فصل: باب إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْراً

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب الشِّرْكُ وَالسِّحْرُ مِنْ الْمُوبِقَاتِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الشرك والسحر من الموبقات‏)‏ أي المهلكات‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏اجتنبوا الموبقات‏:‏ الشرك بالله والسحر‏)‏ هكذا أورد الحديث مختصرا وحذف لفظ العدد، وقد تقدم في كتاب الوصايا بلفظ ‏"‏ اجتنبوا السبع الموبقات ‏"‏ وساق الحديث بتمامه، ويجوز نصب الشرك بدلا من السبع، ويجوز الرفع على الاستئناف فيكون خبر مبتدأ محذوف، والنكتة في اقتصاره على اثنتين من السبع هنا الرمز إلى تأكيد أمر السحر، فظن بعض الناس أن هذا القدر هو جملة الحديث، فقال‏:‏ ذكر الموبقات وهي صيغة جمع وفسرها باثنتين فقط، وهو من قبيل قوله تعالى ‏(‏فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا‏)‏ فاقتصر على اثنتين فقط، وهذا على أحد الأقوال في الآية، ولكن ليس الحديث كذلك فإنه في الأصل سبعة حذف البخاري منها خمسة وليس شأن الآية كذلك‏.‏

وقال ابن مالك‏:‏ تضمن هذا الحديث حذف المعطوف للعلم به، فإن تقدير اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر وأخواتهما وجاز الحذف لأن الموبقات سبع، وقد ثبتت في حديث آخر، واقتصر في هذا الحديث على ثنتين منها تنبيها على أنهما أحق بالاجتناب، ويجوز رفع الشرك والسحر على تقدير ‏"‏ منهن‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وظاهر كلامه يقتضي أن الحديث ورد هكذا تارة وتارة ورد بتمامه، وليس كذلك، وإنما الذي اختصره البخاري نفسه كعادته في جواز الاقتصار على بعض الحديث، وقد أخرجه المصنف في كتاب الوصايا في ‏"‏ باب قول الله عز وجل‏:‏ إن الذي يأكلون أموال اليتامى ظلما ‏"‏ عن عبد العزيز بن عبد الله شيخه في هذا الحديث بهذا الإسناد، وساقها سبعا فذكر بعد السحر وقتل النفس الخ، وأعاده في أواخر كتاب المحاربين بهذا الإسناد بعينه بتمامه، وأغفل المزي في الأطراف ‏"‏ ذكر هذا الموضع في ترجمة سالم أبي الغيث عن أبي هريرة‏.‏

*3*باب هَلْ يَسْتَخْرِجُ السِّحْرَ

وَقَالَ قَتَادَةُ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤَخَّذُ عَنْ امْرَأَتِهِ أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب هل يستخرج السحر‏)‏ ‏؟‏ كذا أورد الترجمة بالاستفهام إشارة إلى الاختلاف، وصدر بما نقله عن سعيد بن المسيب من الجواز إشارة إلى ترجيحه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال قتادة قلت لسعيد بن المسيب الخ‏)‏ وصله أبو بكر الأثرم في ‏"‏ كتاب السنن ‏"‏ من طريق أبان العطار عن قتادة، ومثله من طريق هشام الدستوائي عن قتادة بلفظ ‏"‏ يلتمس من يداويه، فقال‏:‏ إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع ‏"‏ وأخرجه الطبري في ‏"‏ التهذيب ‏"‏ من طريق يزيد بن زريع عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، فقال‏:‏ هو صلاح‏.‏

قال قتادة‏:‏ وكان الحسن يكره ذلك يقول‏:‏ لا يعلم ذلك إلا ساحر، قال فقال سعيد بن المسيب‏.‏

إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع‏.‏

وقد أخرج أبو داود في ‏"‏ المراسيل ‏"‏ عن الحسن رفعه ‏"‏ النشرة من عمل الشيطان ‏"‏ ووصله أحمد وأبو داود بسند حسن عن جابر، قال ابن الجوزي‏:‏ النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر‏.‏

وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور فقال‏:‏ لا بأس به‏.‏

وهذا هو المعتمد‏.‏

ويجاب عن الحديث والأثر بأن قوله ‏"‏ النشرة من عمل الشيطان ‏"‏ إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا كان خيرا وإلا فهو شر‏.‏

ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره لأنه قد ينحل بالرقى والأدعية والتعويذ، ولكن يحتمل أن تكون النشرة نوعين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏به طب‏)‏ بكسر الطاء أي سحر، وقد تقدم توجيهه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو يؤخذ‏)‏ بفتح الواو مهموز وتشديد الخاء المعجمة وبعدها معجمة أي يحبس عن امرأته ولا يصل إلى جماعها، والأخذة بضم الهمزة هي الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل حرزة يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو يحل عنه‏)‏ بضم أوله وفتح المهملة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو ينشر‏)‏ بتشديد المعجمة من النشرة بالضم وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن، قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء، ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في ‏"‏ باب الرقية ‏"‏ في حديث جابر عند مسلم مرفوعا ‏"‏ من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل ‏"‏ ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث ‏"‏ العين حق ‏"‏ في قصة اغتسال العائن، وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال‏:‏ لا بأس بالنشرة العربية التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كل ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به‏.‏

وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل ثم يحسو منه ثلاث حسوات ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله، وممن صرح بجواز النشرة المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في ‏"‏ كتاب الطب النبوي ‏"‏ لجعفر المستغفري قال‏:‏ وجدت في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من ‏"‏ تفسير قتيبة بن أحمد البخاري ‏"‏ قال قال قتادة لسعيد بن المسيب‏:‏ رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن ينشر‏؟‏ قال لا بأس، وإنما يريد به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه‏.‏

قال نصوح‏:‏ فسألني حماد بن شاكر‏:‏ ما الحل وما النشرة‏؟‏ فلم أعرفهما، فقال‏:‏ هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها فإن المبتلي بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسا ذا قطارين ويضعه في وسط تلك الحزمة ثم يؤجج نارا في تلك الحزمة حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفارة وورد البساتين ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيهما ماء عذبا ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليا يسيرا ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى‏:‏ قال حاشد‏:‏ تعلمت هاتين الفائدتين بالشام‏.‏

قلت‏:‏ وحاشد هذا من رواة الصحيح عن البخاري، وقد أغفل المستغفري أن أثر قتادة هذا علقه البخاري في صحيحه وأنه وصله الطبري في تفسيره، ولو اطلع على ذلك ما اكتفى بعزوه إلى تفسير قتيبة بن أحمد بغير إسناد، وأغفل أيضا أثر الشعبي في صفته وهو أعلى ما اتصل بنا من ذلك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ حَدَّثَنِي آلُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ فَسَأَلْتُ هِشَاماً عَنْهُ فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ قَالَ سُفْيَانُ وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا فَقَالَ يَا عَائِشَةُ أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ مَا بَالُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كَانَ مُنَافِقاً قَالَ وَفِيمَ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ قَالَ وَأَيْنَ قَالَ فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ قَالَتْ فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ فَقَالَ هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قَالَ فَاسْتُخْرِجَ قَالَتْ فَقُلْتُ أَفَلَا أَيْ تَنَشَّرْتَ فَقَالَ أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ شَرّاً

الشرح‏:‏

ذكر حديث عائشة في قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق شرحه مستوفى قريبا‏.‏

وقوله فيه ‏"‏ قال سفيان‏:‏ وهذا أشد ما يكون من السحر ‏"‏ سفيان هو ابن عيينة وهو موصول بالسند المذكور‏.‏

ولم أقف على كلام سفيان هذا في مسند الحميدي ولا أن أبي عمر ولا غيرهما والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في جف طلعة ذكر تحت رعوفة‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ راعوفة ‏"‏ بزيادة ألف بعد الراء وهو كذلك لأكثر الرواة، عكس ابن التين وزعم أن راعوفة للأصيلي فقط وهو المشهور في اللغة، وفي لغة أخرى ‏"‏ أرعوفة ‏"‏ ووقع كذلك في مرسل عمر بن الحكم، ووقع في رواية معمر عن هشام بن عروة عند أحمد ‏"‏ تحت رعوثة ‏"‏ بمثلثة بدل الفاء وهي لغة أخرى معروفة، ووقع في النهاية لابن الأثير أن في رواية أخرى ‏"‏ زعوبة ‏"‏ بزاي وموحدة وقال هي بمعني راعوفة ا هـ‏.‏

والراعوفة حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه يقوم عليه المستقي‏.‏

وقد يكون في أسفل البئر، قال أبو عبيد‏:‏ هي صخرة تنزل في أسفل البئر إذا حفرت يجلس عليها الذي ينظف البئر، وهو حجر يوجد صلبا لا يستطاع نزعه فيترك، واختلف في اشتقاقها فقيل‏:‏ لتقدمها وبروزها يقال جاء فلان يرعف الخيل أي يتقدمها؛ وذكر الأزهري في تهذيبه عن شمر قال‏:‏ راعوفة البئر النظافة، هي مثل عين على قدر حجر العقرب في أعلى الركية فيجاوز في الحفر خمس قيم وأكثر فربما وجدوا ماء كثيرا، قال شمر‏:‏ فمن ذهب بالراعوفة إلى النظافة فكأنه أخذه من رعاف الأنف، ومن ذهب بالراعوفة إلى الحجر الذي يتقدم طي البئر فهو من رعف الرجل إذا سبق‏.‏

قلت‏:‏ وتنزيل الراعوفة على الأخير واضح بخلاف الأول، والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البئر حتى استخرجه إلى أن قال فاستخرج‏)‏ كذا وقع في رواية ابن عيينة‏.‏

وفي رواية عيسى بن يونس ‏"‏ قلت؛ يا رسول الله أفلا استخرجته ‏"‏ وفي رواية وهيب ‏"‏ قلت‏:‏ يا رسول الله فأخرجه للناس ‏"‏ وفي رواية ابن نمير ‏"‏ أفلا أخرجته‏؟‏ قال‏:‏ لا ‏"‏ وكذا في رواية أبي أسامة التي بعد هذا الباب، قال ابن بطال‏:‏ ذكر المهلب أن الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السحر المذكور، فانتبه سفيان وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرح به أسامة، قال والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده أن النشرة لم يقع في رواية أبي أسامة والزيادة من سفيان مقبولة لأنه أثبتهم، ولا سيما أنه كرر استخراج السحر في روايته مرتين فيبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة وجعل جوابه صلى الله عليه وسلم عنها بلا بدلا عن الاستخراج، قال‏:‏ ويحتمل وجها آخر فذكر ما محصله‏:‏ أن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبت هو استخراج الجف والمنفي استخراج ما حواه، قال‏:‏ وكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلمه من أراد استعمال السحر‏.‏

قلت‏:‏ وقع في رواية عمرة ‏"‏ فاستخرج جف طلعة من تحت راعوفة ‏"‏ وفي حديث زيد بن أرقم ‏"‏ فأخرجوه فرموا به ‏"‏ وفي مرسل عمر بن الحكم أن الذي استخرج السحر قيس بن محصن، كل هذا لا يخالف الحمل المذكور، لكن في آخر رواية عمرة وفي حديث ابن عباس أنهم وجدوا وترا فيه عقد، وأنها انحلت عند قراءة المعوذتين ففيه إشعار باستكشاف ما كان داخل الجف، فلو كان ثابتا لقدح في الجمع المذكور، لكن لا يخلو إسناد كل منهما من الضعف‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في رواية أبي أسامة مخالفة في لفظة أخرى‏:‏ فرواية البخاري عن عبيد بن إسماعيل عنه ‏"‏ أفلا أخرجته ‏"‏ وهكذا أخرجه أحمد عن أبي أسامة، ووقع عند مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة ‏"‏ أفلا أحرقته ‏"‏ بحاء مهملة وقاف‏.‏

وقال النووي‏:‏ كلا الروايتين صحيح، كأنها طلبت أنه يخرجه ثم يحرقه‏.‏

قلت‏:‏ لكن لم يقعا معا في رواية واحدة، وإنما وقعت اللفظة مكان اللفظة، وانفرد أبو كريب بالرواية التي بالمهملة والقاف، فالجاري على القواعد أن روايته شاذة‏.‏

وأغرب القرطبي فجعل الضمير في أحرقته للبيد بن أعصم، قال‏:‏ واستفهمته عائشة عن ذلك عقوبة له على ما صنع من السحر، فأجابها بالامتناع، ونبه على سببه وهو خوف وقوع شر بينهم وبين اليهود لأجل العهد، فلو قتله لثارت فتنة‏.‏

كذا قال‏.‏

ولا أدري ما وجه تعين قتله بالإحراق، وإن لو سلم أن الرواية ثابتة وأن الضمير له‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قالت فقلت أفلا‏؟‏ أي تنشرت‏)‏ وقع في رواية الحميدي ‏"‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله فهلا‏؟‏ قال سفيان بمعني تنشرت‏.‏

فبين الذي فسر المراد بقولها ‏"‏ أفلا ‏"‏ كأنه لم يستحضر اللفظة فذكره بالمعنى، وظاهر هذا اللفظة أنه من النشرة‏.‏

وكذا وقع في رواية معمر عن هشام عند أحمد ‏"‏ فقالت عائشة‏:‏ لو أنك ‏"‏ تعني تنشر، وهو مقتضى صنيع المصنف حيث ذكر النشرة في الترجمة، ويحتمل أن يكون من النشر بمعنى الإخراج فيوافق رواية من رواه بلفظ ‏"‏ فهلا أخرجته ‏"‏ ولكون لفظ هذه الرواية ‏"‏ هلا استخرجت ‏"‏ وحذف المفعول للعلم به، ويكون المراد بالمخرج ما حواه الجف لا الجف نفسه، فيتأيد الجمع المقدم ذكره‏.‏

‏(‏تكميل‏)‏ ‏:‏ قال ابن القيم من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر والدعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من الله معمورا بذكره وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه لا يخل به كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له‏.‏

قال‏:‏ وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها‏.‏

انتهى ملخصا‏.‏

ويعكر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبي صلى الله عليه وسلم مع عظيم مقامه وصدق توجهه وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وأن ما وقع به صلى الله عليه وسلم لبيان تجويز ذلك، والله أعلم‏.‏

*3*باب السِّحْرِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب السحر‏)‏ كذا وقع هنا للكثير، وسقط لبعضهم، وعليه جرى ابن بطال والإسماعيلي وغيرهما، وهو الصواب لأن الترجمة قد تقدمت بعينها قبل ببابين، ولا يعهد ذلك للبخاري إلا نادرا عند بعض دون بعض‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ ثُمَّ قَالَ أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ قُلْتُ وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ جَاءَنِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ قَالَ فِيمَا ذَا قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ قَالَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ قَالَ فَذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأَخْرَجْتَهُ قَالَ لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ وَشَفَانِي وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرّاً وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ

الشرح‏:‏

حديث عائشة من رواية أبي أسامة فاقتصر الكثير منه على بعضه من أوله إلى قوله ‏"‏ يفعل الشيء وما فعله ‏"‏ وفي رواية الكشميهني ‏"‏ أنه فعل الشيء وما فعله ‏"‏ ووقع سياق الحديث بكماله في رواية الكشميهني والمستملي، وكذا صنع النسفي وزاد في آخره طريق يحيى القطان عن هشام إلى قوله ‏"‏ صنع شيئا ولم يصنعه ‏"‏ وقد تقدم سندا ومتنا لغيره في كتاب الجزية‏.‏

وأغفل المزي في ‏"‏ الأطراف ‏"‏ ذكرها هنا، وذكر هنا رواية الحميدي عن سفيان ولم أرها ولا ذكرها أبو مسعود في أطرافه، واستدل بهذا الحديث على أن الساحر لا يقتل حدا إذا كان له عهد، وأما ما أخرجه الترمذي من حديث جندب رفعه قال ‏"‏ حد الساحر ضربه بالسيف ‏"‏ ففي سنده ضعف، فلو ثبت لخص منه من له عهد، وتقدم في الجزية من رواية بجالة ‏"‏ أن عمر كتب إليهم أن اقتلوا كل ساحر وساحرة ‏"‏ وزاد عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار في روايته عن بجالة ‏"‏ فقتلنا ثلاث سواحر ‏"‏ أخرج البخاري أصل الحديث دون قصة قتل السواحر، قال ابن بطال‏:‏ لا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك والزهري إلا أن يقتل بسحره فيقتل، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعن مالك إن أدخل بسحره ضررا على مسلم لم يعاهد عليه نقض العهد بذلك فيحل قتله، وإنما لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم لبيد بن الأعصم لأنه كان لا ينتقم لنفسه، ولأنه خشي إذا قتله أن تثور بذلك فتنة بين المسلمين وبين حلفائه من الأنصار، وهو من نمط ما راعاه من ترك قتل المنافقين، سواء كان لبيد يهوديا أو منافقا على ما مضى من الاختلاف فيه‏.‏

قال‏:‏ وعند مالك أن حكم الساحر حكم الزنديق فلا تقبل توبته، ويقتل حدا إذا ثبت عليه ذلك، وبه قال أحمد‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ لا يقتل إلا إن اعترف بسحره فيقتل به، فإن اعترف أن سحره قد يقتل وقد لا يقتل وأنه سحره وأنه مات لم يجب عليه القصاص ووجبت الدية في ماله لا على عاقلته، ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة، وادعى أبو بكر الرازي في ‏"‏ الأحكام ‏"‏ أن الشافعي تفرد بقوله إن الساحر يقتل قصاصا إذا اعترف أنه قتله بسحره، والله أعلم‏.‏

قال النووي‏:‏ إن كان السحر قول أو فعل يقتضي الكفر كفر الساحر وتقبل توبته إذا تاب عندنا، وإذا لم يكن في سحره ما يقتضي الكفر عزر واستتيب‏.‏

*3*باب إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْراً

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب إن من البيان سحرا‏)‏ في رواية الكشميهني والأصيلي ‏"‏ السحر‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْراً أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏قدم رجلان‏)‏ لم أقف على تسميتهما صريحا، وقد زعم جماعة أنهما الزبرقان بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة وبالقاف واسمه الحصين ولقب الزبرقان لحسنه، والزبرقان من أسماء القمر، وهو ابن بدر بن امرئ القيس بن خلف، وعمرو بن الأهتم واسم الأهتم سنان بن سمي يجتمع مع الزبرقان في كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فهما تميميان، قدما في وفد بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة، واستندوا قي تعيينهما إلى ما أخرجه البيهقي في ‏"‏ الدلائل ‏"‏ وغيره من طريق مقسم عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم، ففخر الزبرقان فقال‏:‏ يا رسول الله، أنا سيد بني تميم والمطاع فيهم والمجاب، أمنعهم من الظلم وآخذ منهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك يعني عمرو بن الأهتم، فقال عمرو‏:‏ إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في أذنيه‏.‏

فقال الزبرقان والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو‏:‏ أنا أحسدك‏؟‏ والله يا رسول الله إنه لئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة‏.‏

والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الآخرة، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت‏.‏

فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن من البيان سحرا‏"‏‏.‏

وأخرجه الطبراني من حديث أبي بكرة قال‏:‏ ‏"‏ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وفد بني تميم عليهم قيس بن عاصم والزبرقان وعمرو بن الأهتم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو‏:‏ ما تقول في الزبرقان‏؟‏ فذكر نحوه ‏"‏ وهذا لا يلزم منه أن يكون الزبرقان وعمرو هما المراد بحديث ابن عمر، فإن المتكلم إنما هو عمرو بن الأهتم وحده، وكان كلامه في مراجعته الزبرقان، فلا يصح نسبة الخطبة إليهما إلا على طريق التجوز‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من المشرق‏)‏ أي من جهة المشرق، وكانت سكنى بني تميم من جهة العراق وهي في شرقي المدينة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فخطبا، فعجب الناس لبيانهما‏)‏ قال الخطابي‏:‏ البيان اثنان‏:‏ أحدهما‏:‏ ما تقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر‏:‏ ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم، وهو الذي يشبه بالسحر إذا خلب القلب وغلب على النفس حتى يحول الشيء عن حقيقته ويصرفه عن جهته، فيلوح للناظر في معرض غيره‏.‏

وهذا إذا صرف إلى الحق يمدح، وإذا صرف إلى الباطل يذم‏.‏

قال‏:‏ فعلى هذا فالذي يشبه بالسحر منه هو المذموم‏.‏

وتعقب بأنه لا مانع من تسمية الآخر سحرا، لأن السحر يطلق على الاستمالة كما تقدم تقريره في أول باب السحر، وقد حمل بعضهم الحديث على المدح والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، وهذا واضح إن صح أن الحديث ورد في قصة عمرو بن الأهتم، وحمله بعضهم على الذم لمن تصنع في الكلام وتكلف لتحسينه وصرف الشيء عن ظاهره، فشبه بالسحر الذي هو تخييل لغير حقيقة، وإلى هذا أشار مالك حيث أدخل الحديث في ‏"‏ الموطأ ‏"‏ في ‏"‏ باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله ‏"‏ وتقدم في ‏"‏ باب الخطبة ‏"‏ من كتاب النكاح في الكلام على حديث الباب من قول صعصعة بن صوحان في تفسير هذا الحديث ما يؤيد ذلك، وهو أن المراد به الرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجة من صاحب الحق فيسحر الناس ببيانه فيذهب بالحق، وحمل الحديث على هذا صحيح، لكن لا يمنع حمله على المعني الآخر إذا كان في تزيين الحق، وبهذا جزم ابن العربي وغيره من فضلاء المالكية‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ أحسن ما يقال في هذا أن هذا الحديث ليس ذما للبيان كله ولا مدحا لقوله من البيان، فأتى بلفظة ‏"‏ من ‏"‏ التي للتبعيض قال‏:‏ وكيف يذم البيان وقد امتن الله به على عباده حيث قال‏:‏ ‏(‏خلق الإنسان علمه البيان‏)‏ انتهى‏.‏

والذي يظهر أن المراد بالبيان في الآية المعنى الأول الذي نبه عليه الخطابي، لا خصوص ما نحن فيه‏.‏

وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز، والإتيان بالمعاني الكثيرة بالألفاظ اليسيرة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام، وهذا كله من البيان بالمعنى الثاني‏.‏

نعم الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها‏.‏

والله أعلم

*3*باب الدَّوَاءِ بِالْعَجْوَةِ لِلسِّحْرِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الدواء بالعجوة للسحر‏)‏ العجوة ضرب من أجود تمر المدينة وألينه‏.‏

وقال الداودي‏:‏ هو من وسط التمر‏.‏

وقال ابن الأثير‏:‏ العجوة ضرب من التمر أكبر من الصيحاني يضرب إلى السواد، وهو مما غرسه النبي صلى الله عليه وسلم بيده بالمدينة‏.‏

وذكر هذا الأخير القزاز‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ أَخْبَرَنَا هَاشِمٌ أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ وَقَالَ غَيْرُهُ سَبْعَ تَمَرَاتٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا علي‏)‏ لم أره منسوبا في شيء من الروايات، ولا ذكره أبو علي الغساني، لكن جزم أبو نعيم في المستخرج بأنه علي بن عبد الله ابن المديني، وبذلك جزم المزي في ‏"‏ الأطراف ‏"‏ وجزم الكرماني بأنه علي بن سلمة اللبقي وما عرفت سلفه فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا مروان‏)‏ هو ابن معاوية الفزاري، جزم به أبو نعيم، وأخرجه مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر عن مروان الفزاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هاشم‏)‏ هو ابن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وعامر بن سعد هو ابن عم أبيه، ووقع في رواية أبي أسامة في الطريق الثانية في الباب ‏"‏ سمعت عامرا سمعت سعدا ‏"‏ ويأتي بعد قليل من وجه آخر ‏"‏ سمعت عامر بن سعد سمعت أبي ‏"‏ وهو سعد بن أبي وقاص‏.‏

قوله ‏(‏من اصطبح‏)‏ في رواية أبي أسامة ‏"‏ من تصبح ‏"‏ وكذا في رواية جمعة عن مروان الماضية في الأطعمة، وكذا لمسلم عن ابن عمر وكلاهما بمعنى التناول صباحا، وأصل الصبوح والاصطباح تناول الشراب صبحا، ثم استعمل في الأكل، ومقابله الغبوق والاغتباق بالغين المعجمة؛ وقد يستعمل في مطلق الغذاء أعم من الشرب والأكل، وقد يستعمل في أعم من ذلك كما قال الشاعر‏:‏ صبحنا الخزرجية مرهفات وتصبح مطاوع صبحته بكذا إذا أتيته به صباحا، فكأن الذي يتناول العجوة صباحا قد أتى بها، وهو مثل تغدى وتعشى إذا وقع ذلك في وقت الغداء أو العشاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كل يوم تمرات عجوة‏)‏ كذا أطلق في هذه الرواية، ووقع مقيدا في غيرها، ففي رواية جمعة وابن أبي عمر سبع تمرات، وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية دحيم عن مروان، وكذا هو في رواية أبي أسامة في الباب، ووقع مقيدا بالعجوة في رواية أبي ضمرة أنس بن عياض عن هاشم بن هاشم عند الإسماعيلي، وكذا في رواية أبي أسامة، وزاد أبو ضمرة في روايته التقييد بالمكان أيضا ولفظه ‏"‏ من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية ‏"‏ والعالية القرى التي في الجهة العالية من المدينة وهي جهة نجد، وقد تقدم لها ذكر في المواقيت من كتاب الصلاة، وفيه بيان مقدار ما بينها وبين المدينة‏.‏

وللزيادة شاهد عند مسلم من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة بلفظ ‏"‏ في عجوة العالية شفاء في أول البكرة ‏"‏ ووقع لمسلم أيضا من طريق أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري عن عامر بن سعد بلفظ ‏"‏ من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح ‏"‏ وأراد لابتي المدينة وإن لم يجر لها ذكر للعلم بها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل‏)‏ السم معروف وهو مثلث السين، والسحر تقدم تحرير القول فيه قريبا؛ وقوله‏:‏ ‏"‏ ذلك اليوم ‏"‏ ظرف وهو معمول ليضره، أو صفة لسحر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ إلى الليل ‏"‏ فيه تقييد الشفاء المطلق في رواية ابن أبي مليكة حيث قال ‏"‏ شفاء أول البكرة في أو ترياق ‏"‏ وتردده في ترياق شك من الراوي، والبكرة بضم الموحدة وسكون الكاف يوافق ذكر الصباح في حديث سعد، والشفاء أشمل من الترياق يناسب ذكر السم، والذي وقع في حديث سعد شيئان السحر والسم، فمعه زيادة علم‏.‏

وقد أخرج النسائي من حديث جابر رفعه ‏"‏ العجوة من الجنة، وهي شفاء من السم ‏"‏ وهذا يوافق رواية ابن أبي مليكة‏.‏

والترياق بكسر المثناة وقد تضم وقد تبدل المثناة دالا أو طاء بالإهمال فيهما، وهو دواء مركب معروف يعالج به المسموم، فأطلق على العجوة اسم الترياق تشبيها لها به، وأما الغاية في قوله‏:‏ ‏"‏ إلى الليل ‏"‏ فمفهومه أن السر الذي في العجوة من دفع ضرر السحر والسم يرتفع إذا دخل الليل في حق من تناوله من أول النهار، ويستفاد منه إطلاق اليوم على ما بين طلوع الفجر أو الشمس إلى غروب الشمس، ولا يستلزم دخول الليل، ولم أقف في شيء من الطرق على حكم من تناول ذلك في أول الليل هل يكون كمن تناوله أول النهار حتى يندفع عنه ضرر السم والسحر إلى الصباح، والذي يظهر خصوصية ذلك بالتناول أول النهار لأنه حينئذ يكون الغالب أن تناوله يقع على الريق، فيحتمل أن يلحق به من تناول الليل على الريق كالصائم، وظاهر الإطلاق أيضا المواظبة على ذلك‏.‏

وقد وقع مقيدا فيما أخرجه الطبري من رواية عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها ‏"‏ كانت تأمر بسبع تمرات عجوة في سبع غدوات ‏"‏ وأخرجه ابن عدي من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام مرفوعا، وذكر ابن عدي أنه تفرد به، ولعله أراد تفرده برفعه، وهو من رجال البخاري لكن في المتابعات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال غيره سبع تمرات‏)‏ وقع في نسخة الصغاني ‏"‏ يعني غير حديث علي ‏"‏ انتهى، والغير كأنه أراد به جمعة، وقد تقدم في الأطعمة عنه أو غيره ممن نبهت عليه ممن رواه كذلك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ سَمِعْتُ سَعْداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ

الشرح‏:‏

قوله في رواية أبي أسامة ‏(‏سبع تمرات عجوة‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ بسبع تمرات ‏"‏ بزيادة الموحدة في أوله، ويجوز في تمرات عجوة الإضافة فتخفض كما تقول ثياب خز، ويجوز التنوين على أنه عطف بيان أو صفة لسبع أو تمرات ويجوز النصب منونا على تقدير فعل أو على التمييز‏.‏

قال الخطابي‏:‏ كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة لا لخاصية في التمر‏.‏

وقال ابن التين‏:‏ يحتمل أن يكون المراد نخلا خاصا بالمدينة لا يعرف الآن‏.‏

وقال بعض شراح ‏"‏ المصابيح ‏"‏ نحوه وإنه ذلك لخاصية فيه، قال‏:‏ ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بزمانه صلى الله عليه وسلم، وهذا يبعده وصف عائشة لذلك بعده صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال بعض شراح ‏"‏ المشارق ‏"‏ أما تخصيص تمر المدينة بذلك فواضح من ألفاظ المتن، وأما تخصيص زمانه بذلك فبعيد، وأما خصوصية السبع فالظاهر أنه لسر فيها، وإلا فيستحب أن يكون ذلك وترا‏.‏

وقال المازري‏:‏ هذا مما لا يعقل معناه في طريق علم الطب، ولو صح أن يخرج لمنفعة التمر في السم وجه من جهة الطب لم يقدر على إظهار وجه الاقتصار على هذا العدد الذي هو السبع، ولا على الاقتصار على هذا الجنس الذي هو العجوة، ولعل ذلك كان لأهل زمانه صلى الله عليه وسلم خاصة أو لأكثرهم، إذ لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زماننا غالبا، وإن وحد ذلك في الأكثر حمل على أنه أراد وصف غالب الحال‏.‏

وقال عياض‏:‏ تخصيصه ذلك بعجوة العالية وبما بين لابتي المدينة يرفع هذا الإشكال ويكون خصوصا لها، كما وجد الشفاء لبعض الأدواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك البلاد دون ذلك الجنس في غيره، لتأثير يكون في ذلك من الأرض أو الهواء‏.‏

قال‏:‏ وأما تخصيص هذا العدد فلجمعه بين الإفراد والإشفاع، لأنه زاد على نصف العشرة، وفيه أشفاع ثلاثة وأوتار أربعة، وهي من نمط غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏سبع سنابل‏)‏ وكما أن السبعين مبالغة في كثرة العشرات والسبعمائة مبالغة في كثرة المئين‏.‏

وقال النووي‏:‏ في الحديث تخصيص عجوة المدينة بما ذكر، وأما خصوص كون ذلك سبعا فلا يعقل معناه كما في أعداد الصلوات ونصب الزكوات‏.‏

قال‏:‏ وقد تكلم في ذلك المازري وعياض بكلام باطل فلا يغتر به انتهى‏.‏

ولم يظهر لي من كلامهما ما يقتضي الحكم عليه بالبطلان، بل كلام المازري يشير إلى محل ما اقتصر عليه النووي، وفي كلام عياض إشارة إلى المناسبة فقط، والمناسبات لا يقصد فيها التحقيق البالغ بل يكتفى منها بطرق الإشارة‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ ظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السم وإبطال السحر، والمطلق منها محمول على المقيد، وهو من باب الخواص التي لا تدرك بقياس ظني‏.‏

ومن أئمتنا من تكلف لذلك فقال‏:‏ إن السموم إنما تقتل لإفراط برودتها، فإذا داوم على التصبح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة وأعانتها الحرارة الغريزية فقاوم ذلك برودة السم ما لم يستحكم‏.‏

قال‏:‏ وهذا يلزم منه رفع خصوصية عجوة المدينة بل خصوصية العجوة بل خصوصية التمر، فإن من الأدوية الحارة ما هو أولى بذلك من التمر، والأولى أن ذلك خاص بعجوة المدينة‏.‏

ثم هل هو خاص بزمان نطقه أو في كل زمان‏؟‏ هذا محتمل، ويرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة‏.‏

فمن جرب ذلك فصح معه عرف أنه مستمر، وإلا فهو مخصوص بذلك الزمان‏.‏

قال وأما خصوصية هذا العدد فقد جاء في مواطن كثيرة من الطب كحديث ‏"‏ صبوا علي من سبع قرب ‏"‏ وقوله للمفؤود الذي وجهه للحارث بن كلدة أن يلده بسبع تمرات، وجاء تعويذه سبع مرات، إلى غير ذلك‏.‏

وأما في غير الطب فكثير، فما جاء من هذا العدد في معرض التداوي فذلك لخاصية لا يعلمها إلا الله أو من أطلعه على ذلك، وما جاء منه في غير معرض التداوي فإن العرب تضع هذا العدد موضع الكثرة وإن لم ترد عددا بعينه‏.‏

وقال ابن القيم‏:‏ عجوة المدينة من أنفع تمر الحجاز، وهو صنف كريم ملزز متين الجسم والقوة، وهو من ألين التمر وألذه‏.‏

قال‏:‏ والتمر في الأصل من أكثر الثمار تغذية لما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الديدان لما فيه من القوة الترياقية، فإذا أديم أكله على الريق جفف مادة الدود وأضعفه أو قتله انتهى‏.‏

وفي كلامه إشارة إلى أن المراد نوع خاص من السم وهو ما ينشأ عن الديدان التي في البطن لا كل السموم، لكن سياق الخبر يقتضي التعميم لأنه نكرة في سياق النفي، وعلى تقدير التسليم في السم فماذا يصنع في السحر‏.‏