فصل: باب سَكَرَاتِ الْمَوْتِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب‏)‏ كذا للأكثر بغير ترجمة وللكشميهني ‏"‏ باب طلوع الشمس من مغربها ‏"‏ وكذا هو في نسخة الصغاني وهو مناسب ولكن الأول أنسب لأنه يصير كالفصل من الباب الذي قبله ووجه تعلقه به أن طلوع الشمس من مغربها إنما يقع عند إشراف قيام الساعة كما سأقرره‏.‏

قوله ‏(‏أبو الزناد عن عبد الرحمن‏)‏ هو الأعرج وصرح به الطبراني في مسند الشامين عن أحمد بن عبد الوهاب عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه‏.‏

قوله ‏(‏لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها إلخ‏)‏ هذا بعض حديث ساقه المؤلف في أواخر كتاب الفتن بهذا الإسناد بتمامه وفي أوله ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظميتان ‏"‏ الحديث‏.‏

وذكر فيه نحو عشرة أشياء من هذا الجنس ثم ذكر ما في هذا الباب وسأذكر شرحه مستوفي هناك وأقتصر هنا على ما يتعلق بطلوع الشمس لأنه المناسب لما قبله وما بعده من قرب القيامة خاصة وعامة‏.‏

قال الطيبي‏:‏ الآيات أمارات للساعة إما على قربها وإما على حصولها فمن الأول الدجال ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج والخسف ومن الثاني الدخان وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والنار التي تحشر الناس وحديث الباب يؤذن بذلك لأنه جعل في طلوعها من المغرب غاية لعدم قيام الساعة فيقتضي أنها إذا طلعت كذلك انتفى عدم القيام فثبت القيام‏.‏

قوله ‏(‏فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون‏)‏ وقع في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة في التفسير ‏"‏ فإذا رآها الناس آمن من عليها ‏"‏ أي على الأرض من الناس‏.‏

قوله ‏(‏فذاك‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فذلك ‏"‏ وكذا هو في رواية أبي زرعة ووقع في رواية همام عن أبي هريرة في التفسير أيضا ‏"‏ وذلك ‏"‏ بالواو‏.‏

قوله ‏(‏حين لا ينفع نفسا إيمانها الآية‏)‏ كذا هنا وفي رواية أبي زرعة ‏"‏ إيمانها لم تكن آمنت من قبل ‏"‏ وفي رواية همام ‏"‏ إيمانها ثم قرأ الآية ‏"‏ قال الطبري‏:‏ معنى الآية لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع إيمان بعد الطلوع ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئا كما قال تعالى ‏(‏فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا‏)‏ وكما ثبت في الحديث الصحيح ‏"‏ تقبل توبة العبد ما لم يبلغ الغرغرة ‏"‏ وقال ابن عطية‏:‏ في هذا الحديث دليل على أن المراد بالبعض في قوله تعالى ‏(‏يوم يأتي بعض آيات ربك‏)‏ طلوع الشمس من المغرب وإلى ذلك ذهب الجمهور وأسند الطبري عن ابن مسعود أن المراد بالبعض إحدى ثلاث هذه أو خروج الدابة أو الدجال قال‏:‏ وفيه نظر لأن نزول عيسى بن مريم يعقب خروج الدجال وعيسى لا يقبل إلا الإيمان فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يقبل الإيمان ولا التوبة‏.‏

قلت‏:‏ ثبت في صحيح مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏:‏ طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ‏"‏ قيل فلعل حصول ذلك يكون متتابعا بحيث تبقى النسبة إلى الأول منها مجازية وهذا بعيد لأن مدة لبث الدجال إلى أن يقتله عيسى ثم لبس عيسى وخروج يأجوج ومأجوج كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب فالذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب‏.‏

وقد أخرج مسلم أيضا من طريق أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه ‏"‏ أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب ‏"‏ وفي الحديث قصة لمروان بن الحكم وأنه كان يقول‏:‏ أول الآيات خروج الدجال فأنكر عليه عبد الله بن عمرو‏.‏

قلت‏:‏ ولكلام مروان محمل يعرف مما ذكرته‏.‏

قال الحاكم أبو عبد الله‏:‏ الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه‏.‏

قلت‏:‏ والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا للمقصود من إغلاق باب التوبة وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس كما تقدم في حديث أنس في بدء الخلق في مسائل عبد الله بن سلام ففيه ‏"‏ وأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ‏"‏ وسيأتي فيه زيادة في ‏"‏ باب كيف الحشر ‏"‏ قال ابن عطية وغيره ما حاصله‏:‏ معنى الآية أن الكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب وكذلك العاصي لا تنفعه توبته ومن لم يعمل صالحا من قبل ولو كان مؤمنا لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب‏.‏

وقال القاضي عياض‏:‏ المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك بل يختم على عمل كل أحد بالحالة التي هو عليها‏.‏

والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة وارتفع الإيمان بالغيب فهو كالإيمان عند الغرغرة وهو لا ينفع فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله‏.‏

وقال القرطبي في ‏"‏ التذكرة ‏"‏ بعد أن ذكر هذا‏:‏ فعلى هذا فتوبة من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر أو ينقطع تواتره ويصير الخبر عنه آحادا فمن أسلم حينئذ أو تاب قبل منه‏.‏

وأيد ذلك بأنه روى أن الشمس والقمر يكسيان الضوء بعد ذلك ويطلعان ويغربان من المشرق كما كانا قبل ذلك‏.‏

قال وذكر أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن عمران بن حصين قال‏:‏ إنما لا يقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع لأنه يكون حينئذ صيحة فيهلك بها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته‏.‏

قال وذكر الميانشي عن عبد الله بن عمرو رفعه قال‏:‏ تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة‏.‏

قلت‏:‏ رفع هذا لا يثبت‏.‏

وقد أخرجه عبد ابن حميد في تفسيره بسند جيد عن عبد الله بن عمرو موقوفا وقد ورد عنه ما يعارضه فأخرج أحمد ونعيم بن حماد من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو رفعه‏:‏ الآيات خرزات منظومات في سلك إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضا‏.‏

وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو رفعه‏:‏ إذا طلع الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت الحديث‏.‏

وأخرج نعيم نحوه عن أبي هريرة والحسن وقتادة بأسانيد مختلفة‏.‏

وعند ابن عساكر من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رفعه‏:‏ بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط إذا سقط منها واحده توالت‏.‏

وعن أبي العالية بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر يتتابعن كتتابع الخرزات في النظام‏.‏

ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بأن المدة ولو كانت كما قال عشرين ومائة سنة لكنها تمر مرورا سريعا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك أو دون ذلك كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ واليوم كاحتراق السعفة ‏"‏ وأما حديث عمران فلا أصل له وقد سبقه إلى هذا الاحتمال البيهقي في ‏"‏ البعث والنشور ‏"‏ فقال في ‏"‏ باب خروج يأجوج ومأجوج ‏"‏ فصل ذكر الحليمي أن أول الآيات الدجال ثم نزول عيسى لأن طلوع الشمس من المغرب لو كان قبل نزول عيسى لم ينفع الكفار إيمانهم في زمانه ولكنه ينفعهم إذ لو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من أسلم منهم‏.‏

قال البيهقي‏:‏ وهو كلام صحيح لو لم يعارض الحديث الصحيح المذكور أن ‏"‏ أول الآيات طلوع الشمس من المغرب ‏"‏ وفي حديث عبد الله بن عمرو طلوع الشمس أو خروج الدابة وفي حديث أبي حازم عن أبي هريرة الجزم بهما وبالدجال في عدم نفع الإيمان‏.‏

قال البيهقي‏:‏ إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابق احتمل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك فإذا انقرضوا وتطاول الزمان وعاد بعضهم إلى الكفر عاد تكليفه الإيمان بالغيب وكذا في قصة الدجال لا ينفع إيمان من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال وينفعه بعد انقراضه‏.‏

وإن كان في علم الله طلوع الشمس بعد نزول عيسى احتمل أن يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عمرو آيات أخرى غير الدجال ونزول عيسى إذ ليس في الخبر نص على أنه يتقدم عيسى‏.‏

قلت‏:‏ وهذا الثاني هو المعتمد والأخبار الصحيحة تخالفه ففي صحيح مسلم من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه ‏"‏ من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ‏"‏ فمفهومه أن من تاب بعد ذلك لم تقبل‏.‏

ولأبي داود والنسائي من حديث معاوية رفعه ‏"‏ لا تزال تقبل التوبة حتى يطلع الشمس من مغربها ‏"‏ وسنده جيد‏.‏

وللطبراني عن عبد الله بن سلام نحوه‏.‏

وأخرج أحمد والطبري والطبراني من طريق مالك بن يخامر بضم التحتانية بعدها خاء معجمة وبكسر الميم وعن معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو رفعوه ‏"‏ لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل ‏"‏ وأخرج أحمد والدارمي وعبد بن حميد في تفسيره كلهم من طريق أبي هند عن معاوية رفعه ‏"‏ لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ‏"‏ وأخرج الطبري بسند جيد من طريق أبي الشعثاء عن ابن مسعود موقوفا ‏"‏ التوبة مفروضة ما لم تطلع الشمس من مغربها ‏"‏ وفي حديث صفوان بن عسال ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه ‏"‏ أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وأخرجه أيضا النسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان‏.‏

وفي حديث ابن عباس نحوه عند ابن مردويه وفيه ‏"‏ فإذا طلعت الشمس من مغربها رد المصراعان فليتئم ما بينهما فإذا أغلق ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة ولا تنفع حسنة إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك فإنه يجري لهم ما كان قبل ذلك ‏"‏ وفيه ‏"‏ فقال أبي بن كعب‏:‏ فكيف بالشمس والناس بعد ذلك‏؟‏ قال‏:‏ تكسي الشمس الضوء وتطلع كما كانت تطلع وتقبل الناس على الدنيا فلو نتج رجل مهرا لم يركبه حتى تقوم الساعة ‏"‏ وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند نعيم ابن حماد في كتاب الفتن وعبد الرزاق في تفسيره عن وهب بن جابر الخيواني بالخاء المعجمة قال ‏"‏ كنا عند عبد الله بن عمرو فذكر قصة قال ثم أنشأ يحدثنا قال‏:‏ إن الشمس إذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت في الطلوع فيؤذن لها حتى إذا كان ذات ليلة فلا يؤذن لها وتحبس ما شاء الله تعالى ثم يقال لها‏:‏ اطلعي من حيث غربت قال فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل‏.‏

وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق كذلك ومن طريق أخرى وزاد فيها قصة المتهجدين وأنهم هم الذين يستنكرون بطء طلوع الشمس‏.‏

وأخرج أيضا من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال ‏"‏ تأتي ليلة قدر ثلاث ليال لا يعرفها إلا المتهجدون يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ ثم ينام ثم يقوم فعندها يموج الناس بعضهم في بعض حتى إذا صلوا الفجر وجلسوا فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فيضج الناس ضجة واحدة حتى إذا توسطت السماء رجعت ‏"‏ وعند البيهقي في ‏"‏ البعث والنشور ‏"‏ من حديث ابن مسعود نحوه ‏"‏ فينادي الرجل جاره يا فلان ما شأن الليلة لقد نمت حتى شبعت وصليت حتى أعييت ‏"‏ وعند نعيم بن حماد من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو قال ‏"‏ لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلا قليلا حتى تطلع الشمس من مغربها فيناديهم مناد‏:‏ يا أيها الذين آمنوا قد قبل منكم ويا أيها الذين كفروا قد أغلق عنكم باب التوبة وجفت الأقلام وطويت الصحف ‏"‏ ومن طريق يزيد بن شريح وكثير بن مرة ‏"‏ إذا طلعت الشمس من المغرب يطبع على القلوب بما فيها وترتفع الحفظة وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا ‏"‏ وأخرج عبد بن حميد والطبري بسند صحيح من طريق عامر الشعبي عن عائشة ‏"‏ إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وطويت الصحف وخلصت الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال ‏"‏ وهو وإن كان موقوفا فحكمه الرفع‏.‏

ومن طريق العوفي عن ابن عباس نحوه ومن طريق ابن مسعود قال ‏"‏ الآية التي يختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها ‏"‏ فهذه آثار يشد بعضها بعضا متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة ولم يفتح بعد ذلك وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع بل يمتد إلى يوم القيامة ويؤخذ منها أن طلوع الشمس من مغربها أول الإنذار بقيام الساعة وفي ذلك رد على أصحاب الهيئة ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا يختلف مقتضياتها ولا يتطرق إليها تغيير ما هي عليه قال الكرماني‏:‏ وقواعدهم منقوضة ومقدماتهم ممنوعة وعلى تقدير تسليمها فلا امتناع من انطباق منطقة البروج التي هي معدل النهار بحيث يصير المشرق مغربا وبالعكس‏.‏

واستدل صاحب ‏"‏ الكشاف ‏"‏ بهذه الآية للمعتزلة فقال‏:‏ قوله ‏(‏لم تكن آمنت من قبل‏)‏ صفة لقوله ‏(‏نفسا‏)‏ وقوله ‏(‏أو كسبت في إيمانها خيرا‏)‏ عطف على ‏(‏آمنت‏)‏ المعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة للإيمان ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ من غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات أو مقدمة إيمانها من غير تقديم عمل صالح فلم يفرق كما ترى بين النفس‏.‏

الكافرة وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكتسب خيرا ليعلم أن قوله ‏(‏الذين آمنوا عملوا الصالحات‏)‏ جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبها ويسعد وإلا فالشقوة والهلاك‏.‏

قال الشهاب السمين‏:‏ قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية أنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسا كافرة إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك ولا ينفع نفسا سبق إيمانها ولم تكسب فيه خيرا فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين‏:‏ إما نفي سبق الإيمان فقط وإما سبقه مع نفي كسب الخير ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده وكذا السابق ومعه الخير ومفهوم الصفة قوي فيستدل بالآية لمذهب أهل السنة ويكون فيه قلب دليل المعتزلة دليلا عليهم‏.‏

وأجاب ابن المنير في ‏"‏ الانتصاف ‏"‏ فقال‏:‏ هذا الكلام من البلاغة يلقب اللف وأصله يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ما تكتسبه من الخير بعد فلف الكلامين فجعلهما كلاما واحدا إيجازا وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحق فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له‏.‏

وقال ابن الحاجب في أماليه‏:‏ الإيمان قبل مجيء الآية نافع ولو لم يكن عمل صالح غيره ومعنى الآية لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح لم يكن الإيمان قبل الآية أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها فاختصر للعلم ونقل الطيبي كلام الأئمة في ذلك ثم قال‏:‏ المعتمد ما قال ابن المنير وابن الحاجب وبسطه أن الله تعالى لما خاطب المعاندين يقوله تعالى ‏(‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه‏)‏ الآية علل الإنزال بقوله ‏(‏أن تقولوا إنما أنزل الكتاب‏)‏ إلخ إزالة للعذر وإلزاما للحجة وعقبه بقوله ‏(‏فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة‏)‏ تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب الاتباع ثم قال ‏(‏فمن أظلم ممن كذب‏)‏ الآية‏.‏

أي أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من الله للخلق ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح فجعلوا شكر النعمة أن كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها ثم قال ‏(‏هل ينظرون‏)‏ الآية أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من قبل من الإيمان وكذا العمل الصالح مع الإيمان فكأنه قيل يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل ففي الآية لف لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر ونظيره قوله تعالى ‏(‏ومن يستنكف من عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا‏)‏ قال‏:‏ فهذا‏:‏ الذي عناه ابن المنير بقوله إن هذا الكلام في البلاغة يقال له اللف والمعنى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة من قبل ذلك إيمانها من بعد ذلك ولا ينفع نفسها كانت مؤمنة لكن لم تعمل في إيمانها عملا صالحا قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك قال‏:‏ وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير أي لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة وإن كان ما سبق قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة‏.‏

ثم قال الطيبي‏:‏ وقد ظفرت بفضل الله بعد هدا التقرير على آية أخرى تشبه هذه الآية وتناسب هذا التقرير معنى ولفظا من غير إفراط ولا تفريط وهي قوله تعالى ‏(‏ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم‏)‏ الآية فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلا والله أعلم‏.‏

انتهى ملخصا‏.‏

قوله ‏(‏ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته‏)‏ بكسر اللام وسكون القاف بعدها مهملة هي ذات الدر من النوق‏.‏

قوله ‏(‏يليط حوضه‏)‏ بضم أوله ويقال ألاط حوضه إذا مدره أي جمع حجارة فصيرها كالحوض ثم سد ما بينها من الفرج بالمدر ونحوه لينحبس الماء؛ هذا أصله وقد يكون للحوض خروق فيسدها بالمدر قبل أن يملأه وفي كل ذلك إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة كما قال تعالى ‏(‏لا تأتيكم إلا بغتة‏)‏ ‏.‏

*3*باب مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه‏)‏ هكذا ترجم بالشق الأول من الحديث الأول إشارة إلى بقيته على طريق الاكتفاء قال العلماء‏:‏ محبة الله لعبده إرادته الخير له وهدايته إليه وإنعامه عليه وكراهته له على الضد من ذلك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ اخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَعَمْرٌو عَنْ شُعْبَةَ وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا حجاج‏)‏ هو ابن المنهال البصري وهو من كبار شيوخ البخاري وقد روي عن همام أيضا حجاج بن محمد المصيصي لكن لم يدركه البخاري‏.‏

قوله ‏(‏عن قتادة‏)‏ لهمام فيه إسناد آخر أخرجه أحمد عن عفان عن همام عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ‏"‏ حدثني فلان ابن فلان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فذكر الحديث بطوله بمعناه وسنده قوي وإبهام الصحابي لا يضر وليس ذلك اختلافا على همام فقد أخرجه أحمد عن عفان عن همام عن قتادة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أنس‏)‏ في رواية شعبة عن قتادة ‏"‏ سمعت أنسا ‏"‏ وسيأتي بيانه في الرواية المعلقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبادة بن الصامت‏)‏ قد رواه حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير واسطة أخرجه أحمد والنسائي والبزار من طريقه‏.‏

وذكر البزار أنه تفرد به فإن أراد مطلقا وردت عليه رواية قتادة وإن أرد بقيد كونه جعله من مسند أنس سلم‏.‏

قوله ‏(‏من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه‏)‏ قال الكرماني‏:‏ ليس الشرط سببا للجزاء بل الأمر بالعكس ولكنه على تأويل الخبر أي من أحب لقاء الله أخبره بأن أحب لقاءه وكذا الكراهة وقال غيره فيما نقله ابن عبد البر وغيره ‏"‏ من ‏"‏ هنا خبرية وليست شرطية فليس معناه أن سبب حب الله لقاء العبد حب العبد لقاءه ولا الكراهة ولكنه صفة حال الطائفتين في أنفسهم عند ربهم والتقدير من أحب لقاء الله فهو الذي أحب الله لقاءه وكذا الكراهة‏.‏

قلت‏:‏ ولا حاجة إلى دعوى نفي الشرطية فسيأتي في التوحيد من حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ قال الله عز وجل إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه ‏"‏ الحديث فيعين أن ‏"‏ من ‏"‏ في حديث الباب شرطية وتأويلها ما سبق وفي قوله ‏"‏ أحب الله لقاءه ‏"‏ العدول عن الضمير إلى الظاهر تفخيما وتعظيما ودفعا لتوهم عود الضمير على الموصول لئلا يتحد في الصورة المبتدأ والخبر ففيه إصلاح اللفظ لتصحيح المعنى وأيضا فعود الضمير على المصاف إليه قليل‏.‏

وقرأت بخط ابن الصائغ في ‏"‏ شرح المشارق ‏"‏ يحتمل أن يكون لقاء الله مضافا للمفعول فأقامه مقام الفاعل ولقاءه إما مضاف للمفعول أو للفاعل الضمير أو للموصول لأن الجواب إذا كان شرطا فالأولى أن يكون فيه ضمير نعم هو موجود هنا ولكن تقديرا‏.‏

قوله ‏(‏ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه‏)‏ قال المازري‏:‏ من قضى الله بموته لا بد أن يموت وإن كان كارها للقاء الله ولو كره الله موته لما مات فيحمل الحديث على كراهته سبحانه وتعالى الغفران له وإرادته لإبعاده من رحمته‏.‏

قلت‏:‏ ولا اختصاص لهذا البحث بهذا الشق فإنه يأتي مثله في الشق الأول كأن يقال مثلا من قضى الله بامتداد حياته لا يموت ولو كان محبا للموت إلخ‏.‏

قوله ‏(‏قالت عائشة أو بعض أزواجه‏)‏ كذا في هذه الرواية بالشك وجزم سعد بن هشام في روايته عن عائشة بأنها هي التي قالت ذلك ولم يتردد وهذه الزيادة في هذا الحديث لا تظهر صريحا هل هي من كلام عبادة والمعنى أنه سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وسمع مراجعة عائشة أو من كلام أنس بأن يكون حضر ذلك فقد وقع في رواية حميد التي أشرت إليها بلفظ ‏"‏ فقلنا يا رسول الله ‏"‏ فيكون أسند القول إلى جماعة وإن كان المباشر له واحدا وهي عائشة وكذا وقع في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى التي أشرت إليها وفيها ‏"‏ فأكب القوم يبكون وقالوا‏:‏ إنا نكره الموت قال‏:‏ ليس ذلك ‏"‏ ولابن أبي شيبة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة نحو حديث الباب وفيه ‏"‏ قيل يا رسول الله ما منا من أحد إلا وهو يكره الموت فقال‏:‏ إذا كان ذلك كشف له ‏"‏ ويحتمل أيضا أن يكون من كلام قتادة أرسله في رواية همام ووصله في رواية سعيد بن أبي عروبة عنه عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة فيكون في رواية همام إدراج وهذا أرجح في نظري فقد أخرجه مسلم عن هداب بن خالد عن همام مقتصرا على أصل الحديث دون قوله ‏"‏ فقالت عائشة إلخ ‏"‏ ثم أخرجه من رواية سعيد بن أبي عروبة موصولا تاما وكذا أخرجه هو وأحمد من رواية شعبة والنسائي من رواية سليمان التيمي كلاهما عن قتادة وكذا جاء عن أبي هريرة وغير واحد من الصحابة بدون المراجعة وقد أخرجه الحسن بن سفيان وأبو يعلى جميعا عن هدبة بن خالد عن همام تاما كما أخرجه البخاري عن حجاج عن همام وهدبة هو هداب شيخ مسلم فكأن مسلما حذف الزيادة عمدا لكونها مرسلة من هذا الوجه واكتفى بإيرادها موصولة من طريق سعيد بن أبي عروبة وقد رمز البخاري إلى ذلك حيث علق رواية شعبة بقوله اختصره إلخ وكذا أشار إلى رواية سعيد تعليقا وهذا من العلل الخفية جدا‏.‏

قوله ‏(‏إنا لنكره الموت‏)‏ في رواية سعد بن هشام ‏"‏ فقالت يا نبي الله أكراهة الموت‏؟‏ فكلنا نكره الموت‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏بشر برضوان الله وكرامته‏)‏ في رواية سعد بن هشام ‏"‏ بشر برحمة الله ورضوانه وجنته ‏"‏ وفي حديث حميد عن أنس ‏"‏ ولكن المؤمن إذا حضر جاءه البشير من الله وليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه ‏"‏ وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ‏"‏ ولكنه إذا حضر فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فليس شيء أحب إليه مما أمامه‏)‏ بفتح الهمزة أي ما يستقبله بعد الموت وقد وقعت هذه المراجعة من عائشة لبعض التابعين فأخرج مسلم والنسائي من طريق شريح بن هانئ قال سمعت أبا هريرة فذكر أصل الحديث قال ‏"‏ فأتيت عائشة فقلت سمعت حديثا إن كان كذلك فقد هلكنا ‏"‏ فذكره قال ‏"‏ وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت فقالت‏:‏ ليس بالذي تذهب إليه ولكن إذا شخص البصر - بفتح الشين والخاء المعجمتين وآخره مهملة أي فتح المحتضر عينيه إلى فوق فلم يطرف - وحشرج الصدر - بحاء مهملة مفتوحة بعدها معجمة وآخره جيم أي ترددت الروح في الصدر - واقشعر الجلد وتشنجت ‏"‏ بالشين المعجمة والنون الثقيلة والجيم أي تقبضت وهذه الأمور هي حالة المحتضر وكأن عائشة أخذته من معنى الخبر الذي رواه عنها سعد بن هشام مرفوعا وأخرجه مسلم والنسائي أيضا عن شريح بن هانئ عن عائشة مثل روايته عن أبي هريرة وزاد في آخره ‏"‏ والموت دون لقاء الله ‏"‏ وهذه الزيادة من كلام عائشة فيما يظهر لي ذكرتها استنباطا مما تقدم وعند عبد بن حميد من وجه آخر عن عائشة مرفوعا ‏"‏ إذا أراد الله بعبد خيرا قيض له قبل موته بعام ملكا يسده ويوفقه حتى يقال مات بخير ما كان فإذا حضر ورأى ثوابه اشتاقت نفسه فذلك حين أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وإذا أراد الله بعبد شرا قيض له قبل موته بعام شيطانا فأضله وفتنه حتى يقال مات بشر ما كان عليه‏.‏

فإذا حضر ورأى ما أعد له من العذاب جزعت نفسه فذلك حين كره لقاء الله وكره الله لقاءه ‏"‏ قال الخطابي‏:‏ تضمن حديث الباب من التفسير ما فيه غنية عن غيره واللقاء يقع على أوجه‏:‏ منها المعاينة ومنها البعث كقوله تعالى ‏(‏الذين كذبوا بلقاء الله‏)‏ ومنها الموت كقوله ‏(‏من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت‏)‏ وقوله ‏(‏قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم‏)‏ وقال ابن الأثير في النهاية‏:‏ المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة وطلب ما عند الله وليس الغرض به الموت لأن كلا يكرهه فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله لأنه إنما يصل إليه بالموت‏.‏

وقول عائشة والموت دون لقاء الله يبين أن الموت غير اللقاء ولكنه معترض دون الغرض المطلوب فيجب أن يصبر عليه ويحتمل مشاقه حتى يصل إلى الفوز باللقاء‏.‏

قال الطيبي‏:‏ يريد أن قول عائشة إنا لنكره الموت يوهم أن المراد بلقاء الله في الحديث الموت وليس كذلك لأن لقاء الله غير الموت بدليل قوله في الرواية الأخرى ‏"‏ والموت دون لقاء الله ‏"‏ لكن لما كان الموت وسيلة إلى لقاء الله عبر عنه بلقاء الله وقد سبق ابن الأثير إلى تأويل لقاء الله بغير الموت الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام فقال‏:‏ ليس وجهه عندي كراهة الموت وشدته لأن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا والركون إليها وكراهية أن يصير إلى الله والدار الآخرة‏.‏

قال‏:‏ ومما يبين ذلك أن الله تعالى عاب قوما بحب الحياة فقال ‏(‏إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها‏)‏ وقال الخطابي‏:‏ معنى محبة العبد للقاء الله إيثاره الآخرة على الدنيا فلا يحب استمرار الإقامة فيها بل يستعد للارتحال عنها والكراهة بضد ذلك وقال النووي‏:‏ معنى الحديث أن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعا هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة حيث يكشف الحال للمحتضر ويظهر له ما هو صائر إليه‏.‏

قوله ‏(‏بشر بعذاب الله وعقوبته‏)‏ في رواية سعد بن هشام ‏"‏ بشر بعذاب الله وسخطه ‏"‏ وفي رواية حميد عن أنس ‏"‏ وإن الكافر أو الفاجر إذا جاءه ما هو صائر إليه من السوء أو ما يلقى من الشر إلخ ‏"‏ وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى نحو ما مضى‏.‏

قوله ‏(‏اختصره أبو داود وعمرو عن شعبة‏)‏ يعني عن قتادة عن أنس عن عبادة ومعنى اختصاره أنه اقتصر على أصل الحديث دون قوله ‏"‏ فقالت عائشة إلخ ‏"‏ فأما رواية أبي داود وهو الطيالسي فوصلها الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي داود وكذا وقع لنا بعلو في مسند أبي داود الطيالسي وأما رواية عمرو وهو ابن مرزوق فوصلها الطبراني في ‏"‏ المعجم الكبير ‏"‏ عن أبي مسلم الكجي ويوسف بن يعقوب القاضي كلاهما عن عمرو بن مرزوق وكذا أخرجه أحمد عن محمد بن جعفر عن شعبة وهو عند مسلم من رواية محمد بن جعفر وهو غندر‏.‏

قوله ‏(‏وقال سعيد عن قتادة إلخ‏)‏ وصله مسلم من طريق خالد بن الحارث ومحمد بن بكر كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة كما تقدم بيانه وكذا أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من رواية سعيد بن أبي عروبة ووقع لنا بعلو في ‏"‏ كتاب البعث ‏"‏ لابن أبي داود‏.‏

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم البداءة بأهل الخير في الذكر لشرفهم وإن كان هل الشر أكثر وفيه أن المجازاة من جنس العمل فإنه قابل المحبة بالمحبة والكراهة بالكراهة وفيه أن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة وفيه نظر فإن اللقاء أعم من الرؤية ويحتمل على بعد أن يكون في قوله ‏"‏ لقاء الله ‏"‏ حذف تقديره لقاء ثواب الله ونحو ذلك ووجه البعد فيه الإتيان بمقابله لأن أحدا من العقلاء لا يكره لقاء ثواب الله بل كل من يكره الموت إنما يكرهه خشية أن لا يلقى ثواب الله إما لإبطائه عن دخول الجنة بالشغل بالتبعات وإما لعدم دخولها أصلا كالكافر‏.‏

وفيه أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلا على أنه بشر بالخير وكذا بالعكس‏.‏

وفيه أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت كأن تكون المحبة حاصلة لا يفترق حاله فيها بحصول الموت ولا بتأخره وأن النهي عن تمني الموت محمول على حالة الحياة المستمرة وأما عند الاحتضار والمعاينة فلا تدخل تحت النهي بل هي مستحبة‏.‏

وفيه أن في كراهة الموت في حال الصحة تفصيلا فمن كرهه إيثارا للحياة على ما بعد الموت من نعيم الآخرة كان مذموما ومن كرهه خشية أن يفضي إلى المؤاخذة كأن يكون مقصرا في العمل لم يستعد له بالأهبة بأن يتخلص من التبعات ويقوم بأمر الله كما يجب فهو معذور لكن ينبغي لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة حتى إذا حضره الموت لا يكرهه بل يحبه لما يرجو بعده من لقاء الله تعالى‏.‏

وفيه أن الله تعالى لا يراه في الدنيا أحد من الأحياء وإنما يقع ذلك للمؤمنين بعد الموت أخذا من قوله ‏"‏ والموت دون لقاء الله ‏"‏ وقد تقدم أن اللقاء أعم من الرؤية فإذا انتفى اللقاء انتفت الرؤية وقد ورد بأصرح من هذا في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعا في حديث طويل وفيه ‏"‏ واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ

الشرح‏:‏

حديث أبي موسى مثل حديث عبادة دون قوله ‏"‏ فقالت عائشة إلخ ‏"‏ وكأنه أورده استظهارا لصحة الحديث وقد أخرجه مسلم أيضا وبريد بموحدة ثم مهملة هو ابن عبد الله بن أبي بردة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى قُلْتُ إِذًا لَا يَخْتَارُنَا وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ قَالَتْ فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم‏)‏ كذا في رواية عقيل ومضى في الوفاة النبوية من طريق شعيب عن الزهري ‏"‏ أخبرني عروة ‏"‏ ولم يذكر معه أحدا ومن طريق يونس عن الزهري ‏"‏ أخبرني سعيد بن المسيب في رجال من أهل العلم ‏"‏ ولم يذكر عروة وقد ذكرت في كتاب الدعوات تسمية بعض من أبهم في هذه الرواية من شيوخ الزهري وتقدم شرح الحديث مستوفي في الوفاة النبوية ومناسبته للترجمة من جهة اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للقاء الله بعد أن خير بين الموت والحياة فاختار الموت فينبغي الاستنان به في ذلك‏.‏

وقد ذكر بعض الشراح أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت لما أتاه ليقبض روحه‏:‏ هل رأيت خليلا يميت خليله‏؟‏ فأوحى الله تعالى إليه قل له هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله‏؟‏ فقال يا ملك الموت الآن فاقبض‏.‏

ووجدت في ‏"‏ المبتدأ ‏"‏ لأبي حذيفة إسحاق بن بشر البخاري أحد الضعفاء بسند له عن ابن عمر قال ‏"‏ قال ملك الموت يا رب إن عبدك إبراهيم جزع من الموت فقال‏:‏ قل له الخليل إذا طال به العهد من خليله اشتاق إليه‏.‏

فبلغه فقال‏:‏ نعم يا رب قد اشتقت إلى لقائك فأعطاه ريحانة فشمها فقبض فيها‏"‏‏.‏

*3*باب سَكَرَاتِ الْمَوْتِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب سكرات الموت‏)‏ بفتح المهملة والكاف جمع سكرة قال الراغب وغيره‏:‏ السكر حالة تعرض بين المرء وعقله وأكثر ما تستعمل في الشراب المسكر ويطلق في الغضب والعشق والألم والنعاس والغشي الناشىء عن الألم وهو المراد هنا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ يَشُكُّ عُمَرُ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ الْعُلْبَةُ مِنْ الْخَشَبِ وَالرَّكْوَةُ مِنْ الْأَدَمِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن عمر بن سعيد‏)‏ أي ابن أبي حسين المكي‏.‏

قوله ‏(‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه ركوة أو علبة‏)‏ بضم المهملة وسكون اللام بعدها موحدة‏.‏

قوله ‏(‏شك عمر‏)‏ هو ابن سعيد بن أبي حسين راويه وتقدم في الوفاة النبوية بلفظ ‏"‏ يشك عمر ‏"‏ وفي رواية الإسماعيلي ‏"‏ شك ابن أبي حسين‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فجعل يدخل يده‏)‏ عند الكشميهني ‏"‏ يديه ‏"‏ بالتثنية وكذا تقدم لهم في الوفاة النبوية بهذا الإسناد في أثناء حديث أوله قصة السواك فاختصره المؤلف هنا‏.‏

قوله ‏(‏فيمسح بها‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ بهما ‏"‏ بالتثنية وكذا لهم في الوفاة‏.‏

قوله ‏(‏إن للموت سكرات‏)‏ وقع في رواية القاسم عن عائشة عند أصحاب السنن سوى أبي داود بسند حسن بلفظ ‏"‏ ثم يقول اللهم أعني على سكرات الموت ‏"‏ وقد تقدم شرح الحديث مستوفي هناك‏.‏

وتقدم هناك أيضا من رواية القاسم بن محمد عن عائشة ‏"‏ مات النبي صلى الله عليه وسلم وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي‏.‏

فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وأخرجه الترمذي عنها بلفظ ‏"‏ ما أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏قال أبو عبد الله‏)‏ هو البخاري‏.‏

قوله ‏(‏العلبة من الخشب والركوة من الأدم‏)‏ ثبت هذا في رواية المستملي وحده وهو المشهور في تفسيرهما ووقع في ‏"‏ المحكم ‏"‏‏:‏ الركوة شبه تور من أدم قال المطرزي‏:‏ دلو صغير‏:‏ وقال غيره‏:‏ كالقصعة تتخذ من جلد ولها طوق خشب‏.‏

وأما العلبة فقال العسكري‏:‏ هي قدح الأعراب تتخذ من جلد‏.‏

وقال ابن فارس‏:‏ قدح ضخم من خشب وقد يتخذ من جلد وقيل أسفله جلد وأعلاه خشب مدور‏.‏

وفي الحديث أن شدة الموت لا تدل على نقص في المرتبة بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته وإما تكفير لسيئاته‏.‏

وبهذا التقرير تظهر مناسبة أحاديث الباب للترجمة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَعْرَابِ جُفَاةً يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ مَتَى السَّاعَةُ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ قَالَ هِشَامٌ يَعْنِي مَوْتَهُمْ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏صدقة‏)‏ هو ابن الفضل المروزي وعبدة هو ابن سليمان‏.‏

وهشام هو ابن عروة‏.‏

قوله ‏(‏كان رجال من الأعراب‏)‏ لم أقف على أسمائهم‏.‏

قوله ‏(‏جفاة‏)‏ في رواية الأكثر بالجيم وفي رواية بعضهم بالمهملة وإنما وصفهم بذلك أما على رواية الجيم فلأن سكان البوادي يغلب عليهم الشظف وخشونة العيش فتجفو أخلاقهم غالبا‏.‏

وأما على رواية الحاء فلقلة اعتنائهم بالملابس‏.‏

قوله ‏(‏متى الساعة‏)‏ ‏؟‏ في رواية مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام ‏"‏ كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة‏؟‏ وكان ذلك لما طرق أسماعهم من تكرار اقترابها في القرآن فأرادوا أن يعرفوا تعيين وقتها‏.‏

قوله ‏(‏فينظر إلى أصغرهم‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال ‏"‏ ورواية عبدة ظاهرها تكرير ذلك ويؤيد سياق مسلم حديث أنس عنده ‏"‏ إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تقوم الساعة ‏"‏ ولم أقف على اسم هذا بعينه لكنه يحتمل أن يفسر بذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد وسأل متى تقوم الساعة وقال اللهم ارحمني ومحمدا ولكن جوابه عن السؤال عن الساعة مغاير لجواب هذا‏.‏

قوله ‏(‏إن يعش هذا لا يدركه الهرم‏)‏ في حديث أنس عند مسلم ‏"‏ وعنده غلام من الأنصار يقال له محمد ‏"‏ وله في رواية أخرى ‏"‏ وعنده غلام من أزد شنوءة ‏"‏ بفتح المعجمة وضم النون ومد وبعد الواو همزة ثم هاء تأنيث وفي أخرى له ‏"‏ غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أقراني ‏"‏ ولا مغايرة بينهما وطريق الجمع أنه كان من أزد شنوءة وكان حليفا للأنصار وكان يخدم المغيرة وقول أنس ‏"‏ وكان من أقراني ‏"‏ وفي رواية له ‏"‏ من أترابي ‏"‏ يزيد في السن وكان سن أنس حينئذ نحو سبع عشرة سنة‏.‏

قوله ‏(‏حتى تقوم عليكم ساعتكم‏)‏ قال هشام هو ابن عروة راويه ‏(‏يعني موتهم‏)‏ وهو موصول بالسند المذكور وفي حديث أنس ‏"‏ حتى تقوم الساعة ‏"‏ قال عياض‏:‏ حديث عائشة هذا يفسر حديث أنس وأن المراد ساعة المخاطبين وهو نظير قوله ‏"‏ أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها الآن أحد ‏"‏ وقد تقدم بيانه في كتاب العلم وأن المراد انقراض ذلك القرن وأن من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مضت مائة سنة من وقت تلك المقالة لا يبقى منهم أحد ووقع الأمر كذلك فإن آخر من بقي ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبو الطفيل عامر بن واثلة كما جزم به مسلم وغيره وكانت وفاته سنة عشر ومائة من الهجرة وذلك عند رأس مائة سنة من وقت تلك المقالة وقيل كانت وفاته قبل ذلك فإن كان كذلك فيحتمل أن يكون تأخر بعده بعض من أدرك ذلك الزمان وإن لم يثبت أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وبه احتج جماعة من المحققين على كذب من ادعى الصحبة أو الرؤية ممن تأخر عن ذلك الوقت‏.‏

وقال الراغب‏:‏ الساعة جزء من الزمان ويعبر بها عن القيامة تشبيها بذلك لسرعة الحساب قال الله تعالى ‏(‏وهو أسرع الحاسبين‏)‏ أو لما نبه عليه بقوله ‏(‏كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار‏)‏ وأطلقت الساعة على ثلاثة أشياء‏:‏ الساعة الكبرى وهي بعث الناس للمحاسبة والوسطى وهي موت أهل القرن الواحد نحو ما روى أنه رأى عبد الله بن أنيس فقال‏:‏ إن يطل عمر هذا الغلام لم يمت حتى تقوم الساعة فقيل أنه آخر من مات من الصحابة‏.‏

والصغرى موت الإنسان فساعة كل إنسان موته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم عند هبوب الريح‏:‏ تخوفت الساعة يعني موته انتهى‏.‏

وما ذكره عن عبد الله بن أنيس لم أقف عليه ولا هو آخر من مات من الصحابة جزما قال الداودي‏:‏ هذا الجواب من معاريض الكلام فإنه لو قال لهم لا أدري ابتداء مع ما هم فيه من الجفاء وقبل تمكن الإيمان في قلوبهم لارتابوا فعدل إلى إعلامهم بالوقت الذي ينقرضون هم فيه ولو كان تمكن الإيمان في قلوبهم لأفصح لهم بالمراد‏.‏

وقال ابن الجوزي‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بأشياء على سبيل القياس وهو دليل معمول به فكأنه لما نزلت عليه الآيات في تقريب الساعة كقوله تعالى ‏(‏أتى أمر الله فلا تستعجلوه‏)‏ وقوله تعالى ‏(‏وما أمر الساعة إلا كلمح البصر‏)‏ حمل ذلك على أنها لا تزيد على مضى قرن واحد ومن ثم قال في الدجال ‏"‏ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه ‏"‏ فجوز خروج الدجال في حياته قال‏:‏ وفيه وجه آخر فذكر نحو ما تقدم‏.‏

قلت‏:‏ والاحتمال الذي أبداه بعيد جدا‏.‏

والذي قبله هو المعتمد والفرق بين الخبر عن الساعة وعن الدجال تعيين المدة في الساعة دونه والله أعلم‏.‏

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى حدث بها خواص أصحابه تدل على أن بين يدي الساعة أمورا عظاما كما سيأتي بعضها صريحا وإشارة ومضى بعضها في علامات النبوة‏.‏

وقال الكرماني‏:‏ هذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي دعوا السؤال عن وقت القيامة الكبرى فإنها لا يعلمها إلا الله واسألوا عن الوقت الذي يقع فيه انقراض عصركم فهو أولى لكم لأن معرفتكم به تبعثكم على ملازمة العمل الصالح قبل فوته لأن أحدكم لا يدري من الذي يسبق الآخر‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ قَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا إسماعيل‏)‏ هو ابن أبي أويس وحلحلة بمهملتين مفتوحتين ولامين الأولى ساكنة والثانية مفتوحة وقد صرح بسماعه من ابن كعب في الرواية الثانية والسند كله مدنيون ولم يختلف الرواة في الموطأ عن مالك فيه‏.‏

قوله ‏(‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر‏)‏ بضم الميم على البناء للمجهول ولم أقف على اسم المار ولا الممرور بجنازته‏.‏

قوله ‏(‏عليه‏)‏ أي على النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

ووقع في ‏"‏ الموطآت ‏"‏ للدار قطني من طريق إسحاق بن عيسى عن مالك بلفظ ‏"‏ مر برسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة ‏"‏ والباء على هذا بمعنى على وذكر الجنازة باعتبار الميت‏.‏

قوله ‏(‏قال مستريح‏)‏ كذا هنا ووقع في رواية ‏"‏ فقال ‏"‏ بزيادة الفاء في أوله وكذا في رواية المحابي المذكورة وكذا للنسائي من رواية وهب بن كيسان عن معبد بن مالك وقال في روايته ‏"‏ كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ طلعت جنازة ‏"‏ قوله ‏(‏مستريح ومستراح منه‏)‏ الواو فيه بمعنى أو وهي للتقسيم على ما صرح بمقتضاه في جواب سؤالهم‏.‏

قوله ‏(‏قالوا‏)‏ أي الصحابة ولم أقف على اسم السائل منهم بعينه إلا أن في رواية إبراهيم الحربي عند أبي نعيم ‏"‏ قلنا ‏"‏ فيدخل فيهم أبو قتادة فيحتمل أن يكون هو السائل‏.‏

قوله ‏(‏ما المستريح والمستراح منه‏)‏ في رواية الدار قطني ‏"‏ وما المستراح منه ‏"‏ بإعادة ما‏.‏

قوله ‏(‏من نصب الدنيا وأذاها‏)‏ زاد النسائي رواية وهب بن كيسان ‏"‏ من أوصاب الدنيا ‏"‏ والأوصاب جمع وصب بفتح الواو والمهملة ثم موحدة وهو دوام الوجع ويطلق أيضا على فتور البدن والنصب بوزنه لكن أوله نون هو التعب وزنه ومعناه والأذى من عطف العام على الخاص‏:‏ قال ابن التين‏.‏

يحتمل أن يريد بالمؤمن التقى خاصة ويحتمل كل مؤمن‏.‏

والفاجر يحتمل أن يريد به الكافر ويحتمل أن يدخل فيه العاصي‏.‏

وقال الداودي‏:‏ أما استراحة العباد فلما يأتي به من المنكر فإن أنكروا عليه آذاهم وإن تركوه أثموا واستراحة البلاد مما يأتي به من المعاصي فإن ذلك مما يحصل به الجدب فيقتضي هلاك الحرث والنسل‏.‏

وتعقب الباجي أول كلامه بأن من ناله أذاه لا يأثم بتركه لأنه بعد أن ينكر بقلبه أو ينكر بوجه لا يناله به أذى ويحتمل أن يكون المراد براحة العباد منه لما يقع لهم من ظلمه وراحة الأرض منه لما يقع عليها من غصبها ومنعها من حقها وصرفه في غير وجهه وراحة الدواب مما لا يجوز من إتعابها والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏يحيى‏)‏ هو القطان وعبد ربه بن سعيد كذا وقع هنا لأبي ذر عن شيوخه الثلاثة وكذا في رواية أبي زيد المروزي ووقع عند مسلم عن محمد بن المثنى ‏"‏ عن يحيى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ‏"‏ وكذا أخرجه أبو يعلى من طريق يحيى القطان عن عبد الله بن سعيد لكن لم يذكر جده وكذا عنده وعند مسلم من طريق عبد الرزاق وعند الإسماعيلي أيضا من طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال كل منهما ‏"‏ حدثنا عبد الله بن سعيد ‏"‏ وكذا أخرجه ابن السكن من طريق عبد الرزاق عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند وكذا أخرجه أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ من طرق إبراهيم الحربي عن مسدد شيخ البخاري فيه مثله سواء قال أبو علي الجياني‏:‏ هذا هو الصواب وكذا رواه ابن السكن عن الفربري فقال في روايته ‏"‏ عن عبد الله بن سعيد هو ابن أبي هند ‏"‏ والحديث محفوظ له لا لعبد ربه‏.‏

قلت‏:‏ وجزم المزي في ‏"‏ الأطراف ‏"‏ أن البخاري أخرجه لعبد الله بن سعيد بن أبي هند بهذا السند وعطف عليه رواية مسلم ولكن التصريح بابن أبي هند لم يقع في شيء من نسخ البخاري‏.‏

قوله ‏(‏مستريح ومستراح منه المؤمن يستريح‏)‏ كذا أورده بدون السؤال والجواب مقتصرا على بعضه وأورده الإسماعيلي من طريق بندار وأبي موسى عن يحيى القطان ومن طريق عبد الرزاق قال ‏"‏ حدثنا عبد الله بن سعيد ‏"‏ تاما ولفظه ‏"‏ مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة ‏"‏ فذكر مثل سياق مالك لكن قال ‏"‏ فقيل يا رسول الله ما مستريح إلخ‏"‏‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ مناسبة دخول هذا الحديث في الترجمة أن الميت لا يعدو أحد القسمين إما مستريح وإما مستراح منه وكل منهما يجوز أن يشدد النبي عند الموت وأن يخفف والأول هو الذي يحصل له سكرات الموت ولا يتعلق ذلك بتقواه ولا بفجوره بل إن كان من أهل التقوى ازداد ثوابا وإلا فيكفر عنه بقدر ذلك ثم يستريح من أذى الدنيا الذي هذا خاتمته ويؤيد ذلك ما تقدم من كلام عائشة في الحديث الأول وقد قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ ما أحب أن يهون على سكرات الموت إنه لآخر ما يكفر به عن المؤمن‏.‏

ومع ذلك فالذي يحصل للمؤمن من البشرى ومسرة الملائكة بلقائه ورفقهم به وفرحه بلقاء ربه يهون عليه كل ما يحصل له من ألم الموت حتى يصير كأنه لا يحس بشيء من ذلك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏سفيان‏)‏ هو ابن عيينة وليس لشيخه عبد الله بن أبي بكر في الصحيح عن أنس إلا هذا الحديث‏.‏

قوله ‏(‏يتبع الميت‏)‏ كذا للسرخسي والأكثر وفي رواية المستملي ‏"‏ المرء ‏"‏ وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني ‏"‏ المؤمن ‏"‏ والأول المعتمد فهو المحفوظ من حديث ابن عيينة وهو كذلك عند مسلم‏.‏

قوله ‏(‏يتبعه أهله وماله وعمله‏)‏ هذا يقع في الأغلب ورب ميت لا يتبعه إلا عمله فقط والمراد من يتبع جنازته من أهله ورفقته ودوابه على ما جرت به عادة العرب وإذا انقضى أمر الحزن عليه رجعوا سواء أقاموا بعد الدفن أم لا ومعنى بقاء عمله أنه يدخل معه القبر وقد وقع في حديث البراء بن عازب الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد وغيره ففيه ‏"‏ ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الريح فيقول‏:‏ أبشر بالذي يسرك فيقول‏:‏ من أنت‏؟‏ فيقول أنا عملك الصالح ‏"‏ وقال في حق الكافر ‏"‏ ويأتيه رجل قبيح الوجه ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ بالذي يسوؤك وفيه عملك الخبيث ‏"‏ قال الكرماني‏:‏ التبعية في حديث أنس بعضها حقيقة وبعضها مجاز فيستفاد منه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه‏.‏

قلت‏:‏ هو في الأصل حقيقة في الحس ويطرقه المجاز في البعض وكذا المال وأما العمل فعلى الحقيقة في الجميع وهو مجاز بالنسبة إلى التبعية في الحس‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ غُدْوَةً وَعَشِيًّا إِمَّا النَّارُ وَإِمَّا الْجَنَّةُ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى تُبْعَثَ إِلَيْهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏أبو النعمان‏)‏ هو محمد بن الفضل والسند إلى نافع بصريون‏.‏

قوله ‏(‏إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده‏)‏ كذا للأكثر‏.‏

وفي رواية المستملي والسرخسي ‏"‏ على مقعده ‏"‏ وهذا العرض يقع على الروح حقيقة وعلى ما يتصل به من البدن الاتصال الذي يمكن به إدراك التنعيم أو التعذيب على ما تقدم تقريره وأبدى القرطبي في ذلك احتمالين‏:‏ هل هو على الروح فقط أو عليها وعلى جزء من البدن‏؟‏ وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن المراد بالعرض هنا الإخبار بأن هذا موضع جزائكم على أعمالكم عند الله وأريد بالتكرير تذكارهم بذلك واحتج بأن الأجساد تفنى والعرض لا يقع على شيء فإن قال‏:‏ فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة وتعقب بأن حمل العرض على الإخبار عدول عن الظاهر بغير مقتض لذلك ولا يجوز العدول إلا بصارف يصرفه عن الظاهر قلت‏:‏ ويؤيد الحمل على الظاهر أن الخبر ورد على العموم في المؤمن والكافر فلو اختص بالروح لم يكن للشهيد في ذلك كبير فائدة لأن روحه منعمة جزما كما في الأحاديث الصحيحة وكذا روح الكافر معذبة في النار جزما فإذا حمل على الروح التي لها اتصال بالبدن ظهرت فائدة ذلك في حق الشهيد وفي حق الكافر أيضا‏.‏

قوله ‏(‏غدوة وعشية‏)‏ أي أول النهار وآخره بالنسبة إلى أهل الدنيا‏.‏

قوله ‏(‏إما النار وإما الجنة‏)‏ تقدم في الجنائز من رواية مالك بلفظ ‏"‏ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ‏"‏ وتقدم توجيهه في أواخر كتاب الجنائز؛ وتقدم هناك بحث القرطبي في ‏"‏ المفهم‏"‏‏.‏

ثم إن هذا العرض للمؤمن المتقي والكافر ظاهر وأما المؤمن المخلط فيحتمل أيضا أن يعرض عليه مقعده من الجنة التي سيصير إليها‏.‏

قلت‏:‏ والانفصال عن هذا الإشكال يظهر من الحديث الذي أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة في قصة السؤال في القبر وفيه ‏"‏ ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقال له‏:‏ هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يفتح له باب من أبواب النار فيقال له‏:‏ هذا مقعدك وما أعد الله لك فيها لو عصيته فيزداد غبطة وسرورا ‏"‏ الحديث وفيه في حق الكافر ‏"‏ ثم يفتح له باب من أبواب النار ‏"‏ وفيه ‏"‏ فيزداد حسرة وثبورا ‏"‏ في الموضعين وفيه ‏"‏ لو أطعته ‏"‏ وأخرج الطبراني عن ابن مسعود ‏"‏ ما من نفس إلا وتنظر في بيت في الجنة وبيت في النار فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال‏:‏ لو عملتم ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار فيقال لولا أن من الله عليكم ‏"‏ ولأحمد عن عائشة ما يؤخذ منه أن رؤية ذلك للنجاة أو العذاب في الآخرة فعلى هذا يحتمل في المذنب الذي قدر عليه أن يعذب قبل أن يدخل الجنة أن يقال له مثلا بعد عرض مقعده من الجنة‏:‏ هذا مقعدك من أول وهلة لو لم تذنب وهذا مقعدك من أول وهلة لعصيانك نسأل الله العفو والعافية من كل بلية في الحياة وبعد الموت إنه ذو الفضل العظيم‏.‏

قوله ‏(‏فيقال هذا مقعدك حتى تبعث إليه‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ عليه ‏"‏ وفي طريق مالك ‏"‏ حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ‏"‏ وقد بينت الإشارة إليه بعد خمسة أبواب‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا

الشرح‏:‏

حديث عائشة في النهي عن سب الأموات تقدم شرحه مستوفي في أواخر كتاب الجنائز‏.‏