومعنى تطيش - وهو بالطاء المهملة والشين المعجمة بوزن تطير تتحرك فتميل إلى نواحي القصعة ولا تقتصر على موضع واحد، قاله الطيبي قال‏:‏ والأصل أطيش بيدي فأسند الطيش إلى يده مبالغة‏.‏

وقال غيره‏:‏ معنى تطيش تخف وتسرع وسيأتي في الباب الذي يليه بلفظ ‏"‏ أكلت مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاما فجعلت آكل من نواحي الصحفة ‏"‏ وهو يفسر المراد، والصحفة ما تشبع خمسة ونحوها، وهي أكبر من القصعة‏.‏

ووقع في رواية الترمذي من طريق عروة ‏"‏ عن عمر بن أبي سلمة أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده طعام فقال‏:‏ ادن يا بني ‏"‏ ويأتي في الرواية التي في آخر الباب الذي يليه ‏"‏ أتى النبي صلى الله عليه وسلم بطعام وعنده ربيبه ‏"‏ والجمع بينهما أن مجيء الطعام وافق دخوله‏.‏

قوله ‏(‏يا غلام سم الله‏)‏ قال النووي‏:‏ أجمع العلماء على استحباب التسمية على الطعام في أوله، وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلا إن أريد بالاستحباب أنه راجح الفعل، وإلا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، وهو قضية القول بإيجاب الأكل باليمين لأن صيغة الأمر بالجميع واحدة‏.‏

قوله ‏(‏وكل بيمينك ومما يليك‏)‏ قال شيخنا في ‏"‏ شرح الترمذي‏"‏‏.‏

حمله أكثر الشافعية على الندب، وبه جزم الغزالي ثم النووي، لكن نص الشافعي في ‏"‏ الرسالة ‏"‏ وفي موضع آخر من ‏"‏ الأم ‏"‏ على الوجوب‏.‏

قلت‏:‏ وكذا ذكره عنه الصيرفي في ‏"‏ شرح الرسالة ‏"‏ ونقل ‏"‏ البويطي في مختصره ‏"‏ أن الأكل من رأس الثريد والتعريس على الطريق والقران في التمر وغير ذلك مما ورد الأمر بضده حرام، ومثل البيضاوي في منهاجه للندب بقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏كل مما يليك ‏"‏ وتعقبه تاج الدين السبكي في شرحه بأن الشافعي نص في غير موضع على أن من أكل مما لا يليه عالما بالنهي كان عاصيا آثما‏.‏

قال‏:‏ وقد جمع والدي نظائر هذه المسألة في كتاب له سماه ‏"‏ كشف اللبس عن المسائل الخمس ‏"‏ ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب‏.‏

قلت‏:‏ ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال ففي صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يأكل بشماله فقال‏:‏ كل بيمينك قال‏:‏ لا أستطيع‏.‏

قال‏:‏ لا استطعت‏.‏

فما رفعها إلى فيه بعد ‏"‏ وأخرج الطبراني من حديث سبيعة الأسلمية من حديث عقبة بن عامر ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها فقال‏:‏ أخذها داء غزة، فقال‏:‏ إن بها قرحة، قال‏:‏ وإن، فمرت بغزة فأصابها طاعون فماتت ‏"‏ وأخرج محمد بن الربيع الجيزي في ‏"‏ مسند الصحابة الذين نزلوا مصر ‏"‏ وسنده حسن وثبت النهي عن الأكل بالشمال وأنه من عمل الشيطان من حديث ابن عمر ومن حديث جابر عند مسلم وعند أحمد بسند حسن عن عائشة رفعته ‏"‏ من أكل بشماله أكل معه الشيطان ‏"‏ الحديث‏.‏

ونقل الطيبي أن معنى قوله ‏"‏ إن الشيطان يأكل بشماله أي يحمل أولياءه من الإنس على ذلك ليضاد به عباد الله الصالحين ‏"‏ قال الطيبي‏:‏ وتحريره لا تأكلوا بالشمال، فإن فعلتم كنتم من أولياء الشيطان، فإن الشيطان يحمل أولياءه على ذلك انتهي‏.‏

وفيه عدول عن الظاهر، والأولى حمل الخبر على ظاهره وأن الشيطان يأكل حقيقة لأن العقل لا يحيل ذلك، وقد ثبت الخبر به فلا يحتاج إلى تأويله، وحكى القرطبي في ذلك احتمالين ثم قال‏:‏ والقدرة صالحة‏.‏

ثم ذكر من عند مسلم أن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، قال‏:‏ وهذا عبارة عن تناوله، وقيل معناه استحسانه رفع البركة من ذلك الطعام إذا لم يذكر اسم الله قال القرطبي وقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏فإن الشيطان يأكل بشماله ‏"‏ ظاهره أن من فعل ذلك تشبه بالشيطان، وأبعد وتعسف من أعاد الضمير في شماله على الآكل، قال النووي‏:‏ في هذه الأحاديث استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهة ذلك بالشمال، وكذلك كل أخذ وعطاء كما وقع في بعض طرق حديث ابن عمر، وهذا إذا لم يكن عذر من مرض أو جراحة فإن كان فلا كراهة كذا قال، وأجاب عن الإشكال في الدعاء على الرجل الذي فعل ذلك واعتذر فلم يقبل عذره بأن عياضا ادعى أنه كان منافقا، وتعقبه النووي بأن جماعة ذكروه في الصحابة وسموه بسرا بضم الموحدة وسكون المهملة، واحتج عياض بما ورد في خبره أن الذي حمله على ذلك الكبر، ورده النووي بأن الكبر والمخالفة لا يقتضي النفاق لكنه معصية إن كان الأمر أمر إيجاب‏.‏

قلت‏:‏ ولم ينفصل عن اختياره أن الأمر أمر ندب، وقد صرح ابن العربي بإثم من أكل بشماله، واحتج بأن كل فعل ينسب إلى الشيطان حرام‏.‏

وقال القرطبي هذا الأمر على جهة الندب لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال لأنها أقوى في الغالب وأسبق للأعمال وأمكن في الأشغال، وهي مشتقة من اليمن، وقد شرف الله أصحاب الجنة إذ نسبهم إلى اليمين، وعكسه في أصحاب الشمال قال‏:‏ وعلى الجملة فاليمين وما نسب إليها وما اشتق منها محمود لغة وشرعا ودينا، والشمال على نقيض ذلك، وإذا تقرر ذلك فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة والأحوال النظيفة‏.‏

وقال أيضا‏:‏ كل هذه الأوامر من المحاسن المكملة والمكارم المستحسنة والأصل فيما كان من هذا الترغيب والندب قال‏:‏ وقوله ‏"‏ كل مما يليك ‏"‏ محله ما إذا كان الطعام نوعا واحدا، لأن كل أحد كالحائز لما يليه من الطعام، فأخذ الغير له تعد عليه، مع ما فيه من تقذر النفس مما خاضت فيه الأيدي، ولما فيه من إظهار الحرص والنهم، وهو مع ذلك سوء أدب بغير فائدة، أما إذا اختلفت الأنواع فقد أباح ذلك العلماء‏.‏

كذا قال‏.‏

قوله ‏(‏فما زالت تلك طعمتي بعد‏)‏ بكسر الطاء أي صفة أكلي، أي لزمت ذلك وصار عادة لي‏.‏

قال الكرماني‏:‏ وفي بعض الروايات بالضم يقال طعم إذا أكل والطعمة الأكلة، والمراد جميع ما تقدم من الابتداء بالتسمية والأكل باليمين مما يليه‏.‏

وقوله بعد بالضم على البناء أي استمر ذلك من صنيعي في الأكل، وفي الحديث أنه ينبغي اجتناب الأعمال التي تشبه أعمال الشياطين والكفار، وأن للشيطان يدين، وأنه يأكل ويشرب ويأخذ ويعطي‏.‏

وفيه جواز ا الدعاء على من خالف الحكم الشرعي‏.‏

وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في حال الأكل‏.‏

وفيه استحباب تعليم أدب الأكل والشرب‏.‏

وفيه منقبة لعمر بن أبي سلمة لامتثاله الأمر ومواظبته على مقتضاه‏.‏

*3*باب الْأَكْلِ مِمَّا يَلِيهِ

وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب الأكل مما يليه‏.‏

وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه‏)‏ هذا التعليق طرف من حديث الجعد أبي عثمان عن أنس في قصة الوليمة على زينب بنت جحش، وقد تقدم في ‏"‏ باب الهدية للعروس ‏"‏ في أوائل النكاح معلقا من طريق إبراهيم بن طهمان عن الجعد، وفيه ‏"‏ ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون ويقول لهم‏:‏ اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه ‏"‏ وقد ذكرت هناك من وصله، وسيأتي أصله موصولا بعد بابين من وجه آخر عن أنس لكن ليس فيه مقصود الترجمة، وعزاه شيخنا ابن الملقن تبعا لمغلطاي لتخريج ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق بكر وثابت عن أنس، وهو ذهول منهما، فليس في الحديث المذكور مقصود الترجمة، وهو عند أبي يعلى والبزار أيضا من الوجه الذي أخرجه ابن أبي عاصم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَكَلْتُ يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلْ مِمَّا يَلِيكَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثني محمد بن جعفر‏)‏ يعني ابن أبي كثير المدني، وحلحلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة ثم لام مفتوحة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن وهب بن كيسان أبي نعيم قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ كذا رواه أصحاب مالك في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ عنه وصورته الإرسال وقد وصله خالد بن مخلد ويحيى بن صالح الوحاظي فقالا ‏"‏ عن مالك عن وهب بن كيسان عن جابر ‏"‏ وهو منكر، وإنما استجاز البخاري إخراجه - وإن كان المحفوظ فيه عن مالك الإرسال - لأنه تبين بالطريق الذي قبله صحة سماع وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة، واقتضى ذلك أن مالكا قصر بإسناده حيث لم يصرح بوصله وهو في الأصل موصول، ولعله وصله مرة فحفظ ذلك عنه خالد ويحيى بن صالح وهما ثقتان، أخرج ذلك الدار قطني في ‏"‏ الغرائب ‏"‏ عنهما، واقتصر ابن عبد البر في ‏"‏ التمهيد ‏"‏ على ذكر رواية خالد بن مخلد وحده‏.‏

*3*باب مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب من تتبع حوالي القصعة مع صاحبه‏)‏ حوالي بفتح اللام وسكون التحتانية أي جوانب، يقال رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه واللام مفتوحة في الجميع ولا يجوز كسرها‏.‏

قوله ‏(‏إذا لم يعرف منه كراهية‏)‏ ذكر فيه حديث أنس في تتبع النبي صلى الله عليه وسلم الدباء من الصحفة، وهذا ظاهره يعارض الذي قبله في الأمر بالأكل مما يليه، فجمع البخاري بينهما يحمل الجواز على ما إذا علم رضا من يأكل معه، ورمز بذلك إلى تضعيف حديث عكراش الذي أخرجه الترمذي حيث جاء فيه التفصيل بين ما إذا كان لونا واحدا فلا يتعدى ما يليه، أو أكثر من لون فيجوز، وقد حمل بعض الشراح فعله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على ذلك فقال‏:‏ كان الطعام مشتملا على مرق ودباء وقديد فكان يأكل مما يعجبه وهو الدباء ويترك ما لا يعجبه وهو القديد، وحمله الكرماني كما تقدم له في ‏"‏ باب الخياط ‏"‏ من كتاب البيع على أن الطعام كان للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، قال‏:‏ فلو كان له ولغيره لكان المستحب أن يأكل مما يليه قلت‏:‏ إن أراد بالوحدة أن غيره لم يأكل معه فمردود لأن أنسا أكل معه، وإن أراد به المالك وأذن لأنس أن يأكل معه فليطرده في كل مالك ومضيف، وما أظن أحدا يوافقه عليه‏.‏

وقد نقل ابن بطال عن مالك جوابا يجمع الجوابين المذكورين فقال‏:‏ إن المؤاكل لأهله وخدمه يباح له أن يتبع شهوته حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يكره منه، فإذا علم كراهتهم لذلك لم يأكل إلا مما يليه‏.‏

وقال أيضا إنما جالت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطعام لأنه علم أنه أحدا لا يتكره ذلك منه ولا يتقذره، بل كانوا يتباكون بريقه ومماسة يده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها، فكذلك من لم يتقذر من مؤاكله يجوز له أن تجول يده في الصحفة‏.‏

وقال ابن التين‏:‏ إذا أكل المرء مع خادمه وكان في الطعام نوع منفرد جاز له أن ينفرد به‏.‏

وقال في موضع آخر‏:‏ إنما فعل ذلك لأنه كان يأكل وحده فسيأتي في رواية أن الخياط أقبل على عمله‏.‏

قلت‏:‏ هي رواية ثمامة عن أنس كما سيأتي بعد أبواب، لكن لا يثبت المدعي لأن أنسا أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ أَنَسٌ فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُهُ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏إن خياطا‏)‏ لم أقف على اسمه لكن في رواية ثمامة عن أنس أنه كان غلام النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ ‏"‏ إن مولى له خياطا دعاه‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏لطعام صنعه‏)‏ كان الطعام المذكور ثريدا كما سأبينه‏.‏

قوله ‏(‏قال أنس فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يتتبع الدباء‏)‏ هكذا أورده مختصرا، وأخرجه مسلم عن قتيبة شيخ البخاري فيه بتمامه، وقد تقدم في البيوع عن عبد الله بن يوسف عن مالك بالزيادة ولفظه ‏"‏ فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا ومرقا فيه دباء وقديد ‏"‏ وأفاد شيخنا ابن الملقن عن ‏"‏ مستخرج الإسماعيلي ‏"‏ أن الخبز المذكور كان خبز شعير وغفل عما أورده البخاري في ‏"‏ باب المرق ‏"‏ كما سيأتي عن عبد الله بن مسلمة عن مالك بلفظ ‏"‏ خبز شعير ‏"‏ والثاني مثله، وكذا أورده بعد باب آخر عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك بتمامه، وهو عند مسلم عن قتيبة أيضا، وقد أفرد البخاري لكل واحدة ترجمة، وهي المرق والدباء والثريد والقديد‏.‏

قوله ‏(‏الدباء‏)‏ بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة ممدود ويجوز القصر حكاه القزاز وأنكره القرطبي هو القرع، وقيل خاص بالمستدير منه، ووقع في ‏"‏ شرح المهذب للنووي ‏"‏ أنه القرع اليابس، وما أظنه إلا سهوا، وهو اليقطين أيضا واحده دباة ودبة، وكلام أبي عبيد الهروي يقتضي أن الهمزة زائدة فإنه أخرجه في ‏"‏ دبب ‏"‏ وأما الجوهري فأخرجه في المعتل على أن همزته منقلبة، وهو أشبه بالصواب، لكن قال الزمخشري‏:‏ لا ندري هي منقلبة عن واو أو ياء، ويأتي في رواية ثمامة عن أنس ‏"‏ فلما رأيت ذلك جعلت أجمعه بين يديه‏.‏

وفي رواية حميد عن أنس ‏"‏ فجعلت أجمعه وأدنيه منه‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فلم أزل أحب الدباء من يومئذ‏)‏ في رواية ثمامة ‏"‏ قال أنس‏:‏ لا أزال أحب الدباء بعدما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع ما صنع ‏"‏ وفي رواية مسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس فجعلت ألقيه إليه ولا أطعمه ‏"‏ وله من طريق معمر عن ثابت وعاصم عن أنس فذكر الحديث ‏"‏ قال ثابت فسمعت أنسا يقول‏:‏ فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع‏"‏، ولابن ماجه بسند صحيح عن حميد عن أنس قال ‏"‏ بعثت معي أم سليم بمكتل فيه رطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجده، وخرج قريبا إلى مولى له دعاه فصنع له طعاما، فأتيته وهو يأكل فدعاني فأكلت معه، قال وصنع له ثريدة بلحم وقرع فإذا هو يعجبه القرع، فجعلت أجمعه فأدنيه منه ‏"‏ الحديث‏.‏

وأخرج مسلم بعضه من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ كان يعجبه القرع ‏"‏ وللنسائي ‏"‏ كان يحب القرع ويقول‏:‏ إنها شجرة أخي يونس ‏"‏ ويجمع بين قوله في هذه الرواية ‏"‏ فلم أجده ‏"‏ وبين حديث الباب ‏"‏ ذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أنه أطلق المعية باعتبار ما آل إليه الحال، ويحتمل تعدد القصة على بعد، وفي الحديث جواز أكل الشريف طعام من دونه من محترف وغيره وإجابة دعوته، ومؤاكلة الخادم، وبيان ما كان في النبي صلى الله عليه وسلم من التواضع واللطف بأصحابه وتعاهدهم بالمجيء إلى منازلهم، وفيه الإجابة إلى الطعام ولو كان قليلا ومناولة الضيفان بعضهم بعضا مما وضع بين أيديهم، وإنما يمتنع من يأخذ من قدام الآخر شيئا لنفسه أو لغيره، وسيأتي البحث فيه في باب مفرد‏.‏

وفيه جواز ترك المضيف الأكل مع الضيف لأن في رواية ثمامة عن أنس في حديث الباب ‏"‏ أن الخياط قدم لهم الطعام ثم أقبل على عمله ‏"‏ فيؤخذ جواز ذلك من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون الطعام كان قليلا فآثرهم به، ويحتمل أن يكون كان مكتفيا من الطعام أو كان صائما أو كان شغله قد تحتم عليه تكميله‏.‏

وفيه الحرص على التشبه بأهل الخير والاقتداء بهم في المطاعم وغيرها‏.‏

وفيه فضيلة ظاهرة لأنس لاقتفائه أثر النبي صلى الله عليه وسلم حتى في الأشياء الجبلية، وكان يأخذ نفسه باتباعه فيها، رضي الله عنه‏.‏

*3*باب التَّيَمُّنِ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ

قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلْ بِيَمِينِكَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب التيمن في الأكل وغيره‏)‏ ذكر في حديث عائشة ‏"‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن ‏"‏ الحديث، وهو ظاهر فيما ترجم له، وظن بعضهم أن في هذه الترجمة تكرارا لأنه تقدم في قوله ‏"‏ باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين ‏"‏ وقد أجاب عنه ابن بطال بأن هذه الترجمة أعم من الأولى، لأن الأولى لفعل الأكل فقط وهذه لجميع الأفعال فيدخل فيه الأكل والشرب بطريق التعميم ا هـ، ومن جملة العموم عموم متعلقات الأكل كالأكل من جهة اليمين وتقديم من على اليمين في الأتحاف ونحوه على من على الشمال وغير ذلك‏.‏

قوله ‏(‏قال عمر بن أبي سلمة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كل بيمينك‏)‏ كذا ثبت هذا التعليق في رواية أبي ذر عن الحموي والكشميهني وسقط للباقين وهو الأشبه وقد مضى موصولا قبل باب، والذي يظهر لي أن محله بعد الترجمة التي تليه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طُهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَكَانَ قَالَ بِوَاسِطٍ قَبْلَ هَذَا فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏وكان قال بواسط قبل هذا في شأنه كله‏)‏ القائل هو شعبة، والمقول عنه أنه قال بواسط هو أشعث وهو ابن أبي الشعثاء، وقد تقدم بيان ذلك مع مباحث الحديث في ‏"‏ باب التيمن ‏"‏ من كتاب الوضوء‏.‏

وقال الكرماني قال بعض المشايخ‏:‏ القائل بواسط هو أشعث، كذا نقل، وليس بصواب ممن قال‏.‏

*3*باب مَنْ أَكَلَ حَتَّى شَبِعَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب من أكل حتى شبع‏)‏ ذكر فيه ثلاثة أحاديث‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ بِطَعَامٍ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ فَقَالَتْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْبَلَ أَبُو طَلْحَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى دَخَلَا

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَأَمَرَ بِهِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا

الشرح‏:‏

حديث أنس في تكثير الطعام ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم شرحه في علامات النبوة وفيه ‏"‏ فأكلوا حتى شبعوا‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَحَدَّثَ أَبُو عُثْمَانَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ فَعُجِنَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَيْعٌ أَمْ عَطِيَّةٌ أَوْ قَالَ هِبَةٌ قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ قَالَ فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً فَصُنِعَتْ فَأَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوَادِ الْبَطْنِ يُشْوَى وَايْمُ اللَّهِ مَا مِنْ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا قَدْ حَزَّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَهَا لَهُ ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا قَصْعَتَيْنِ فَأَكَلْنَا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا وَفَضَلَ فِي الْقَصْعَتَيْنِ فَحَمَلْتُهُ عَلَى الْبَعِيرِ أَوْ كَمَا قَالَ

الشرح‏:‏

حديث عبد الرحمن ابن أبي بكر في إطعام القوم من سواد بطن الشاة، وكانوا ثلاثين ومائة رجل، وفيه ‏"‏ فأكلنا أجمعون وشبعنا‏"‏، وقد تقدم شرحه في كتاب الهبة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَبِعْنَا مِنْ الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ

الشرح‏:‏

حديث عائشة ‏"‏ توفي النبي صلى الله عليه وسلم حين شبعنا من الأسودين التمر والماء‏"‏، وفيه إشارة إلى أن شبعهم لم يقع قبل زمان وفاته قاله الكرماني قلت‏:‏ لكن ظاهره غير مراد، وقد تقدم في غزوة خيبر من طريق عكرمة عن عائشة قالت ‏"‏ لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر ‏"‏ ومن حديث ابن عمر قال ‏"‏ ما شبعنا حتى فتحنا خيبر ‏"‏ فالمراد أنه صلى الله عليه وسلم شبع حين شبعوا واستمر شبعهم، وابتداؤه من فتح خيبر وذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، ومراد عائشة بما أشارت إليه من الشبع هو من التمر خاصة دون الماء لكن قرنته به إشارة إلى أن تمام الشبع حصل بجمعهما، فكأن الواو فيه بمعنى مع، لا أن الماء وحده يوجد الشبع منه، ولما عبرت عن التمر بوصف واحد وهو السواد عبرت عن الشبع والري بفعل واحد وهو الشبع، وقوله في حديث أنس عن أبي طلحة ‏"‏ سمعت صوت النبي صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع ‏"‏ كأنه لم يسمع في صوته لما تكلم إذ ذاك الفخامة المألوفة منه، فحمل ذلك على الجوع بقرينة الحال التي كانوا فيها، وفيه رد على دعوى ابن حبان أنه لم يكن يجوع، واحتج بحديث ‏"‏ أبيت يطعمني ربي ويسقيني ‏"‏ وتعقب بالحمل على تعدد الحال‏:‏ فكان يجوع أحيانا ليتأسى به أصحابه ولا سيما من لا يجد مددا وأدركه ألم الجوع صبر فضوعف له، وقد بسطت هذا في مكان آخر‏.‏

ويؤخذ من قصة أبي طلحة أن من أدب من يضيف أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار تكرمة له، قال ابن بطال‏:‏ في هذه الأحاديث جواز الشبع وأن تركه أحيانا أفضل، وقد ورد عن سلمان وأبي جحيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة ‏"‏ قال الطبري غير أن الشبع وإن كان مباحا فإن له حدا ينتهي إليه، وما زاد على ذلك فهو سرف؛ والمطلق منه ما أعان الآكل على طاعة ربه ولم يشغله ثقله عن أداء ما وجب عليه ا هـ‏.‏

وحديث سلمان الذي أشار إليه أخرجه ابن ماجه بسند لين‏.‏

وأخرج عن ابن عمر نحوه وفي سنده مقال أيضا‏.‏

وأخرج البزار نحوه من حديث أبي جحيفة بسند ضعيف، قال القرطبي في المفهم لما ذكر قصة أبي الهيثم إذ ذبح للنبي صلى الله عليه وسلم ولصاحبيه الشاة فأكلوا حتى شبعوا‏.‏

وفيه دليل على جواز الشبع، وما جاء من النهي عنه محمول على الشبع الذي يثقل المعدة ويثبط صاحبه عن القيام للعبادة ويفضي إلى البطر والأشر والنوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة‏.‏

وذكر الكرماني تبعا لابن المنير أن الشبع المذكور محمول على شبعهم المعتاد منهم وهو أن الثلث للطعام والثلث للشراب والثلث للنفس، ويحتاج في دعوى أن تلك عادتهم إلى نقل خاص، وإنما ورد في ذلك حديث حسن أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث المقدام بن معد يكرب ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن غلب الآدمي نفسه فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس ‏"‏ قال القرطبي في ‏"‏ شرح الأسماء ‏"‏ لو سمع بقراط بهذه القسمة، لعجب من هذه الحكمة‏.‏

وقال الغزالي قبله في باب كسر الشهوتين من ‏"‏ الإحياء ‏"‏ ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة فقال‏:‏ ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم من هذا‏.‏

ولا شك في أن أثر الحكمة في الحديث المذكور واضح، وإنما خص الثلاثة بالذكر لأنها أسباب حياة الحيوان، ولأنه لا يدخل البطن سواها‏.‏

وهل المراد بالثلث التساوي على ظاهر الخبر، أو التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة‏؟‏ محل احتمال، والأول أولى‏.‏

ويحتمل أن يكون لمح بذكر الثلث إلى قوله في الحديث الآخر ‏"‏ الثلث كثير ‏"‏ وقال ابن المنير‏:‏ ذكر البخاري في الأشربة في ‏"‏ باب شرب اللبن للبركة ‏"‏ حديث أنس وفيه قوله ‏"‏ فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه ‏"‏ فيحتمل أن يكون الشبع المشار إليه في أحاديث الباب من ذلك لأنه طعام بركة‏.‏

قلت‏:‏ وهو محتمل إلا في حديث عائشة ثالث أحاديث الباب، فإن المراد به الشبع المعتاد لهم، والله أعلم‏.‏

واختلف في حد الجوع على رأيين ذكرهما في الإحياء ‏"‏ أحدهما أن يشتهي الخبز وحده، فمتى طلب الأدم فليس بجائع‏.‏

ثانيهما أنه إذا وقع ريقه على الأرض لم يقع عليه الذباب‏.‏

وذكر أن مراتب الشبع تنحصر في سبعة‏:‏ الأول ما تقوم به الحياة، الثاني أن يزيد حتى يصوم ويصلي عن قيام وهذان واجبان، الثالث أن يزيد حتى يقوى على أداء النوافل، الرابع أن يزيد حتى يقدر على التكسب وهذان مستحبان، الخامس أن يملأ الثلث وهذا جائز، السادس أن يزيد على ذلك وبه يثقل البدن ويكثر النوم وهذا مكروه، السابع أن يزيد حتى يتضرر وهي البطنة المنهي عنها وهذا حرام ا هـ‏.‏

ويمكن دخول الثالث في الرابع والأول في الثاني والله أعلم‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في سياق السند معتمر وهو ابن سليمان التيمي عن أبيه قال وحدثني أبو عثمان أيضا، فزعم الكرماني أن ظاهره أن أباه حدث عن غير أبي عثمان ثم قال وحدث أبو عثمان أيضا‏.‏

قلت‏:‏ وليس ذلك المراد وإنما أراد أن أبا عثمان حدثه بحديث سابق على هذا ثم حدثه بهذا فلذلك قال ‏"‏ أيضا ‏"‏ أي حدث بحديث بعد حديث‏.‏