فصل: باب: أَجَل العِنِّين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: أَجَل العِنِّين:

8302- العِنِّين هو الذي يمتنع عليه وقاع امرأته. وليست العُنَّةُ معنى مأيوسَ الزوال، وليست أيضاًً ثابتة على العموم، فلا يمتنع أن يعِن الرجل عن امرأةٍ، ولا يعِن عن أخرى.
وقيل: العُنةُ في اللسان: اسمٌ للحظيرة التي تحبس فيها الإبل. ومما أرسلته العرب قولهم في الذي يهرف بكلامٍ لا قبولَ له: إنه "كالمهدِّر في العنة". أي: كالإبل التي طال احتباسها، فهي تهدر من طول المقام.
وقيل: "عِنانُ الدابة" سُمِّي بما سمي لأنه يمنعها من ركوبها رأسَها.
فالعنين: العاجزُ عن مواقعة امرأته.
ومبنى الباب على مكان العُنة بين العيوب الواقعةِ التي لا دفع لها، ولا رجاء في زوالها، وبين المضارة التي يُفرض وقوعها.
ثم قاعدة الباب تبتني على قسمين من الكلام:
أحدهما: أن تدعي المرأة عجز زوجها عن الغِشيان.
والثاني: أن تدعي اقتداره، وتزعم أنه ممتنع من وقاعها مضار بها في الانكفاف عنها.
فلتقع البداية بالقسم الأول، فهو مضمون الباب ومقصوده.
8303- فإذا رفعت المرأةُ زوجَها إلى مجلس الحكم، وزعمت أنه عاجزٌ عِنِّين، فالزوج لا يخلو؛ إما أن يُقرَّ بالعُنة كما ادعتها، وإمَّا أن يدعي القدرة على الوقاع.
فإن اعترف بالعنة، أو أنكرها، ولكن قامت بيِّنة عادلةٌ على إقراره بالعُنة؛ فلا يثبت للمرأة حقُ الفسخ وإن ثبت الإقرار بالعُنة. وتبيَّن في مفتتح هذا الكلام أنَّ العنة لا تجري مجرى الجَب؛ فإن نفس وقوع الجب يُثبت الخيار، والعنة في ظاهر الحكم قد ثبتت بإقرار الزوج، ولا خيار باتفاق أئمة المذهب، ولكن يضرب القاضي للزوج المدة، وهي سنة، يمهله فيها، ويُبيِّين له: أنك إن أصَبْتَ في المدة المضروبة، انفصلت الخصومةُ وانقطعت الطَّلِبة، وإن لم تُصِبْ، ثبت الخيارُ في فسخ النكاح بعد تَصَرُّمِ المدة.
والحكمة في إمهاله هذه المدة أنَّ العُنة قد تحال على أسباب يقتضيها بعض فصول السنة، فإذا جرى هذا المهَل، وتَصَرَّمت الفصول على اختلافِ طبائعِها، تحقق العجزُ إذ ذاك، وكأنّ العُنَّة، وإن جرى الاعتراف بها لا يتبيّن تحققها إلا بما ذكرناه.
وهذا احتياط رآه الشرع، وتشوّفٌ إلى إدامة النكاح لتعرض العُنّة للزوال لتغايير تلحق الضعف والمُنَّة، وقد صح أن عمر أجّل العنين سنة، وأجمع المسلمون على اتباع قضائه في قاعدة الباب.
وما ذكرناه فيه إذا اعترف الزوج بالعُنة، أو شهدت بيّنة على اعترافه بها.
فإن ادعت المرأةُ العُنةَ، فأنكر الزوج، فشهدت بيِّنة على العنَّة نفسها ولم يتعرضوا لإقراره بها؛ فالبيِّنَةُ مردودة؛ فإنه لا اطلاع للشاهدين على ما شهدوا به، ولو كانوا سمعوا إقراره، فليس لهم أن يشهدوا بالمقرّ به، بل عليهم أن يتعرضوا للإقرار نفسه.
وإذا أقرَّ زيدٌ لعمرو بدار، فليس للذين سمعوا إقراره أن يشهدوا لعمرو-المقر له- بالملك.
فإذاً لا تثبت العنة بشهادة البينة بها على الإطلاق.
8304- فإذا أنكرَ الزوجُ، حَلَّفَتْهُ الزوجةُ، فإن حلفَ على قدرتهِ على الوقاع، انقطعت عنه الطّلبة وانفصلت الخصومة، وبطَلَ توصلها إلى حق الفسخ، فلا معنى-والحالة هذه- لضرب المدة.
وأمثال هذا وإن كانت جليّة عند فقهاء المذهب، فلا يضر التعرض للتصريح به، فقد يظن ظان أنَّ للسلطان أن يقول: إن كنت صادقاً في ادعاء القدرة، فحققها بوطأة، ولستَ مرهقاً، فالسنة مهلتك ومدتها فسختك؛ فهذا لا سبيل إليه؛ إذ يلزم منه مطالبة القادرين بالوقاع، حتى إن لم يواقعوا في مهلة السنة، طلقت عليهم نساؤهم، أو فسخت الأنكحة عليهم. وهذا لا سبيل إلى اعتقاده في قاعدة المذهب.
وما ذكرناه فيه إذا أنكر العجز وحلف على القدرة، فإن نكل عن اليمين المعروض عليه؛ فالمذهب الذي عليه التعويل: أنَّ اليمين مردودة على المرأة، ثم هي لا تخلو، إمَّا أن تحلف، وإمَّا أن تنكُل، فإن حلفت، ثبتت العُنة في ظاهر الحكم.
والتحق الترتيب بما إذا اعترف الزوج بالعُنة، والحكم أنَّ السلطان يضرب المدة كما تمهد قبل، وإن نكلت، كان نكولها عن اليمين بمثابة حلف الزوج، وقد بان أنَّ الزوج لو حلف، لانفصلت الخصومة بحلفه. هذا هو المذهب المشهور.
8305- قال الشيخ أبو علي: ومن أصحابنا من قال: لا تثبت العُنَّة بحلفها؛ فإنها مخبرة عن عجز غيرها، وهذا لا اطلاع عليه، فكما لا تثبت العنة بشهادة الغير بها، فكذلك لا تثبت العنة بحلف الزوجة.
وهذا ليس بشيء؛ فإنها قد تطلع بالمخايل الظاهرة على عجزه، وهي صاحبة الواقعة، والأيمان يُكتَفَى فيها بأمثال ذلك، فإذا جرت نِيط بها حكمها، والدليل على ما ذكرناه أنَّ الزوجَ إذا ذكر لفظةً من كنايات الطلاق، وزعم أنه لم ينوِ؛ فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل عن اليمين المعروضة عليه، رددنا اليمينَ على المرأة، واطلاعُها على قصده الطلاق أبعدُ عن اطلاعها على عجزه. والمعتمد في الموضعين المخايل وقرائن الأحوال.
ثم من يحكم بأنَّ اليمين لا تردّ على المرأة، فلا معنى عند هذا القائل لتحليف الزوج؛ فإنَّ الغاية المتوقعة أن ينكُل، والقضاء عليه بالنكول لا وجه له، والتحليف لا يُفضي إلى رد اليمين، فلا معنى لفرضها أول مرة.
والوجه أن نقول: لا سبيل إلى ضرب المدة ما لم يُقر الزوج بالعجز، أو يثبت اعترافُه بالبيّنة، وهذا يكاد يقرب من الخُرْق والهجوم على إفساد حكمه؛ فإنَّ الزوجَ إذا عَنَّ وقلنا: إنه لا يحلف، فلا يعجز عن الصمت والسكوت إذا راجعه القاضي، فإذا كان أصل المرافعة ثابتاً كما ذكرناه، وليس فيه حملٌ على يمين، فلا ثمرة للمرافعة، ولا فائدة للمحاكمة.
وللأصحاب في بعض المسائل تشوف إلى القضاء بالنكول، وقد قدمنا صوراً منها في كتاب الزكاة، وسنذكر أمثالها في مواضعها، إن شاء الله تعالى.
فلا يمتنع على الوجه البعيد أن نقول: نكول الزوج يغلّب على الظن عُنَّته، فنجعل ضرب المدة فسخته، وهذا كلام متناسب، فإن عجزه يظهر بامتناعه عن الوقاع في المدة فعلاً، فلا يبعد أن يستند ابتداء الضرب إلى امتناعه عن اليمين، وكل ذلك خبط.
والوجه: القطع برد اليمين على المرأة، كما صار إليه أئمة المذهب.
والوجه الضعيف لم يأت به الشيخ أبو علي تخريجاً، وإنما نقله عن أبي إسحاق المروزي، وهو-كما ذكرناه- بالغٌ في الضعف.
8306- فإذا تمهَّدَ محلُّ ضربِ المدة، وانفتح على الناظر تصورُ مسائلِ الباب؛ فإنَّا نقول بعد ذلك: مُدَّةُ العنةِ لا تختلف بالرق والحرية؛ فإن كان الزوج عبداً، فالمدة سنة، كما إذا كان حُرَّاً؛ إذ الغرض من ذلك امتحان الطبيعة، واستبانة عجزها وقدرتها. وما يرجع إلى الطباعِ ولا يتعلق بالتعبد، يستوي فيه العبد والحر، قياساً على مدة الإيلاء، وعلى الحولين في سنِّ الإرضاع، لمن أراد أن يُتم الرضاعة. وفيما ذكرناه احتراز عن العدة بالأقراء؛ فإن الغالب عليها التعبد، كما سنبين، إن شاء الله عز وجل.
8307- ومما يجب التصريح به أن المرأة إذا رفعت زوجها إلى مجلس الحكم وانتهى الأمرُ إلى أوان ضرب المدة؛ فالقاضي لا يضربها ما لم تلتمس المرأةُ ضربَها.
فلو أنها-لما ثبتت العنة- انكفت عن الطَّلِبة وسكتت، فالقاضي قد يحمل سكوتَها على الدهشةِ والبرق وعدمِ الإحاطة بإجراء الكلامِ في الطلبات وإجراء الخصومات، فينبهها على ما لها وعليها، فإن سكتت على ما ذكرناه، لم يبتدىء ضربَ المدة.
وهذا لا خفاء به.
وكذلك لا يعرض القاضي اليمين على الخصم ما لم يطلبه المدعي.
ولو كانت لا تدري حكم الواقعة، فلا يحسن استدعاء ضرب المدة، ولكنها إن كانت مصرّة على طلب حقها على موجب الشرع، فالقاضي يضرب المدة، ويبيّن أن هذا هو المسلك المرضيّ إلى دفع الضرار بوقوع الوقاع أو قطع النكاح، وليست هذه المدة كمدة المُولي؛ فإنَّ مستندها إيلاء الزوج، وهو مقطوع به، لا مساغ للاجتهاد به. وكذلك الأجل المرعي في ضرب العقل على العاقلة، لا حاجة فيه إلى قضاء وضرب مدة؛ فإنه مستند إلى القتل الواقع حساً.
8308- ثم إن انقضت المدة، فإن كان أصابها في السنة، فقد وفّاها حقَّها، وزال الضرار، واستمر النكاح، وإن لم يصبها، فيثبت حقُ الفسخ.
ثم لم يختلف أصحابنا في أنها لو انفردت بالفسخ بعد انقضاء المدة، ولم ترفع أمرها إلى مجلس الحكم، لم يُحكم بنفوذ فسخِها، بل لَغَا قولُها؛ والسبب فيه أنَّ مدار الباب على الدعوى والإقرار والإنكار، والنظر والاجتهاد، فلا تملك الاستبداد أصلاً.
وإن رفعت الأمر إلى مجلس الحكم، وتبيّن بإقرار الزوج أنه لم يصب في المدة المضروبة، فقد حان الفسخ.
وظهر اختلاف الأئمة في أنه هل يفسخ بنفسه؟
وإنْ فوّض إليها، كانت مأمورة مستنابة في تنفيذ الفسخ المفوّض إلى الحاكم.
ومن أئمتنا من قال: إذا انتهى الأمر إلى الموقف الذي ذكرناه، ترتب عليه ثبوت الفسخ على الاستقلال، وتلتحق العُنَّة حينئذ بالجَبِّ، ثم لها الفسخ بالجبِّ على الانفراد، كذلك هاهنا؛ فإن حكمنا بأنها تنفرد، فهل يكفي أن يقول الزوج بعد المدة: لم أطاها في المدة، أم لا تتسلط المرأة ما لم يقل القاضي: ثبت لكِ حقُّ الفسخِ فتخيَّري؟
من أصحابنا من قال: لابد من تصريح القاضي بما ذكرناه، وبعده تملك المرأة الانفراد بالفسخ، كما لابد بعد قيام البيّنة في الخصومات وتعديلها من أن يقول القاضي: ثبت الحق عندي؛ فإنَّ المجتهدات في مفاصل الخصومات لا تنفصل ما لم يُخبِر القاضي عن انتهاء نظره فيها نهايته.
ومن أصحابنا من قال: لا حاجة إلى ذلك في هذا المقام أصلاً؛ فإنَّ القاضي لا مجالَ لاجتهاده إذا اعترف الزوج بأنه لم يطأ في السنة، وقد مضت على كمالها.
نعم، إن ادعى جريان الوطء، فيحلف حينئذ وتُدرَأ الخصومات: فإن حلف، فلا فسخ، وإن نكل، رُدّت اليمين على المرأة، فإن حلفت، عاد الكلام إلى ما إذا أقَرَّ الزوج بعدم الوطء، وفيه الخلاف الذي حكيناه.
8309- ثم إذا طلبت الفراق، فهو فسخ باتفاق الأصحاب، وليس كما إذا انقضت مدة الإيلاء، وتوجهت الطَّلِبة على الزوج بالفيئة؛ فإنَّ النكاح لا يفسخ، بل يُحبسُ الزوجُ ليطَلِّقَ في قول، أو يطلق القاضي في قول؛ والسبب فيه أنَّ الزوج لم يتصف بعيب، وإنما أضَرَّ بها، والفسوخ إنما تُناط بالعيوب وما في معانيها.
وهذا فيه بعض الإشكال من جهة المعنى؛ فإن الطلاق تصرفٌ لا يدخل تحت حجر حاجر، والفسوخ مألوفة في رفع الضرار، فكان لا يبعد عن المعنى أن يفسخ القاضي نكاح المولي من غير طلاق؛ حتى يندفع الضرار، ولا ينتقص عدد الطلاق، ولكن الإيلاء في الشرع طلاقٌ عند بعض العلماء، وهو مفضٍ عندنا إلى الطلاق إذا امتنع الزوج عن الفيئة، ولعل السبب فيه أنَّ الفيئة من الزوج ليست مأيوسة، بل هي ظاهرة الإمكان، والقدرة عتيدة؛ فقَطْعُ حالة النكاح غيرُ لائق بالنظر للجانبين، ولا مستدرك بعد الفسخ، فأجيز الطلاق، وانقطعت الطَّلِبة بالرجعي، ليلائم ذلك إمكانَ الفيئة، فهذا هو المرعي.
8310- ومن لطيف الكلام أنَّ الجب لما كان موئساً سلََّطَ المرأةَ على الفسخ الناجز، والعُنة على تردد، ولكنه مع حكم، وللشرع ترتب في أثنائها، فإذا ثبتت وتحقق ثبوتها بالاجتهاد، التحقت بالجَبّ، والرفعُ المنوطُ به فسخٌ، فكانت العنة بعد الاجتهاد كالجب، ولذلك سقط حقها برضاها بعد ثبوت العنة، ولا يسقط حق التي آلى عنها زوجها بالرضا. وأما المولي، فإنه يُظهر ضراراً حاصله قطع طمعها عن الوقاع في مدة تتضرر في مثلها بالانقطاع عن الاستمتاع. وأبو حنيفة رأى فرقة العُنة كفراق الإيلاء، ورأى فراق الجَب فسخاً.
8311- ومما يُنبّه على سر الباب. أنَّ العنَّة الطارئة بعد جريان وطء لا تثبت أصلاً، وليست كالجب، فإنَّ الزوج إذا وطىء مرةً أو مراراً، ثم جبَّ؛ فحق الخيار يثبت لها على التفصيل المقدم في باب العيوب.
8312- فتنخّلّ من هذه الأسباب أنَّ العُنّة إذا ثبتت مع المهْل، وامتحنت بعروّ المدة عن الوطء، وانضم إلى ذلك عرو النكاح عن الوطء؛ فتجمُّع هذه الأسباب يُلحقها بالجب.
فأمَّا الاعتراف المجرد بالعنة من غير مدة وضرب أجل، فلا يُثبت حق الفسخ، ولذلك إن جرى وطءٌ، فلا تعويل على عنَّة إن كانت؛ لأنها غير موئسة، وجريان وطء يقرّب الرجاء في زوالها، فلا تلتحق بالجب.
وليس يخفى في مبادىء النظر الإشكالُ في هذا، ولكنه إذا اعتضد بالإجماع، لم يبالَ به.
وكل ما ذكرناه توطئةٌ للباب في أحد القسمين الموضوعين في صدره، وذلك أنَّا قلنا: الكلام يتعلق بادعاء المرأة العجز، وباعترافها بالقدرة، وطلبها الوطءَ، فإن ادعت العجز، فقد مضى صدرٌ من الكلام، وسيأتي باقيه، إن شاء الله تعالى.
8313- وإن اعترفت بقدرة الزوج على الوطء، وذكرت أنه لم يصبها في النكاح، وطلبت الإصابة؛ فهذا يبتني على خلافٍ مشهور في أنَ الزوج القادر على الوطء، هل يُجبر على أنْ يصيبَ امرأتَه مرةً واحدة؟ فظاهر المذهب: أنه لا يُجبر؛ لأنَّ الاستمتاع حقه، وهو مستحَق عليها، ولذلك يختص الزوج ببذل الصداقِ المقامِ عوضاً عن البضع.
ومن أصحابنا من قال: يجب على الزوج وطأةٌ بلا واحدة، واستدل ناصرُ هذا الوجه بمعنيين، يبتني عليهما تفريع مسائل:
أحدهما: أنها تُطالب بوطأة يتقرر مهرُها بها.
والمعنى الثاني- أنها تطالب بحصول الاستمتاع؛ فإنَّ النكاح شملهما، وغرض الشرع إعفافُهما به، فينبغي أن تكون على حظٍّ من الاستمتاع تملك طلبه.
وخَرَّجَ الأئمةُ على هذين الوجهين مسائلَ: منها: أنَّ المرأة إذا أبرأت عن المهر قبل الدخول، فهل تملك بعد الإبراء طلب الوطء؟
هذا يخرج على المعنيين، فإن قلنا: إنما تَطلُب الوطءَ لتقرير المهر، لم تملك طلبه، وقد أبرأت عن المهر. وإن قلنا: إنها تطلبه بحصول حقها في المستمتع، فلها الطلب في هذا المقام.
ومن المسائل المفرعة: أنَّ السيد إذا زوَّج أمته من عبده، فلا مهر. وهل تملك الأَمةُ طلبَ الوطء تفريعاً على الوجه الضعيف؟ فعلى وجهين مبنيين على المعنيين.
وكذلك إذا زوَّج أَمَتَهُ من حُرّ، أو عبد ليس له، وثبت المهر، فإن قلنا: طلبُ الوطء لاستحقاق مستمتع؛ فهو للأمة. وإن قلنا: طلبُ الوطء لتقرير المهر، فهو للسيد؛ لأن المهر له.
وقاعدة المذهب أنَّ المرأة لا تَطلب طلبة المهر قطّ. وكنت أُقرّر هذا الوجه في الأوجه الضعيفة التي ينفرد بنقلها الخلافيون، حتى رأيته موجّهاً مفرّعاً على النسق الذي ذكرته في الكلام.
8314- ثم إذا فرّعنا، وملكت المرأة طلبَ الوطء؛ فلو قال الزوج: أمهلوني مهلة العنين، لم نفعل؛ فإنه قادر على الوطء، وتلك المدة مضروبة لامتحان عجز الزوج وتبيّن عنته.
وكان يليق بالقادر مدةُ الإيلاء، إن فرعنا على أنها تطلب حقاً من المستمتع؛ فإنَّ الإضرار في وضع الشرع منوط بهذا. ولم يتعرض لهذا الأئمةُ، ولم يصر إلى الإمهال أيضاًً أحد. فإن استمهل أحدٌ أمهلناه، ريثما يتهيّأ في الاعتداد لهذا الشأن.
ولو ذكر مرضاً، أو عجزاً ليس بالعنة، وكانت مَخيلةٌ لائحة، أخَّرناه بلا خلاف، وما ذكرناه في استمرار الاقتدار.
ثم إذا توجهت الطَّلِبة، وامتنع الزوج نَكلاً، حُبس، ولم ينته الأمر إلى حبس المولي بعد انقضاء المدة، حتى يخرّج قولٌ في أنَّ القاضي يطلِّق، لم أرَ أحداً من الأصحاب يصير إلى ذلك، أو يرمز إلى احتمالٍ فيه، ولم أر هذا القول أيضاًً مصرَّحاً به. وكان لا يبعدُ أن نجعل المُطالَب بالوطء كالمولي إذا انقضت المدة وتوجهت عليه الطلبة بالفيئة. ونحن قد نفرق عند ظهور الضرار وتعسُّر الحَكَمين، كما سيأتي، إن شاء الله عز وجل.
فصل:
قال: "فإنْ قُطعَ من ذكره فبقي منه ما يقعُ موقعَ الجماع... إلى آخره".
8315- نقول في صدر الفصل: الأحكام الشرعية المتعلقة بالوطء تثبت جميعها بتغييب الحشفة، ولا فرقَ بين ما يستدعي الكمال وبين ما لا يستدعيه، فيحصل به التحصين، والتحليل، والحد في محله، ووجوب الكفارة، وفساد العبادة، ووجوب الغُسل، وتحريم المصاهرة، وسقوط الطّلبة بالفيئة، وحق المرافعة لسبب العنَّة. وهذا أصلٌ لا استثناء فيه.
ومعنى التغييب أن يشتمل الشفران وملتقاهما ورؤية الحشفة، ولو انعكس الشفران وانقلبا إلى الباطن وكانت الحشفة لا تَلقى إلاَّ ما انعكس من البشرة الظاهرة، فهذا عندي فيه تردد؛ فإنَّ الحشفة حصلت في حيز الباطن، إن التف بها الشفران المنقلبان.
وكان شيخي أبو محمد يحكم بأنَّ فطْرَ المرأة يحصل بتغييب الحشفة، وكان لا يقيم لما يغيب من بعض الحشفة حكماً، وسفّه الزيادي في علته المعروفة؛ إذ قال: أَفْطَرتْ بغير جماع. ورأيت للقاضي القطع بأنها تفطر قبل غيبوبة الحشفة، ولا ينقدح عندنا غيرُ ذلك؛ فإنَّ وصول الواصل إلى حيّز الجوف متحقق حساً، ولو فُرض إيصال إصبع إلى وراء ملتقى الشفرين على قدر نصف الحشفة، لكان ذلك مفطراً، فما الذي يوجب الفصل؟
8316- والمشكل في ذلك أنَّ هذا إذا استدّ، وجب القطع بأنها لا كفارة عليها على أصل الشافعي. ولم يختلف أئمة المذهب في أنَّ أقيس القولين وجوب الكفارة عليها. وكيف يُظن بالشافعي أن يغفل عن درك هذا، وهذا ما يعتصم به شيخي أبو محمد إذا عارضناه بتقرير وصول الواصل إلى الجوف. ولا ينبغي للفقيه أن يستهين بالكلام في هذا المقام.
ورأيت شيخي كان يبني على ذلك شيئاً، ويقول: تردُّدُ الأصحاب في نجاسة بلل باطن فرج المرأة مأخوذٌ من اعتقاد بعضهم أنَّ ما وراء ملتقى الشفرين لا يثبت له حكم البطون، ويلتحق بداخل الفم إلى قدر حشفة معتدلة. وهذا عندي خبطٌ؛ فإنَّ ما وراء الملتقى من باطن الفرج؛ فلا معنى لإبداء المراء في ذلك.
والممكن مع ما ذكرناه في تنزيل القول المنقاس أنَّ بعضَ الحشفة وإن كان يغيب ويصل إلى الباطن، فحكم الجماع أغلب، فلم يقع الاكتراث بالتغييب الذي يتعلق بوصول واصل من الظاهر إلى الباطن، وكان الحكم للوقاع.
وإذا قال القائل: لمَ عَلَّقَ الشرعُ أحكام الوطء بتغييب الحشفة؟ انقدح فيه بعد الاتباع أنه الآلة الحساسة، وبها الالتذاذ، ولهذا سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم العُسَيلة في الحديث المعروف.
8317- فإذا تبيَّنَ ما ذكرناه، فلو قُطعت الحشفةُ؛ فالذي صار إليه جمهورُ الأصحاب أنه يتعلّق بتغييب مقدار الحشفة مما بقي ما يتعلق بتغييب الحشفة من الأحكام.
وذكر العراقيون وجهاً، أنَّ الحشفة إذا قطعت، لم تتعلق الأحكام إلاَّ بإيعاب الباقي. قال القاضي: هذا ظاهر النص، والمذهب خلافه.
ثم إن فرض قطع الحشفة مع إمكان الوقاع بالباقي، فسبيل هذا الشخص كسبيل من لا قطع به، وإن امتنع عليه الوقاع، فالقول فيه كالقول في العنين.
وإن كان الباقي أقل من مقدار الحشفة، فلا حكم له أصلاً، وسبيل ما جرى من القطع كسبيل الجب المتأصل.
ثم وصل بهذا القولَ في الخنثى، وقد قدمت فيه طرق الأصحاب على أكمل وجه في البيان.
8318- ومما يتعلق بهذا المنتهى: أن المرأة إذا ادعت على زوجها العجزَ، فأنكره الزوج، وادعى القدرة؛ فقد ذكرنا أن القول قول الزوج.
ولو قطعت الحشفة، وبقي من الذكر ما يحصل به الوقاع التام، وادّعت المرأة العجز-والحالة هذه- فالذي ذهب إليه الأصحاب: أن القول قول الزوج- كما لو كان صحيح الذَّكر.
وقال أبو إسحاق المروزي: القول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر معها؛ فإنّ قطع بعض الذَّكر حريٌّ بأن يضعف ويورث العجز.
و المروزي يقول هذا عند استئصال الحشفة، فإذا قطعت قطعة منها، فما أراه يقول ما حُكي عنه.
ولا يمكننا أن نحتكم على قياس من لا يتبع القياس.
8319- ومما ذكره الشافعي: أن الرجل إذا كان لا يعنّ عن نسوة، ويعنّ عن امرأة على الخصوص، فحكم العُنة ثابت؛ وذلك أن الامتناع من الوقاع قد تحقق.
وهذا قد يؤثر في فكر الفقيه؛ من جهة أن تصوير هذا يعسُر، وإن فرض، فإلحاق هذا بالعُنة مشكل. ولو أُلحِق بمرضٍ حاجزٍ، أو مانعٍ غيرِه، وقُطِعَ عن العُنّة، لكان كلاماً جارياً في مسلك الاحتمال، ولكن لا قائل به. والأصحاب- يُجمعون على ثبوت حكم العُنة على النسق الممَّهد.
ويلتحق بذلك ما هو أبعد منه، وهو أن الرجل إذا أصابها في الدبر، وادعى العُنّة عن المأتى! قال الأصحاب: هو عنين في مبدأ أمره ومنتهاه، على النسق الذي قدمناه.
وهذا على ما فيه من الإشكال يمهد قطباً عظيماً في الباب، وهو أن العنة تُفرض على وجهين:
أحدهما: يرجع إلى عجزٍ، وهو ينقسم إلى ضعف في الحركة- سببه ضعف الدماغ، وإلى ضعفٍ سببه ضعف الكبد، وقد يرجع إلى خلل في الآلة وآفة، فهذه هي من ضعف القلب، فهذه هي العُنة الحقيقية-ولعمري- من الأمراض، ولكنها خاصة بالمقصود، وليس كمرض لا اختصاص له.
وكان شيخي أبو محمد لا يفصل بين المرض الخاص في الوجوه التي ذكرناها، وبين الأمراض التي ليست مختصة إذا تحقق امتناع الوقاع.
وفي هذا فضل نظر، والرأي ما ذكره. هذا وجه في تصوير العُنّة.
والوجه الثاني- أن تفتر شهوة الإنسان عن امرأةٍ وكان لا يتشهاها، وعلى هذا يخرّج ما قدمناه من اقتداره على وطء ضراتها، مع أنه قد عنّ عنها، وعليه يخرج تشوّفه إلى غير المأتى، وتجنب قصده اعتياداً أو جبلّة، مع أنه لا ينتشر للمأتى.
فيتحصل من مجموع ما ذكرناه أن لا يمتنع الفتور كما أومأنا إليه، لا غير.
ولا شك أن زوج البكر إذا عجز عن افتراعها-وإن كان يأتي الثيب- في حكم العنين.
8320- ومما نحسم به هذه الفصول المتفرقة: أن العُنة إذا ثبتت بالإقرار أولاً، ثم امتُحِن استمرارها بالمدة وخلوها عن الوقاع، ثم رضيت المرأة بالمُقام، سقط حقها وفاقاً؛ والسبب فيه أن العنة شابهت الجَبَّ في منتهى الأمر؛ حيث أثبتت حق الفسخ، فالرضا في وقت ثبوت حق الفسخ يُسقِط الحقَّ.
ولو أقر الزوج بالعنة، ولم تنقضِ المدة بعدُ، فرضيت بالمُقام، فهل يسقط حقها برضاها؟ فعلى قولين، ذكرهما القاضي والصيدلاني:
أحدهما: أن حقها يسقط، كما لو رضيت بعد انقضاء المدة، وثبوت حق الفسخ.
والقول الثاني- إن حقها لا يسقط؛ فإنها لم تتحقق منه العُنة بعدُ، فَحُمل رضاها على توقع عوْد القدرة.
والدليل عليه: أنها لو أرادت الفسخ قبل انقضاء المدة، لم تتمكن من ذلك.
فإن قيل: هل يبتني هذا على إسقاط الحق قبل ثبوته إذا وجد سبب الثبوت؟
قلنا: هذا تشبيه من طريق اللفظ. والوجه: أخذ القولين من مأخذ الباب، وكأن أحد القولين راجع إلى أن العيب لم يتحقق، فكان رضاها بمثابة رضاها تحت زوجها المُولي.
وإذا تحققت العنّة، فالرضا بالعيب لازم مُلزِم.
هذا مأخذ ترديد القولين.
ومما يتعلق بتمام ذلك: أنها لو فسخت النكاح بعد تحقق العنة، فإذا أرادت أن تعود إلى المطالبة، فقد ذكر بعض المحققين أن هذا يُخرَّج على القولين الذين ذكرناهما. وهذا حسن. وإن كان ينقدح بين هذه الصورة وبين الصورة المتقدمة فرق؛ من جهة أن العنة لم تتحقق في الصورة المتقدمة.
والذي يحقق هذا: أن الزوج لو وطىء امرأة في نكاح، ثم عُنّ لاحقا، فلا خيار. ولو وطىء في نكاح، ثم زال ذلك النكاح، وفرض نكاح جديد، وعُنّ عنها فيه، فيثبت حكم العنة مُطَالبةً وإمهالاً ثم فسخاً. وهذا مسلك القفال، واختياره في هذه المسائل ثبوت الخيار لها.
فصل:
قال: "فإن فارقها بعد ذلك، ثم راجعها... إلى آخره".
8321- إذا رضيت المرأة بالعنة بعد تبيّنها، واختارت المقام، وبطل حقها، ثم طلقها زوجها؛ نظر؛ فإن كان الطلاق رجعياً؛ فارتجعها الزوج، لم يكن لها مطالبتُه، ولا يثبت لها خيارُ الفسخ؛ لأنها أسقطت حقها فيه برضاها، والنكاح واحد.
ولو طلقها طلاقاً بائناً أو انقضت عدةُ الرجعي، ثم جدد نكاحها، ففي عَوْد حقها ومطالبتها قولان مبنيان على عَوْد الحنث، والإيلاء، والظهار، وفي البناء نظر؛ لأن هذه الأحكام كانت لها في وجود النكاح الأول، وبقيت لها عُلقة، وفي مسألتنا لم يبق لها عُلقة، وإنما نبني على الأصل المقدم أنها تلحقه على علمٍ بعُنَّته، فإن أثبتنا لها الحقَّ وهو الأصح، لم تبادر بالفسخ اكتفاءً بعلمها السابق، ولو ثبتت هذه على تعلق النكاح الثاني بالأول، لاكتُفي بالمدة السابقة، وليس الأمر كذلك، بل ترفعه، وتُضرَب له المدة، ويثبت حق الفسخ بعدها إن خلت عن الوطء، ولا التفات إلى ما مضى؛ فإن العُنّة مرجوّةُ الزوال، فاستفتح حقَّ الطلب في هذا النكاح.
8322- قال المزني بعدما ذكر جواب الشافعي: "هذه المسألة لا تُتصوّر؛ لأن الرجعة تكون بعدما دخل بها، وإذا وُجد الدخول في نكاحٍ، لم تثبت المطالبة بسبب العُنَّة... إلى آخره".
قال الأصحاب: يمكن أن يكون فرّعَ الشافعيُّ على القديم في أن الخُلوةَ توجب العِدّةَ، ولا تنزل منزلة الإصابة في إسقاط حق الطلب بسبب العُنّة، وتجب العِدة لسَبْق الماء إلى الرحم، وقد قدمنا أن الوطء في الدبر يوجب العدّة، ولا يُسقط حق الطلب بسبب العُنّة، والمزني أفطنُ من أن تزول هذه اللطائف عن نظره، ولكنه يبادر للاعتراض، والأولى به ألاّ يستفتحه إذا وجد للكلام محملاً.
فصل:
8323- إذا قال الزوج ما أصبتك، وقالت: بل أصبتني، أخذنا كلاًّ منهما بموجَب قوله فيما عليه. ولو قالت: أصبتني، فتقرّر مهري، فلا يخفى الخلاف وانتظام الخصومة في الحَلِف والنكول والرد، وعلى المرأة العدّةُ مؤاخذةً لها بقولها، ولا نفقة لها ولا سُكنى، وللرجل أن ينكِحَ أختها، وأربعاً سواها وابنتها.
قلتُ: إن لم يكن دخل بالأم؛ لأن قولها غيرُ مقبولٍ عليه.
8324- وإن ادعى الزوج الإصابةَ ونفتها، فالأصل النفيُ، فلا عدة عليها، وتنكح غيرَه في الحال، ولا تطالبه بأكثرَ من نصف المهر وإن كان مُقراً بجميعه؛ لأنها لا تدّعيه، ولو كانت قد قبضت جميعَ المهر، لزمها ردُّ نصفه، لكن الرجل لا يأخذه؛ لأنه مقرٌّ بأنها تستحقه، فهو دائرٌ بينهما، وله نظائر:
وعلى الرجل النفقة والكسوة إذا كان الطلاق رجعياً، لكنها لا تدّعيها، فلا تطلبهما، ولا ينكح أختها في عدتها، ولا ابنتها، ولا أربعاً غيرها.
8325- واستُثني من تغليب النفي ثلاثُ مسائلَ وفاقيةٍ، وأربعٌ خلافية: إحداها- إذا اختلف الزوجان في السَّنة المضروبة للعُنة، فقال الزوج: أصبتك فيها، وقالت: لم تصبني، فالقول قولُ الزوج مع يمينه، وإن كان الأصل النفيَ؛ تغليباً لجانب من يُغلِّب بقاء النكاح، لأن مبناه على اللزوم والدوام، والوطء الذي ادعاه ممكن، وليست العُنّةُ ضربةَ لازب؛ فترجيحُ جانبها في النفي لا يعارِض استبقاءَ النكاح، ولأن الزوج في حكم صاحب اليد، والأيدي لا تُزال بترجيحاتٍ.
المسألة الثانية- إذا قال الزوج: قد أصبتها-في مدة الإيلاء- وأنكرت، فالقول قول الزوج؛ لما قدمناه.
المسألة الثالثة- إذا نفى الزوج الإصابة ليشطِّر الصداقَ، فالقول قوله، فلو أتت المرأة بولدٍ يلحقه بحكم الإمكان، لحق به، ويصير مصدِّقاً لها في دعوى الإصابة، فلو كان حلف الزوج من قبْل على نفي الإصابة، واقتصر منه على شطر الصداق، فالقول الآن قولها مع يمينها؛ لأن لحوق الولد لا يورث يقيناً، لكن يغلِّب ظنَّ صدقها، فهذه يمين تعقّبت يميناً ونقضتها، ولكن أقيس وجه أنه لا يكمل لها الصداق؛ لأن النسب يثبت بمجرد النكاح والإمكان، فهذا مستثنى؛ لأنا صدقناها، والأصل عدم الإصابة.
8326- أما المسائل الخلافية:
فإذا خلا الزوج بزوجته-وقلنا: الخُلوةُ لا تقرر الصداق- فادعت أنه أصابها في الخُلوة، وأنكر الزوج، فقولان:
أحدهما:وهو الأصح- أن القول قول الزوج.
والثاني: القول قولها، وإذا أتت المرأة بولد كما ذكرناه، فنفاه الزوج باللعان لم تصدّق المرأة في دعواها الإصابة، ويصير اللعان معارضاً لما ادّعته من النسب، ويستمر الأمر على ما تقدم.
وإذا ادعى الرجل الإصابة في مدة العُنّة أو مدة الإيلاء وأنكرت المرأة، فلما هممنا بتحليف الزوج، قالت: إني بكرٌ، وشهد بها أربع نسوة، فإنا نغلّب جانبها؛ لأن بقاءَ العُذرة دالٌّ على عدم الوطء، لكنا نحلفها، ونجعل العذرةَ-دلالة قوة جانبها- مفيدةً غلبة الظن في صدقها؛ لأن الطلبة بحق العُنة تسقط بتغييب الحشفة، وقد قيل: إذا لم يُمعن في الوقاع تعود العذرة، فنحلفها لهذا الإمكان، فإن حلفت، ثبت غرضُها، ولها الخيار في الفسخ، وإن نكلت رُدّت اليمين على الزوج، فإن نكل، كان نكوله كحلفها.
وهذا ضعيف غير متجه مع تكرر حكايته.
وإن حلف، ثبتت الإصابة، وانقطعت الطلبة.
وإذا ضُربت مدّةُ العُنّة فحيل بينهما حيلولة ضرورته، لم تحتسب هذه المدة؛ فإن أثر المهلة يظهر فيه إذا كان الزوج مخلىً مع زوجته، فإذا لم يكن، فلا حكم للمدة.
فلو قال الزوج: لا تمهّدوا لي عذراً، فإني لم أستشعر من نفسي قدرةً في المدة.
قلنا: لا تعويل على ذلك؛ فإن للنفس نهوضاً مع ممارسة المرأة، كما لها في التعزّب واستمرار العُزْبة فتوراً هذا إذا كانت الحيلولة ضرورية.
فإن ضربنا المدة، فغاب الزوج باختياره، ثم زعم أنه لو كان معها، لغشيها، فهذا فيه بعض التردد. والأظهر أن المدة محسوبة عليه؛ من جهة أنه اختار الانعزال، فيحمل ذلك على عجزه، ولا خلاف أنه لو انعزل عن زوجته في البلدة الواحدة، حسبت المدة عليه.
فصل:
قال: "وللمرأة الخيار في المجبوب وغير المجبوب من ساعتها... إلى آخره".
8327- قال الأصحاب: أراد بقوله "وغير المجبوب" الخصي؛ فإنه قال على الاتصال بذلك: فإن الخصي ناقص عن الرجال. والمجبوب لا يجامع أبداً.
وغرض الفصل قد تقدم بيانه. ولكنا رسمنا الفصل بمزيد كشف في مقصوده.
فإذا اطلعت المرأة على الجَب المستأصِل، فلها الخيار من ساعتها، كما تقدم بيانه في باب العيوب.
وإذا جرى الجَب طارئاً قبل الدخول، فلها الخيار أيضاًً، كما تقدم. ولو كان أصابها، ثم جبّ، فقد ذكرنا أن الزوج إذا عُنّ بعد إصابة واحدة؛ فليس لها حق الطلب بسبب العنة.
فأما إذا جرى الجب بعد الإصابة، ففي ثبوت حق الفسخ وجهان مشهوران:
أحدهما:وهو الأقيس- أنه يثبت؛ فإن الجب موئس، والنكاح للأبد، فإذا انقطع توقُّعُ الوقاع-ومقصودُ النكاح يضاهي المنافع في الإجارة- فيقتضي هذا إثباتَ الخيار.
ومن أصحابنا من قال: لا خيار، والوطأة الواحدة كما تُقَرِّر المهرَ، تُقَرِّرُ النكاح، وتؤمن من إجراء الفسخ بسبب التعذر.
ولهذا الخلاف التفات على ما قدمناه- من أن المرأة هل تستحق وطأة واحدة؟ وإن استوفتها، فلا خيار لها، وسقط استحقاقها.
ومما يتصل ببيان هذا أنه إذا أقرّت بوطأة واحدة، ثم طرأ البرص والجذام؛ فيجب تخريج ذلك على الوجهين، فإنا إذا أجريناهما في الجَبّ، فجريانهما فيما يمنع من الإصابة عِيافةً أولى.
ولو أصاب الزوج زوجته، ثم إنها اطلعت على برص قديم مقترن بعقد النكاح- فإن كنا لا نرى لجريان الوطء أثراً في العيب الطارىء، فلا أثر للوطء الذي جرى والعيب مقترن، وإن جعلنا للوطء أثراً في العيب الطارىء، فهذه المسألة فيها احتمال.
والظاهر أنه يثبت لها الخيار لورود النكاح على العيب.
8328- ثم تعرض الشافعي للكلام على الخَصي وغيره. أما المجبوب، فقد تقدم الكلام فيه. وأما الخَصي-وهو المسلوب الأنثيين، والذكرُ باقٍ- ففيه قولان:
أحدهما: أن الخيار يثبت للمرأة من ساعتها، وعليه يدلّ ظاهر النص-كما نبهنا عليه في صدر الفصل- فإن نقصان ذلك في الرجال مما يتعلق بالفحولة.
والقول الثاني-وهو القياس- إنه لا خيار لها بسبب الخِصاء، فإن آلة الجماع عنده، وقد يكون الخَصيّ أقدر من الفحل- من حيث إنه لا يعروه فتور، وهذه الحالة لا تورث عِيافة، ولذلك رأينا هذا القول أقيس. فإن كان الخَصي يعجز عن الضَّربان، فحكمه حكم العنين، على هذا القول، فلابد من ضرب المدة، والجريان على المناظم المقدمة.
ومما يتصل بذلك: أن المرأة إذا ادعت عدم الإصابة في مدة العنة- والزوج خَصي، وادعى الزوج الإصابة، فهذا فيه تردد بين الأصحاب.
فذهب الأكثرون إلى أن القول قول الزوج.
وذهب أبو إسحاق المروزي إلى أن القول قولها؛ لأن الظاهر معها. وقد قدمتُ ذكر هذا.
8329- ثم ذكر الشافعي خروج الزوج على صورة الخناثى، وقد استقصيت القول في ذلك في باب العيوب، ولكني اطلعت على علامات-ذكرها الأصحاب في الطرق- تثبت بها الذكورة والأنوثة. وغالب ظني أني لم أستقصها كذلك في باب الطهارة، فلا يضر ذكرها، وإن كانت معادة، احتملناها.
وقد قدمنا أن الخنثى إذا كان يبول بالمسلكين، فلا حكمَ للبول، ولا بيان فيه.
وذكر العراقيون: من أصحابنا من اعتبر قلة البول وكثرته، وهذا كنا نعرفه مذهب أبي يوسف، وأنه دلّنا عليه حكايةٌ بينه وبين أبي حنيفة.
وحكى القاضي قولاً في القديم: أنا نعتبر السبق في المبالين، حتى إذا كان يسبق إلى أحدهما، فعليه التعويل. وحكى أيضاًً عن القديم اعتبار الكثرة والقلة، ومما حكاه أن البول إذا كان يسبق إليهما جميعاً معاً، ولكن كان يحدث الانقطاع عن أحد المبالين أيضاًً، ففي القديم اعتبار ذلك.
وقد يتفرع عليه: أن البول إذا كان يسبق إلى أحدهما، ثم يلحقه الثاني، وكان أبطأ على الثاني، فهذا-وإن لم نحكه- متردد، وكل ذلك خبط. والمذهب أنه لا اعتبار بشيء من هذا.
فرع:
8330- قد قدمنا حكمَ المهر واستقرارَه بالمسيس، والقولَ المنصوصَ والمخرَّجَ إذا فسخت المرأة النكاح بعيب من العيوب، وضبطنا فيه المذهبَ وسقناه أحسن سَوْق. وإنما رتبت هذا الفرع الآن لأمر غريب، وذلك أنَّ صاحب التقريب حكى عن الإصطخري شيئاًً بديعاً، وذلك أنه قال: إذا فسخت المرأة النكاح بسبب العُنة قبل المسيس، ففي المسألة قولان:
أحدهما: أنها تستحق كمال المهر؛ فإنها كانت تستحق عليه أن يكون بصفة من يتصور منه تكميل المهر، فإذا لم يكن، وجب تكميل المهر.
والقول الثاني- إنها تستحق نصف المهر، ولا عِدَّة عليها في القولين؛ فإنها غير مدخول بها. هكذا ذكره الأصطخري، وهو في نهاية البعد، ولولا أنَّ صاحب التقريب نقل ذلك على إتقانٍ وتثبت، وبالغ في الرد عليه وتزييف ما جاء به، لما استجزت حكايته.
والمذهب المقطوع به أنها إذا فسخت النكاح قبل المسيس بسبب العنة، لم تستحق شيئاًً من المهر. ولا ينبغي أن ننتهي إلى نقل هذا إن لم نَعُدُّه من المذهب، ولست أجد بداً من نقل ما يبلغني من كلام الأئمة.
ثم قال المزني: قال الشافعي: "وإنْ لم يجامعها الصبي أُجِّلَ... إلى آخره".
8331- نقل المزني تأجيل الصبي، وهذا غلط باتفاق الأصحاب، فإنه أراد بالتأجيل ضرب مدة العُنّة، وكيف يتحقق ذلك ممن لا يخاصَم ولا يطالَب بإقرار أو إنكار، وضَرْبُ المدةِ مبني على هذه المقدمات.
قال الأصحاب: قال الشافعي: إن لم يجامعها الخَصي أُجِّل. وكان هذا تفريعاً على أنَّ الخِصاء لا يثبت الخيار بنفسه ناجزاً، أو أنَّ الخَصي إن عنّ بمثابة الفحل يعن.