فصل: باب مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب هِبَةِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا

قَالَ إِبْرَاهِيمُ جَائِزَةٌ

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَرْجِعَانِ وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ قَالَ يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَا وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جَازَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها‏)‏ أي هل يجوز لأحد منهما الرجوع فيها‏؟‏ قوله‏:‏ ‏(‏قال إبراهيم‏)‏ هو النخعي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏جائزة‏)‏ أي فلا رجوع فيها‏.‏

وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال‏:‏ إذا وهبت له أو وهب لها فلكل واحد منهما عطيته‏.‏

ووصله الطحاوي من طريق أبي عوانة عن منصور قال‏:‏ قال إبراهيم‏:‏ إذا وهبت المرأة لزوجها أو وهب الرجل لامرأته فالهبة جائزة، وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته‏.‏

ومن طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم‏:‏ الزوج والمرأة بمنزلة ذي الرحم، إذا وهب أحدهما لصاحبه لم يكن له أن يرجع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عمر بن عبد العزيز‏:‏ لا يرجعان‏)‏ وصله عبد الرزاق أيضا عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد أن عمر بن عبد العزيز قال مثل قول إبراهيم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم نساءه أن يمرض في بيت عائشة‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه‏)‏ أما الحديث الأول فهو موصول في الباب من حديث عائشة، وسيأتي الكلام عليه في أواخر المغازي، ووجه دخوله في الترجمة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهبن لها ما استحققن من الأيام، ولم يكن لهن في ذلك رجوع أي فيما مضى، وإن كان لهن الرجوع في المستقبل‏.‏

وأما الحديث الثاني فهو موصول أيضا في آخره، ويأتي الكلام عليه بعد خمسة عشر بابا، ووجه دخوله في الترجمة أنه ذم العائد في هبته على الإطلاق، فدخل فيه الزوج والزوجة تمسكا بعمومه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال الزهري فيمن قال لامرأته هبي لي بعض صداقك إلخ‏)‏ وصله ابن وهب عن يونس بن يزيد عنه، وقوله فيه ‏"‏ خلبها ‏"‏ بفتح المعجمة واللام والموحدة أي خدعها‏.‏

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال‏:‏ رأيت القضاة يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها ولا يقيلون الزوج فبما وهب لامرأته، والجمع بينهما أن رواية معمر عنه منقولة، ورواية يونس عنه اختياره، وهو التفصيل المذكور بين أن يكون خدعها فلها أن ترجع أو لا فلا، وهو قول المالكية إن أقامت البينة على ذلك، وقيل يقبل قولها في ذلك مطلقا، وإلى عدم الرجوع من الجانبين مطلقا ذهب الجمهور، وإلى التفصيل الذي نقله الزهري ذهب شريح، فروى عبد الرزاق والطحاوي من طريق محمد بن سيرين ‏"‏ أن امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها، فاختصما إلى شريح فقال للزوج‏:‏ شاهداك أنها وهبت لك من غير كره ولا هوان، وإلا فيمينها لقد وهبت لك عن كره وهوان ‏"‏ وعند عبد الرزاق بسند منقطع عن عمر أنه كتب ‏"‏ إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت ‏"‏ قال الشافعي‏:‏ لا يرد شيئا إذا خالعها ولو كان مضرا بها، لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏)‏ وسيأتي مزيد لذلك في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى‏.‏

*3*باب هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ

فَهُوَ جَائِزٌ إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب هبة المرأة لغير زوجها، وعتقها إذا كان لها زوج‏)‏ أي ولو كان لها زوج ‏(‏فهو جائز إذا لم تكن سفيهة، فإذا كانت سفيهة لم يجز‏.‏

وقال الله تعالى‏:‏ ‏(‏ولا تؤتوا السفهاء أموالكم‏)‏‏)‏ ، وبهذا الحكم قال الجمهور، وخالف طاوس فمنع مطلقا، وعن مالك لا يجوز لها أن تعطي بغير إذن زوجها ولو كانت رشيدة إلا من الثلث، وعن الليث لا يجوز مطلقا إلا في الشيء التافه‏.‏

وأدلة الجمهور من الكتب والسنة كثيرة، واحتج لطاوس بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه ‏"‏ لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها ‏"‏ أخرجه أبو داود والنسائي‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ وأحاديث الباب أصح، وحملها مالك على الشيء اليسير، وجعل حده الثلث فما دونه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِيَ مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ فَأَتَصَدَّقُ قَالَ تَصَدَّقِي وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ابن أبي مليكة‏)‏ في رواية حجاج عن ابن جريج ‏"‏ أخبرني ابن أبي مليكة ‏"‏ وقد تقدمت في الزكاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عباد بن عبد الله‏)‏ أي ابن الزبير بن العوام، وأسماء التي روى عنها هي بنت أبي بكر الصديق وهي جدته لأبيه، وقد روى أيوب هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن عائشة بغير واسطة أخرجه أبو داود والترمذي وصححه النسائي، وصرح أيوب عن ابن أبي مليكة بتحديث عائشة له بذلك، فيحمل على أنه سمعه من عباد عنها ثم حدثته به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما لي مال إلا ما أدخل علي‏)‏ بالتشديد، والزبير هو ابن العوام كان زوجها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأتصدق‏)‏ كذا للأكثر بحذف أداة الاستفهام، وللمستملي بإثباتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا توعي فيوعي الله عليك‏)‏ بالنصب لكونه جواب النهي، وكذا قوله في الرواية الثانية ‏"‏ فيحصي الله عليك ‏"‏ والمعنى لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك، وقد تقدم شرحه مبسوطا في أوائل كتاب الزكاة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن فاطمة‏)‏ هي بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي بنت عم هشام بن عروة الراوي عنها وزوجته، وأسماء هي بنت أبي بكر جدتهما جميعا لأبويهما‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي قَالَ أو فعلت قَالَتْ نَعَمْ قَالَ أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ

الشرح‏:‏

حديث ميمونة عن يزيد هو ابن أبي حبيب، وبكير هو ابن عبد الله بن الأشج، وهذا الإسناد نصفه الأول مصريون ونصفه الآخر مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق يزيد وبكير وكريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنها أعتقت وليدة‏)‏ أي جارية، في رواية النسائي من طريق عطاء بن يسار عن ميمونة ‏"‏ أنها كانت لها جارية سوداء ‏"‏ ولم أقف على اسم هذه الجارية، وبين النسائي من طريق أخرى عن الهلالية زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي ميمونة في أصل هذه الحادثة أنها كانت سألت النبي صلى الله عليه وسلم خادما فأعطاها خادما فأعتقتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أما‏)‏ بتخفيف الميم ‏(‏أنك‏)‏ بفتح الهمزة ‏(‏لو أعطيتها أخوالك‏)‏ أخوالها كانوا من بني هلال أيضا، واسم أمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث، ذكرها ابن سعد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك‏)‏ قال ابن بطال‏.‏

فيه أن هبة ذي الرحم أفضل من العتق، ويؤيده ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث سلمان بن عامر الضبي مرفوعا ‏"‏ الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة ‏"‏ لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقا لاحتمال أن يكون المسكين محتاجا ونفعه بذلك متعديا والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النسائي المذكورة ‏"‏ فقال أفلا فديت بها بنت أخيك من رعاية الغنم ‏"‏ فبين الوجه في الأولوية المذكورة وهو احتياج قرابتها إلى من يخدمها، وليس في الحديث أيضا حجة على أن صلة الرحم أفضل من العتق لأنها واقعة عين، والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما قررته، ووجه دخول حديث ميمونة في الترجمة أنها كانت رشيدة وأنها أعتقت قبل أن تستأمر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستدرك ذلك عليها بل أرشدها إلى ما هو الأولى، فلو كان لا ينفذ لها تصرف في مالها لأبطله، والله أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال بكر‏)‏ هو ابن مضر ‏(‏عن عمرو‏)‏ هو ابن الحارث ‏(‏عن بكير‏)‏ هو ابن الأشج ‏(‏عن كريب أن ميمونة أعتقت‏)‏ وقع في رواية المستملي ‏"‏ عتقته ‏"‏ وهو غلط فاحش، فقد ذكره المصنف في الباب الذي يليه بهذا الإسناد وقال فيه‏:‏ ‏"‏ أعتقت وليدة لها ‏"‏ وأراد المصنف بهذا التعليق شيئين‏:‏ أحدهما موافقة عمرو بن الحارث ليزيد بن أبي حبيب على قوله‏:‏ ‏"‏ عن كريب ‏"‏ وقد خالفهما محمد بن إسحاق فرواه عن بكير فقال‏:‏ ‏"‏ عن سليمان بن يسار ‏"‏ بدل بكير أخرجه أبو داود والنسائي من طريقه، قال الدار قطني‏:‏ ورواية يزيد وعمرو أصح‏.‏

ثانيهما‏:‏ أنه عند بكر بن مضر عن عمرو بصورة الإرسال قال فيه‏:‏ ‏"‏ عن كريب أن ميمونة أعتقت ‏"‏ فذكر قصة ما أدركها، لكن قد رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث فقال فيه ‏"‏ عن كريب عن ميمونة ‏"‏ أخرجه مسلم والنسائي من طريقه، وطريق بكر بن مضر المعلقة وصلها البخاري في ‏"‏ كتاب بر الوالدين ‏"‏ له وهو مفرد، وسمعناه من طريق أبي بكر بن دلويه عنه قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن صالح هو كاتب الليث عن بكر بن مضر عنه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الشرح‏:‏

حديث عائشة وصدره طرف من قصة الإفك، وسيأتي شرحها مستوفى في تفسير سورة النور، وقوله‏:‏ ‏"‏ وكان يقسم لكل امرأة منهن غير سودة إلخ ‏"‏ حديث مستقل، وقد ترجم له في النكاح، وأورده مفردا، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك إن شاء الله تعالى، وقد تبين توجيهه هناك في شرح الباب الذي قبله، قال ابن بطال‏:‏ ليس في أحاديث الباب ما يرد على مالك لأنه يحملها على ما زاد على الثلث انتهى‏.‏

وهو حمل سائغ إن ثبت المدعي، وهو أنه لا يجوز لها تصرف فيما زاد على الثلث إلا بإذن زوجها، لما في ذلك من الجمع بين الأدلة، والله أعلم‏.‏

*3*باب بِمَنْ يُبْدَأُ بِالْهَدِيَّةِ

وَقَالَ بَكْرٌ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا فَقَالَ لَهَا وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب بمن يبدأ بالهدية‏)‏ أي عند التعارض في أصل الاستحقاق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال بكر‏)‏ هو ابن مضر وعمرو هو ابن الحارث، وقد مضى التنبيه على من وصله في الباب الذي قبله، وحديث ميمونة فيه الاستواء في صفة ما من الاستحقاق فيقدم القريب على الغريب، وحديث عائشة المذكور بعده فيه الاستواء في الصفات كلها فيقدم الأقرب في الذات‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي قَالَ إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي عمران الجوني‏)‏ هو عبد الملك، والإسناد كله بصريون إلا عائشة وقد دخلت البصرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن طلحة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرة‏)‏ في رواية حجاج بن منهال عن شعبة كما سيأتي في الأدب ‏"‏ سمعت طلحة ‏"‏ لكنه لم ينسبه، وقد أزالت هذه الرواية اللبس الذي تقدمت الإشارة إليه في كتاب الشفعة، ووقع عند الإسماعيلي ‏"‏ من بني تيم الرباب ‏"‏ بفتح الراء والموحدة الخفيفة وآخره موحدة أخرى، وهو وهم، والصواب تيم بن مرة وهو رهط أبي بكر الصديق، وقد وافق محمد بن جعفر على ذلك يزيد بن هارون عن شعبة كما حكاه الإسماعيلي، وسيأتي شرح هذا الحديث في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى، وقوله‏:‏ ‏"‏ بابا ‏"‏ منصوب على التمييز‏.‏

*3*باب مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً وَالْيَوْمَ رِشْوَةٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من لم يقبل الهدية لعلة‏)‏ أي بسبب ينشأ عنه الريبة كالقرض ونحوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عمر بن عبد العزيز إلخ‏)‏ وصله ابن سعد بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال‏:‏ اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك فقال‏:‏ لا حاجة لي فيه، فقلت‏:‏ ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية‏؟‏ فقال‏:‏ إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة‏.‏

ووصله أبو نعيم في ‏"‏ الحلية ‏"‏ من طريق عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز في قصة أخرى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ رشوة ‏"‏ بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح، وهي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب آخذه‏.‏

وقال ابن العربي‏:‏ الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عونا على ما لا يحل، والمرتشي قابضه، والراشي معطيه، والرائش الواسطة، وقد ثبت حديث عبد الله بن عمرو في لعن الراشي والمرتشي أخرجه الترمذي وصححه‏.‏

وفي رواية والرائش والراشي، ثم قال‏:‏ الذي يهدي لا يخلو أن يقصد ود المهدي إليه أو عونه أو ماله، فأفضلها الأول، والثالث جائز لأنه يتوقع بذلك الزيادة على وجه جميل، وقد تستحب إن كان محتاجا والمهدي لا يتكلف وإلا فيكره، وقد تكون سببا للمودة وعكسها‏.‏

وأما الثاني فإن كان لمعصية فلا يحل وهو الرشوة، وإن كان لطاعة فيستحب، وإن كان لجائز فجائز، لكن إن لم يكن المهدي له حاكما والإعانة لدفع مظلمة أو إيصال حق فهو جائز، ولكن يستحب له ترك الأخذ، وإن كان حاكما فهو حرام ا هـ ملخصا‏.‏

وفي معنى ما ذكره عمر حديث مرفوع أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي حميد مرفوعا ‏"‏ هدايا العمال غلول ‏"‏ وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وروايته عن غير أهل المدينة ضعيفة، وهذا منها، وقيل إنه رواه بالمعنى من قصة ابن اللتبية المذكورة ثاني حديثي الباب، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وجابر ثلاثتها في الطبراني الأوسط بأسانيد ضعيفة‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب حديثين‏:‏ أحدهما حديث الصعب بن جثامة في قصة الحمار الوحشي، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في الحج‏.‏

الثاني حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، وسبق في أواخر الزكاة تسميته وضبط اللتبية‏.‏

ووجه دخولهما في الترجمة ظاهر‏.‏

وأما حديث الصعب فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين العلة في عدم قبوله هديته لكونه كان محرما، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله؛ واستنبط منه المهلب رد هدية من كان ماله حراما أو عرف بالظلم‏.‏

وأما حديث أبي حميد فلأنه صلى الله عليه وسلم عاب على ابن اللتبية قبوله الهدية التي أهديت إليه لكونه كان عاملا، وأفاد بقوله‏:‏ ‏"‏ فهلا جلس في بيت أمه ‏"‏ أنه لو أهدي إليه في تلك الحالة لم تكره لأنها كانت لغير ريبة، قال ابن بطال‏:‏ فيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طلبها له الإمام، وفيه كراهة قبول هدية طالب العناية‏.‏

وقوله في حديث أبي حميد‏:‏ ‏"‏ حتى نظرت عفرة ‏"‏ بضم المهملة وفتحها وسكون الفاء وقد تفتح، وهي بياض ليس بالناصع‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ قَالَ صَعْبٌ فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي قَالَ لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ وَلَكِنَّا حُرُمٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من لم يقبل الهدية لعلة‏)‏ أي بسبب ينشأ عنه الريبة كالقرض ونحوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عمر بن عبد العزيز إلخ‏)‏ وصله ابن سعد بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال‏:‏ اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك فقال‏:‏ لا حاجة لي فيه، فقلت‏:‏ ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية‏؟‏ فقال‏:‏ إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة‏.‏

ووصله أبو نعيم في ‏"‏ الحلية ‏"‏ من طريق عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز في قصة أخرى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ رشوة ‏"‏ بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح، وهي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب آخذه‏.‏

وقال ابن العربي‏:‏ الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عونا على ما لا يحل، والمرتشي قابضه، والراشي معطيه، والرائش الواسطة، وقد ثبت حديث عبد الله بن عمرو في لعن الراشي والمرتشي أخرجه الترمذي وصححه‏.‏

وفي رواية والرائش والراشي، ثم قال‏:‏ الذي يهدي لا يخلو أن يقصد ود المهدي إليه أو عونه أو ماله، فأفضلها الأول، والثالث جائز لأنه يتوقع بذلك الزيادة على وجه جميل، وقد تستحب إن كان محتاجا والمهدي لا يتكلف وإلا فيكره، وقد تكون سببا للمودة وعكسها‏.‏

وأما الثاني فإن كان لمعصية فلا يحل وهو الرشوة، وإن كان لطاعة فيستحب، وإن كان لجائز فجائز، لكن إن لم يكن المهدي له حاكما والإعانة لدفع مظلمة أو إيصال حق فهو جائز، ولكن يستحب له ترك الأخذ، وإن كان حاكما فهو حرام ا هـ ملخصا‏.‏

وفي معنى ما ذكره عمر حديث مرفوع أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي حميد مرفوعا ‏"‏ هدايا العمال غلول ‏"‏ وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وروايته عن غير أهل المدينة ضعيفة، وهذا منها، وقيل إنه رواه بالمعنى من قصة ابن اللتبية المذكورة ثاني حديثي الباب، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وجابر ثلاثتها في الطبراني الأوسط بأسانيد ضعيفة‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب حديثين‏:‏ أحدهما حديث الصعب بن جثامة في قصة الحمار الوحشي، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في الحج‏.‏

الثاني حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، وسبق في أواخر الزكاة تسميته وضبط اللتبية‏.‏

ووجه دخولهما في الترجمة ظاهر‏.‏

وأما حديث الصعب فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين العلة في عدم قبوله هديته لكونه كان محرما، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله؛ واستنبط منه المهلب رد هدية من كان ماله حراما أو عرف بالظلم‏.‏

وأما حديث أبي حميد فلأنه صلى الله عليه وسلم عاب على ابن اللتبية قبوله الهدية التي أهديت إليه لكونه كان عاملا، وأفاد بقوله‏:‏ ‏"‏ فهلا جلس في بيت أمه ‏"‏ أنه لو أهدي إليه في تلك الحالة لم تكره لأنها كانت لغير ريبة، قال ابن بطال‏:‏ فيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طلبها له الإمام، وفيه كراهة قبول هدية طالب العناية‏.‏

وقوله في حديث أبي حميد‏:‏ ‏"‏ حتى نظرت عفرة ‏"‏ بضم المهملة وفتحها وسكون الفاء وقد تفتح، وهي بياض ليس بالناصع‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من لم يقبل الهدية لعلة‏)‏ أي بسبب ينشأ عنه الريبة كالقرض ونحوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عمر بن عبد العزيز إلخ‏)‏ وصله ابن سعد بقصة فيه، فروى من طريق فرات بن مسلم قال‏:‏ اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئا يشتري به، فركبنا معه، فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك فقال‏:‏ لا حاجة لي فيه، فقلت‏:‏ ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يقبلون الهدية‏؟‏ فقال‏:‏ إنها لأولئك هدية وهي للعمال بعدهم رشوة‏.‏

ووصله أبو نعيم في ‏"‏ الحلية ‏"‏ من طريق عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز في قصة أخرى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ رشوة ‏"‏ بضم الراء وكسرها ويجوز الفتح، وهي ما يؤخذ بغير عوض ويعاب آخذه‏.‏

وقال ابن العربي‏:‏ الرشوة كل مال دفع ليبتاع به من ذي جاه عونا على ما لا يحل، والمرتشي قابضه، والراشي معطيه، والرائش الواسطة، وقد ثبت حديث عبد الله بن عمرو في لعن الراشي والمرتشي أخرجه الترمذي وصححه‏.‏

وفي رواية والرائش والراشي، ثم قال‏:‏ الذي يهدي لا يخلو أن يقصد ود المهدي إليه أو عونه أو ماله، فأفضلها الأول، والثالث جائز لأنه يتوقع بذلك الزيادة على وجه جميل، وقد تستحب إن كان محتاجا والمهدي لا يتكلف وإلا فيكره، وقد تكون سببا للمودة وعكسها‏.‏

وأما الثاني فإن كان لمعصية فلا يحل وهو الرشوة، وإن كان لطاعة فيستحب، وإن كان لجائز فجائز، لكن إن لم يكن المهدي له حاكما والإعانة لدفع مظلمة أو إيصال حق فهو جائز، ولكن يستحب له ترك الأخذ، وإن كان حاكما فهو حرام ا هـ ملخصا‏.‏

وفي معنى ما ذكره عمر حديث مرفوع أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي حميد مرفوعا ‏"‏ هدايا العمال غلول ‏"‏ وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وروايته عن غير أهل المدينة ضعيفة، وهذا منها، وقيل إنه رواه بالمعنى من قصة ابن اللتبية المذكورة ثاني حديثي الباب، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وجابر ثلاثتها في الطبراني الأوسط بأسانيد ضعيفة‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب حديثين‏:‏ أحدهما حديث الصعب بن جثامة في قصة الحمار الوحشي، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في الحج‏.‏

الثاني حديث أبي حميد في قصة ابن اللتبية، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى، وسبق في أواخر الزكاة تسميته وضبط اللتبية‏.‏

ووجه دخولهما في الترجمة ظاهر‏.‏

وأما حديث الصعب فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين العلة في عدم قبوله هديته لكونه كان محرما، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله؛ واستنبط منه المهلب رد هدية من كان ماله حراما أو عرف بالظلم‏.‏

وأما حديث أبي حميد فلأنه صلى الله عليه وسلم عاب على ابن اللتبية قبوله الهدية التي أهديت إليه لكونه كان عاملا، وأفاد بقوله‏:‏ ‏"‏ فهلا جلس في بيت أمه ‏"‏ أنه لو أهدي إليه في تلك الحالة لم تكره لأنها كانت لغير ريبة، قال ابن بطال‏:‏ فيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طلبها له الإمام، وفيه كراهة قبول هدية طالب العناية‏.‏

وقوله في حديث أبي حميد‏:‏ ‏"‏ حتى نظرت عفرة ‏"‏ بضم المهملة وفتحها وسكون الفاء وقد تفتح، وهي بياض ليس بالناصع‏.‏