فصل: باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب مَنْ قَالَ لَمْ يَتْرُكْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من قال‏:‏ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين‏)‏ أي ما في المصحف، وليس المراد أنه ترك القرآن مجموعا بين الدفتين لأن ذلك يخالف ما تقدم من جمع أبي بكر ثم عثمان‏.‏

وهذه الترجمة للرد على من زعم أن كثيرا من القرآن ذهب لذهاب حملته، وهو شيء اختلقه الروافض لتصحيح دعواهم أن التنصيص على إمامة علي واستحقاقه الخلافة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم كان ثابتا في القرآن وأن الصحابة كتموه، وهي دعوى باطلة لأنهم لم يكتموا مثل ‏"‏ أنت عندي بمنزلة هارون من موسى ‏"‏ وغيرها من الظواهر التي قد يتمسك بها من يدعي إمامته، كما لم يكتموا ما يعارض ذلك أو يخصص عمومه أو يقيد مطلقه‏.‏

وقد تلطف المصنف في الاستدلال على الرافضة بما أخرجه عن أحد أئمتهم الذين يدعون إمامته وهو محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب‏.‏

فلو كان هناك شيء ما يتعلق بأبيه لكان هو أحق الناس بالاطلاع عليه، وكذلك ابن عباس فإنه ابن عم علي وأشد الناس له لزوما واطلاعا على حاله‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ أَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ قَالَ وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد العزيز بن رفيع‏)‏ في رواية علي بن المديني عن سفيان ‏"‏ حدثنا عبد العزيز ‏"‏ أخرجه أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏دخلت أنا وشداد بن معقل‏)‏ هو الأسدي الكوفي، تابعي كبير من أصحاب ابن مسعود وعلي‏.‏

ولم يقع له في رواية البخاري ذكر إلا في هذا الموضع، وأبوه بالمهملة والقاف، وقد أخرج البخاري في خلق أفعال العباد من طريق عبد العزيز بن رفيع عن شداد بن معقل عن عبد الله بن مسعود حديثا غير هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء‏)‏ ‏؟‏ في رواية الإسماعيلي ‏"‏ شيئا سوى القرآن‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا ما بين الدفتين‏)‏ بالفاء تثنية دفة بفتح أوله وهو اللوح، ووقع في رواية الإسماعيلي، بين اللوحين‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال ودخلنا‏)‏ القائل هو عبد العزيز، ووقع عند الإسماعيلي ‏"‏ لم يدع إلا ما في هذا المصحف ‏"‏ أي لم يدع من القرآن ما يتلى إلا ما هو داخل المصحف الموجود ولا يرد على هذا ما تقدم في كتاب العلم عن علي أنه قال ‏"‏ ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة ‏"‏ لأن عليا أراد الأحكام التي كتبها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينف أن عنده أشياء أخر من الأحكام التي لم يكن كتبها‏.‏

وأما جواب ابن عباس وابن الحنفية فإنما أرادا من القرآن الذي يتلى، أو أرادا مما يتعلق بالإمامة، أي لم يترك شيئا يتعلق بأحكام الإمامة إلا ما هو بأيدي الناس، ويؤيد ذلك ما ثبت عن جماعة من الصحابة من ذكر أشياء نزلت من القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها أو لم يبق، مثل حديث عمر ‏"‏ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ‏"‏ وحديث أنس في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة، قال فأنزل الله فيهم قرآنا ‏"‏ بلغوا عنا قومنا أنا لقد لقينا ربنا ‏"‏ وحديث أبي بن كعب ‏"‏ كانت الأحزاب قدر البقرة ‏"‏ وحديث حذيفة ما يقرءون ربعها يعني براءة، وكلها أحاديث صحيحة‏.‏

وقد أخرج ابن الضريس من حديث ابن عمر أنه ‏"‏ كان يكره أن يقول الرجل قرأت القرآن كله، ويقول‏:‏ إن منه قرآنا قد رفع ‏"‏ وليس في شيء من ذلك ما يعارض حديث الباب، لأن جميع ذلك مما نسخت تلاوته في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

*3*باب فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب فضل القرآن على سائر الكلام‏)‏ هذه الترجمة لفظ حديث أخرج الترمذي معناه من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ يقول الرب عز وجل‏:‏ من شغله القرآن عن ذكري وعن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ‏"‏ ورجاله ثقات إلا عطية العوفي فقيه ضعف؛ وأخرجه ابن عدي من رواية شهر بن حوشب عن أبي هريرة مرفوعا ‏"‏ فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وفي إسناده عمر بن سعيد الأشج وهو ضعيف، وأخرجه ابن الضريس من وجه آخر عن شهر بن حوشب مرسلا ورجاله لا بأس بهم، وأخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده من حديث عمر بن الخطاب وفي إسناده صفوان بن أبي الصهباء مختلف فيه، وأخرجه ابن الضريس أيضا من طريق الجراح بن الضحاك عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان رفعه ‏"‏ خيركم من تعلم القرآن وعلمه - ثم قال - وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه وذلك أنه منه ‏"‏ وحديث عثمان هذا سيأتي بعد أبواب بدون هذه الزيادة، وقد بين العسكري أنها من قول أبي عبد الرحمن السلمي‏.‏

وقال المصنف في خلق أفعال العباد ‏"‏ وقال أبو عبد الرحمن السلمي ‏"‏ فذكره، وأشار في خلق أفعال العباد إلى أنه لا يصح مرفوعا، وأخرجه العسكري أيضا عن طاوس والحسن من قولهما‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب حديثين‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا

الشرح‏:‏

أحدهما حديث أبي موسى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة‏)‏ بضم الهمزة والراء بينهما مثناة ساكنة وآخره جيم ثقيلة، وقد تخفف‏.‏

ويزاد قبلها نون ساكنة، ويقال بحذف الألف مع الوجهين فتلك أربع لغات وتبلغ مع التخفيف إلى ثمانية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏طعمها طيب وريحها طيب‏)‏ قيل خص صفة الإيمان بالطعم وصفة التلاوة بالريح لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح فقد يذهب ريح الجوهر ويبقى طعمه، ثم قيل‏:‏ الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة لأنه يتداوى بقشرها وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع وقيل إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضا من المزايا كبر جرمها وحسن منظرها وتفريح لونها ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة ودباغ معدة وجودة هضم، ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات‏.‏

ووقع في رواية شعبة عن قتادة كما سيأتي بعد أبواب ‏"‏ المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به ‏"‏ وهي زيادة مفسرة للمراد وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن ولا يخالف ما اشتمل عليه من أمر ونهي لا مطلق التلاوة، فإن قيل لو كان كذلك لكثر التقسيم كأن يقال الذي يقرأ ويعمل وعكسه والذي يعمل ولا يقرأ وعكسه، والأقسام الأربعة ممكنة في غير المنافق وأما المنافق فليس له إلا قسمان فقط لأنه لا اعتبار بعمله إذا كان نفاقه نفاق كفر، وكأن الجواب عن ذلك أن الذي حذف من التمثيل قسمان‏.‏

الذي يقرأ ولا يعمل، الذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق فيمكن تشبيه الأول بالريحانة والثاني بالحنظلة فاكتفى بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذكرا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا ريح فيها‏)‏ في رواية شعبة ‏"‏ لها‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومثل الفاجر الذي يقرأ‏)‏ في رواية شعبة ‏"‏ ومثل المنافق ‏"‏ في الموضعين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا ريح لها‏)‏ في رواية شعبة ‏"‏ وريحها مر ‏"‏ واستشكلت هذه الرواية من جهة أن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح‏؟‏ وأجيب بأن ريحها لما كان كريها استعير له وصف المرارة، وأطلق الزركشي هنا أن هذه الرواية وهم وأن الصواب ما في رواية هذا الباب ‏"‏ ولا ريح لها ‏"‏ ثم قال في كتاب الأطعمة لما جاء فيه ‏"‏ ولا ريح لها ‏"‏ هذا أصوب من رواية الترمذي ‏"‏ طعمها مر وريحها مر ‏"‏ ثم ذكر توجيهها وكأنه ما استحضر أنها في هذا الكتاب وتكلم عليها فلذلك نسبها للترمذي‏.‏

وفي الحديث فضيلة حاملي القرآن، وضرب المثل للتقريب لفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دل عليه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ

الشرح‏:‏

حديث ابن عمر ‏"‏ إنما أجلكم في أجل من قبلكم ‏"‏ الحديث، وقد تقدم شرحه مستوفى في المواقيت من كتاب الصلاة، ومطابقة الحديث الأول للترجمة من جهة ثبوت فضل قارئ القرآن على غيره فيستلزم فضل القرآن على سائر الكلام كما فضل الأترج على سائر الفواكه، ومناسبة الحديث الثاني من جهة ثبوت فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وثبوت الفضل لها بما ثبت من فضل كتابها الذي أمرت بالعمل به

*3*باب الْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الوصاة بكتاب الله‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ الوصية ‏"‏ وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الوصايا، وتقدم فيه حديث الباب مشروحا، وقوله فيه ‏"‏ أوصى بكتاب الله ‏"‏ بعد قوله ‏"‏ لا ‏"‏ حين قال له ‏"‏ هل أوصى بشيء ‏"‏ ظاهرهما التخالف، وليس كذلك لأنه نفى ما يتعلق بالإمارة ونحو ذلك لا مطلق الوصية، والمراد بالوصية بكتاب الله حفظه حسا ومعنى، فيكرم ويصان ولا يسافر به إلى أرض العدو، ويتبع ما فيه فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه ويداوم تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحوه ذلك‏.‏

*3*باب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ

وَقَوْلُهُ تَعَالَى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من لم يتغن بالقرآن‏)‏ هذه الترجمة لفظ حديث أورده المصنف في الأحكام من طريق ابن جريج عن ابن شهاب بسند حديث الباب بلفظ ‏"‏ من لم يتغن بالقرآن فليس منا ‏"‏ وهو في السنن من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقوله تعالى‏:‏ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم‏)‏ أشار بهذه الآية إلى ترجيح تفسير ابن عيينة‏:‏ يتغنى يستغنى، كما سيأتي هذا الباب عنه، وأخرجه أبو داود عن ابن عيينة ووكيع جميعا وقد بين إسحاق بن راهويه عن ابن عيينة أنه استغناء خاص، وكذا قال أحمد عن وكيع‏:‏ يستغنى به عن أخبار الأمم الماضية، وقد أخرج الطبري وغيره من طريق عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال ‏"‏ جاء ناس من المسلمين بكتب وقد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كفى تقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم، فنزل‏:‏ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ‏"‏ وقد خفي وجه مناسبة تلاوة هذه الآية هنا على كثير من الناس كابن كثير فنفى أن يكون لذكرها وجه، على أن ابن بطال مع تقدمه قد أشار إلى المناسبة فقال‏:‏ قال أهل التأويل في هذه الآية‏.‏

فذكر ابن يحيى بن جعدة مختصرا قال‏:‏ فالمراد بالآية الاستغناء عن أخبار الأمم الماضية، وليس المراد الاستغناء الذي هو ضد الفقر، قال‏:‏ وإتباع البخاري الترجمة بالآية يدل على أنه يذهب إلى ذلك‏.‏

وقال ابن التين‏:‏ يفهم من الترجمة أن المراد بالتغني الاستغناء لكونه أتبعه الآية التي تتضمن الإنكار على من لم يستغن بالقرآن عن غيره، فحمله على الاكتفاء به وعدم الافتقار إلى غيره وحمله على ضد الفقر من جملة ذلك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي هريرة‏)‏ في رواية شعيب عن ابن شهاب ‏"‏ حدثني أبو سلمة أنه سمع أبا هريرة ‏"‏ أخرجه الإسماعيلي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لم يأذن الله لنبي‏)‏ كذا لهم بنون وموحدة، وعند الإسماعيلي ‏"‏ لشيء ‏"‏ بشين معجمة وكذا عند مسلم من جميع طرقه‏.‏

ووقع في رواية سفيان التي تلي هذه في الأصل كالجمهور‏.‏

وفي رواية الكشميهني كرواية عقيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما أذن لنبي‏)‏ كذا للأكثر، وعند أبي ذر ‏"‏ للنبي ‏"‏ بزيادة اللام، فإن كانت محفوظة فهي للجنس، ووهم من ظنها للعهد وتوهم أن المراد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم، وشرحه على ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن يتغنى‏)‏ كذا لهم، وأخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه بدون ‏"‏ أن ‏"‏ وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف ‏"‏ أن ‏"‏ وأن إثباتها وهم من بعض الرواة لأنهم كانوا يروون بالمعنى فربما ظن بعضهم المساواة فوقع في الخطأ لأن الحديث لو كان بلفظ ‏"‏ أن ‏"‏ لكان من الإذن بكسر الهمزة وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مرادا هنا وإنما هو من الأذن بفتحتين وهو الاستماع، وقوله أذن أي استمع، والحاصل أن لفظ أذن بفتحة ثم كسرة في الماضي وكذا في المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول أذنت آذن بالمد، فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسرة ثم سكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين، قال عدي بن زيد‏:‏ أيها القلب تعلل بددن إن همي في سماع وأذن أي في سماع واستماع‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ أصل الأذن بفتحتين أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام ا لقارئ وإجزال ثوابه، لأن ذلك ثمرة الإصغاء‏.‏

ووقع عند مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث ‏"‏ ما أذن لشيء كأذنه ‏"‏ بفتحتين، ومثله عند ابن أبي داود من طريق محمد بن أبي حفصة عن عمرو بن دينار عن أبي سلمة، وعند أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث فضالة بن عبيد الله ‏"‏ أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ ومع ذلك كله فليس ما أنكره ابن الجوزي بمنكر بل هو موجه، وقد وقع عند مسلم في رواية أخرى كذلك ووجهها عياض بأن المراد الحث على ذلك والأمر به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال صاحب له يجهر به‏)‏ الضمير في ‏"‏ له ‏"‏ لأبي سلمة، والصاحب المذكور هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث أخرجه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في ‏"‏ الزهريات ‏"‏ من طريقه بلفظ ‏"‏ ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ‏"‏ قال ابن شهاب‏:‏ وأخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن عن أبي سلمة ‏"‏ يتغنى بالقرآن يجهر به ‏"‏ فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة وسمعه من عبد الحميد عنه فكان تارة يسميه وتارة يبهمه، وقد أدرجه عبد الرزاق عن معمر عنه، قال الذهلي‏:‏ وهو غير محفوظ في حديث معمر، وقد رواه عبد الأعلى عن معمر بدون هذه الزيادة‏.‏

قلت‏:‏ وهي ثابتة عن أبي سلمة من وجه آخر أخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ ‏"‏ ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به ‏"‏ وكذا ثبت عنده من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ قَالَ سُفْيَانُ تَفْسِيرُهُ يَسْتَغْنِي بِهِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سفيان‏)‏ هو ابن عيينة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الزهري‏)‏ هو ابن شهاب المذكور في الطريق الأولى، ونقل ابن أبي داود عن علي بن المديني شيخ البخاري فيه قال‏:‏ لم يقل لنا سفيان قط في هذا الحديث ‏"‏ حدثنا ابن شهاب ‏"‏ قلت‏:‏ قد رواه الحميدي في مسنده عن سفيان قال ‏"‏ سمعت الزهري ‏"‏ ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج‏"‏، والحميدي من أعرف الناس، بحديث سفيان وأكثرهم تثبتا عته للسماع من شيوخهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال سفيان تفسيره يستغنى به‏)‏ كذا فسره سفيان، ويمكن أن يستأنس بما أخرجه أبو داود وابن الضريس، وصححه أبو عوانة عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن أبي نهيك قال ‏"‏ لقيني سعد بن أبي وقاص وأنا في السوق فقال‏:‏ تجار كسبة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ليس منا من لم يتغن بالقرآن ‏"‏ وقد ارتضى أبو عبيد تفسير يتغنى بيستغني وقال إنه جائز في كلام العرب، وأنشد الأعشى‏:‏ وكنت امرءا زمنا بالعراق خفيف المناخ طويل التغني أي كثير الاستغناء وقال المغيرة بن حبناء‏:‏ كلانا غنى عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا قال‏:‏ فعلى هذا يكون المعنى من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا فليس منا، أي على طريقتنا‏.‏

واحتج أبو عبيد أيضا بقول ابن مسعود ‏"‏ من قرأ سورة آل عمران فهو غني ‏"‏ ونحو ذلك‏.‏

وقال ابن الجوزي‏:‏ اختلفوا في معنى قوله يتغنى على أربعة أقوال‏.‏

أحدها تحسين الصوت، والثاني الاستغناء، والثالث التحزن قاله الشافعي، والرابع التشاغل به تقول العرب تغنى بالمكان أقام به‏.‏

قلت‏:‏ وفيه قول آخر حكاه ابن الأنباري في ‏"‏ الزاهر ‏"‏ قال‏.‏

المراد به التلذذ الاستحلاء له كما يستلذ أهل الطرب بالغناء، فأطلق عليه تغنيا من حيث أنه يفعل عنده ما يفعل عند الغناء، وهو كقول النابغة‏:‏ بكاء حمامة تدعو هديلا مفجعة على فنن تغنى أطلق على صوتها غناء لأنه يطرب كما يطرب الغناء وإن لم يكن غناء حقيقة، وهو كقولهم ‏"‏ العمائم تيجان العرب، لكونها تقوم مقام التيجان، وفيه قول آخر حسن وهو أن يجعله هجيراه كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء، قال ابن الأعرابي‏:‏ كانت العرب إذا ركبت الإبل تتغنى وإذا جلست في أفنيتها وفي أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هجيراهم القراءة مكان التغني‏.‏

ويؤيد القول الرابع بيت الأعشى المتقدم فإنه أراد بقوله ‏"‏ طويل التغني ‏"‏ طول الإقامة لا الاستغناء لأنه أليق بوصف الطول من الاستغناء، يعني أنه كان ملازما لوطنه بين أهله كانوا يتمدحون بذلك قال حسان‏:‏ أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل أراد أنهم لا يحتاجون إلى الانتجاع ولا يبرحون من أوطانهم، فيكون معنى الحديث الحث على ملازمة القرآن وأن لا يتعدى إلى غيره، وهو يئول من حيث المعنى إلى ما اختاره البخاري من تخصيص الاستغناء وأنه يستغنى به عن غيره من الكتب، وقيل المراد من لم يغنه القرآن وينفعه في إيمانه ويصدق بما فيه من وعد ووعيد وقيل معناه من لم يرتح لقراءته وسماعه، وليس المراد ما اختاره أبو عبيد أنه يحصل به الغنى دون الفقر، لكن الذي اختاره أبو عبيد غير مدفوع إذا أريد به الغنى المعنوي وهو غنى النفس وهو القناعة لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر، لأن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القراءة إلا إن كان ذلك بالخاصية، وسياق الحديث يأبى الحمل على ذلك فإن فيه إشارة إلى الحث على تكلف ذلك، وفي توجيهه تكلف كأنه قال ليس منا من لم يتطلب الغنى بملازمة تلاوته، وأما الذي نقله عن الشافعي فلم أره صريحا عنه تفسير الخبر‏.‏

وإنما قال في مختصر المزني‏:‏ وأحب أن يقرأ حدرا وتخزينا انتهى‏.‏

قال أهل اللغة‏:‏ حدرت القراءة أدرجتها ولم أمططها، وقرأ فلان تحزينا إذا رفق صوته وصيره كصوت الحزين‏.‏

وقد روى ابن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة أنه قرأ سورة فحزنها شبه الرثى، وأخرجه أبو عوانة عن الليث بن سعد قال يتغنى به يتحزن به ويرقق به قلبه‏.‏

وذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل ابن عيينة للتغني بالاستغناء فلم يرتضه وقال‏:‏ لو أراد الاستغناء لقال لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ وبذلك فسره ابن أبي مليكة وعبد الله بن المبارك والنضر بن شميل، ويؤيده رواية عبد الأعلى عن معمر عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ ‏"‏ ما أذن لنبي في الترنم في القرآن ‏"‏ أخرجه الطبري، وعنده في رواية عبد الرزاق عن معمر ‏"‏ ما أذن لنبي حسن الصوت ‏"‏ وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة، وعند ابن أبي داود والطحاوي من رواية عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أبي هريرة ‏"‏ حسن الترنم بالقرآن ‏"‏ قال الطبري‏:‏ والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ وطرب به، قال ولو كان معناه الاستغناء لما كان لذكر الصوت ولا لذكر الجهر معنى‏.‏

وأخرج ابن ماجه والكجي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا ‏"‏ الله أشد أذنا - أي استماعا - للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ‏"‏ والقينة المغنية، وروى ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر رفعه ‏"‏ تعلموا القرآن وغنوا به وأفشوه ‏"‏ كذا وقع عنده والمشهور عند غيره في الحديث ‏"‏ وتغنوا به ‏"‏ والمعروف في كلام العرب أن التغني الترجيع بالصوت كما قال حسان‏:‏ تغن بالشعر إما أنت قائله إن الغناء بهذا الشعر مضمار قال‏:‏ ولا نعلم في كلام العرب تغنى بمعنى استغنى ولا في أشعارهم، وبيت الأعشى لا حجة فيه لأنه أراد طول الإقامة، ومنه قوله تعالى ‏(‏كأن لم يغنوا فيها‏)‏ وقال‏:‏ بيت المغيرة أيضا لا حجة فيه، لأن التغاني تفاعل بين اثنين وليس هو بمعنى تغنى، قال‏:‏ وإنما يأتي ‏"‏ تغني ‏"‏ من الغنى الذي هو ضد الفقر بمعنى تفعل أي يظهر خلاف ما عنده، وهذا فاسد المعنى‏.‏

قلت‏:‏ ويمكن أن يكون بمعنى تكلفه أي تطلبه وحمل نفسه عليه ولو شق عليه كما تقدم قريبا، ويؤيده حديث ‏"‏ فإن لم تبكوا فتباكوا ‏"‏ وهو في حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي عوانة‏.‏

وأما إنكاره أن يكون تغنى بمعنى استغنى في كلام العرب فمردود، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تقدم في الجهاد في حديث الخيل ‏"‏ ورجل ربطها تعففا وتغنيا ‏"‏ وهذا من الاستغناء بلا ريب، والمراد به يطلب الغنى بها عن الناس بقرينة قوله تعففا‏.‏

وممن أنكر تفسير يتغنى بيستغني أيضا الإسماعيلي فقال‏:‏ الاستغناء به لا يحتاج إلى استماع، لأن الاستماع أمر خاص زائد على الاكتفاء به، وأيضا فالاكتفاء به عن غيره أمر واجب على الجميع، ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة‏.‏

ثم ساق من وجه آخر عن ابن عيينة قال‏:‏ يقولون إذا رفع صوته فقد تغنى‏.‏

قلت‏:‏ الذي نقل عنه أنه بمعنى يستغنى أتقن لحديثه، وقد نقل أبو داود عنه مثله، ويمكن الجمع بينهما بأن تفسير يستغنى من جهته ويرفع عن غيره‏.‏

وقال عمر بن شبة‏:‏ ذكرت لأبي عاصم النبيل تفسير ابن عيينة فقال‏:‏ لم يصنع شيئا حدثني ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال ‏"‏ كان داود عليه السلام يتغنى - يعني حين يقرأ - ويبكي ويبكي ‏"‏ وعن ابن عباس‏:‏ أن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم‏.‏

وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت‏.‏

وسيأتي حديث ‏"‏ إن أبا موسى أعطى مزمارا من مزامير داود ‏"‏ في ‏"‏ باب حسن الصوت بالقراءة‏"‏‏.‏

وفي الجملة ما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت ويؤيده قوله ‏"‏ يجهر به ‏"‏ فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة، وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره ولا سيما إذا كان فقها، وقد جزم الحليمي بأنها من قول أبي هريرة والعرب تقول‏:‏ سمعت فلانا يتغنى بكذا‏.‏

أي يجهر به‏.‏

وقال أبو عاصم‏:‏ أخذ بيدي ابن جريج فأوقفني على أشعب فقال‏:‏ غن ابن أخي ما بلغ من طمعك‏؟‏ فذكر قصة‏.‏

فقوله غن أي أخبرني جهرا صريحا‏.‏

ومنه قول ذي الرمة‏:‏ أحب المكان القفر من أجلي أنني به أتغنى باسمها غير معجم أي أجهر ولا أكنى، والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة، وهو أنه يحسن به صوته جاهرا به مترنما على طريق التحزن، مستغنيا به عن غيره من الأخبار، طالبا به غنى النفس راجيا به غنى اليد، وقد نظمت ذلك في بيتين‏:‏ تغن بالقرآن حسن به الصوت حزينا جاهرا رنم واستغن عن كتب الألى طالبا غنى يد والنفس ثم الزم وسيأتي ما يتعلق بحسن الصوت بالقرآن في ترجمة مفردة‏.‏

ولا شك أن النفوس تميل إلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم، لأن للتطريب تأثيرا في رقة القلب وإجراء الدمع‏.‏

وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره فلا نزاع في ذلك، فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب الطبري والماوردي وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن بطال وعياض والقرطبي من المالكية والماوردي والبندنيجي والغزالي من الشافعية، وصاحب الذخيرة من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى وابن عقيل من الحنابلة، وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص للشافعي ونقله الطحاوي عن الحنفية‏.‏

وقال الفوراني من الشافعية في الإبانة يجوز بل يستحب، ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير قال النووي في ‏"‏ التبيان ‏"‏ أجمعوا على تحريمه ولفظه‏:‏ أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفا أو أخفاه حرم، قال‏:‏ وأما القراءة بالألحان فقد نص الشافعي في موضع على كراهته وقال في موضع آخر لا بأس به، فقال أصحابه‏:‏ ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان على المنهج القويم جاز وإلا حرم‏.‏

وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخارجها حرم وكذا حكى ابن حمدان الحنبلي في ‏"‏ الرعاية‏"‏‏.‏

وقال الغزالي والبندنيجي وصاحب الذخيرة من الحنفية‏:‏ إن لم يفرط في التمطيط الذي يشوش النظم استحب وإلا فلا‏.‏

وأغرب الرافعي فحكى عن ‏"‏ أمالي السرخسي ‏"‏ أنه لا يضر التمطيط مطلقا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا شذوذ لا يعرج عليه‏.‏

والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا فليحسنه ما استطاع كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح‏.‏

ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يف تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معا فلا شك في أنه أرجح من غيره لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء والله أعلم

*3*باب اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب اغتباط صاحب القرآن‏)‏ تقدم في أوائل كتاب العلم ‏"‏ باب الاغتباط في العلم والحكمة ‏"‏ وذكرت هناك تفسير الغبطة، والفرق بينها وبين الحسد، وأن الحسد في الحديث أطلق عليها مجازا، وذكرت كثيرا من مباحث المتن هناك‏.‏

وقال الإسماعيلي هنا ترجمة الباب ‏"‏ اغتباط صاحب القرآن ‏"‏ وهذا فعل صاحب القرآن فهو الذي يغتبط وإذا كان يغتبط بفعل نفسه كان معناه أنه يسر ويرتاح بعمل نفسه، وهذا ليس مطابقا‏.‏

قلت‏:‏ ويمكن الجواب بأن مراد البخاري بأن الحديث لما كان دالا على أن غير صاحب القرآن يغتبط صاحب القرآن بما أعطيه من العمل بالقرآن فاغتباط صاحب القرآن بعمل نفسه أولى إذا سمع هذه البشارة الواردة في حديث الصادق‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا حسد‏)‏ أي لا رخصة في الحسد إلا في خصلتين، أو لا يحسن الحسد إن حسن، أو أطلق الحسد مبالغة في الحث على تحصيل الخصلتين كأنه قيل لو لم يحصلا إلا بالطريق المذموم لكان ما فيهما من الفضل حاملا على الإقدام عل تحصيلهما به فكيف والطريق المحمود يمكن تحصيلهما به، وهو من جنس قوله تعالى ‏(‏فاستبقوا الخيرات‏)‏ فإن حقيقة السبق أن يتقدم على غيره في المطلوب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا على اثنتين‏)‏ في حديث ابن مسعود الماضي وكذا في حديث أبي هريرة المذكور تلو هذا ‏"‏ إلا في اثنتين ‏"‏ تقول حسدته على كذا أي على وجود ذلك له، وأما حسدته في كذا فمعناه حسدته في شأن كذا وكأنها سببية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقام به آناء الليل‏)‏ كذا في النسخ التي وقفت عليها من البخاري، وفي ‏"‏ مستخرج أبي نعيم ‏"‏ من طريق أبي بكر بن زنجويه عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه ‏"‏ آناء الليل وآناء النهار ‏"‏ وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق إسحاق بن يسار عن أبي اليمان، وكذا هو عند مسلم من وجه آخر عن الزهري، وقد تقدم في العلم أن المراد بالقيام به العمل به تلاوة وطاعة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا علي بن إبراهيم‏)‏ هو الواسطي في قول الأكثر، واسم جده عبد المجيد اليشكري، وهو ثقة متقن، عاش بعد البخاري نحو عشرين سنة‏.‏

وقيل ابن أشكاب وهو علي بن الحسن بن إبراهيم بن أشكاب نسب إلى جده، وبهذا جزم ابن عدي‏.‏

وقيل علي بن عبد الله بن إبراهيم نسب إلى جده وهو قول الدار قطني وأبي عبد الله بن منده‏.‏

وسيأتي في النكاح رواية الفربري عن علي بن عبد الله بن إبراهيم عن حجاج بن محمد‏.‏

وقال الحاكم‏:‏ قيل هو علي بن إبراهيم المروزي وهو مجهول، وقيل الواسطي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏روح‏)‏ هو ابن عبادة وقد تابعه بشر بن منصور وابن أبي عدي والنضر بن شميل كلهم عن شعبة، قال الإسماعيلي‏:‏ رفعه هؤلاء ووقفه غندر عن شعبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سليمان‏)‏ هو الأعمش، ‏(‏قال سمعت ذكوان‏)‏ هو أبو صالح السمان‏.‏

قلت‏.‏

ولشعبة عن الأعمش فيه شيح آخر أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن أبي كبشة الأنماري‏.‏

قلت‏:‏ وقد أشرت إلى متن أبي كبشة في كتاب العلم، وسياقه أتم من سياق أبي هريرة‏.‏

وأخرجه أبو عوانة في صحيحه أيضا من طريق أبي زيد الهروي عن شعبة، وأخرجه أيضا من طريق جرير عن الأعمش بالإسنادين معا، وهو ظاهر في أنهما حديثان متغايران سندا ومتنا اجتمعا لشعبة وجرير معا عن الأعمش، وأشار أبو عوانة إلى أن مسلما لم يخرج حديث أبي هريرة لهذه العلة، وليس ذلك بواضح لأنها ليست علة قادحة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فهو يهلكه في الحق‏)‏ فيه احتراس بليغ، كأنه لما أوهم الإنفاق في التبذير من جهة عموم الإهلاك قيده بالحق والله أعلم‏.‏

*3*باب خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه‏)‏ كذا ترجم بلفظ المتن، وكأنه أشار إلى ترجيح الرواية بالواو‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ قَالَ وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ قَالَ وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سعد بن عبيدة‏)‏ كذا يقول شعبة، يدخل بين علقمة بن مرثد وأبي عبد الرحمن سعد بن عبيدة‏.‏

وخالفه سفيان الثوري فقال ‏"‏ عن علقمة عن أبي عبد الرحمن ‏"‏ ولم يذكر سعد بن عبيدة‏.‏

وقد أطنب الحافظ أبو العلاء العطار في كتابه ‏"‏ الهادي في القرآن ‏"‏ في تخريج طرقه، فذكر ممن تابع شعبة ومن تابع سفيان جمعا كثيرا، وأخرجه أبو بكر بن أبي داود في أول الشريعة له وأكثر من تخريج طرقه أيضا، ورجح الحفاظ رواية الثوري وعدوا رواية شعبة من المزيد في متصل الأسانيد‏.‏

وقال الترمذي كأن رواية سفيان أصح من رواية شعبة‏.‏

وأما البخاري فأخرج الطريقين فكأنه ترجح عنده أنهما جميعا محفوظان، فيحمل على أن علقمة سمعه أولا من سعد ثم لقي أبا عبد الرحمن فحدثه به، أو سمعه مع سعد من أبي عبد الرحمن فثبته فيه سعد، ويؤيد ذلك ما في رواية سعد بن عبيدة من الزيادة الموقوفة وهي قول أبي عبد الرحمن ‏"‏ فذلك الذي أقعدني هذا المقعد ‏"‏ كما سيأتي البحث فيه‏.‏

وقد شذت رواية عن الثوري بذكر سعد بن عبيدة فيه، قال الترمذي ‏"‏ حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى القطان حدثنا سفيان وشعبة عن علقمة عن سعد بن عبيدة به ‏"‏ وقال النسائي ‏"‏ أنبأنا عبيد الله بن سعيد حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان أن علقمة حدثهما عن سعد ‏"‏ قال الترمذي قال محمد بن بشار‏:‏ أصحاب سفيان لا يذكرون فيه سعد بن عبيدة وهو الصحيح ا هـ‏.‏

وهكذا حكم علي بن المديني علي يحيى القطان فيه بالوهم‏.‏

وقال ابن عدي‏:‏ جمع يحيى القطان بين شعبة وسفيان، فالثوري لا يذكر في إسناده سعد بن عبيدة‏.‏

وهذا مما عد في خطأ يحيى القطان على الثوري‏.‏

وقال في موضع آخر‏:‏ حمل يحيى القطان رواية الثوري على رواية شعبة فساق الحديث عنهما، وحمل إحدى الروايتين على الأخرى فساقه على لفظ شعبة، وإلى ذلك أشار الدار قطني‏.‏

وتعقب بأنه فصل بين لفظيهما في رواية النسائي فقال ‏"‏ قال شعبة خيركم وقال سفيان أفضلكم‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وهو تعقب واه، إذ لا يلزم من تفصيله للفظهما في المتن أن يكون فصل لفظهما في الإسناد ‏"‏ قال ابن عدي‏:‏ يقال إن يحيى القطان لم يخطئ قط إلا في هذا الحديث‏.‏

وذكر الدار قطني أن خلاد بن يحيى تابع يحيى القطان عن الثوري على زيادة سعد بن عبيدة وهي رواية شاذة‏.‏

وأخرج ابن عدي من طريق يحيى بن آدم عن الثوري وقيس بن الربيع‏.‏

وفي رواية عن يحيى بن آدم عن شعبة وقيس بن الربيع جميعا عن علقمة عن سعد بن عبيدة قال وكذا رواه سعيد بن سالم القداح عن الثوري ومحمد بن أبان كلاهما عن علقمة بزيادة سعد وزاد في إسناده رجلا آخر كما سأبينه، وكل هذه الروايات وهم، والصواب عن الثوري بدون ذكر سعد وعن شعبة بإثباته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عثمان‏)‏ في رواية شريك عن عاصم بن بهدلة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود أخرجه ابن أبي داود بلفظ ‏"‏ خيركم من قرأ القرآن وأقرأه ‏"‏ وذكره الدار قطني وقال‏:‏ الصحيح عن أبي عبد الرحمن عن عثمان‏.‏

وفي رواية خلاد بن يحيى عن الثوري بسنده قال ‏"‏ عن أبي عبد الرحمن عن أبان بن عثمان عن عثمان ‏"‏ قال الدار قطني‏:‏ هذا وهم، فإن كان محفوظا احتمل أن يكون السلمي أخذه عن أبان بن عثمان عن عثمان ثم لقي عثمان فأخذه عنه، وتعقب بأن أبا عبد الرحمن أكثر من أبان‏.‏

وأبان اختلف في سماعه من أبيه أشد مما اختلف في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان فبعد هذا الاحتمال‏.‏

وجاء من وجه آخر كذلك أخرجه ابن أبي داود من طريق سعيد بن سلام ‏"‏ عن محمد بن أبان سمعت علقمة يحدث عن أبي عبد الرحمن عن أبان بن عثمان عن عثمان ‏"‏ فذكره وقال تفرد به سعيد بن سلام يعني عن محمد بن أبان قلت‏:‏ وسعيد ضعيف، وقد قال أحمد‏:‏ حدثنا حجاج بن محمد عن شعبة قال لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان وكذا نقله أبو عوانة في صحيحه عن شعبة ثم قال‏:‏ اختلف أهل التمييز في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان ونقل ابن أبي داود عن يحيى بن معين مثل ما قال شعبة‏.‏

وذكر الحافظ أبو العلاء أن مسلما سكت عن إخراج هذا الحديث في صحيحه‏.‏

قلت‏:‏ قد وقع في بعض الطرق التصريح بتحديث عثمان لأبي عبد الرحمن، وذلك فيما أخرجه ابن عدي في ترجمة عبد الله بن محمد بن أبي مريم من طريق ابن جريج عن عبد الكريم عن أبي عبد الرحمن ‏"‏ حدثني عثمان ‏"‏ وفي إسناده مقال، لكن ظهر لي أن البخاري اعتمد في وصله وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرحمن لعثمان على ما وقع في رواية شعبة عن سعد بن عبيدة من الزيادة، وهي أن أبا عبد الرحمن أقرأ من زمن عثمان إلى زمن الحجاج، وأن الذي حمله على ذلك هو الحديث المذكور، فدل على أنه سمعه في ذلك الزمان، وإذا سمعه في ذلك الزمان ولم يوصف بالتدليس اقتضى ذلك سماعه ممن عنعنه عنه وهو عثمان رضي الله عنه ولا سيما مع ما اشتهر بين القراء أنه قرأ القرآن على عثمان، وأسندوا ذلك عنه من رواية عاصم بن أبي النجود وغيره، فكان هذا أولى من قول من قال إنه لم يسمع منه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خيركم من تعلم القرآن وعلمه‏)‏ كذا للأكثر وللسرخسي ‏"‏ أو علمه ‏"‏ وهي للتنويع لا للشك، وكذا لأحمد عن غندر عن شعبة وزاد في أوله ‏"‏ إن ‏"‏ وأكثر الرواة عن شعبة يقولونه بالواو، وكذا وقع عند أحمد عن بهز وعند أبي داود عن حفص بن عمر كلاهما عن شعبة وكذا أخرجه الترمذي من حديث علي وهي أظهر من حيث المعنى لأن التي بأو تقتضي إثبات الخيرية المذكورة لمن فعل أحد الأمرين فيلزم أن من تعلم القرآن ولو لم يعلمه غيره‏.‏

أن يكون خيرا ممن عمل بما فيه مثلا وإن لم يتعلمه، ولا يقال يلزم على رواية الواو أيضا أن من تعلمه وعلمه غيره أن يكون أفضل ممن عمل بما فيه من غير أن يتعلمه ولم يعلمه غيره، لأنا نقول يحتمل أن يكون المراد بالخيرية من جهة حصول التعليم بعد العلم، والذي يعلم غيره يحصل له النفع المتعدي بخلاف من يعمل فقط، بل من أشرف العمل تعليم الغير، فمعلم غيره يستلزم أن يكون تعلمه، وتعليمه لغيره عمل وتحصيل نفع متعد، ولا يقال لو كان المعنى حول النفع المتعدي لاشترك كل من علم غيره علما ما في ذلك، لأنا نقول القرآن أشرف العلوم فيكون من تعلمه وعلمه لغيره أشرف ممن تعلم غير القرآن وإن علمه فيثبت المدعي‏.‏

ولا شك أن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره جامع بين النفع القاصر والنفع المتعدي ولهذا كان أفضل، وهو من جملة من عنى سبحانه وتعالى بقوله‏:‏ ‏(‏ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين‏)‏ والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى من جملتها تعليم القرآن وهو أشرف الجميع، وعكسه الكافر المانع لغيره من الإسلام كما قال تعالى ‏(‏فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها‏)‏ فإن قيل‏:‏ فيلزم على هذا أن يكون المقرئ أفضل من الفقيه قلنا‏:‏ لا، لأن المخاطبين بذلك كانوا فقهاء النفوس لأنهم كانوا أهل اللسان فكانوا يدرون معاني القرآن بالسليقة أكثر مما يدريها من بعدهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سجية، فمن كان في مثل شأنهم شاركهم في ذلك، لا من كان قارئا أو مقرئا محضا لا يفهم شيئا من معاني ما يقرؤه أو يقرئه‏.‏

فإن قيل فيلزم أن يكون المقرئ أفضل ممن هو أعظم غناء في الإسلام بالمجاهدة والرباط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا، قلنا حرف المسألة يدور على النفع المتعدي فمن كان حصوله عنده أكثر كان أفضل، فلعل ‏"‏ من ‏"‏ مضمرة في الخبر، ولا بد مع ذلك من مراعاة الإخلاص في كل صنف منهم‏.‏

ويحتمل أن تكون الخيرية وإن أطلقت لكنها مقيدة بناس مخصوصين خوطبوا بذلك كان اللائق بحالهم ذلك، أو المراد خير المتعلمين من يعلم غيره لا من يقتصر على نفسه، أو المراد مراعاة الحيثية لأن القرآن خير الكلام فمتعلمه خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن، وكيفما كان فهو مخصوص بمن علم وتعلم بحيث يكون قد علم ما يجب عليه عينا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج‏)‏ أي حتى ولى الحجاج على العراق قلت‏:‏ بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحجاج اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحجاج العراق ثمان وثلاثون سنة، ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء أبي عبد الرحمن وآخره فالله أعلم بمقدار ذلك، ويعرف من الذي ذكرته أقصى المدة وأدناها، والقائل ‏"‏ وأقرأ إلخ ‏"‏ هو سعد بن عبيدة فإنني لم أر هذه الزيادة إلا من رواية شعبة عن علقمة، وقائل ‏"‏ وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا ‏"‏ هو أبو عبد الرحمن، وحكى الكرماني أنه وقع في بعض نسخ البخاري ‏"‏ قال سعد بن عبيدة وأقرأني أبو عبد الرحمن ‏"‏ قال وهي أنسب لقوله ‏"‏ وذاك الذي أقعدني إلخ ‏"‏ أي أن إقراءه إياي هو الذي حملني على أن قعدت هذا المقعد الجليل ا هـ‏.‏

والذي في معظم النسخ ‏"‏ وأقرأ ‏"‏ بحذف المفعول وهو الصواب، وكأن الكرماني ظن أن قائل ‏"‏ وذاك الذي أقعدني ‏"‏ هو سعد بن عبيدة، وليس كذلك بل قائله أبو عبد الرحمن، ولو كان كما ظن للزم أن تكون المدة الطويلة سيقت لبيان زمان إقراء أبي عبد الرحمن لسعد بن عبيدة، وليس كذلك بل إنما سيقت لبيان طول مدته لإقراء الناس القرآن، وأيضا فكان يلزم أن يكون سعد بن عبيدة قرأ على أبي عبد الرحمن من زمن عثمان، وسعد لم يدرك زمان عثمان، فإن أكبر شيخ له المغيرة بن شعبة وقد عاش بعد عثمان خمس عشرة سنة، وكان يلزم أيضا أن تكون الإشارة بقوله ‏"‏ وذلك ‏"‏ إلى صنيع أبي عبد الرحمن، وليس كذلك بل الإشارة بقوله ذلك إلى الحديث المرفوع، أي أن الحديث الذي حدث به عثمان في أفضلية من تعلم القرآن وعلمه حمل أبا عبد الرحمن أن قعد يعلم الناس القرآن لتحصيل تلك الفضيلة، وقد وقع الذي حملنا كلامه عليه صريحا في رواية أحمد عن محمد بن جعفر وحجاج بن محمد جميعا عن شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة قال ‏"‏ قال أبو عبد الرحمن فذاك الذي أقعدني هذا المقعد ‏"‏ وكذا أخرجه الترمذي من رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة وقال فيه ‏"‏ مقعدي هذا‏"‏، قال وعلم أبو عبد الرحمن القرآن في زمن عثمان حتى بلغ الحجاج، وعند أبي عوانة من طريق بشر بن أبي عمرو وأبي غياث وأبي الوليد ثلاثتهم عن شعبة بلفظ ‏"‏ قال أبو عبد الرحمن‏:‏ فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، وكان يعلم القرآن ‏"‏ والإشارة بذلك إلى الحديث كما قررته، وإسناده إليه إسناد مجازي، ويحتمل أن تكون الإشارة به إلى عثمان وقد وقع رواية أبي عوانة أيضا عن يوسف بن مسلم عن حجاج بن محمد بلفظ ‏"‏ قال أبو عبد الرحمن‏:‏ وهو الذي أجلسني هذا المجلس ‏"‏ وهو محتمل أيضا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سفيان‏)‏ هو الثوري، وعلقمة بن مرثد بمثلثة بوزن جعفر، ومنهم من ضبطه بكسر المثلثة، وهو من ثقات أهل الكوفة من طبقة الأعمش، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في الجنائز من روايته عن سعد بن عبيدة أيضا، وثالث في مناقب الصحابة وقد تقدما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن أفضلكم من تعلم القرآن أو علمه‏)‏ كذا ثبت عندهم بلفظ ‏"‏ أو ‏"‏ وفي رواية الترمذي من طريق بشر بن السري عن سفيان ‏"‏ خيركم أو أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ‏"‏ فاختلف في رواية سفيان أيضا في أن الرواية بأو أو بالواو، وقد تقدم توجيهه‏.‏

وفي الحديث الحث على تعليم القرآن، وقد سئل الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن فرجح الثاني واحتج بهذا الحديث أخرجه ابن أبي داود‏.‏

وأخرج عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرئ القرآن خمس آيات خمس آيات، وأسند من وجه آخر عن أبي العالية مثل ذلك وذكر أن جبريل كان ينزل به كذلك، وهو مرسل جيد، وشاهده ما قدمته في تفسير المدثر وفي تفسير سورة اقرأ‏.‏

ثم ذكر المصنف طرفا من حديث سهل بن سعد في قصة التي وهبت نفسها، قال ابن بطال‏:‏ وجه إدخاله في هذا الباب أنه صلى الله عليه وسلم زوجه المرأة لحرمة القرآن؛ وتعقبه ابن التين بأن السياق يدل على أنه زوجها له على أن يعلمها، وسيأتي البحث فيه مع استيفاء شرحه في كتاب النكاح‏.‏

وقال غيره وجه دخوله أن فضل القرآن ظهر على صاحبه في العاجل بأن قام له مقام المال الذي يتوصل به إلى بلوغ الغرض، وأما نفعه في الآجل فظاهر لا خفاء به‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا قَالَ أَعْطِهَا ثَوْبًا قَالَ لَا أَجِدُ قَالَ أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَاعْتَلَّ لَهُ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهبت نفسها لله ولرسوله‏)‏ في رواية الحموي ‏"‏ وللرسول‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما معك من القرآن‏؟‏ قال‏:‏ كذا وكذا‏)‏ ووقع في الباب الذي يلي هذا ‏"‏ سورة كذا وسورة كذا ‏"‏ وسيأتي بيان ذلك عند شرحه إن شاء الله تعالى

*3*باب الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب القراءة عن ظهر القلب‏)‏ ذكر فيه حديث سهل في الواهبة مطولا، وهو ظاهر فيما ترجم له لقوله فيه ‏"‏ أتقرأهن عن ظهر قلبك‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏"‏ فدل على فضل القراءة عن ظهر القلب لأنها أمكن في التوصل إلى التعليم وقال ابن كثير‏:‏ إن كان البخاري أراد بهذا الحديث الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرا من المصحف ففيه نظر، لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يحسن الكتابة وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فلا يدل ذلك على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل في حق من يحسن ومن لا يحسن، وأيضا فإن سياق هذا الحديث إنما هو لاستثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليتمكن من تعليمه لزوجته، وليس المراد أن هذا أفضل من التلاوة نظرا ولا عدمه‏.‏

قلت‏:‏ ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر، لأن المراد بقوله ‏"‏ باب القراءة عن ظهر قلب ‏"‏ مشروعيتها أو استحبابها، والحديث مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا‏.‏

وقد صرح كثير من العلماء بأن القراءة من المصحف نظرا أفضل من القراءة عن ظهر قلب‏.‏

وأخرج أبو عبيد في ‏"‏ فضائل القرآن ‏"‏ من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفعه قال ‏"‏ فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا كفضل الفريضة على النافلة ‏"‏ وإسناده ضعيف، ومن طريق ابن مسعود موقوفا ‏"‏ أديموا النظر في المصحف ‏"‏ وإسناده صحيح، ومن حيث المعنى أن القراءة في المصحف أسلم من الغلط، لكن القراءة عن ظهر قلب أبعد من الرياء وأمكن للخشوع‏.‏

والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص‏.‏

وأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة ‏"‏ اقرءوا القرآن، ولا تغرنكم هذه المصاحف المعلقة، فإن الله لا يعذب قلبا وعى القرآن ‏"‏ وزعم ابن بطال أن في قوله ‏"‏ أتقرأهن عن ظهر قلب ‏"‏‏؟‏ ردا لما تأوله الشافعي في إنكاح الرجل على أن صداقها أجرة تعليمها، كذا قال‏:‏ ولا دلالة فيه لما ذكر، بل ظاهر سياقه أنه استثبته كما تقدم‏.‏

والله أعلم

*3*باب اسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ وَتَعَاهُدِهِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب استذكار القرآن‏)‏ أي طلب ذكره بضم الذال ‏(‏وتعاهده‏)‏ أي تجديد العهد به بملازمة تلاوته‏.‏

وذكر في الباب ثلاثة أحاديث‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ

الشرح‏:‏

الأول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنما مثل صاحب القرآن‏)‏ أي مع القرآن، والمراد بالصاحب الذي ألفه، قال عياض‏:‏ المؤالفة المصاحبة، وهو كقوله أصحاب الجنة، وقوله ألفه أي ألف تلاوته، وهو أعم من أن يألفها نظرا من المصحف أو عن ظهر قلب، فإن الذي يداوم على ذلك يذل له لسانه ويسهل عليه قراءته، فإذا هجره ثقلت عليه القراءة وشقت عليه، وقوله ‏"‏إنما ‏"‏ يقتضي الحصر على الراجح، لكنه حصر مخصوص بالنسبة إلى الحفظ والنسيان بالتلاوة والترك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كمثل صاحب الإبل المعقلة‏)‏ أي مع الإبل المعقلة‏.‏

والمعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد القاف أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير، شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الشراد، فما زال التعاهد موجودا فالحفظ موجود، كما أن البعير ما دام مشدودا بالعقال فهو محفوظ‏.‏

وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفورا، وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن عاهد عليها أمسكها‏)‏ أي استمر إمساكه لها‏.‏

وفي رواية أيوب عن نافع عند مسلم ‏"‏ فإن عقلها حفظها‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإن أطلقها ذهبت‏)‏ أي انفلتت‏.‏

وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عند مسلم ‏"‏ إن تعاهدها صاحبها فعقلها أمسكها، وإن أطلق عقلها ذهبت ‏"‏ وفي رواية موسى بن عقبة عن نافع إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ نُسِّيَ وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَهُ تَابَعَهُ بِشْرٌ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ شُعْبَةَ وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدَةَ عَنْ شَقِيقٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن عرعرة‏)‏ بعين مهملة مفتوحة وراء ساكنة مكررتين، ومنصور هو ابن المعتمر، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود، وسيأتي في الرواية المعلقة التصريح بسماع شقيق له من ابن مسعود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بئس ما لأحدهم أن يقول‏)‏ قال القرطبي‏:‏ بئس هي أخت نعم، فالأولى للذم والأخرى للمدح، وهما فعلان غير متصرفين يرفعان الفاعل ظاهرا أو مضمرا إلا أنه إذا كان ظاهرا لم يكن في الأمر العام إلا بالألف واللام للجنس أو مضاف إلى ما هما فيه حتى يشتمل على الموصوف بأحدهما، ولا بد من ذكره تعينا كقوله نعم الرجل زيد وبئس الرجل عمرو، فإن كان الفاعل مضمرا فلا بد من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير للضمير كقوله نعم رجلا زيد، وقد يكون هذا التفسير ‏"‏ ما ‏"‏ على ما نص عليه سيبويه كما في هذا الحديث وكما في قوله تعالى ‏(‏فنعما هي‏)‏ ‏.‏

وقال الطيبي‏:‏ و ‏"‏ ما ‏"‏ نكرة موصوفة و ‏"‏ أن يقول ‏"‏ مخصوص بالذم، أي بئس شيئا كان الرجل يقول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نسيت‏)‏ بفتح النون وتخفيف السين اتفاقا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏آية كيت وكيت‏)‏ قال القرطبي‏:‏ كيت وكيت يعبر بهما عن الجمل الكثيرة والحديث الطويل، ومثلهما ذيت وذيت‏.‏

وقال ثعلب‏:‏ كيت للأفعال وذيت للأسماء‏.‏

وحكى ابن التين عن الداودي أن هذه الكلمة مثل كذا إلا أنها خاصة بالمؤنث، وهذا من مفردات الداودي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بل هو نسي‏)‏ بضم النون وتشديد المهملة المكسورة، قال القرطبي‏:‏ رواه بعض رواة مسلم مخففا‏.‏

قلت‏:‏ وكذا هو في مسند أبي يعلى، وكذا أخرجه ابن أبي داود في ‏"‏ كتاب الشريعة ‏"‏ من طرق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على سين علامة التخفيف وقال عياض‏:‏ كان الكناني - يعني أبا الوليد الوقشي - لا يجيز في هذا غير التخفيف‏.‏

قلت‏:‏ والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في ‏"‏ الغريب ‏"‏ بعد قوله كيت وكيت‏:‏ ليس هو نسي ولكنه نسي‏.‏

الأول بفتح النون وتخفيف السين والثاني بضم النون وتثقيل السين، قال القرطبي‏:‏ التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه لتفريطه في معاهدته واستذكاره، قال‏:‏ ومعنى التخفيف أن الرجل ترك غير ملتفت إليه، وهو كقوله تعالى ‏(‏نسوا الله فنسيهم‏)‏ أي تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة‏.‏

واختلف في متعلق الذم من قوله ‏"‏ بئس ‏"‏ على أوجه‏:‏ الأول قيل هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان وهو لا صنع له فيه فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول آنسيت أو نسيت بالتثقيل على البناء للمجهول فيهما، أي أن الله هو الذي أنساني كما قال ‏(‏وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى‏)‏ وقال ‏(‏أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون‏)‏ ‏؟‏ وبهذا الوجه جزم ابن بطال فقال‏:‏ أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية والاستسلام لقدرته، وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى مكتسبنها جائز بدليل الكتاب والسنة‏.‏

ثم ذكر الحديث الآتي في ‏"‏ باب نسيان القرآن ‏"‏ قال‏:‏ وقد أضاف موسى عليه السلام النسيان مرة إلى نفسه ومرة إلى الشيطان فقال ‏(‏إني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان‏)‏ ولكل إضافة منها معنى صحيح، فالإضافة إلى الله بمعنى أنه خالق الأفعال كلها، وإلى النفس لأن الإنسان هو المكتسب لها، وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة ا هـ‏.‏

ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى، وإنما هو كلام فتاه‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نسب النسيان إلى نفسه يعني كما سيأتي في ‏"‏ باب نسيان القرآن ‏"‏ وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال ‏(‏نسيت الحوت‏)‏ وموسى إلى نفسه حيث قال ‏(‏لا تؤاخذني بما نسيت‏)‏ وقد سبق قول الصحابة ‏(‏ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا‏)‏ مساق المدح، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ‏(‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏)‏ فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذم وجنح إلى اختيار الوجه الثاني وهو كالأول لكن سبب الذم ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان نسيت الآية الفلانية فكأنه شهد على نفسه بالتفريط فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد لأنه الذي يورث النسيان‏.‏

الوجه الثالث، قال الإسماعيلي‏:‏ يحتمل أن يكون كره له أن يقول نسيت بمعنى تركت لا بمعنى السهو العارض، كما قال تعالى ‏(‏نسوا الله فنسيهم‏)‏ وهذا اختيار أبي عبيد وطائفة‏.‏

الوجه الرابع، قال الإسماعيلي أيضا‏:‏ يحتمل أن يكون فاعل نسيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قال‏:‏ لا يقل أحد عني إني نسيت آية كذا، فإن الله هو الذي نساني ذلك لحكمة نسخه ورفع تلاوته، وليس لي في ذلك صنع بل الله هو الذي ينسيني لما تنسخ تلاوته؛ وهو كقوله تعالى ‏(‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏)‏ فإن المراد بالمنسي ما ينسخ تلاوته فينسى الله نبيه ما يريد نسخ تلاوته‏.‏

الوجه الخامس، قال الخطابي‏:‏ يحتمل أن يكون ذلك خاصا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل ثم ينسخ منه بعد نزوله الشيء فيذهب رسمه وترفع تلاوته ويسقط حفظه عن حملته، فيقول القائل نسيت آية كذا فنهوا عن ذلك لئلا يتوهم على محكم القرآن الضياع، وأشار لهم إلى أن الذي يقع من ذلك إنما هو بإذن الله لما رآه من الحكمة والمصلحة‏.‏

الوجه السادس، قال الإسماعيلي‏:‏ وفيه وجه آخر وهو أن النسيان الذي هو خلاف الذكر إضافته إلى صاحبه مجاز لأنه عارض له لا عن قصد منه، لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكرا له في حال قصده، فهو كما قال ما مات فلان ولكن أميت‏.‏

قلت‏:‏ وهو قريب من الوجه الأول‏.‏

وأرجح الأوجه الوجه الثاني، ويؤيده عطف الأمر باستذكار القرآن عليه‏.‏

وقال عياض‏:‏ أول ما يتأول عليه ذم الحال لا ذم القول، أي بئس الحال حال من حفظه ثم غفل عنه حتى نسيه‏.‏

وقال النووي‏:‏ الكراهة فيه للتنزيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واستذكروا القرآن‏)‏ أي واظبوا على تلاوته واطلبوا من أنفسكم المذاكرة به، قال الطيبي‏:‏ وهو عطف من حيث المعنى على قوله ‏"‏ بئس ما لأحدكم ‏"‏ أي لا تقصروا في معاهدته واستذكروه، وزاد ابن أبي داود من طريق عاصم عن أبي وائل في هذا الموضع ‏"‏ فإن هذا القرآن وحشي‏"‏‏.‏

وكذا أخرجها من طريق المسيب بن رافع عن ابن مسعود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإنه أشد تفصيا‏)‏ بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة الثقيلة بعدها تحتانية خفيفة أي تفلتا وتخلصا، تقول تفصيت كذا أي أحطت بتفاصيله‏.‏

والاسم الفصة، ووقع في حديث عقبة بن عامر بلفظ ‏"‏ تفلتا ‏"‏ وكذا وقعت عند مسلم في حديث أبي موسى ثالث أحاديث الباب، ونصب على التمييز‏.‏

وفي هذا الحديث زيادة على حديث ابن عمر، لأن في حديث ابن عمر تشبيه أحد الأمرين بالآخر وفي هذا أن هذا أبلغ في النفور من الإبل، ولذا أفصح به في الحديث الثالث حيث قال ‏"‏ لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها ‏"‏ لأن من شأن الإبل تطلب التفلت ما أمكنها فمتى لم يتعاهدها برباطها تفلتت، فكذلك حافظ القرآن إن لم يتعاهده تفلت بل هو أشد في ذلك‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ هذا الحديث يوافق الآيتين قوله تعالى ‏(‏إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا‏)‏ وقوله تعالى ‏(‏ولقد يسرنا القرآن للذكر‏)‏ ، فمن أقبل عليه بالمحافظة والتعاهد يسر له، ومن أعرض عنه تفلت منه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عثمان‏)‏ هو ابن أبي شيبة، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو المذكور في الإسناد الذي قبله‏.‏

وهذه الطريق عند الكشميهني وحده، وثبتت أيضا في رواية النسفي، وقوله ‏"‏مثله ‏"‏ الضمير للحديث الذي قبله، وهو يشعر بأن سياق جرير مساو لسياق شعبة‏.‏

وقد أخرجه مسلم عن عثمان بن أبي شيبة مقرونا بإسحاق بن راهويه وزهير بن حرب ثلاثتهم عن جرير ولفظه مساو للفظ شعبة المذكور إلا أنه قال ‏"‏ استذكروا ‏"‏ بغير واو‏.‏

وقال ‏"‏فلو أشد ‏"‏ بدل قوله ‏"‏ فإنه ‏"‏ وزاد بعد قوله من النعم ‏"‏ بعقلها ‏"‏ وقد أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شيبة بإثبات الواو وقال في آخره ‏"‏ من عقله ‏"‏ وهذه الزيادة ثابتة عنده في حديث شعبة أيضا من رواية غندر عنه بلفظ ‏"‏ بئسما لأحدكم - أو لأحدهم - أن يقول‏:‏ إني نسيت آية كيت وكيت‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بل هو نسي، ويقول استذكروا القرآن إلخ ‏"‏ وكذا ثبتت عنده في رواية الأعمش عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تابعه بشر عن ابن المبارك عن شعبة‏)‏ يريد أن عبد الله بن المبارك تابع محمد بن عرعرة في رواية هذا الحديث عن شعبة وبشر هو ابن محمد المروزي شيخ البخاري، قد أخرج عنه في بدء الوحي وغيره، ونسبة المتابعة إليه مجازية، وقد يوهم أنه تفرد بذلك عن ابن المبارك وليس كذلك‏.‏

فإن الإسماعيلي أخرج الحديث من طريق حبان بن موسى عن ابن المبارك، ويوهم أيضا أن ابن عرعرة وابن المبارك انفردا بذلك عن شعبة وليس كذلك لما ذكر فيه من رواية غندر وقد أخرجها أحمد أيضا عنه، وأخرجه عن حجاج بن محمد وأبي داود الطيالسي كلاهما عن شعبة، وكذا أخرجه الترمذي من رواية الطيالسي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وتابعه ابن جريج عن عبدة عن شقيق سمعت عبد الله‏)‏ أما عبدة فهو بسكون الموحدة وهو ابن أبي لبابة بضم اللام وموحدتين مخففا، وشقيق هو أبو وائل، وعبد الله هو ابن مسعود، وهذه المتابعة وصلها مسلم من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج قال ‏"‏ حدثني عبدة بن أبي لبابة عن شقيق بن سلمة سمعت عبد الله بن مسعود ‏"‏ فذكر الحديث إلى قوله ‏"‏ بل هو نسي ‏"‏ ولم يذكر ما بعده‏.‏

وكذا أخرجه أحمد عن عبد الرزاق، وكذا أخرجه أبو عوانة من طريق محمد بن جحادة عن عبدة، وكأن البخاري أراد بإيراد هذه المتابعة دفع تعليل من أعل الخبر برواية حماد بن زيد وأبي الأحوص له عن منصور موقوفة على ابن مسعود، قال الإسماعيلي‏:‏ روى حماد بن زيد عن منصور وعاصم الحديثين معا موقوفين، وكذا رواهما أبو الأحوص عن منصور‏.‏

وأما ابن عيينة فأسند الأول ووقف الثاني، قال ورفعهما جميعا إبراهيم بن طهمان وعبيدة بن حميد عن منصور، وهو ظاهر سياق سفيان الثوري‏.‏

قلت‏:‏ ورواية عبيدة أخرجها ابن أبي داود‏.‏

ورواية سفيان ستأتي عند المصنف قريبا مرفوعا لكن اقتصر على الحديث الأول‏.‏

وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله مرفوعا الحديثين معا‏.‏

وفي رواية عبدة بن أبي لبابة تصريح ابن مسعود بقوله ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وذلك يقوي رواية من رفعه عن منصور والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن بريد‏)‏ بالموحدة هو ابن عبد الله بن أبي بردة، وشيخه أبو بردة هو جده المذكور، وأبو موسى هو الأشعري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في عقلها‏)‏ بضمتين ويجوز سكون القاف جمع عقال بكسر أوله وهو الحبل، ووقع في رواية الكشميهني ‏"‏ من عقلها ‏"‏ وذكر الكرماني أنه وقع في بعض النسخ ‏"‏ من عللها ‏"‏ بلامين؛ ولم أقف على هذه الرواية، بل هي تصحيف‏.‏

ووقع في رواية الإسماعيلي ‏"‏ بعقلها ‏"‏ قال القرطبي‏:‏ من رواه ‏"‏ من عقلها ‏"‏ فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفلت، وأما من رواه بالباء أو بالفاء فيحتمل أن يكون بمعنى ‏"‏ من ‏"‏ أو للمصاحبة أو الظرفية، والحاصل تشبيه من يتفلت منه القرآن بالناقة التي تفلتت من عقالها وبقيت متعلقة به، كذا قال، والتحرير أن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة‏:‏ فحامل القرآن شبه بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط‏.‏

قال الطيبي‏:‏ ليس بين القرآن والناقة مناسبة لأنه قديم وهي حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى‏.‏

وفي هذه الأحاديث الحض على محافظة القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته، وضرب الأمثال لإيضاح المقاصد، وفي الأخير القسم عند الخبر المقطوع بصدقه مبالغة في تثبيته في صدور سامعيه وحكى ابن التين عن الداودي أن في حديث ابن مسعود حجة لمن قال فيمن ادعى عليه بمال فأنكر وحلف ثم قامت عليه البينة فقال‏:‏ كنت نسيت، أو ادعى بينة أو إبراء، أو التمس يمين المدعي أن ذلك يكون له ويعذر في ذلك، كذا قال