فصل: باب غَزْوَةِ الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب غزوة أوطاس‏)‏ قال عياض‏:‏ هو واد في دار هوازن، وهو موضع حرب حنين انتهى‏.‏

وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير، والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهما إلى الطائف وطائفة إلى بجيلة وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عسكرا مقدمهم أبو عامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس كما يدل عليه حديث الباب، ثم توجه هو وعساكره إلى الطائف‏.‏

وقال أبو عبيدة البكري‏:‏ أوطاس واد في ديار هوازن، وهناك عسكروا هم وثقيف ثم التقوا بحنين‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ قَالَ أَبُو مُوسَى وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ رَمَاهُ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ أَلَا تَسْتَحْيِي أَلَا تَثْبُتُ فَكَفَّ فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ ثُمَّ قُلْتُ لِأَبِي عَامِرٍ قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ قَالَ فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ فَمَكُثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ وَقَالَ قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنْ النَّاسِ فَقُلْتُ وَلِي فَاسْتَغْفِرْ فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا قَالَ أَبُو بُرْدَةَ إِحْدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ وَالْأُخْرَى لِأَبِي مُوسَى

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏بعث أبا عامر‏)‏ هو عبيد بن سليم بن حضار الأشعري، وهو عم أبي موسى‏.‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ هو ابن عمه‏.‏

والأول أشهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد‏)‏ أما الصمة فهو بكسر المهملة وتشديد الميم أي ابن بكر بن علقمة - ويقال بن الحارث بن بكر بن علقمة - الجشمي بضم الجيم وفتح المعجمة من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، فالصمة لقب لأبيه واسمه الحارث، وقوله فقتل رويناه على البناء للمجهول، واختلف في قاتله فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رفيع بفاء مصغر ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السلمي وكان يقال له ابن الذعنة بمعجمة ثم مهملة، ويقال بمهملة ثم معجمة وهي أمه‏.‏

وقال ابن هشام‏:‏ يقال اسمه عبد الله بن قبيع بن أهبان، وساق بقبة نسبه‏.‏

ويقال له أيضا ابن الدغنة وليس هو ابن الدغنة المذكور في قصة أبي بكر في الهجرة، وروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يشعر بأن قاتل دريد بن الصمة هو الزبير بن العوام ولفظه ‏"‏ لما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة فرأوا كتيبة، فقال خلوهم لي، فخلوهم، فقال‏:‏ هذه قضاعة ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك، فقال‏:‏ هذه سليم، ثم رأوا فارسا وحده فقال‏:‏ خلوه لي، فقالوا معتجر بعمامة سوداء، فقال‏:‏ هذا الزبير بن العوام، وهو قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال فالتفت الزبير فرآهم فقال‏:‏ علام هؤلاء هاهنا‏؟‏ فمضي إليهم، وتبعه جماعة فقتلوا منهم ثلاثمائة، فحز رأس دريد بن الصمة فجعله بين يديه‏.‏

ويحتمل أن يكون ابن الدغنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنسب إلى الزبير مجازا، وكان دريد من الشعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية، ويقال إنه كان لما قتل ابن عشرين - ويقال ابن ستين - ومائة سنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال أبو موسى وبعثني‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏مع أبي عامر‏)‏ أي إلى من التجأ إلى أوطاس‏.‏

وقال ابن إسحاق‏:‏ بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري في آثار من توجه إلى أوطاس، فأدرك بعض من انهزم فناوشوه القتال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرمي أبو عامر في ركبته، رماه جشمي‏)‏ بضم الجيم وفتح المعجمة أي رجل من بني جشم، واختلف في اسم هذا الجشمي فقال ابن إسحاق‏:‏ زعموا أن سلمة بن دريد بن الصمة هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته فقتله، وأخذ الراية أبو موسى الأشعري فقاتلهم ففتح الله عليه‏.‏

وقال ابن هشام‏:‏ حدثني من أثق به أن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جشم وهما أوفى والعلاء ابنا الحارث، وفي نسخة وافى بدل أوفي، فأصاب أحدهما ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعري‏.‏

وعند ابن عائذ والطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري بإسناد حسن ‏"‏ لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء ‏"‏ الحديث‏.‏

فهذا يؤيد ما ذكره ابن إسحاق‏.‏

وذكر ابن إسحاق في المغازي أيضا أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين إخوة فقتلهم واحدا بعد واحد، حتى كان العاشر فحمل عليه وهو يدعوه إلى الإسلام وهو يقول‏:‏ اللهم اشهد عليه، فقال الرجل اللهم لا تشهد علي، فكف عنه أبو عامر ظنا منه أنه أسلم فقتله العاشر، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسميه شهيد أبي عامر، وهذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قتل قاتل أبي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شارك في قتله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فنزا منه الماء‏)‏ أي انصب من موضع السهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال يا ابن أخي‏)‏ هذا يرد قول ابن إسحاق إنه ابن عمه، ويحتمل - إن كان ضبطه - أن يكون قال له ذلك لكونه كان أسن منه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرجعت فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ في رواية ابن عائذ ‏"‏ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم معي اللواء قال‏:‏ يا أبا موسى قتل أبو عامر‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏على سرير مرمل‏)‏ براء مهملة ثم ميم ثقيلة، أي معمول بالرمال، وهي حبال الحصر التي تضفر بها الأسرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعليه فراش‏)‏ قال ابن التين‏:‏ أنكره الشيخ أبو الحسن وقال‏:‏ الصواب‏:‏ ما عليه فراش، فسقطت ‏"‏ ما ‏"‏ انتهى‏.‏

وهو إنكار عجيب، فلا يلزم من كونه رقد على غير فراش كما في قصة عمر أن لا يكون على سريره دائما فراش‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه‏)‏ يستفاد منه استحباب التطهير لإرادة الدعاء، ورفع اليدين في الدعاء، خلافا لمن خص ذلك بالاستسقاء، وسيأتي بيان ما ورد من ذلك في كتاب الدعوات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فوق كثير من خلقك‏)‏ أي في المرتبة‏.‏

وفي رواية ابن عائذ ‏"‏ في الأكثرين يوم القيامة‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال أبو بردة‏)‏ هو موصول بالإسناد المذكور‏.‏

*3*باب غَزْوَةِ الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب غزوة الطائف‏)‏ هو بلد كبير مشهور، كثير الأعناب والنخيل، على ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة من جهة المشرق، قبل أصلها أن جبريل عليه السلام اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الصريم فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف فسمي الموضع بها، وكانت أولا بنواحي صنعاء، واسم الأرض وج بتشديد الجيم، سميت برجل وهو ابن عبد الجن من العمالقة وهو أولا من نزل بها‏.‏

وسار النبي صلى الله عليه وسلم إليها بعد منصرفه من حنين وحبس الغنائم بالجعرانة، وكان مالك بن عوف النضري قائد هوازن لما انهزم دخل الطائف وكان له حصن بلية، وهي بكسر اللام وتخفيف التحتانية على أميال من الطائف، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو سائر إلى الطائف فأمر بهدمه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في شوال سنة ثمان قاله موسى بن عقبة‏)‏ ‏.‏

قلت‏:‏ كذا ذكره في مغازيه، وهو قول جمهور أهل المغازي‏.‏

وقيل بل وصل إليها في أول ذي القعدة‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ سَمِعَ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي مُخَنَّثٌ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الطَّائِفَ غَدًا فَعَلَيْكَ بِابْنَةِ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ الْمُخَنَّثُ هِيتٌ حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا وَزَادَ وَهُوَ مُحَاصِرُ الطَّائِفِ يَوْمَئِذٍ

الشرح‏:‏

حديث أم سلمة وهشام هو ابن عروة، وفي الإسناد لطيفة‏:‏ رجل عن أبيه وهما تابعيان، وامرأة عن أمها وهما صحابيتان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أرأيت إن فتح الله عليكم الطائف‏)‏ الحديث يأتي شرحه في كتاب النكاح، والغرض منه هنا ذكر حصار الطائف، ولذلك أورد الطريق الأخرى بعده حيث قال فيها‏:‏ ‏"‏ وهو محاصر الطائف يومئذ ‏"‏ وعبد الله بن أبي أمية هو أخو أم سلمة راوية الحديث، وكان إسلامه مع أبي سفيان بن الحارث المقدم ذكره في غزوة الفتح، واستشهد عبد الله بالطائف أصابه سهم فقتله‏.‏

وقوله في الأول‏:‏ ‏"‏ قال ابن عيينة وقال ابن جريج ‏"‏ هو موصول بالإسناد الأول‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ المخنث هيت ‏"‏ أي اسمه، وهو بكسر الهاء وسكون التحتانية بعدها مثناة، وضبطه بعضهم بفتح أوله، وأما ابن درستويه فضبطه بنون ثم موحدة، وزعم أن الأول تصحيف‏.‏

قال‏:‏ والهنب الأحمق‏.‏

وسيأتي ما قيل في اسمه من الاختلاف هل هو واحد أو جماعة في كتاب النكاح، وكذا ما قيل في اسم المرأة، والأشهر أنها بادية إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الشَّاعِرِ الْأَعْمَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّائِفَ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَالَ إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ وَقَالَ مَرَّةً نَقْفُلُ فَقَالَ اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ فَقَالَ إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَعْجَبَهُمْ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً فَتَبَسَّمَ قَالَ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْخَبَرَ كُلَّهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏سفيان‏)‏ هو ابن عيينة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمرو‏)‏ هو ابن دينار، وأبو العباس الشاعر الأعمى تقدم ذكره وتسميته في قيام الليل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله بن عمر‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ عبد الله بن عمرو ‏"‏ بفتح العين وسكون الميم، وكذا وقع في رواية النسفي والأصيلي، وقرئ على ابن زيد المروزي كذلك فرده بضم العين، وقد ذكر الدار قطني الاختلاف فيه وقال‏:‏ الصواب عبد الله بن عمر بن الخطاب، والأول هو الصواب في رواية علي بن المديني وكذلك الحميدي وغيرهما من حفاظ أصحاب ابن عيينة، وكذا أخرجه الطبراني من رواية إبراهيم بن يسار وهو ممن لازم ابن عيينة جدا، والذي قال عن ابن عيينة في هذا الحديث ‏"‏ عبد الله بن عمر ‏"‏ وهم الذين سمعوا منه متأخرا كما نبه عليه الحاكم، وقد بالغ الحميدي في إيضاح ذلك فقال في مسنده في روايته لهذا الحديث عن سفيان ‏"‏ عبد الله بن عمر بن الخطاب ‏"‏ وأخرجه البيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من طريق عثمان الدارمي عن علي بن المديني قال‏:‏ ‏"‏ حدثنا به سفيان غير مرة يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب، لم يقل عبد الله بن عمرو بن العاص ‏"‏ وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة فقال‏:‏ ‏"‏ عبد الله بن عمر ‏"‏ وكذا رواه عنه مسلم، وأخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عنه فزاد ‏"‏ قال أبو بكر سمعت ابن عيينة مرة أخرى يحدث به عن ابن عمر ‏"‏ وقال المفضل العلائي عن يحيى بن معين ‏"‏ أبو العباس عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر في الطائف الصحيح ابن عمر‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لما حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلم ينل منهم شيئا‏)‏ في مرسل ابن الزبير عند ابن أبي شيبة قال‏:‏ ‏"‏ لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم الطائف قال أصحابه‏:‏ يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال‏:‏ اللهم اهد ثقيفا ‏"‏ وذكر أهل المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استعصى عليه الحصن وكانوا قد أعدوا فيه ما يكفيهم لحصار سنة ورموا على المسلمين سكك الحديد المحماة ورموهم بالنبل فأصابوا قوما، فاستشار نوفل بن معاوية الديلي فقال‏:‏ هم ثعلب قي حجر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك، فرحل عنهم ‏"‏ وذكر أنس في حديثه عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يوما، وعند أهل السير اختلاف قيل عشرين يوما وقيل بضعة عشر وقيل ثمانية عشر وقيل خمسة عشر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنا قافلون‏)‏ أي راجعون إلى المدينة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فثقل عليهم‏)‏ بين سبب ذلك بقولهم‏:‏ ‏"‏ نذهب ولا نفتحه ‏"‏ وحاصل الخبر أنهم لما أخبرهم بالرجوع بغير فتح لم يعجبهم، فلما رأى ذلك أمرهم بالقتال فلم يفتح لهم فأصيبوا بالجراح لأنهم رموا عليهم من أعلى السور فكانوا ينالون منهم بسهامهم ولا تصل السهام إلى من على السور، فلما رأوا ذلك تبين لهم تصويب الرجوع، فلما أعاد عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ، ولهذا قال ‏"‏ فضحك ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ وقال سفيان مرة فتبسم ‏"‏ هو ترديد من الراوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال الحميدي حدثنا سفيان الخبر كله‏)‏ بالنصب أي أن الحميدي رواه بغير عنعنة بل ذكر الخبر في جميع الإسناد، ووقع في رواية الكشميهني بالخبر كله، وقد أخرجه أبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ وفي ‏"‏ الدلائل ‏"‏ من طريق بشر بن موسى عن الحميدي ‏"‏ حدثنا سفيان حدثنا عمرو سمعت أبا العباس الأعمى يقول سمعت عبد الله بن عمر يقول ‏"‏ فذكره‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدًا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبَا بَكْرَةَ وَكَانَ تَسَوَّرَ حِصْنَ الطَّائِفِ فِي أُنَاسٍ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا سَمِعْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَقَالَ هِشَامٌ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَوْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدًا وَأَبَا بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَاصِمٌ قُلْتُ لَقَدْ شَهِدَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ حَسْبُكَ بِهِمَا قَالَ أَجَلْ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَنَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الطَّائِفِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عاصم‏)‏ هو ابن سليمان، وأبو عثمان هو النهدي، وشرح المتن يأتي في الفرائض، والغرض منه ذكر أبي بكرة واسمه نفيع بن الحارث وكان مولى الحارث بن كلدة الثقفي، فتدلى من حصن الطائف ببكرة فكني أبا بكرة لذلك أخرج ذلك الطبراني بسند لا بأس به من حديث أبي بكرة، وكان ممن نزل من حصن الطائف من عبيدهم فأسلم فيما ذكر أهل المغازي منهم مع أبي بكرة‏:‏ المنبعث وكان عبدا لعثمان بن عامر بن معتب، وكذا مرزوق والأزرق زوج سمية والدة زياد بن عبيد الذي صار يقال له زياد ابن أبيه، والأزرق أبو عقبة وكان لكلدة الثقفي، ثم حالف بني أمية لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفعه لخالد بن سعيد بن العاص ليعلمه الإسلام، ووردان وكان لعبد الله بن ربيعة، ويحنس النبال وكان لابن مالك الثقفي وإبراهيم بن جابر وكان لخرشة الثقفي، وبشار وكان لعثمان بن عبد الله، ونافع مولي الحارث بن كلدة، ونافع مولي غيلان بن سلمة الثقفي، ويقال كان معهم زياد ابن سمية والصحيح أنه لم يخرج حينئذ لصغره، ولم أعرف أسماء الباقين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تسور‏)‏ أي صعد إلى أعلاه وهذا لا يخالف قوله‏:‏ ‏"‏ تدلى ‏"‏ لأنه تسور من أسفله إلى أعلاه ثم تدلى منه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏وقال هشام‏)‏ هو ابن يوسف الصنعاني، ولم يقع لي موصولا إليه، وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر لكن عن أبي عثمان وحده عن أبي بكرة وحده بغير شك، وغرض المصنف منه ما فيه من بيان عدد من أبهم في الرواية الأولى فإن فيها ‏"‏ تسور من حصن الطائف في أناس ‏"‏ وفي هذا ‏"‏ فنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف ‏"‏ وفيه رد على من زعم أن أبا بكرة لم ينزل من سور الطائف غيره وهو شيء قاله موسى بن عقبة في مغازيه وتبعه الحاكم، وجمع بعضهم بين القولين بأن أبا بكرة نزل وحده أولا ثم نزل الباقون بعده، وهو جمع حسن، وروى ابن أبي شيبة وأحمد من حديث ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف كل من خرج إليه من رقيق المشركين ‏"‏ وأخرجه ابن سعد مرسلا من وجه آخر‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحور كما وأبشرا ‏"‏ فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما فأفضلا لها منه طائفة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَا تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِي فَقَالَ لَهُ أَبْشِرْ فَقَالَ قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ أَبْشِرْ فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلَا أَنْتُمَا قَالَا قَبِلْنَا ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا فَنَادَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ أَنْ أَفْضِلَا لِأُمِّكُمَا فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة‏)‏ أما الجعرانة فهي لكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء وقد تسكن العين، وهي بين الطائف ومكة وإلى مكة أقرب قاله عياض‏.‏

وقال الفاكهي‏:‏ بينها وبين مكة بريد‏.‏

وقال الباجي‏:‏ ثمانية عشر ميلا‏.‏

وقد أنكر الداودي الشارح قوله إن الجعرانة بين مكة والمدينة وقال‏:‏ إنما هي بين مكة والطائف وكذا حزم النووي بأن الجعرانة بين الطائف ومكة وهو مقتضى ما تقدم نقله عن الفاكهي وغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أعرابي‏)‏ لم أقف على اسمه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ألا تنجز لي ما وعدتني‏)‏ يحتمل أن الوعد كان خاصا به، ويحتمل أن يكون عاما، وكان طلبه أن يعجل له نصيبه من الغنيمة فإنه صلى الله عليه وسلم كان أمر أن تجمع غنائم حنين بالجعرانة وتوجه هو بالعساكر إلى الطائف، فلما رجع منها قسم الغنائم حينئذ بالجعرانة‏.‏

فلهذا وقع في كثير ممن كان حديث عهد بالإسلام استبطاء الغنيمة واستنجاز قسمتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أبشر‏)‏ بهمزة قطع أي بقرب القسمة، أو بالثواب الجزيل على الصبر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فنادت أم سلمة‏)‏ هي زوج النبي وهي أم المؤمنين، ولهذا قالت‏:‏ لأمكما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأفضلا لها منه طائفة‏)‏ أي بقية‏.‏

وفي الحديث مقبة لأبي عامر ولأبي موسى ولبلال ولأم سلمة رضي الله عنهم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى كَانَ يَقُولُ لَيْتَنِي أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَ فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ مَعَهُ فِيهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى بِيَدِهِ أَنْ تَعَالَ فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ كَذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إسماعيل‏)‏ هو ابن إبراهيم المعروف بابن علية، ويعلى هو ابن أمية التميمي، وقد تقدم شرح حديثه مستوفى في أبواب العمرة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ بِي وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ قَالَ لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا وهيب‏)‏ هو ابن خالد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمرو بن يحيى‏)‏ في رواية أحمد عن عفان عن وهيب ‏"‏ حدثنا عمرو بن يحيى ‏"‏ وهو المازني الأنصاري المدني‏.‏

وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند مسلم عن عمرو بن يحيى بن عمارة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لما أفاء الله على رسوله يوم حنين‏)‏ أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين، وأصل الفيء الرد والرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئا لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيئا لأنها كانت في الأصل للمؤمنين إذ الإيمان هو الأصل والكفر طارئ عليه، فإذا غلب الكفار على شيء من المال فهو بطريق التعدي فإذا غنمه المسلمون منهم فكأنه رجع إليهم ما كان لهم، وقد قدمنا قريبا أنه صلى الله عليه وسلم أمر بحبس الغنائم بالجعرانة، فلما رجع من الطائف وصل إلى الجعرانة في خامس ذي القعدة، وكان السبب في تأخير القسمة ما تقدم في حديث المسور رجاء أن يسلموا، وكانوا ستة آلاف نفس من النساء والأطفال وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفا والغنم أربعين ألف شاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قسم في الناس‏)‏ حذف المفعول والمراد به الغنائم، ووقع في رواية الزهري عن أنس في الباب ‏"‏ يعطي رجالا المائة من الإبل‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏في المؤلفة قلوبهم‏)‏ بدل بعض من كل، والمراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا، وقيل كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية‏.‏

وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهما الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل‏:‏ كفار يعطون ترغيبا في الإسلام، وقيل مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم، وقيل مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم‏.‏

وأما المراد بالمؤلفة هنا فهذا الأخير لقوله في رواية الزهري في الباب ‏"‏ فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم‏"‏‏.‏

ووقع في حديث أنس الآتي في ‏"‏ باب قسم الغنائم في قريش ‏"‏ والمراد بهم من فتحت مكة وهم فيها‏.‏

وفي رواية له ‏"‏ فأعطى الطلقاء والمهاجرين ‏"‏ والمراد بالطلقاء جمع طليق‏:‏ من حصل من النبي صلى الله عليه وسلم المن عليه يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم، والمراد بالمهاجرين من أسلم قبل فتح مكة وهاجر إلى المدينة‏.‏

وقد سرد أبو الفضل بن طاهر في ‏"‏ المبهمات ‏"‏ له أسماء المؤلفة وهم ‏(‏س‏)‏ أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ‏(‏س‏)‏ وحكيم بن حزام، وأبو السنابل بن بعكك، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع وهؤلاء من قريش، وعيينة بن حصين الفزاري والأقرع بن حابس التميمي وعمرو بن الأيهم التميمي، ‏(‏س‏)‏ والعباس بن مرداس السلمي، ‏(‏س‏)‏ ومالك بن عوف النضري، والعلاء بن حارثة الثقفي وفي ذكر الأخيرين نظر‏:‏ فقبل إنهما جاءا طائعين من الطائف إلى الجعرانة، وذكر الواقدي في المؤلفة ‏(‏س‏)‏ معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وأسيد بن حارثة، ومخرمة بن نوفل، ‏(‏س‏)‏ وسعيد بن يربوع، ‏(‏س‏)‏ وقيس بن عدي ‏(‏س‏)‏ وعمرو بن وهب، ‏(‏س‏)‏ وهشام بن عمرو‏.‏

وذكر ابن إسحاق من ذكرت عليه علامة سين وزاد‏:‏ النضر بن الحارث، والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم‏.‏

وممن ذكره فمهم أبو عمر سفيان بن عبد الأسد، والسائب بن أبي السائب، ومطيع بن الأسود وأبو جهم بن حذيفة‏.‏

وذكر ابن الجوزي فيهم زيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، وحكيم بن طلق بن سفيان بن أمية وخالد بن قيس السهمي، وعمير بن مرداس‏.‏

وذكر غيرهم فيهم قيس بن مخرمة، وأحيحة بن أمية بن خلف، وابن أبي شريق، وحرملة بن هوذة، وخالد بن هوذة، وعكرمة بن عامر العبدري، وشيبة بن عمارة، وعمرو بن ورقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزومي‏.‏

فهؤلاء زيادة على أربعين نفسا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولم يعط الأنصار شيئا‏)‏ طاهر في أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة‏.‏

وقال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏‏:‏ الإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه، وقد قال في هذه الغزوة للأعرابي‏:‏ ‏"‏ ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ‏"‏ أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو، وعلى الأول فيكون ذلك مخصوصا بهذه الواقعة‏.‏

وقد ذكر السبب في ذلك في رواية قتادة عن أنس في الباب حيث قال‏:‏ ‏"‏ إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجيرهم وأتألفهم‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ الأول هو المعتمد، وسيأتي ما يؤكده‏.‏

والذي رجحه القرطبي جزم به الواقدي، ولكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف، وقيل إنما كان تصرف في الغنيمة لأن الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتى وقعت الهزيمة على الكفار فرد الله أمر الغنيمة لنبيه‏.‏

وهذا معنى القول السابق بأنه خاص بهذه الواقعة، واختار أبو عبيد أنه كان من الخمس‏.‏

وقال ابن القيم‏:‏ اقتضت حكمة الله أن فتح مكة كان سببا لدخول كثير من قبائل العرب في الإسلام وكانوا يقولون‏:‏ دعوه وقومه، فإن غلبهم دخلنا في دينه، وإن غلبوه كفونا أمره‏.‏

فلما فتح الله عليه استمر بعضهم على ضلاله فجمعوا له وتأهبوا لحربه، وكان من الحكمة في ذلك أن يظهر أن الله نصر رسوله لا بكثرة من دخل في دينه من القبائل ولا بانكفاف قومه عن قتاله، ثم لما قدر الله عليه من غلبته إياهم قدر وقوع هزيمة المسلمين مع كثرة عددهم وقوة عددهم ليتبين لهم أن النصر الحق إنما هو من عنده لا بقوتهم، ولو قدر أن لا يغلبوا الكفار ابتداء لرجع من رجع منهم شامخ الرأس متعاظما، فقدر هزيمتهم ثم أعقبهم النصر ليدخلوا مكة كما دخلها النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح متواضعا متخشعا، واقتضت حكمته أيضا أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي فيه من الطبع البشري في محبة المال فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم وتجتمع على محبته، لأنها جبلت على حب من أحسن إليها‏.‏

ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم، بخلاف قسمته على المؤلفة لأن فيه استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم، فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه قبل تبعهم من دونهم في الدخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة‏.‏

ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكة عند فتحها قليلا ولا كثيرا مع احتياج الجيوش إلى المال الذي يعينهم على ما هم فيه، فحرك الله قلوب المشركين لغزوهم، فرأى كثيرهم أن يخرجوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم فكانوا غنيمة للمسلمين، ولو لم يقذف الله في قلب رئيسهم أن سوقه معه هو الصواب لكان الرأي ما أشار إليه دريد فخالفه فكان ذلك سببا لتصييرهم غنيمة للمسلمين، ثم اقتضت تلك الحكمة أن تقسم تلك الغنائم في المؤلفة ويوكل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه‏.‏

ثم كان من تمام التأليف رد من سبي منهم إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام فدخلوا طائعين راغبين، وجبر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة عما حصل لهم من الكسر والرعب فصرف عنهم شر من كان يجاورهم من أشد العرب من هوازن وثقيف بما وقع بهم من الكسرة وبما قيض لهم من الدخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها وكثرتها‏.‏

وأما قصة الأنصار وقول من قال منهم فقد اعتذر رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم، ولما شرح لهم صلى الله عليه وسلم ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مذعنين ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله إلى بلادهم، فسلوا عن الشاة والبعير، والسبايا من الأنثى والصغير، بما حازوه من الفوز العظيم، ومجاورة النبي الكريم لهم حيا وميتا‏.‏

وهذا دأب الحكيم يعطي كل أحد ما يناسبه، انتهى ملخصا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس‏)‏ كذا للأكثر مرة واحدة‏.‏

وفي رواية أبي ذر ‏"‏ فكأنهم وجد إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، أو كأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ‏"‏ أورده على الشك هل قال‏:‏ ‏"‏ وجد ‏"‏ بضمتين جمع واحد أو ‏"‏ وجدوا ‏"‏ على أنه فعل ماض‏.‏

ووقع له عن الكشميهني وحده ‏"‏ وجدوا ‏"‏ في الموضعين فصار تكرارا بغير فائدة، وكذا رأيته في أصل النسفي‏.‏

ووقع في رواية مسلم كذلك‏.‏

قال عياض‏:‏ وقع في نسخة قي الثاني ‏"‏ أن لم يصبهم ‏"‏ يعني بفتح الهمزة وبالنون قال‏:‏ وعلى هذا تظهر فائدة التكرار، وجوز الكرماني أن يكون الأول من الغضب والثاني من الحزن والمعنى أنهم غضبوا، والموجدة الغضب يقال وجد في نفسه إذا غضب، ويقال أيضا وجد إذا حزن، ووجد ضد فقد، ووجد إذا استفاد مالا، ويظهر الفرق بينهما بمصادرهما‏:‏ ففي الغضب موحدة، وفي الحزن وجدا بالفتح، وفي ضد الفقد وجدانا، وفي المال وجدا بالضم، وقد يقع الاشتراك في بعض هذه المصادر، وموضع بسط ذلك غير هذا الموضع‏.‏

وفي ‏"‏ مغازي سليمان التيمي ‏"‏ أن سبب حزنهم أنهم خافوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإقامة بمكة‏.‏

والأصح ما في الصحيح حيث قال‏:‏ ‏"‏ إذ لم يصبهم ما أصاب الناس ‏"‏ على أنه لا يمتنع الجمع وهذا أولى‏.‏

ووقع في رواية الزهري عن أنس في الباب ‏"‏ فقالوا‏:‏ يغفر الله لرسوله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ‏"‏ وفي رواية هشام بن زيد عن أنس آخر الباب ‏"‏ إذا كانت شديدة فنحن ندعي، ويعطي الغنيمة غيرنا ‏"‏ وهذا ظاهر في أن العطاء كان من صلب الغنيمة بخلاف ما رجحه القرطبي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فخطبهم‏)‏ زاد مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن يحيى ‏"‏ فحمد الله وأثنى علبه ‏"‏ وسيأتي في الباب في رواية الزهري ‏"‏ فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، فلم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام فقال‏:‏ ما حديث بلغني عنكم‏؟‏ فقال فقهاء الأنصار‏:‏ أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا ‏"‏ وفي رواية هشام بن زيد ‏"‏ فجمعهم في قبة من أدم فقال‏:‏ يا معشر الأنصار، ما حديث بلغني‏؟‏ فسكتوا ‏"‏ ويحمل على الله بعضهم سكت وبعضهم أجاب‏.‏

وفي رواية أبي التياح عن أنس عند الإسماعيلي فجمعهم فقال‏:‏ ‏"‏ ما الذي بلغتي عنكم‏؟‏ قالوا‏:‏ هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون ‏"‏ ولأحمد من طريق ثابت عن أنس ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أما سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الأنصار‏:‏ سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم ‏"‏ فذكر الحديث وفيه ‏"‏ ثم قال‏:‏ أقلتم كذا وكذا‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم ‏"‏ وإسناده على شرط مسلم، وكذا ذكر ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري أن الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم سعد بن عبادة ولفظه ‏"‏ لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة، فدخل عليه سعد بن عبادة فذكر له ذلك، فقال له‏:‏ فأين أنت من ذلك يا سعد‏؟‏ قال‏:‏ ما أنا إلا من قومي‏.‏

قال‏:‏ فاجمع لي قومك‏.‏

فخرج فجمعهم ‏"‏ الحديث، وأخرجه أحمد من هذا الوجه، وهذا يعكر على الرواية التي فيها ‏"‏ أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا ‏"‏ لأن سعد بن عبادة من رؤساء الأنصار بلا ريب، إلا أن يحمل على الأغلب الأكثر، وأن الذي خاطبه بذلك سعد بن عبادة ولم يرد إدخال نفسه في النفي، أو أنه لم يقل لفظا وإن كان رضي بالقول المذكور فقال ما أنا إلا من قومي، وهذا أوجه، والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ألم أجدكم ضلالا‏)‏ بالضم والتشديد جمع ضال والمراد هنا ضلالة الشرك، وبالهداية الإيمان‏.‏

وقد رتب صلى الله عليه وسلم ما من الله عليهم على يده من النعم ترتيبا بالغا فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثنى بنعمة الألفة وهي أعظم من نعمة المال لأن الأموال تبذل في تحصيلها وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها كما تقدم في أول الهجرة، فزال ذلك كله بالإسلام كما قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم‏)‏ ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عالة‏)‏ بالمهملة أي فقراء لا مال لهم، والعيلة الفقر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كلما قال شيئا قالوا‏:‏ الله ورسوله أمن‏)‏ بفتح الهمزة والميم والتشديد‏:‏ أفعل تفضيل من المن، وفي حديث أبي سعيد ‏"‏ فقالوا ماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المن والفضل‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا‏)‏ في رواية إسماعيل بن جعفر ‏"‏ لو شئتم أن تقولوا جئتنا كذا وكذا وكان من الأمر كذا وكذا ‏"‏ لأشياء زعم عمرو بن أبي يحيى المازني راوي الحديث أنه لا يحفظها‏.‏

وفي هذا رد على من قال إن الراوي كنى عن ذلك عمدا على طريق التأدب، وقد جوز بعضهم أن يكون المراد جئتنا ونحن على ضلالة فهدينا بك وما أشبه ذلك، وفيه بعد، فقد فسر ذلك في حديث أبي سعيد ولفظه ‏"‏ فقال‏:‏ أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم‏:‏ أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك ‏"‏ ونحوه في مغازي أبي الأسود عن عروة مرسلا وابن عائذ من حديث ابن عباس موصولا، وفي مغازي سليمان التيمي أنهم قالوا في جواب ذلك ‏"‏ رضينا عن الله ورسوله ‏"‏ وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه بغير إسناد، وأخرجه أحمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس بلفظ ‏"‏ أفلا تقولون جئتنا خائفا فآمناك، وطريدا فآويناك، ومخذولا فنصرناك‏.‏

فقالوا‏:‏ بل المن علينا لله ولرسوله ‏"‏ وإسناده صحيح، وروى أحمد من وجه آخر عن أبي سعيد قال‏:‏ ‏"‏ قال رجل من الأنصار لأصحابه‏:‏ لقد كنت أحدثكم أن لو استقامت الأمور لقد آثر عليكم، قال فردوا عليه ردا عنيفا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ الحديث‏.‏

وإنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا منه وإنصافا، وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم، فإنه لولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نبه على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ألا ترضون إلخ ‏"‏ فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بالشاة والبعير‏)‏ اسم جنس فيهما، والشاة تقع على الذكر والأنثى وكذا البعير‏.‏

وفي رواية الزهري ‏"‏ أن يذهب الناس بالأموال ‏"‏ وفي رواية أبي التياح بعدها وكذا قتادة ‏"‏ بالدنيا ‏"‏ قوله‏:‏ ‏(‏إلى رحالكم‏)‏ بالحاء المهملة أي بيوتكم وهي رواية قتادة، زاد في رواية الزهري عن أنس ‏"‏ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ‏"‏ وزاد فيه أيضا ‏"‏ قالوا يا رسول الله قد رضينا ‏"‏ وفي رواية قتادة ‏"‏ قالوا بلى ‏"‏ وذكر الواقدي أنه حينئذ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس، وهي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض، فأبوا وقالوا‏:‏ لا حاجة لنا بالدنيا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار‏)‏ قال الخطابي‏:‏ أراد بهذا الكلام تألف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحدا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها، ونسبة الإنسان تقع على وجوه‏:‏ منها الولادة، والبلادية، والاعتقادية، والصناعية‏.‏

ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنه ممتنع قطعا‏.‏

وأما الاعتقادي فلا معنى للانتقال فيه، فلم يبق إلا القسمان الأخيران، وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمرا واجبا، أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم‏.‏

قال‏:‏ ويحتمل أنه لما كانوا أخواله لكون أم عبد المطلب منهم أراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة لولا مانع الهجرة‏.‏

وقال ابن الجوزي‏:‏ لم يرد صلى الله عليه وسلم تغير نسبه ولا محو هجرته، وإنما أراد أنه لولا ما سبق من كونه هاجر لانتسب إلى المدينة وإلى نصرة الدين، فالتقدير لولا أن النسبة إلى الهجرة نسبة دينية لا يسع تركها لانتسبت إلى داركم‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم كما كانوا ينتسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها سبقت فمنعت من ذلك، وهي أعلى وأشرف فلا تتبدل بغيرها‏.‏

وقيل معناه لكنت من الأنصار في الأحكام والعداد‏.‏

وقيل‏:‏ التقدير لولا أن ثواب الهجرة أعظم لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار، ولم يرد ظاهر النسب أصلا‏.‏

وقيل لولا التزامي بشروط الهجرة ومنها ترك الإقامة بمكة فوق ثلاث لاخترت أن يكون من الأنصار فيباح لي ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وادي الأنصار‏)‏ هو المكان المنخفض، وقبل الذي فيه ماء، والمراد هنا بلدهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ شعب الأنصار ‏"‏ بكسر الشين المعجمة وهو اسم لما انفرج بين جبلين‏.‏

وقيل الطريق في الجبل‏.‏

وأراد صلى الله عليه وسلم بهذا وبما بعده التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا‏.‏

ومن هذا وصفه فحقه أن يسلك طريقه ويتبع حاله‏.‏

قال الخطابي‏:‏ لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه، وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم واديا وشعبا‏.‏

فأراد أنه مع الأنصار‏.‏

قال‏:‏ ويحتمل أن يريد بالوادي المذهب كما يقال فلان في واد وأنا في واد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الأنصار شعار والناس دثار‏)‏ الشعار بكسر المعجمة بعدها مهملة خفيفة‏:‏ الثوب الذي يلي الجلد من الجسد‏.‏

والدثار بكسر المهملة ومثلثة خفيفة الذي فوقه‏.‏

وهي استعارة لطيفة لفرط قربهم منه‏.‏

وأراد أيضا أنهم بطانته وخاصته وأنهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم‏.‏

زاد في حديث أبي سعيد ‏"‏ اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار‏.‏

قال‏:‏ فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا‏:‏ رضينا برسول الله قسما وحظا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنكم ستلقون بعدي أثرة‏)‏ بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسر أوله مع الإسكان، أي الانفراد بالشيء المشترك دون من يشركه فيه‏.‏

وفي رواية الزهري ‏"‏ أثرة شديدة ‏"‏ والمعنى أنه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق‏.‏

وقال أبو عبيد‏:‏ معناه يفضل نفسه عليكم في الفيء‏.‏

وقيل المراد بالأثرة الشدة‏.‏

ويرده سياق الحديث وسببه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاصبروا حتى تلقوني على الحوض‏)‏ أي يوم القيامة‏.‏

وفي رواية الزهري ‏"‏ حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض ‏"‏ أي اصبروا حتى تموتوا، فإنكم ستجدونني عند الحوض، فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم والثواب الجزيل على الصبر‏.‏

وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم إقامة الحجة على الخصم وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه، وحسن أدب الأنصار في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم‏.‏

وفيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل من ثناء الرسول البالغ عليهم، وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق‏.‏

وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار والاعتراف‏.‏

وفيه علم من أعلام النبوة لقوله‏:‏ ‏"‏ ستلقون بعدي أثرة ‏"‏ فكان كما قال‏.‏

وقد قال الزهري في روايته عن أنس في آخر الحديث ‏"‏ قال أنس‏:‏ فلم يصبروا‏"‏‏.‏

وفيه أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأن له أن يعطي الغني منه للمصلحة‏.‏

وأن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك‏.‏

ومشروعية الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواء كان خاصا أم عاما‏.‏

وفيه جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة‏.‏

وفيه تسلية من فاته شيء من الدنيا مما حصل له من ثواب الآخرة، والحض على طلب الهداية والألفة والغني، وأن المنة لله ورسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عما فات منها ليدخر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ نَاسٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ فَطَفِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي رِجَالًا الْمِائَةَ مِنْ الْإِبِلِ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ قَالَ أَنَسٌ فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَقَالَتِهِمْ فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ فَقَالَ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَجِدُونَ أُثْرَةً شَدِيدَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ قَالَ أَنَسٌ فَلَمْ يَصْبِرُوا

الشرح‏:‏

حديث أنس، أورده من رواية الزهري وأبي التياح وهشام بن زيد وقتادة كلهم عن أنس‏.‏

وفي رواية بعضهم ما ليس في رواية الآخر، وقد ذكرت ما في رواياتهم من فائدة في الذي قبله‏.‏

وهشام في رواية الزهري هو ابن يوسف الصنعاني، وأبو التياح اسمه يزيد بن حميد، وإسناده كله بصريون‏.‏

وكذا طريق قتادة‏.‏

وهشام بن زيد هو ابن أنس بن مالك‏.‏

وقد أورد حديثه من طريقين‏:‏ فالأولى عن أزهر وهو ابن سعد السمان، والثانية عن معاذ بن معاذ وهو العنبري كلاهما عن ابن عون وهو عبد الله، وجميعهم بصريون‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فَغَضِبَتْ الْأَنْصَارُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا بَلَى قَالَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ

الشرح‏:‏

قوله في رواية أبي التياح ‏(‏لما كان يوم فتح مكة قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم في قريش‏)‏ كذا لأبي ذر عن شيخه، وله في رواية الكشميهني ‏"‏ بين قريش ‏"‏ وهي رواية الأصيلي، ووقع عند القابسي ‏"‏ غنائم في قريش ‏"‏ ولبعضهم ‏"‏ غنائم من قريش ‏"‏ وهو خطأ لأنه يوهم أن مكة لما فتحت قسمت غنائم قريش، وليس كذلك، بل المراد بقوله‏:‏ ‏"‏ يوم فتح مكة ‏"‏ زمان فتح مكة وهو يشمل السنة كلها، ولما كانت غزوة حنين ناشئة عن غزوة مكة أضيفت إليها كما تقدم عكسه، وقد قرر ذلك الإسماعيلي فقال‏:‏ قوله يعني في رواية ‏"‏ لما افتتحت مكة قسمت الغنائم ‏"‏ يريد غنائم هوازن، فإنه لم يكن عند فتح مكة غنيمة تقسم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم غزا حنينا بعد فتح مكة في تلك الأيام القريبة، وكان السبب في هوازن فتح مكة لأن الخلوص إلى محاربتهم كان بفتح مكة، وقد خطأ القابسي الرواية وقال‏:‏ الصواب في قريش‏.‏

وأخرج أبو نعيم هذا الحديث من طريق أبي مسلم الكجي عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه بلفظ ‏"‏ لما كان يوم حنين قالت الأنصار‏:‏ والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش ‏"‏ الحديث، فهذا لا إشكال فيه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ الْتَقَى هَوَازِنُ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةُ آلَافٍ وَالطُّلَقَاءُ فَأَدْبَرُوا قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالُوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ لَبَّيْكَ نَحْنُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَأَعْطَى الطُّلَقَاءَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا فَقَالُوا فَدَعَاهُمْ فَأَدْخَلَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَاخْتَرْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنبأنا هشام بن زيد‏)‏ في رواية معاذ ‏"‏ عن هشام‏"‏‏.‏

قوله في رواية معاذ ‏(‏عشرة آلاف من الطلقاء‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ عشرة آلاف والطلقاء ‏"‏ وهو أولى فإن الطلقاء لم يبلغوا هذا القدر ولا عشر عشره، وقيل إن الواو مقدرة عند من جوز تقدير حرف العطف‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بُيُوتِكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الْأَنْصَارِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ في رواية قتادة ‏(‏إن قريشا حديث عهد‏)‏ كذا وقع بالإفراد في الصحيحين، والمعروف ‏"‏ حديثو عهد‏"‏، وكتبها الدمياطي بخطه ‏"‏ حديثو عهد ‏"‏ وفيه نظر‏.‏

وقد وقع عند الإسماعيلي ‏"‏ أن قريشا كانوا قريب عهد‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن أجبرهم‏)‏ كذا للأكثر بفتح أوله وسكون الجيم بعدها موحدة ثم راء مهملة، وللسرخسي والمستملي بضم أوله وكسر الجيم بعدها تحتانية ساكنة ثم زاي من الجائزة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا أَعْطَى الْأَقْرَعَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى نَاسًا فَقَالَ رَجُلٌ مَا أُرِيدَ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ وَجْهُ اللَّهِ فَقُلْتُ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله‏)‏ هو ابن مسعود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏آثر ناسا، أعطى الأقرع‏)‏ أي ابن حابس بن عثمان بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي المجاشعي، قيل كان اسمه فراس والأقرع لقبه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأعطى عيينة‏)‏ أي ابن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأعطى ناسا‏)‏ تقدم ذكرهم في الكلام على المؤلفة قريبا، وفي هذه العطية يقول العباس بن مرداس السلمي كما أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي في الدلائل من طريق عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين مائة مائة من الإبل‏.‏

فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة، فأنشأ يقول‏:‏ أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع قال‏:‏ ‏"‏ فأكمل له المائة ‏"‏ وساق ابن إسحاق وموسى بن عقبة هذه الأبيات أكثر من هذا‏.‏

قوله في رواية منصور ‏(‏فقال رجل‏)‏ في رواية الأعمش ‏"‏ فقال رجل من الأنصار ‏"‏ وفي رواية الواقدي أنه معتب بن قشير من بني عمرو بن عوف، وكان من المنافقين، وفيه تعقب على مغلطاي حيث قال‏:‏ لم أر أحدا قال إنه من الأنصار إلا ما وقع هنا وجزم بأنه حرقوص بن زهير السعدي، وتبعه ابن الملقن وأخطأ في ذلك، فإن قصة حرقوص غير هذه كما سيأتي قريبا من حديث أبي سعيد الخدري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما أراد بها‏)‏ في رواية منصور ‏"‏ ما أريد بها ‏"‏ على البناء للمجهول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقلت لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ في رواية الأعمش ‏"‏ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فتغير وجهه‏)‏ في رواية الواقدي ‏"‏ حتى ندمت على ما بلغته‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رحمة الله على موسى‏)‏ تقدمت الإشارة إلى شيء من شرحه في أحاديث الأنبياء، وفي الحديث جواز المفاضلة في القسمة، والإعراض عن الجاهل، والصفح عن الأذى، والتأسي بمن مضى من النظراء‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع حديث ابن مسعود مقدما على طريق معاذ عن ابن عون عن هشام عن أنس في رواية أبي ذر، والصواب تأخيره لتتوالى طرق حديث أنس، وأظنه من تغيير الرواة عن الفربري، فإن طريق أنس الأخيرة سقطت من رواية النسفي، فلعل البخاري ألحقها فكتبت مؤخره عن مكانها‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بِنَعَمِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةُ آلَافٍ وَمِنْ الطُّلَقَاءِ فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالُوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالُوا لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ فَنَزَلَ فَقَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَقَسَمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَتْ شَدِيدَةٌ فَنَحْنُ نُدْعَى وَيُعْطَى الْغَنِيمَةَ غَيْرُنَا فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ فَسَكَتُوا فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ قَالُوا بَلَى

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَأَخَذْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ وَقَالَ هِشَامٌ قُلْتُ يَا أَبَا حَمْزَةَ وَأَنْتَ شَاهِدٌ ذَاكَ قَالَ وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال هشام‏:‏ قلت يا أبا حمزة‏)‏ هو موصول بالإسناد المذكور، وأبو حمزة هو أنس بن مالك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ شاهد ذلك ‏"‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ شاهد ذاك‏.‏

قال وأين أغيب عنه ‏"‏ هو استفهام إنكار يقرر أنه ما كان ينبغي له أن يظن أن أنسا يغيب عن ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم تحوزونه إلى بيوتكم ‏"‏ كذا للجميع بالحاء المهملة والزاي من الحوز، ووقع عند الكرماني ‏"‏ تجيرونه ‏"‏ بالتحتانية بدل الواو وضبطه بالجيم والراء المهملة وفسره بقوله أي تنقذونه، وكل ذلك خطأ نقلا وتفسيرا‏.‏

وقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ فتذهبون بمحمد تحوزونه ‏"‏ كما في الرواية المعتمدة‏.‏