فصل: كتاب الغصب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: يجمع مسائل عن استعمال الإنسان غيرَه من غير ذكر الأجرة:

4537- فإذا قال رجل لغسّال: اغسل ثوبي هذا. فإن سمى له عِوضاً، صحيحاً، فإجارة. وإن قال: إن غسلت ثوبي ذلك عليّ درهم، فالمعاملة جُعالة، على ما سيأتي شرح الإجارة والجعالة، وخواصهما. وإن قال: اغسله وأنا أرضيك وأعطيك حقَّك، فهذه إجارة فاسدة، فإذا غسل استحق أجرةَ المثل. وإن قال: اغسله مجاناً. فإذا غسل، لم يستحق شيئاً.
وإن أطلق ولم يتعرض لإثبات العوض ونفيه، ففي المسألة أوجه ثلاثة: أحدها: أنه لا يستحق شيئاً؛ لأنّه لم يجرِ ذكرُ العوض.
والثاني: يستحق؛ فإنه، لم يجرِ ذكر نفي العوض. والثالث: أنه نفصل بين أن يكون معروفاً بذلك مشهوراً باستبدال العوض عليه، وبين ألا يكون كذلك. فإن كان معروفاً، استحق الأجرة، وإلا، فلا.
ويمكن أن يقال: إن لم يكن معروفاً، اختلف الأمر بالمرتبة، فإن كان مثله لا يطالِب على مثل هذا عوضاً، فلا عوض، وإلا فيجب. وهذا يناظر اختلاف المذاهب في الهبة المطلقة، واقتضائها الثوابَ، على ما سيأتي مشروحاً في كتاب الهبات، إن شاء الله تعالى.
وإذا جلس بين يدي الحلاق، ولم يسم له شيئاً، فحلق رأسه، ففي استحقاق الأجرة الخلافُ الذي ذكرناه.
ولو دخل حماماً، والحمامي ساكت، فأراق الماء، وسكن في الحمام ما سكن، فعليه قيمةُ ما أتلف من الماء، وأجرةُ مدّة سكونه وكَوْنه فيه؛ فإنه أتلف الماء والمنافعَ. قال الأصحاب إن وفّر قيمة ما أتلف، فذاك، وإلا فما حبسه في ذمته، وهو مطالب به، إلا أن يسامحه صاحب الحمام. ولا يقاس ماء الحمام بما يتكلف المرء تسخينَه في بيته؛ فإن تسخين الماء في الحمام يسير، لمكان الآلات العتيدة فيه.
وأجرة الدّلاك ومن يخدم بوُجوه الخدمة، كأجرة الحلاق.
وهذه المسائل يشترك فيها أصلان:
أحدهما: إقامة قرائن الأحوال مقام القول.
وهو أصل نستقصيه في باب الوليمة، حيث نذكر تقديم الطعام إلى الضيفان، ولَقْطَ ما ينثر وغيرَها. هذا أصل.
والثاني: ما ذكرناه من ترك ذكر الأجرة.
وذكر القاضي وجهين في أن المعاطاة هل تكون بيعاً؟ تخريجاً على هذا الأصل، وهو إقامة القرائن مقامَ اللفظ. وهذا يناظر خلافَ الأصحاب في أن إشارةَ الناطق في العقود والحلول هل تحل محلّ نطقه؟ ولهذا اتصال بعقد البيع بالكتابة. وسنذكر مسائل الكتابة في كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى.

.كتاب الغصب:

4538- الأصل في أحكام الغصوب الكتاب، والسنة، والإجماع، فأما الكتابُ، فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] اشتملت الآية على تحريم التسالب والتناهب، وإنما التجارة الصادرة عن تراضٍ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "على اليد ما أخذت حتى ترد" وقال "من ظلم شبراً من الأرض طُوّقه من سبع أرَضين يوم القيامة". وأجمعوا على تحريم الغصب.
ومعظم قواعده في الضمان.
4539- والغصب هو: "الاستيلاء على ملك الغير بغير حق". وإنما يحصل الاستيلاء بإزالة يد المستحق، واستحداث يدِ الضمان، ولا حاجة إلى التقييد بالعدوان، فقد ثبت الغصب وحكمُه من غير انتسابٍ إلى عدوان؛ فإن من أودع ثوباً عند إنسانٍ، ثم جاء وأخذ ثوباً للمودَع على تقدير أنه الثوب الذي أودعه؛ فإنه يضمنه ضمان الغَصبِ، والمودَع لو استعمل الثوبَ الموضوع عنده على تقدير أنه ثوبه المملوك، ضمنه ضمان الغصب،؛ فلا حاجة في تصوير الغصب إلى ذكر العدوان.
ولو حال بين المالك وبين ملكه، وكان ذلك سببَ ضياع ملكه، لم يلزمه الضمان. مثل إن كان رجل يسوق بهيمة له، فمنعه ظالم من اتباعها، وحبسه، فضاعت البهيمة، لم يلزمه الضمان. ولو أمر إنساناً بالغصب، فالغاصب ذلك المأمور-إذا استولى- دون الآمر ولو دلّ الظلمة والسرّاقَ على أموال خفيةٍ عنهم كانوا لا يهتدون إليها دون دَلالةِ مَنْ دلهم، فلا ضمان على الدال.
فتبين أن الغصب هو الاستيلاء على مال الغير بغير حقٍ.
فإن قيل: إذا صادف رجل عيناً مغصوبة في يد غاصبها، فانتزعها من يده ليردها على مالكها فما ترون في ذلك؟ قُلنا: فيه اختلافٌ مشهور بين الأصحاب، ذهب بعضهم إلى أنه لا يضمن؛ لأنه محتسب، وذهب آخرون إلى أنه يضمن؛ لأنه ليس له ولاية وتسليط على إزالة أيدي الغصاب، والتعرض لأمثال ذلك من شأن الولاة، ثم جواز الأخذ مبني على الضمان، فمن ضمَّنه، لم يُجِز له أن يأخذ، ومن لم يضمّنه سوّغ له أن يأخذ. والملتقط مثبت يدَه على مال الغير، ولكنه متسلط شرعاً على أخذه، كما سيأتي تفسير اللقطة في كتابها، إن شاء الله تعالى.
وقد نص الشافعي على أن من صادف عين مال المسلم في يد حربي، فله أن ينتزعه، ولو تلف في يده، لم يضمن، فقال الأئمة: ما نص عليه مقطوع به، وليس على الخلاف الذي ذكرناه في إزالة يد الغاصب. والسبب فيه أن الحربي ليست يده يدَ ضمان، فالأخذ منه ليس مترتباً على يد ضامنةٍ، وليس كذلك الأخذ من الغصّاب.
ثم إن الشافعي ذكر في صدر الكتاب جملاً من أحكام الجنايات، فاعترض
المعترضون، وقالوا: كان الترتيب يقتضي أن يذكر صدراً من أحكام الغصب في أول الكتاب، فقيل لهم: الغصب سبب من أسباب الضمان، وليس هو في نفسه مضمناً، فأراد الشافعي أن يستفتح الكتاب بأحكام الجنايات والإتلافات، ثم رتب عليها اليدَ الغاصبة المتسببة إلى الضّمان.
4540- ثم الوجه أن نذكر تقسيماً يحوي قواعد الضّمان ويجري من الكتاب مجرى الجُمل الدالة على التفاصيل، فنقول: جملة المضمونات قسمان: مال، وغير مالٍ.
فغير المال الأحرارُ. وهم يضمنون بالجناية، وهي تنقسم إلى المباشرة، والتسبب. ومحلها النفس، والطرف. وضمان النفس بيّن، وبدله مقدّر، وأروش الأطراف تنقسم إلى ما يتقدّر، وإلى ما لا يتقدر. ومواضع استقصاء هذه الأصول الجراح والديات، ولا يتطرق إلى الأحرار سبيل الضمان باليد. ولا فرق بين أن يكون صغيراً أو كبيراً.
قال الشافعي: إذا غصب الرجل حراً صغيراً، وحمله إلى أرض مَسْبَعَة، فافترسه سبع، أو إلى أرض مَحْواة، فنهشته حيّة، فلا ضمان.
فإن قيل: هل يجب على من فعل هذا مؤونة رده إلى موضعه؟ قلنا: القول في ذلك لا يجري على قاعدة رد الغصوب، ولكن كل من صادف مثلَ هذا الشخص في مضيعة، واستمكن من رده، لزمه ذلك، ولا يختص وجوبُ ما ذكرناه بمن اعتدى بحمله إلى المضيعة، بل هو جار في حق كل متمكن من الإنقاذ. ثم يكفي أن يُرَدَّ إلى مأمن، وإن لم يكن موضعه الذي أخذ منه، وما يبذله الباذل في إنقاذه ينزل منزلة الطعام يوجَرُه المضطرَّ. وإذا أوجر رجلٌ مضطراً طعاماً، ففي ثبوت الرجوع على الموجَر بقيمة الطعام خلاف، سيأتي، إن شاء الله. ولا فرق في ذلك بين من اعتدى أولاً وبين من ينتهى إليه، ويسعى في إنقاذه.
وهذا رمز إلى هذا القسم، ذكرناه لإقامة رسم التقسيم.
4541- وأما المال، فإنه قسمان: حيوان، وغير حيوان. فالحيوان قسمان: آدمي، وغيرُ آدمي، فأما الآدمي، فإنه يضمن بالجناية، وباليد. والجناية تنقسم إلى المباشرة والسبب، ومحلها النفس والطرف.
فأما الجناية على النفس، فموجبها بعد تفصيل القصاص القيمةُ بالغةً ما بلغت.
وأما الطرف، فما لا يتقدر أرشه من الحر لا يتقدر أرشه من العبد، وما يتقدر أرشه من الحر ففي تقديره من العبد قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في الجديد أن ما يتقدر من الحر يتقدر من العبد: قال الشافعي: "جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته" ففي يد العبد نصف قيمته. وإن كان النقصان أقل من ذلك أو أكثر منه، فلا اعتبار بالنقصان، وإنما الواجب المقدر الذي ذكرناه.
والقول الثاني- نصّ عليه في القديم، وهو مذهب مالكٍ أنه يجب في الجناية على أطراف العبد ما ينقُص من قيمته.
فلو قطع يدي عبدٍ قيمتُه ألف دينار، فعاد إلى مائةٍ، فجاء آخر، فقطع رجليه، وعاد إلى عشرة، فجاء آخر، وفقأ عينيه، فعاد إلى دينار، فجاء آخر فقتله. فعلى الجديد: على الأول ألف. وعلى الثاني مائة، وعلى الثالث عشرة.
وعلى القديم: على الأول تسعمائة، وعلى الثاني تسعون، وعلى الثالث تسعة، وعلى الرابع دينار.
والقول القديم موجَّه بتغليب المالية في ضمان العبد؛ ولذلك لا تتقدر قيمته، والرجوع في مبلغها إلى تقويم السوق.
والقول الجديد موجّه بالشبه البالغ عند الشافعي المبلغَ الأعلى، وذلك أن العبد في منافعه وأعضائه كالحر، وإنما يفترقان في حُكم الرق والحرية، فإذا كانت يد الحر بمثابة نصفِه، وغناءُ يدِ العبد من العبد كغناء يد الحر من الحر، كان بمثابة نصفه أيضاً.
واختار ابن سريج القولَ القديم، ثم قال: مفرعاً على الجديد يجب في يدي العبد كمالُ قيمته؛ تفريعاً على الجديد، إلا في حكم واحد، وهو إذا اشترى الرّجل عبداً، ثم إنه قَطعَ يديه في يد البائع، فلا نجعله قابضاً للعبد، ويعتبر في التفريع على الجديد في هذا الحكم ما ينقصُ من القيمة؛ فإنا لو لم نقل ذلك، للزمنا أن نجعل المشتري قابضاً للعبد، والعبد المقطوع في يد البائع بعدُ.
وهذا مستحسن من تفريعات ابن سريج.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنا نجعل المشتري قابضاً حكماً، لتمام العبد، ويسقط ضمان العقد في العبد الباقي في يد البائع. وهذا ضعيف جداً.
فهذا إشارة إلى أصول الضّمان في الجنايات على العبيد.
4542- والعبد يضمن باليد، كسائر الأموال.
وضمان اليد يجري عندنا في أم الولد، والمكاتب، فلو استولى غاصب على مكاتب، وأمّ ولد وماتا في يده، ضمنهما، فالعبيد في حكم اليد ملتحقون بأصناف الأموال.
ولو غصب غاصب عبداً، وقطع يده، ونقص من قيمته ثلثاها، فأما القديم، فلا يخفى التفريع عليه. وإن فرعنا على الجديد، ضمّناه نصفَ القيمة، لمكان الجناية وسدساً آخر، لمكان اليد العادية.
ولو غصب عبداً، فسقطت إحدى يديه بأَكَلة و نقص من قيمته ثلثها فإذا فرعنا على القديم، لم يخف الحكم. وإذا فرعنا على الجديد، فالأصح أنا لا نوجب إلا الثلث؛ فإن اليد إنما تقابل بنصف القيمة في الجناية، وليست المسألة مفروضة في الجناية.
4543- ثم مما يلتحق بهذا القسم أن المملوك، يضمن عينه وأجزاؤه، ويضمن منفعته، واليد تثبت من منافع المملوك على كل منفعةٍ يجوز الاستئجار على قبيلها.
ويجوز أن يقال: في تقسيم المنفعة: إنها تنقسم إلى منفعة الحر، وإلى منفعة العبد: فأمَّا منفعة الحر، فهي مضمونة بالإتلاف، لا خلاف على المذهب فيه. فلو قهر حراً، واستسخره، ضمن أجر مثل منافعه.
وإن حبسه في بيتٍ، وعطل منافعه، فوجهان: أحدهما: أنه يضمن أجر المثل.
والثاني: لا يضمن؛ لأن الحر لا تحتوي اليد عليه. ولو استأجر الرجل حراً، فجاء، ومكن المستأجر من استيفاء المنفعة، فمضى زمانٌ يسع إمكانَ الانتفاع المستَحق، ففي تقرير الأجرة الوجهان المذكوران في وجوب أجر المثل بحبس الحر. هكذا قال القاضي وغيرُه.
ثم قال القاضي: لو استأجر حراً، أو أراد أن يؤاجره، فالقول في تصحيح إجارته يخرّج على ما ذكرناه: فإن جعلنا منفعة الحر في الحبس بالعدوان وفي تقرير الأجرة المسماة من عقد الإجارة كمنفعة العبد، فإجارة الحر المستأجَر كإجارة العبد المستأجر.
وإن قلنا: لا تثبت اليد على منافع الحر في الأصول التي ذكرناها، فلا تصح إجارة الحر المستأجَر؛ فإنّ منفعته لا تدخل في ضمان المستأجَر، إلا عند وجودها، وتسليمها الحقيقي، ولا يصح إيراد العقد على المنفعة التي لم نقدر حكماً دخولها في يد المستأجر وضمانه. هذا في منفعة الحر.
فأما منفعة المملوك، فإنها تضمن بالإتلاف واليد. فلو حبس عبداً، ضمن أجرة مثله في مدة الحبس.
ومنفعةُ البضع مستثناة من المعاقد التي نجمعها.
4544- فأما غير الآدمي من الحيوانات، فيُضمن بالجناية واليد. فإن أتلفت، فالقيمة. وإن جنى على أطرافها، فما نقَص من قيمتها. وسئل القفال عمَّن جنى على بهيمة، وكانت قيمة مثلها يوم الجناية مائة، فسرت الجراحة، وأهلكتها، وقد انحطت القيمة بالسوق، فكانت قيمة مثلها، يوم الهلاك خمسين، فما المعتبر؟ فقال: يعتبر أقصى القيم من الجراح إلى يوم الهلاك؛ فإنا إذا كنا نعتبر الأقصى في اليد وليست اليد سببَ الهلاك في المغصوب، فاعتبار الأكثر في الجروح أوْلى.
فهذا ما أردناه في الحيوان.
4545- وأمّا غيرُ الحيوان ينقسم إلى النقد، وإلى غيره، فأمّا ما ليس نقداً ينقسم إلى المثلي والمتقوم، فالمثلي يُضمن بالمثل في الجناية واليد إن كان المثلُ موجوداً، وإلا، فالقيمة، إن عدمنا المثل.
فالأصل على الغاصب ردُّ العين، فلو فاتت، وكانت من ذوات الأمثال، فالمثل أقرب ما دمنا نجده.
وإن لم تكن العين من ذوات الأمثال، فالواجب القيمة.
4546- ونحن الآن نذكر أصولاً ضابطة في ذوات الأمثال، ولتقع البداية بحدِّ ذوات الأمثال. قال القفال: ما كان مكيلاً، أو موزوناً، وصح السلم فيه، وجاز بيع بعضه بالبعض، فهو من ذوات الأمثال. أمّا الكيل والوزن؛ فلأن غير المقدرات لا تتقارب أجزاؤه في القيمة والمنفعة، وأما اشتراط السلم؛ فلأن المسلم فيه يثبت في الذمة موصوفاً، فليكن المثل الواجب ممّا يصح وجوبه في الذمة. وأمّا اشتراط بيع البعض بالبعض، فسببه أن مايجوز بيع بعضه ببعضٍ داخل تحت ما يتقابل على التبادل، ونحن نريد في المثليات أن نُقيم المثل بدلاً عن المتلف.
وحذف بعض أصحابنا الشرطَ الأخير، وهو جواز بيع البعض بالبعض. وينشأ من إثبات ذلك وحذفه خلافٌ بين الأصحاب في أن الرطب والعنب وما في معناهما مما يتماثل أجزاؤه، ويمتنع بيع بعضه بالبعض. هل هو من ذوات الأمثال؟ حتى يجبَ على متلِف الرطب والعنب مثلُ ما يتلف؟ قال القاضي: يرد على الحد الذي ذكره القفال القماقم الموزونة والملاعق والمغارِف؛ فإنها موزونة ويجوز السلم فيها، ولا يمتنع بيع بعضها بالبعض، وليست من ذوات الأمثال. والسبب فيها أنها مختلفة الأجزاء، ويندر اتفاق اثنين منها في الصفات.
والفقه المرعي عندنا في حدّ ذوات الأمثال أن تكون متساويةَ الأجزاء في المنفعة والقيمة، فهذا حقيقة التماثل. وإلى هذا مال العراقيون، ولم يتعرضوا للسلم، وقضَوْا بأن الرطب، والعنب، من ذوات الأمثال. وكذلك الدقيق وما في معناها.
فهذا مأخذ التماثل. ثم ما كان كذلك يحصره الكيل والوزن، ويصح السَّلم فيه؛ فإنه يكون مضبوطَ الوصف. وأمَّا إخراج الرطب والعنب عن المكيلات، فلا معنى له؛ فإنه إنما امتنع بيعُ بعضه بالبعضِ تعبّداً من الشارع، يشير إلى تفاوتٍ عند كمال الادخار. وما لهذا وما نحن فيه من التماثل ومقابلة الشيء بما يماثله في الصفات.
وذكر شيخي وجهاً أن المقدَّرات متماثلةٌ، وهي الموزونات والمكيلات. وهذا بعيد، ولكن للشافعي نصٌّ-قبل فصل صبغ الثوب- يدل على هذا.
4547- هذا قولنا فيما هو من ذوات الأمثال، ونقول بعده:
إذا أعوز المثل، فالرجوع إلى القيمة، والقول في ذلك ينبسط، ولنقلة المذهب فيه خبط خارج عن ضبط معظم علمائنا، وقد جمعت طرقَ الأصحاب على بحث وتثبت، ونحن نذكر الطرق: طريقة، طريقة، ثم نذكر مأخذ كل فريق، وما حملهم، على تشبث الرأي وافتراق المذاهب، ثم نذكر ما يخرج من جميع الطرق.
4548- ونبدأ بطريقة الشيخ أبي علي، فهو أحسن الأصحاب سياقةً لغرض هذا الفصل: فإذا غصب الرجل شيئاً من ذوات الأمثال، وأقام في يده ما أقام، ثم تلف والمثْلُ موجود، وتمادى الزمن، ثم أعوز المثل، وكان الرجوع إلى القيمة. فالقيمة بأية حالةٍ تعتبر؟ ذكر الشيخ أبو علي ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنا نوجب أعلى قيمة وأكثرها، من يوم الغصب إلى يوم إعواز المثل. وهذا منقاس حسن، ووجهه أن من غصب عيناً من ذوات القيم، وأقامت في يده، ثم تلفت، فإنا نوجب أقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم التلف، كما سيأتي ذلك مشروحاً، إن شاء الله تعالى.
وسبب إيجاب الأقصى أنا نقول: ما من حالة تُفرضُ فيها قيمة إلا والغاصب كان مخاطباً فيها برد العين المغصوبة، فإذا لم يردّ، فقد فوّت الرد؛ فلزمه بدلُه. وهذا المعنى يتحقق في وجود المثلي؛ فإنه كان الغاصب مخاطباً بالرد في كل حالٍ. ولما تلف المغصوب المثلي، وكان المثل موجوداً، كان مخاطباً ببذل المثل في كل حالٍ فلما قصّر، اعتبرنا في حقه الأقصى من يوم الغصب، إلى يوم الإعواز. ولا نظر إلى تفاوت القيمة بعد الإعواز، كما لا نظر إلى ارتفاع القيمة بعد تلف العين المغصوبة. هذا وجه.
والوجه الثاني- أنا نقول: يعتبر أقصى القيم للمثلي من يوم الغصب، إلى تلف العين، ولا يعتبر ارتفاع القيم في زمان وجود المثل؛ فإنَّا إنما نعتبر قيمة المغصوب، والمغصوب هو العين التي تلفت في يد الغاصب، فلا معنى لاعتبار القيمة بعد تلفها.
وإن كان وجود المثل مطرداً.
والوجه الثالث: الذي ذكره الشيخ أنا نعتبر القيمة في وقت بقاء المثلي المغصوب في يد الغاصب، ولا نعتبر القيمة أيضاً بعد تلفه في وقت بقاء المثلي، وإنما نعتبر قيمة يوم المطالبة. أما عدم اعتبار القيمة يوم وجود المثلي المغصوب، فسببه أن المثلي يعتبر مثله ما وجد المثل، ولا تعتبر قيمته، وكذلك إذا اطرد وجود المثل، فلا معنى للنظر في القيمة، ولما أعوز المثل، فاعتبار القيمة بذلك الوقت لا ينضبط؛ فإنا لا نتحقق الإعواز إلا عند الطلب، والبحث عن المطلوب الواجب؛ فقد انسد اعتبار القيمة في وجود المغصوب، وفي اطراد المثل؛ لامتناع اعتبار القيمة مع المثل، ولم نعتبر أيضاً ما بعد الإعواز، لاستبهام الأمر، وردَدْنا النظر إلى اعتبار يوم الطلب، حتى قال رحمه الله في بيان ذلك: لو طلبَ يومَ السبت فلم ينتجز توفير حقه، فعاد بعد أيام، وقد اختلفت القيمة، فالاعتبار بقيمة الوقت الذي يتفق فيه توفيةُ الحق.
وهذا الوجه مضاد للوجهين المتقدمين عليه؛ فإن صاحب الوجه الأول يعتبر القيمة حالَ بقاء المغصوب، وحال اطراد وجود المثل. ويجعل هاتين الحالتين بمثابة حالة بقاء العين المتقوّمة المغصوبة.
وصاحب الوجه الثاني يعتبر حالة بقاء المثلي في يد الغاصب، ولا يعتبر ما بعد تلفه. وكل واحد من القائلين يعتبر بقاء شيء.
وصاحب الوجه الثالث يرى اعتبار القيمة مضاداً لوجود المثلي ثم لوجود المثل بعد تلفه، ويحيل تقدير القيمة مع وجود أحدهما، فيقع هذا ضد المسلكين. ولئن كان يبعد اعتبار القيمة لإمكان المثل، فلأن يبعد اعتبار القيمة مع وجود العين المتقومة أولى، وللمثل قيمة في السوق، كما للمتقوم قيمة، فلاح أن الوجه الثالث مزيف.
4549- وحكى الشيخ أبو علي عن أبي الطيب بن سلمة عبارة عن الخلاف حسنة، نذكرها، ثم نستخرج ما فيها، قال أبو الطيب: إذا عدلنا إلى القيمة عند إعواز المثل، فهذا الواجب قيمةُ العين المغصوبة، أو قيمةُ مثلها بعد تلفها؟ فعلى وجهين:
أحدهما: أن الواجب قيمة المغصوب، فعلى هذا نعتبر أقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم تلف المغصوب. والوجه الثاني- أن الواجب قيمةُ المثل لا قيمةُ عين المغصوب؛ فإن المغصوب لما تلف، ثبت في الذمة وجوبُ مثله، ووقع التحول من العين إليه، فلما أعوز المثل، كان إيجاب القيمة بسبب إعواز المثل، فالواجب إذن قيمة المثل؛ فعلى هذا يعتبر أقصى القيم، من تلف المغصوب إلى انقطاع المثل وإعوازه.
وإذا نظرنا إلى هذين الوجهين المنسوبين إلى أبي الطيب وإلى الأوجه الثلاثة التي ذكرها الشيخ وجدنا أحدهما مندرجاً تحت الوجوه الثلاثة، وهي إيجابُ أقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم تلف المغصوب، ولم نجد للوجه الثاني ذكراً، وهو إيجاب أقصى القيم من يوم التلف إلى يوم الإعواز، فينضم هذا إلى تلك الأوجه، فتصير أربعة.
وزاد القاضي وجهاًً خامساً، فقال: الاعتبار بقيمته يوم انقطاع المثل. فلم يعتبر القيمة مع وجود المغصوب، ولا مع وجود مثله، واعتبر قيمة الانقطاع، ولم يحك اعتبارَ قيمةِ وقت المطالبة والتوفير، بل وافق هذا الوجه في ترك اعتبار القيمة مع بقاء المغصوب، ومع وجود المثل بعد تلفه، غير أنّه اعتبر قيمة الانقطاع في هذا الوجه، بدلاً عما حكاه الشيخ من اعتبار قيمة وقت المطالبة، وهذا أوجه من اعتبار وقت المطالبة، وأصل الوجه ضعيف. وإذا ضممنا هذا إلى الأوجه الأربعة، انتظمت خمسةُ أوجه.
وذكر بعض الأصحاب وجهاًً سادساً: أنا نعتبر قيمةَ وقت تلف المغصوب. وهذا يناظر اعتبار قيمة الانقطاع، فكأن ذلك القائل اعتبر قيمة المثل عند انقطاعه. وهذا القائل يعتبر قيمة المغصوب عند تلفه، ولهذين الوجهين التفات إلى طريق أبي الطيب في أن المضمون المغصوبُ أو قيمةُ مثله؟ غير أن أبا الطيب قرب من القياس، فاعتبر أقصى القيم من يوم الغصب إلى التلف؛ إذ قال: المضمون قيمةُ المغصوب، أو أقصى القيمة من التلف إلى الانقطاع إذا كان المضمون قيمة المثل. وصاحب الوجه الخامس كان يعتبر قيمة المثل، ولكن يعتبرها عند طرف الانقطاع. وصاحب الوجه السادس يعتبر قيمة المغصوب، ولكن عند تلف المغصوب. فقد تحصلت ستة أوجه.
4555- وذكر شيخي أبو محمد ثلاثة أوجه على نسق آخر مخالفٍ للأوجه الستة التي حصَّلناها على أبلغ وجه في التثبت، فقال: في المسألة أوجه: أحدها: أنا نعتبر أقصى القيم من يوم انقطاع المثل إلى يوم الطلب، وهذا القائل يُبعِد تقدير القيمة مع بقاء المغصوب، ومع بقاء مثله. وهذا يناظر من هذا الوجه بعض الأوجه الستة.
والذي أحدثه اعتبار الأقصى بين انقطاع المثل والطلب. ونحن ذكرنا من قبل فيما يقاربه هذا وجهين:
أحدهما: حكاه الشيخ أبو علي وهو اعتبار وقت الطلب.
والثاني: حكاه القاضي، وهو اعتبار وقت انقطاع المثل، فأما اعتبار الأقصى بين الانقطاع والطلب، فلم يجر له ذكر.
وهو عندي غلط؛ فإن اعتبار مزيد القيمة بعد تلف العين المغصوبة المتقوّمة محال، واعتبار الأقصى بعد الانقطاع في معنى اعتبار ارتفاع القيمة بعد تلف العين المغصوبة المتقوّمة. فإن صح محاذرة القيمة مع وجود المثل، فالذي يقرب اعتباره قيمةُ يوم الانقطاع. والذي اعتبره الشيخ أبو علي في هذا الوجه يوم الطلب، وحمله على ذلك استبهام الأمر في الانقطاع، ومصيره إلى أَنَّ الحكمَ بتفصيل يوم التوفية.
والوجه الثاني- الذي حكاه شيخي أنا نعتبر أقصى قيمة المثل، من وقت ما تلف المغصوب إلى الوقت الذي نُقدّر التغريم فيه. وهذا الوجه يجمع أحد مذهبي أبي الطيب؛ حيث اعتبر أقصى القيم من تلف المغصوب إلى إعواز المثل، إلى مزيدٍ لا يصير إليه أبو الطيب، وهو اعتبار الأقصى بعد انقطاع المثل، وهذا المزيد خطأ لا شك فيه.
والوجه الثالث: الذي حكاه شيخي: أنا نعتبر الأقصى من يوم الغصب إلى يوم التغريم، فهذا الوجه يجمع مضمون أصح الوجوه، وهو اعتبار الأقصى من الغصب إلى انقطاع المثل إلى مزيد، وهو اعتبار الأقصى بعد الانقطاع إلى التغريم، وهذا المزيد خطأ، ذكرناه في الوجه الثاني؛ فإذن لم يسلم وجهٌ من ذلك. أما الوجه الأول، فخطأ محضٌ، لا يشوبه صواب، وهو اعتبار الأقصى من الانقطاع إلى التغريم. والوجهان الباقيان يتضمنان ضَمَّ خطأ إلى مسلكٍ من الصواب، كما نبهنا عليه.
4551- فإن قيل: فما الذي تصححون من هذه الوجوه كلها؟ قلنا: أصحها اعتبارُ أقصى القيم من الغصب إلى انقطاع المثل، وتنزيل هذه الأوقات منزلة أوقات بقاء العين المغصوبة المتقوّمة، ولم يذكر الصيدلاني إلا هذا الوجه، وأعرض عما سواه. ويلي هذا الوجه وجهاً أبي الطيب، وما عدا ذلك بعيد عن الصواب. ولكن لكل مسلكٍ وجهٌ إلا ما ذكره شيخي من اعتبار الأقصى بين الانقطاع والتغريم، فهذا لا وجه له أصلاً مفرداً أو مضموماً.
وقد نجز أقصى ما في الوسع في بيان ذلك، تثبتاً في النقل، وتصحيحاً لما يجب تصحيحه.
وما ذكرناه مفروض فيه إذا غصب مثلياً، وأقام في يده مدة، وتلف، ثم انقطع المثل بعده.
4552- فأما إذا أتلف شيئاًً من ذوات الأمثال على إنسان من غير فرض غصب واحتواء باليد، فقد ذكر القاضي وجهين في هذه الصورة:
أحدهما: أنا نعتبر أكثر القيم من يوم التلف إلى يوم الانقطاع. والوجه الثاني- أنا نعتبر قيمة يوم الانقطاع.
وينقدح وجه ثالث ضعيف، وهو اعتبار قيمة يوم التغريم.
وليس يخفى تنزيل كل واحد على أصل من الأصول التي ذكرناها في حق الغاصب.
ولست أعتدّ باعتبار الأقصى بعد الانقطاع إلى التغريم؛ فإنه غلط عندي.
ومن غصب عبداً، وأبق من يده، فإنا نُلزمه القيمة للحيلولة، ولم يختلف المذهب في أنا نعتبر أقصى القيم من يوم الغصب إلى وقت المطالبة. وقيمة الحيلولة مع بقاء العين تناسب قيمةَ المثل عند فرض انقطاعه.
فليفهم الناظر ذلك؛ إذ لا خلاف أن المثل لو انقطع، ولم يتفق من صاحب الحق طلب حتى وُجد المثل، فحقه المثل إذا أراد الطلب الآن. وهو بمثابة ما لو استأخر الطلب من مالك العبد الآبق حتى رجع، فإن حقه في عين العبد.
4553- ولو انقطع المثل، وغرِم الغاصِب أو المتلِف القيمة، ثم وجد المثل، فهل لصاحب الحق أن يرد القيمة، ويطلب المثل؟ فعلى وجهين:
أحدهما: له ذلك؛ فإن حقه في المثل، وإنما جرى تغريم القيمة لتعذر المثل. والآن قد زال التعذر.
والوجه الثاني- ليس له أن يرد القيمة ويطالب بالمثل؛ فإنَّ الأمر قد انفصل ببذل القيمة، وإذا تم البدل، وقام مقام المبدل، وانقضى، فلا رجوع إلى المبدل، كما لو صام المعسر في الكفارة المرتّبة، ثم أيسر.
ويجوز أن يقال: لا مردَّ للبدل في الكفارة فلذلك لا يرجع إلى المبدل. والردُّ والاسترداد ممكنٌ فيما نحن فيه.
ولا خلاف أن الغاصب إذا غرم القيمة لمالك العبد في إباقه، فلو رجع العبد، ردَّ العبدَ، واسترد القيمة. هذا مذهبنا. وأبو حنيفة يزعم أن الغاصب يملك العبد في إباقه ببذل قيمته. والخلاف مشهور معه.
فليتخذ الناظر مسألة الإباق متعلقاً في هذا الفصل، فإنا إذا كنا نعتبر أقصى القيم في المثليات في الغصب، ففي التلف أولى.
4554- ومما يتعلق بأحكام المثل أن من أتلف شيئاً من ذوات الأمثال في بقعة، وفارقها، وظفر به صاحب الحق في غير مكان الإتلاف، فالذي أطلقه أئمة المذهب أنه لا يطالبه بالمثل مع وجوده، وإنما يطالبه بالقيمة.
وكان شيخي يقول: إذا لم يكن للمثل قيمة حيث ظفر بالمتلِف، فالوجه اعتبار القيمة بالمكان الذي أتلف فيه وهذا كما إذا تلف الماء على إنسان في البادية، فظفر صاحب الماء بالمتلف في بغداد، فله أن يطلب منه قيمة البادية، ولا يقنع بالمثل؛ فإن المثل لا قيمة له في مواضع وجود الماء من البلاد والقرى، ولو ألزمناه الرضا بالمثل، لكان ذلك إحباطاً لحقه.
فأما إذا كان المثل متقوّماً مع اختلاف البقاع، ففي المسألة وجهان: أظهرهما- أنه لا يطالِب بالمثل، وإنما يطلب القيمة. وأقيسهما أنه يطلب المثل واختلاف الأماكن كاختلاف الزمان.
ولم يختلف أصحابنا أن من أتلف على رجل حنطة في رخاء الأسعار، فله أن يطلب الحنطة في سنة الأَزْم، وإن غلت الأسعار. وكذلك عكس هذا، فاختلاف المكان كاختلاف الزمان.
ثم إذا قلنا: يطلب القيمة، فمن حكم هذا ألا يكلفَ المثل، ومن حكمه ألا يرضى بالمثل لو غرم له.
4555- وإذا طلب القيمة في غير مكان الإتلاف؛ تفريعاً على الوجه الأوجه الأظهر، فبذلت له، ثم ظفر بالمتلِف في مكان الإتلاف، فهل له أن يرد القيمة، ويسترد المثل؟ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما فيه إذا غرِم المتلِف القيمةَ عند انقطاع المثل، ثم وجد المثل.
ثم لا يخفى على الفقيه أن الوجهين يجريان في الجانبين، فإن جوزنا لصاحب الحق أن يرد القيمة، جوزنا للغارم أن يسترد القيمة، ويبذل المثل. ولم يختلف الأصحاب أنهما لو تراضيا بما جرى، جاز. ولم يكن ذلك فيما أظن تعاقداً.
والعلم عند الله.
ولو رجع العبد الآبق، فلا ينقدح الرضا بالقيمة إلا بتقدير بيعٍ ينشأ في العبد، وإنما ذلك لأن القيمة في العبد وجبت للحيلولة، وقيمة المثلي تدل على الحقيقة عند انقطاع المثل. فإذا كان المثل موجوداً، فالقيمة لا تؤخذ إلا بمعاوضة، وإجراءِ اعتياضٍ عن المثل.
ثم إذا قلنا: تُطلب قيمة المتلَف في غير مكان الإتلاف، فلا خلاف أنه تُطلب قيمةُ مكانِ الإتلاف. وهذا سببُ ردِّه إلى القيمة. ولو كنا نرعى قيمة مكان المطالبة، لكنّا نوجب المثل في مكان المطالبة، ولكان ذلك أقربَ من إيجاب القيمة. ثم في اعتبار قيمة مكان الإتلاف ما قدمناه من التفصيل.
4556- وذكر الشيخ أبو علي في اختلاف الأمكنة طريقةً في ذواتِ الأمثال، فقال:
ما ذكره الشافعي والأصحاب من أن المتلف عليه إذا ظفر بمتلِف المثل في غير مكان الإتلاف، لا يغرمه المثل، وإنما يغرمه قيمة مكان الإتلاف، فذلك مفروض فيما إذا كانت قيمة مكان الإتلاف أكبر، فلنفرض فيه إذا كانت قيمة المكان الذي ظفر به صاحبُ الحق بالمتلِف فيه أكثر من قيمة مكان الإتلاف، فعند ذلك قال الشافعي ما قال، فأما إذا استوت القيمتان، ولم يتفاوت السعر، أو كانت قيمة المثل في المكان الذي وقع الظفر فيه بالمتلِف أقل، فيلزمه المثل في هذه الصورة. وهذه الطريقة ادعاها الشيخ أبو علي للأصحاب، ولم يردد فيها قولاً.
والذي ذكره الأئمة في الطرق إطلاق القول بأن المثل لا يطلب في غير مكان الإتلاف من غير تعرض للتفصيل، ولو كان الحكم مفصلاً عندهم كما ذكر الشيخ، لفصلوه؛ فإن التفصيل في مثل ذلك ليس ممَّا يعزب عنه نظر الناظر على ظهوره.
وذلك التفصيل هو معتمد الفصل عند الشيخ.
فقد حصلنا على مسلكين، وثالثٍ بعدهما: المسلك الظاهر المنصوص عليه إطلاقُ القول بأن المثل لا يُطلب في غير مكان الإتلاف من غير نظر في التفاصيل.
والمسلك الثاني أنا نفصل كما ذكر الشيخ وقطع به.
ثم ما ذكره الشيخ لا يخلص من إشكال الزمان، وقد ذكرنا أن تفاوت القيمة إذا رجع إلى الزمان، لم يُعتبر وفاقاً، سواء تفاوتت القيمة أو استوت. وحكينا عن شيخنا إيجاب المثل مع اختلاف الأمكنة، من غير تفصيل. وهذا منقاسٌ، لكني لست أثق به؛ فإني لم أره في شيء من الطرق، وسبيلي فيما أنفرد بنقله إذا لم أجده في عين طريقةٍ أن أتوقف، ولا أخلي الكتاب عن ذكره.
وقد ينقدح على الجملة فرقٌ بين الزمان والمكان؛ فإن التغريم والإتلاف يقعان في زمانين لا محالة. فلو ذهبنا ننظر إلى تفاصيل الأزمنة، لطال المراء في ذلك، وخرج عن الضبط، وجرّ نزاعاً، والغالبُ اطراد القيم في الأوقات، كما أن الغالب اختلافُها في الأمكنة.
فهذا منتهى القول في ذلك.
4557- ثم قال الشيخ أبو علي: لو كان لرجل على رجل دراهم أو دنانير، فظفر به في غير مكان الالتزام، طالبه بما عليه، واعتبر في ذلك معنىً، فقال: الدراهم لا يعسر نقلها ولا مؤنة في تحويلها من مكانٍ إلى مكان؛ فإنها خفيفة المحمل، وليس كذلك ذوات الأمثال.
وهذا الكلام لا يكمل به الغرض. ولعل المعنى أن النقود في الغالب، لا تختلف قيمها-إن قدّرت لها قيم- باختلاف الأماكن، إلا أن يتكلف متكلف تصويراً بعيداً عند إفراط البعد. وهي قيم الأشياء، فيبعد تقدير قيمتها، فهي في الأماكن كالمثليات في الأزمان. فأما ما ليس نقداً من المثليات، فيظهر التفاوت في قيمها، بأدنى تفاوت يفرض في الأماكن.
ولن يحيط بحقيقة هذا الفصل إلا من يعلم أن المضمون من المثلي المالية، وإيجاب المثل تقريب من العين المتلفة، فيجب الالتفات على المالية. وعن هذا اختبط الأصحاب في اعتبار قيمة المثل عند فرض الإعواز والانقطاعِ.
4558- ثم ما ذكرناه من تفصيل القول في التزام المثل بالإتلاف يجري في جميع طرق الالتزام، فلو استقرض من رجلٍ بُرّاً، ثم رأى المقرضُ المستقرضَ في غير مكان الاستقراض، فلا يطالبه بالمثل، كما قدمناه في الإتلاف. وكذلك لو استحق عليه شيئاًً من ذوات الأمثال سَلَماً، فالحكم ما ذكرناه إذا التقى المسلِم والمسلَم إليه في غير مكان الاستحقاق.
قال صاحب التقريب: كما لايطالب المسلِم المسلَم إليه في غير مكان الاستحقاق، كذلك لا يطالبه بقيمته أيضاً؛ فإنه لو طالبه بالقيمة، كان ذلك اعتياضاً منه عن المسلم فيه، وكل ما كان فيه معنى الاعتياض عن السلم، فهو مردود.
وهذا الذي ذكره ظاهر القياس. ولكن فيه إشكالٌ يتعلق بأمر كلي، وذلك أن المسلم إليه لو اعتمد الانتقال إلى موضعٍ، وعليه أموال من جهة السلم، فهذا يؤدي إلى انقطاع الطّلبة عنه، فينقدح في ذلك عندنا وجهان، سوى ما ذكره صاحب التقريب:
أحدهما- أنه إذا فعل ذلك عُدَّ هذا تعذراً في المعقود عليه مُثبتاً حقَّ الفسخ، ثم يعود الطلب عند الفسخ إلى رأس المال، ويجري فيه قياس سائر جهات الضمان، ويقع النظر في كونه نقداً، أو مثليا ليس نقداً، أو متقوماً. هذا وجه.
والثاني: أنا إذا قلنا: مَنْ أخذ القيمةَ، ثم استمكن من طلب المثل، ردّها، واسترد المثل، فالقيمةُ على هذا الرأي ليست عوضاً، وإنما أثبتت للحيلولة، فلا يمتنع إثباتها إذا كنا لا نقدرها عوضاً. وهذا فيه مزيد نظر. والله أعلم.
4559- ومما ذكره الأصحاب في هذا الفصل أن من غصب حنطة ببلدة، ونقلها إلى بلدة أخرى، وأتلفها بها، فقد وجد منه العدوان في مكانين أحدهما- مكان الغصب، والثاني: مكان الإتلاف. فإذا ظفر صاحبُ الحق به في أحد المكانين، كان له مطالبته بالمثل؛ فإنه تحقق تعدّيه في البلدين، ولا ننظر إلى تفاوت الأسعار في الموضعين، لتعلق التعدي بهما. فلو ظفر مستحق الحق بالمتعدّي في موضع ثالث، طالب أقصى قيمة في البلدين. وهذا مستقيم على القياس. وبه انتجز الغرض في هذه الفصول.
فصل:
4560- قد مهدنا قواعد القول في ذوات الأمثال، ونحن نذكر الآن طرفاً من الكلام في النقود، والتبر، إلحاقاً بالمثليات، فنقول:
في هذا النوع ثلاث صور: إحداها- الكلام في الدراهِم والدنانير المطبوعة، والثانية- الكلام في التبر. والثالثة- الكلام في المصوغات من الأواني والحلي.
فأما الدراهم والدنانير المطبوعة، فهي معتبرة في المثليات، وإذا أتلفت، ضمنت بأمثالها، ولم تختلف بالأماكن والأزمان، كما قدمنا ذكره.
فأما التبر، فإنه من ذوات الأمثال، فيضمن بمثله، ويعتبر التساوي في المثل المضمون. والمتلف.
4561- وأما القول في المصوغات، فهو مقصود الفصل: فالمصوغ ينقسم إلى ما للصنعة فيه حرمة، وإلى ما لا حرمة للصنعة فيه، فأما ما لا حرمة لصنعته وصيغته، وكان يحرم إيجاده، كصور الأصنام والصلُب، والأواني المتخذة من التبرين على أحد الوجهين، فلا قيمة للصيغة والصنعة. وإذا أتلفت هذه الأشياء، وجب على متلفها التبرُ وزناً بوزن، ولم تجب الدراهم المطبوعة.
4562- فأمّا إذا كانت الصنعة محترمة، كالحلي المباح، وكالأواني على أحد الوجهين، فإنا نبتدىء الآن الكلام فيها، ونقول: أولاً إذا كان الرجل يتحلى بحلي تليق بالنساء، مثل أن كان يتختم بخاتم الذهب، أو يلبس السوار، فهذا الفعل محرم منه، والحلي في نفسه محترم الصنعة، لا يجوز إتلافه، وإفساد صنعته. وإن كنا قد نقول: تجب الزكاة قولاً واحداً على الرجل في الحلي الذي يستعمله، على وجه التحريم، وإن كان يحل استعماله للنساء؛ فإنّ أمر الزكاة مبني على قاعدة أخرى قررناها في باب زكاة الحلي، والمعتبر في هذا الباب أن تكون الصنعة في نفسها
محترمة ولا نظر، إلى ما يستعمل على وجهٍ مباح أو على وجهٍ محظور.
فإذا أتلف الرَّجُل مصوغاً محترمَ الصنعة، من النُّقْرة، وزنه مائة، وقيمته بحسن الصنعة مائة وخمسون، ففيما يلتزمه المتلِف أوجه: أحدها: أنه يضمن الأصل، والصنعة، بغير الجنس. فإن كان من الذهب قوّم بالفضة مصنوعاً، وإن كان من الفضة قوم بالذهب. ونصُّ الشافعي دال على هذا في كتاب الصداق. وهذا القائل يعدل عن جنس المتلف حتى لا يقابل ما وزنه مائة بمائةٍ وزيادة. والتماثل واجبُ الاعتبار في الجنس الواحد من أموال الربا.
والوجه الثاني- أن المتلف يضمن الأصل بالجنس، والصنعة بنقد البلد، حتى إن كان من الذهب، والنقد في البلد الذهب يغرَم الأصلَ، وتقوم الصنعة بالذهب. فإن كان النقد الذهب، والمصنوع من الفضة، غرِم الأصلَ بالفضة، والصنعةَ بالذهب.
وهذا الوجه منقاسٌ حسن، والمعتبر فيه مقابلة الأصل بالمثل، فإنه من ذوات الأمثال، وتقوم الصنعة بنقد البلد.
وهذان قياسان لا سبيل إلى دفعهما؛ فإن من أتلف التبر، ضمن مثله، ومن أفسد الصنعة ولم يفوّت التبر غرِم أرش النقص من نقد البلد، فإذا اجتمع تفويت التبر وإفساد الصنعة، لزم اطّراد القياسين.
ثم إذا قيل لصاحب هذا الوجه: ما قلتَه يؤدي إلى صورة الربا؛ فإن زنة المصنوع مائة، وقد قوبل بمائةٍ وخمسين، إن كان النقد من جنس الأصل، وإن لم يكن من جنسه، فبيع مائةٍ بمائة، ودنانير. فكيف الخلاص والحالة هذه؟ كان من جواب هذا القائل: إن التماثل إنما يُرعى في البيع، وليس ما نحن فيه من البيع بسبيل، والصنعة والأصل متلفان، يقابل كل واحد منهما بالبدل الذي يقتضيه الشرع، وليس هذا من التقابل في شيء؛ فإن غرامة البدلين بعد فوات الأصل، فلشى هذا من التقابل الجاري في البيع، فإن التقابل إنما يتحقق بين موجودين. فإذا زالت صورة التقابل، زال التعبد برعاية التماثل.
والذي يحقق ذلك أنه لو أفسد الصنعة أولاً، وغرم الأرش من نقد البلد، فلو عاد وأتلف الأصل، وجب القطع بتضمينه مثلَ ما أتلف، ولا يجوز تخيل خلاف في هذا. فأي فرق بين وقوع الإتلافين معاً، وبين ترتب أحدهما على الثاني؟
والوجه الثالث: أنا نقابل الأصل بالجنس تمسكاً بقياس الضمان في إتلاف المثليات، ثم ننظر، فإن لم يكن نقد البلد من جنس الأصل، فهو المطلوب، فنوجب قيمة الصنعة بنقد البلد. وإن اتفق كون نقد البلد من جنس الأصل، أوجبنا في الأصل المثلَ، وملنا في قيمة الصنعة عن النقد الغالب، وأوجبنا جنساً آخر يخالف جنسَ الأصل. فإن كان الأصل من الفضة قابلناها بالفضة، وأثبتنا أرش الصنعة ذهباً، سواء كان نقد البلد ذهباً، أو لم يكن. فإن كان الأصل ذهباً، قابلناه بالذهب وأوجبنا قيمة الصنعة دراهم، سواء كان النقد دراهم أو لم يكن.
4563- وأنا أذكر حقيقة هذا القول في المباحثة التي أبتديها الآن. فكأن صاحب الوجه الأول الذي هو على ظاهر النص، يجتنب صورة الربا، ويقدر ما يقابل المصنوع ثمناً له، فكل ما يجوز أن يكون ثمناً في البيع لذلك المطبوع، يجوز أن يكون بدلاً له في الإتلاف، وما لا يجوز تقديره ثمناً لا يجوز تقديره بدلاً في الإتلاف. ويخرج من هذا وجوب الحيد عن جنس المتلف في أصله وصنعته، ومضمون هذا الوجه ترك القياس في مقابلة المثليات بأمثالها. والحامل على ذلك اجتناب صورة الربا. وإذا قيل لهذا القائل: الصنعةُ متميزة عن المصنوع، لم يقبل ذلك، وجعل الصنعة بمثابة الجزء من المصنوع، ولم يرها مستقلة بنفسها؛ فإن الإتلاف جرى فيهما معاً.
وأما صاحب الوجه الثاني، فقاعدته طرد القياس كما مضى. وإذا ألزم حكم الربا، قال: ليست قيمة المتلف على قياس عوض البيع، كما سبق تقريره. ومعتمد هذا القائل اعتقاد تميز المصنوع عن الصنعة.
وصاحب الوجه الثالث لا يخفى عليه أن مقابلة ما يزن مائة درهم بمائةٍ ودنانيرَ على صورة الربا، لكنه يبغي أن يفصل بين الصنعة، وبين الأصل. ثم قاعدته: أن الربا لا يلزم قياساً في الإتلافات، والذي جاء به من المغايرة ورعاية المخالفة بين بدلي الأصل والصنعة سببه أن نفصل أحدهما عن الثاني، ونقدرهما بمثابة متلفين.
هذا بيان الوجوه. وأصحها عندنا الوجه الثاني، ولا جواب عما أجريناه في توجيهه من فرض ترتب إتلاف الأصل على تفويت الصنعة.
4564- ومما يجب التنبّه له أنا إذا رأينا مقابلة الأصل بمثله في الوجه الثاني والثالث، فليس مثله دراهم ولا دنانير مسكوكة، وإنما مثله التبر؛ فإنه بعد ما كسر وأفسدت صنعته، فهو تبر متبر. وهذا ظاهر جداً في الوجه الثالث، وفيه نظر في الوجه الثاني؛ فإن صاحب الوجه الثاني إذا كان لا يتحاشى من صورة الربا، وقد وقع إتلاف المصنوع والصنعة معاً؛ فإن أوجب قيمة الأصل من جنسه دراهم أو دنانير، لم يكن مستحيلاً عنده؛ فإن في ذلك رعايةَ المثلية، وما عهد المصنوع متبراً.
ثم الإتلاف بعد التكسير. وهذا فيه تكلف. والوجه عندنا في الوجهين مقابلة الأصل بالتبر. والعلم عند الله تعالى.
فصل:
4565- ذكر الشافعي رحمه الله أحكام تغيير الأعيان المغصوبة، وصادف مسائل خالف أبو حنيفة فيها القواعدَ الكلية، فأخذ يرادّه فيها. ويجوز أن يقال: إنّما صدر كتاب الغصب بأحكامٍ في الجنايات؛ لأنه طلب أن يتوصل بذكر تغايير يحدثُها الغاصب في المغصوب إلى مسائل أبي حنيفة، كما سنشير إليها بعد تمهيد أصلنا، فنقول: الأصل في المغصوب وجوب رده إذا لم يتغير. فإن تغير، لم يخل تغيره، إمّا أن يكون بنقصان، أو بزيادةٍ. فأما التغير بالزيادة، فسنذكر حكمه في مساقِ فصلٍ على إثر هذا الفصل، إن شاء الله تعالى.
4566- وأمَّا التغير بالنقصان، فقاعدة مذهب الشافعي أن يغرَم الغاصب أرش النقص، ويلزمه رد المغصوب ناقصاً مجبوراً بالأرشِ المغروم، ولا فرق بين أن يتفاحش النقص، وبين أن يقل. وأبو حنيفة لم يرع هذا الأصل، وأعرض عنه في مسائل خلطَها، وتخبط فيها، ونحن نأتي بها، ونخرجها على أصلنا، ونبين مذهب أبي حنيفة فيها، وننبه على مأخذه. والغرضُ بذكر ذلك من مذهبه وضوحُ تميز أصلنا عن أصله.
فإذا غصب الرجل عبداً، وقطع يديه، وفرعنا على أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته، وأوجبنا القيمة الكاملة، فيجب على الغاصب الجاني بذلُ القيمة، وردُّ العبد المجني عليه على مالكه. وأبو حنيفة يزعم أنه إذا غرِم القيمةَ، ملك العبد المجني عليه، وطرد هذا الأصل في كل جنايةٍ أرْشُها كمال القيمة، وادّعى أن الواجب عند قطع اليدين قيمةُ العبد، لا أرشُ اليدين، ثم ادعى استحالةَ اجتماع القيمة والمقوّم المجني عليه في ملك المغصوب منه، ووافق أن الغاصب لو قطع إحدى اليدين، والتزم نصف القيمة، لم يملك من العبد شيئاًً.
ونحن نقول: الواجب في اليدين-وإن بلغ مقدارَ القيمة- أرشُ اليدين لا قيمةُ الرقبة. فهذا نوع من التغايير التي تلحق المغصوب.
ولو غصب رجل ثوباً، وخرَّقه خِرقاً، ومزقه مِزقاً، فأصلنا أنه يغرَم ما نقص، ويرد الخِرق، وإن صارت سلكاً سلكاً. وأبو حنيفة يقول في هذا النوع: إذا أحدث الغاصب تغيراً يبطل به معظمُ منفعة المغصوب؛ فإنّه يغرَم القيمة، ويملك ذلك المغصوب المغيّر، وبنى عليه مسائلَ، منها: أنه لو غصب عمامةً وشقها طولاً، فإنه يغرَم قيمتها صحيحة، ويملك المنديل المشقوق، ولو شقه عرضاً ردّه، وردَّ أرش النقص.
ولو غصب شاة، وذبحها، لم يملكها، ولو شوى اللحمَ، أو طبخه غرِم قيمةَ الشاة، وملك اللحم المشويَّ. وقال: لو غصب ثوباً، وصبغه بصبغٍ يقتل صبغاً آخر، لم يملكه، ولو صبغه أسود غرِم قيمته، وملكه، في فضائح ومخازي لا نعددها. ومعتبره في هذه التغايير يخالف معتبره في الجناية على العبد، فإنه راعى في الجناية وجوبَ تمام القيمة أرْشاً، وراعى في هذه التغايير سقوطَ معظم المنافع. ولست أدري كيف يجري هذا في صبغ الثوب أسود. والشافعي متمسك في جميع هذه المسائل بما يقتضيه وضعُ الشرع، من رد ما بقي على المغصوب منه مجبوراً بأرش النقص.
4567- وجرى في مذهب الشافعي مسألةٌ واحدة تكاد تكون مستثناة من القاعدة التي مهدناها. ونحن نصورها، ونذكر المذهب فيها:
فإذا غصب رجل حنطة، وتركها في مكانٍ نَدِيّ، حتى استمكن العفن الساري منها، وغرضُنا أنها لو تركت، لتسرع الفساد الكلي إليها. قال الشافعي: المغصوب منه بالخيار بَيْن أن يترك هذه الحنطةَ العفنةَ على الغاصب، ويغرّمه مثل حنطته، وبين أن يسترد منه الحنطة العفنة ويغرّمه أرش عيبٍ سارٍ غيرِ متناهٍ.
ثم أرشُ نقصان المثليات من نقد البلد، ولا تقابل صفات المثليات بذوات المثليات. وهذا الذي نقل عن الشافعي في الحنطة العفنة، مشكلٌ جداً مخالف لقانونه في وجوب رد الأعيان الناقصة مجبورةً بأرش النقص.
وقد ذكر الأئمة جواباً آخر من متن المذهب، جارياً على القياس اللائق بقاعدة الشافعي وهو أنه يتعين ردّ الحنطة كما هي مع أرش العفن غير المتناهي، وفي ألفاظ الشافعي ما يشعر بهذا الجواب أيضاً. ثم من رأى التعلق بالجواب الثاني افترقوا فرقتين، فذهب بعضهم إلى حمل نص الشافعي في الجواب الأول على ما إذا انتهى ظهور العفن إلى سقوط قيمة الحنطة بالكلية، وهذا ترك لفحوى كلام الشافعي وإضرابٌ عن نصه؛ فإن قوله: "يتخير المغصوب منه، فإن شاء وإن شاء"- ناصٌّ على أن المالية قد بقيت منها بقية.
ومن أصحابنا من أقر نص الشافعي قراره، وذكر قولاً آخر معه، ووجه القول الثاني لائح، كما ذكرناه، ووجه النص عسر، والممكن فيه أن أرش العفن الساري لا يمكن ضبطه، ولا يمكن إلحاق الحنطة التي ظهر العفن فيها بالتالف بالكلية. فينتظم من ذلك تخير المالك بين أن يكفي نفسه مؤونة الاطلاع على الأرش، وبين أن يسترد عين ماله.
وهذا تكلف؛ فإن الحنطة العفنة إنما تكون على بقية من المالية إذا كان يتأتى استعمالها على حالٍ، وما كان كذلك ينبغي أن يجعل كطعام رطبٍ، قابل للتغايير على قرب الزمان، فليكن صاحبه أولى به على ما هو عليه، وليتعيّن مسلك الاسترداد.
وقد ذكر العراقيون في مسألة العفونة قولين للشافعي:
أحدهما: أن المالك يغرّمه المثل ليس له غيرُ ذلك.
والثاني: أنه يأخذ عينَ حنطته، كما وجدها، ويرجع عليه بأرش النقصان. وأما القول الثاني، فهو الجواب الثاني الذي حكيناه. وأما القول الأول، فهو مخالف للجوابين اللذين حكيناهما، وذلك أنهم قالوا: نغزمه المثلَ، ونحسبه تالفاً، ولم يثبتوا خِيرةً أصلاً. وهذا بعيد في النهاية، موافق لمذهب أبي حنيفة، فإذا أثبتنا الخيارَ أشارَ إثباتُه إلى تعلق حق المالك بالعين إن أرادها.
وإذا كان الخِيرةُ إلى المالك، وكان ترك الحنطة العفنة مصلحةً له يراها، كان تحكمه على الغاصب لائقاً بالحال، كما قررناه على حسب الإمكان.
فهذا منتهى القول في ذلك.
4568- ثم ألحق الأئمة بالحنطة العفنة السارية العفونة ما لو غصب دقيقاً، وحلاوة، وسمناً، واتخذ منها حلاوة؛ فإن هذه الأجناس إذا جمعت، وأقيمت أركاناً لحلاوةٍ أمعن تأثير النار فيها، فالحلاوة المجموعة صائرة إلى الفساد، لو لم يبتدر استعمالها. فهذا ما ذكره الأصحاب في ذلك.
4569- وفي النفس وراء قبول إشكال النص فكرٌ في محاولة ضبط هذا التغيير، فلا خلاف أن من غصب حنطة، فطحنها دقيقاً، فالدقيق يقرب من أمد فساده بالإضافة إلى الحنطة، ثم إذا اتخذ من الدقيق خبزاً، فالخبز أسرع إلى قبول الفساد من الدقيق، فليت شعري ما المرعي في التغيير المثبَت سبباً سارياً مُفضياً إلى الفساد؟
فنقول: ربّ طعام على كماله يكون أمد بقائه أقصرَ من أمد بقاء الحنطة العفنة، التي صورناها، فلا نظر في ذلك إلى قرب الفساد.
ولكن الممكن عندنا فيه إضافةُ ما تغيّر إلى جنسه، بالطريق الذي نذكره. فالدقيق على حالٍ مما يعتد ويعد دقيقاً، كما أن الحنطة تدخر، والفساد يسبق إلى الحنطة على مر الزمان، كسبقه إلى الدقيق، وإن كان أمد أحدهما أقصرَ من الثاني. فأما الحنطة العفنة الظاهرة العفونة؛ فإنها خارجة عن صفة جنسها؛ فإنها لا تدخر، بل تبتدر، ولا يعد مثلها من المدخرات، وهي من جنسٍ يجري الادخار فيها على أنحاء لها ومناصب. وهذا يضاهي قولَنا: اللبن في حال كمالِ الادخار، مع العلم بأنه على القرب، يحول ويتغير، ولكنه في جنسه كاملٌ. والقدر الممكن من ادخاره ما يعد ادخاراً لائقاً به.
4570- وكان شيخي يتردد في العبد المغصوب إذا مرض مرضاً سارياً عَسِر العلاج، مثل أن يصير مسلولاً، أو مدقوقاً، أو مستسقياً، مأيوس البرء، فربما كان يلحق ما ذكرناه من الأمراض بالعفن، الذي وصفناه في الحنطة.
وهذا غير مرضي؛ فإن العفن شرطه أن يُفضي إلى التلف، والأمراض لا حكم عليها، ولا وصول إلى درك اليأس منها، وكم عُهد من المرضى المحكوم عليه بالموت استقل واستبلّ عما به.
فهذا تمام القول في التغايير التي تلحق المغصوب من جهة النقصان، وسنعيدها على غرض لنا سوى ما ذكرناه في أثناء التقاسيم.
فصل:
قال: "ولو غصب جاريةً تساوي مائة، فزادت في يده بتعليمٍ منه... إلى آخره".
4571- نقول في مقدمة الفصل: من غصب عيناً، فعليه ردها على مالكها، فإذا أمسكها، كان في كل لحظةٍ على حكم من يبتدىء غصباً، ثم تلك العين لا تخلو: إما أن تتلف في يده، أو تبقى إلى أن يردَّها.
فإن تلفت، وكانت من ذوات القيم، غَرِمها بأكثر ما كانت من يوم الغصب إلى يوم التلف: فلو كانت تساوي يوم الغصب ألفاً، ثم كانت تساوي يوم التلف مائة، لانحطاط الأسعارِ، وركود الرغبات، فالواجب الألف. وكذلك لو كان الأمر على العكس.
ولو كان يوم الغصب تساوي مائة، ويوم التلف تساوي مائتين، واتفق في الأثناء هَيْجُ الأسعار، وكثرةُ الرغبات، فصارت العين تساوي ألفاً، فإنا نُوجب عليه الألفَ.
وما ذكرناه معلل بما صدرنا الفصل به من تقديره غاصباً في كل لحظةٍ؛ فإن الأمر بالرد إذا كان مستمراً، فالدوام والابتداء على وتيرة.
4572- وإن بقيت العين، فردها على المالك، فلا تخلو إما أن تكون على هيئتها، لم تتغير عنها، بزيادة ولا نقصانٍ، وإما أن تتغير عما كانت عليه.
فإن لم تتغير، وردها، فالكلام في نوعين:
أحدهما: أنه لو فرض في أيام الغصب ارتفاع قيمه وانخفاضها، فلا مؤاخذة بالقيم، ولا نظر إليها إذا ردت العين في العاقبة؛ فإنها ردت كما أخذت.
وقال أبو ثور: إذا زادت القيمة، ثم انحطت، كان الغاصب مؤاخذاً بتلك الزيادة مع رد العين؛ من حيث إنه انتسب إلى تفويت تلك الزيادة، لإدامة اليد العادية. وهذا عده القياسون منقاساً.
والمعتمد عندنا أن العين إذا رُدَّت كما أخذت، فالقيم المتفاوتة محمولة على رغبات الراغبين، وانكفافهم، وليست هي من صفات العين، وليس كذلك إذا تلفت العين؛ فإنها قد فاتت، فحمل الأمر مع الغاصب على تقدير التفويت في أرفع الأسعار والقيم.
فهذا أحد النوعين.
وأما النوع الثاني- فالكلام فيه في المنفعة. فإن لم تكن العين مما ينتفع به مع بقاء العين، فلا منفعة إذن، ولا ضمان من هذه الجهة.
وإن كانت العين منتفعاً بها، فإن لم يمض في الغصب زمان للمنفعة في مثله قيمة، فلا كلام.
وإن مضى زمان للمنفعة في مثله قيمة غَرِم الغاصبُ مع رد العين أجرةَ المنفعة.
ولا فرق بين أن يستوفيها، وبين أن تضيع وتتلف تحت يده.
فلو كان العبد صنَاعَ اليد أوْجبنا أُجرةَ صنعته. وإن كان يُحسن صناعاتٍ، فلا سبيل إلى إيجاب أجر جميعها، فإن الاشتغال بعملين غيرُ ممكن. فإذا كان العبد يحسن صناعاتٍ، اعتبرنا أغلاها أجرةً، وأرفعَها عِوضاً، وأوجبنا الأجرة باعتبارها.
ولا خلاف أنا لا نوجب على الغاصب عوض منفعة بُضع الجارية المغصوبة إذا لم يطأها؛ فإن اليد لا تثبت على منافع البُضع، على ما قرره المقررون في الخلاف.
هذا إذا لم تتغير العين عن هيئتها.
4573- فأما إذا تغيرت، فلا تخلو: إمّا أن تتغير بالزيادة أو بالنقصان. فإن تغيرت بزيادة، ردَّها زائدةً، ولا حقَّ له في تلك الزيادة؛ لأنها نماء ملك الغير، والنماء يتبع الملك.
وإن تغيرت العين بالنقصان، فلا تخلو: إما أن ينقص أصل العين، أو صفة من صفاتها. فإن انتقصَ أصلُ العين، ضمن النقصان بأكثرَ ما كانت قيمُه من يوم الغصب إلى يوم النقصان. مثل أن يغصب ثوباً قيمته ديناران، فاحترق نصفه، ثم انخفض السوق، وارتفع، فعليه دينار ورد النصف الباقي.
4574- ويليق بهذا المنتهى كلام ابن الحدّاد، قال: إذا غصب ثوباً قيمته عشرة، فأبلاه، ونقص بالبلى، ورجع إلى خمسة. ثم ارتفع سعر السوق، فصار الثوب البالي يساوي عشرة، ولو كان غير بالٍ، لكان يساوي عشرين، قال ابن الحدّاد: يرد الغاصب الثوب ويلزم عشرة. وهذا مأخوذ عليه، ومُغلَّطٌ فيه، وجوابه معدودٌ من هفواته، لم يصححه محقق، وإنما تابعه ضعفةٌ من الأصحاب لا مبالاة بهم.
ووجه الغلط أن البلى نقصان عين، فإذا رجع الثوب بالبلى إلى خمسة والسعر مستقر، فقد تلف نصف الثوب؛ فما يفرض بعد ذلك من ارتفاع سعر السوق، لا يؤثر فيما بلي، وتلف.
ولا خلاف أن من غصب ثوباً ثمنه عشرة، فتلف في يده، والقيمة عشرة، ثم هاج
السعر، فصار مثل ذلك الثوب مساوياً عشرين، فلا يلزم الغاصب إلا عشرة.
كذلك إذا تلف بالبلى أجزاءُ من الثوب، وانسحق، ثم ارتفع السعر، فلا أثر للسعر المرتفع فيما بلي قبل ارتفاع السعر، فالوجه في صورة مسألة ابن الحداد أن يرد الثوب البالي، ويغرم خمسة دراهم. ومن ساعد ابنَ الحدّاد فتمسكه أن ما ينسحق من الثوب بالبلى، لا ينزل منزلةَ جزء من الثوب على التحقيق. بل هو حالّ محلَّ الصفات. وهذا ساقط من الكلام لا أصل له؛ فإنَّ البلى يُزيل من جرم الثوب ما لا سبيل إلى إنكاره.
4575- ثم لو فرضنا الكلامَ في الصفات، وقلنا: عبد صانع يساوي مائة، فنسيَ الصنعةَ، ثم صار من يحسن مثل تلك الصنعة يساوي مائتين، فلا يلزم الغاصب بسبب ارتفاع السعر، بعد نسيان الصنعة مزيد.
وبيان ذلك أنه إذا كان يساوي مائةً، فنسي الصنعة في يد الغاصِب، وصار يساوي لأجل النسيان خمسين، ثم ارتفع السوق، فصار عند تعرف تلك الصنعة يساوي مائتين، فجوابنا أنه يرد العبد الناسي، ويغرَم خمسين درهماً. على القياس الذي ذكرناه في الثوب البالي.
وهذا ظاهرٌ إذا كان ارتفاع القيمة بعد نسيان الصنعة، ولأن سببه الصناعة لا عين العبد، والله أعلم.
وذكر الشيخ أبو علي لصورة ابن الحدّاد عكساً، فقال: لو غصب ثوباً قيمته عشرة، فنقص بالسوق، ورجعت القيمة إلى خمسة، والثوب بحاله لم يتغير عن هيئته، ثم أبلاه، فرجع بالبلى إلى درهمين، فقد أتلف ثلاثة أخماس الثوب، فيلزمه قيمةُ ثلاثة أخماس الثوب بأقصى ما كان من يوم الغصب. ولقد كان عشرة، فثلاثة أخماسها ستة دراهم.
قال الشيخ: ذكر بعض من شرح الفروع هذه المسألة، وتخبط في جوابها، فقال: إذا رجع الثوب بالسوق إلى خمسة، فأبلاه، فرجع إلى درهمين بالبلى، يلزمه ثلاثة دراهم؛ نظراً إلى حالة البلى. وهذا غلط لا يستراب فيه؛ فإنا نعتبر الأقصى من يوم الغصب إلى يوم التلف. ولقد كانت القيمة عشرة من قبل، فليكن الغرم بحساب العشرة؛ فإنَّه الأقصى.
ومسألة ابن الحدّاد مصورة فيه إذا بلي، ثم ارتفع السوق، وهاهنا كان السّوق مرتفعاً قبل البلى.
فهذا منتهى المراد في ذلك. وما ذكرناه فيه إذا انتقص عينُ الثوب.
4576- وقد يتصل بهذا تغايير تلحق الصّفات بالزوال والعود، ونحن نستقصيها ونذكر ما فيها.
فمن الصفات: السّمن، والحسن، والصنعة، فإذا غصب جارية سمينة، فهزلت نقصت قيمتُها، ردّها هزيلة، وضمن النقصان. وكذلك إذا غصب عبداً صانعاً، فنسي الصنعة.
ولو غصب جارية هزيلة، فسمنت في يده، ثم هُزِلَت، وكانت ازدادت بالسمن الطارىء، ثم نقصت بالهزال، فيردها ويغرَم النقصانَ، ولا فرق بين السمن الطارىء، وبين السمن المقارن للغصب.
وكذلك لو غصب عبداً، فتعلم صناعةً في يد الغاصب، ثم نسيها، ردّه مع أرش نقصان الصنعة.
ولو تكرر عَوْدُ السّمن، وتخلل الهزال بأن كانت سمينةً أولاً، ثم هزلت، ثم سمنت، فردها سمينةً كما كان غصبها، فهل يغرم نقصان الهزال المتخلل بين السمنين؟ أم يجبر السمن الهزالَ، وتقدر كأنها بقيت سمينة؟ ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن السمن لا يجبر الهزال، ويجب على الغاصب مع رد الجارية أرشُ نقصان الهزال. والسبب فيه أنّ كل سمن مغايرٌ للسمن السابق، فإذا زال السمن الأول، استقر أرش النقصان. والسمنُ الثاني زيادة جديدة. وكذلك القول لو تكرر السّمن مراراً، فيجب في كل هزال أرشُ نقصه.
والوجه الثاني- أن السمن الثاني يجبر الهزال؛ فإنه في عرف الناس يعد بدلاً عن السمن الزائل، حالاً محله، كأنه لم يزُل أول مرة. ومن سلك مسلك الجبران يقول: لو سمنت مراراً كثيرة، ثم عاد السّمن آخراً، وردّها سمينةً، لم يغرم شيئاً، وإن ردها هزيلة، لم يغرم نقصان الهزال إلا مرةً واحدةً، فإن ردّت سمينة، فلا أثر لما مضى، وإن ردّت هزيلة، فالضمان مرة.
والأصح مذهب التكرير: فلو غصب جارية هزيلة قيمتها مائة، فسمنت حتى بلغت قيمتها ألفاً، ثم هُزِلت، فعادت إلى مائة، ثم سمنت حتى بلغت ألفاً، ثم هُزِلت حتى عادت إلى مائة، فردها هزيلة، فإنه يرد معها ألفاً وثمانمائةٍ، وإن تلفت غرِم ألفاً وتسعمائة.
ولو فرضنا مثلَ ما ذكرناه في الصنعة وطريان نسيانها وعَوْدها، فقد رتب الأئمة ذلك على عود السمن، وجعلوا عودَ الصنعة أولى بالجبران؛ فإن السمن زيادةٌ في الجسم محسوسة، فإذا تكررت كانت متعددة، والصنعة إذا نسيها العبد، ثم تذكرها عُدَّ ما تخلل كالغفلة، والنوم، والذهول، ولا يعُد أهلُ العرف تذكرَ الصنعة شيئاً متجدداً.
4577- ثم كل ما ذكرناه من العود والزوال جارٍ في اتحاد الجنس، فلو اختلف الجنس، لم يختلف المذهب في أنه لا جبران، وبيانه أنه لو كان سميناً، وقيمته لأجل السمن ألف، فهُزِل وصار يساوي مائة، فتعلم صنعةً بلَّغت قيمتَه ألفاً، ورده صانعاً هزيلاً؛ فإنه يغرم نقصان الهزال، وهو تسعمائة. وكذلك لو فرضنا صنعتين مختلفتين، فلا تجبر إحداهما الأخرى أصلاً.
4578- وذكر الأئمة في ذلك صوراً تهذب ما ذكرناه، فقالوا: لو غصب نُقرةً، فصاغ منها حلياً، ثم كسره وصاغه ثانياً، نُظر، فإن صاغه على هيئةٍ أخرى سوى الهيئة الأولى، فلا جبران. وإن أعاده إلى الهيئة الأولى، ففي الجبران وجهان: قال صاحبُ التلخيص: من غصب من جوهر الزجاج ما قيمته درهم، ثم إن الغاصب اتخذ منه قدحاً يساوي عشرة، ثم انكسر في يده، وكان مكسوراً يساوي درهماً، فيرد الزجاج مكسوراً، ويرد تسعةَ دراهم؛ فإن تلك الزيادة قد حدثت في يده، وتعلق الضمان بها، وإن حصلت بفعله. ولو أعاد ذلك الزجاج المكسّر قدحاً، فإن كان على هيئة القدح الأوَّل، فهو على الوجهين، وإن أعاده إناء آخر، فلا جبران.
ومن أحكم هذه الأصول التي مهدناها، لم يخف عليه هذه التفاريع.
فرع:
4579- إذا غصب عصيراً، فاستحال في يده خمراً، فجاء المغصوب منه مطالباً، غرّمه مثلَ العصير؛ فإن الخمر التي صادفها ليست مالاً. ولو انقلبت الخمر في يد الغاصب خلاً، فقد ذكر العراقيون وجهين:
أحدهما: أنه يرد الخل على المغصوب منه، ويغرم له مثلَ عصيره؛ فإنّ العصير تلف لما انقلب خمراً، فاستقر وجوب مثله، ثم استحالت الخمر خلاً، فهو فرع أصلٍ للمالك، فصرف إليه، وعُد رزقاً جديداً. وهذا يتأيد بما مهدناه من بطلان الجبران عند اختلاف الصفات، فالخل على هذا لا يجبر العصيرَ. هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني- أنه يرد الخل، فإن كانت قيمتُه مثلَ قيمة العصير، فلا ضمان على الغاصب؛ إذ لا أرش، فلو غرّمناه لكنا نغرمه مثلَ العصير، كما قال القائل الأول، وهذا مجاوزة حد، وليس كما إذا بقي الملك في المغصوب وتَعاوَرَتْه الصفات.
وسنذكر لذلك مثلاً في أثناء الكتاب عند مسيس الحاجة على مقتضى ترتيب الفصول، إن شاء الله تعالى.
ولم نذكر في هذا الفصل الجامع تفصيلَ المذهب في الزيادات المنفصلة؛ فإنا أحببنا حصر الكلام في التغايير التي تختص بالعين، ولا تعْدُوها. وسنذكر في الفصل الذي يلي هذا الفصلَ الزوائد المنفصلة، إن شاء الله تعالى.
فصل:
قال: "وكذلك هذا في البيع الفاسد... إلى آخره".
4580- أراد بالبيع الفاسد هاهنا بيعَ الغاصب المغصوبَ. والبيوع الفاسدة قسمان: فبيع من المالك يفسدُ بشرط فاسدٍ، وبإخلالٍ بشرط معتبر، فالمبيع في مثل هذا البيع لا يدخل في ضمان المشتري إلا إذا أُقبض. ثم إذا أُقبض، فالمقبوض مضمون عليه ضمانَ العاريّة على المستعير، وقد فصلنا ذلك، غير أنه ينفصل عن المستعار بشيء، وهو أنا إذا حكمنا بأن العاريّة لا تضمن ضمان الغصوب، ففي الوقت المعتبر وجهان:
أحدهما: أنه وقت القبض. وهذا مزيف عند المحصّلين في العارية.
والثاني: أنه وقت التلف، وهو الصحيح؛ فإنّه في اعتبار وقت القبض إدخال الأجزاء التي تسحق بالبلى تحت الضمان، وإذا اعتبرنا يوم التلف، خرجت الأجزاء عن الاعتبار. ونخرّج في المقبوض على حكم البيع الفاسد الصادر من المالك قولاً في أنه يضمن ضمان الغصُوب، أو يضمن من غير تغليظٍ. فإن قلنا: لا يضمن ضمان الغصوب، فالأصح أنه يعتبر يوم القبض؛ إذ ليس في هذا ما أشرنا إليه في العاريّة من ضمان الأجزاء.
وذكر شيخي في المقبوض عن البيع الفاسد أنه يضمن بقيمته يومَ التلف. ولم أرَ هذا لغيره.
فهذا ما تفترق فيه العاريّة والمقبوض على حكم البيع الفاسد.
ثم لو فرض ولدٌ في يد القابض عن الفاسد، فضمان الولد خارج على القولين، كما ذكرناه في ولد العاريّة. وضمان المنفعة أيضاً يخرّج على القولين، يعني منفعة تلفت تحت اليد. فإن استوفاها المشتري، ضمنها لا محالة. وليس كالمستعير؛ فإنه مأذون له في الانتفاع. والمأخوذ بالسوم في كيفية الضمان كالمأخوذ عن البيع الفاسد من غير تفاوت. فالعاريّة إذا باينت هذه النظائر على قولنا: لا يثبت ضمان الغصب في الوقت المعتبر في القيمة، فلا شكَّ أنها تباين النظائر في المنافع؛ فإن وضعها لإباحة المنافع.
هذا قسم أجريناه، وليس مقصودَ الفصل، ولكن اشتمل التقسيم عليه، فذكرناه.
4581- فأمَّا المشتري من الغاصب، فالقول فيه يستدعي تقديمَ أحكامٍ في الغاصب نفسه، فنقول: الغاصب إذا وطىء المغصوبة، فلا يخلو إمّا أن يكونا عالمين أو جاهلين، أو أحدهما عالم، والآخر جاهل: فإن كانا جاهلين، فلا حد عليهما للشبهة، وعلى الغاصب المهرُ للمالك: إن كانت ثيباً التزم مهر ثيب، وإن كانت بكراً، فلا شك أن الوطء يتضمن إزالة البكارة والبكارة لو أزيلت بخشبةٍ أو أصبع، فعلى المزيل الأرش. ثم لو فرض الوطء بعد ذلك، تعلق به مهر ثيب. فإن أزال الغاصبُ البكارة بالوطء، فقد جنى، ووطىء. فالتفصيل فيه أن يُنظر: فإن كان مهرُ بكرٍ لو ضبط مبلغه، ثم قيس به أرش بكارة ووطء تلك بعد الثيابة، لما اختلف المقدار، فلا فرق بين أن يقول القائل على الواطىء مثلُ مهر بكرٍ، وبين أن يقول: عليه أرش العُذرة ومهرُها بعد الثيابة؛ فالإجمال والتفصيل في هذا سواء. وما عندي أنه يتصور في هذا تفاوت.
فإن فرض فارض تفاوتاً، وكان إفراد المهر عن الأرش أكثر من مهر بكرٍ، فيجب على الغاصب التزامُ تلك الزيادةِ لا محالة. فإنّ باب ضمان الغاصب على التغليظ وإيجابِ الأقصى.
4582- وإن وطىء الجارية وأحبلها، والمسألة مفروضة في الجهالة، فالولد ينعقد حراً. ثم إن انفصل حياً، فعليه قيمةُ الولد وقت انفصاله، فنقدره رقيقاً ونوجب قيمتَه؛ فإنه باغتراره فوَّت الرق، فكان كما لو فوت الرقيق. هذا إذا انفصل حياً.
فأما إذا انفصل ميتاً، فلا يخلو: إمَّا أن ينفصل بنفسه ميتاً من غير جناية جانٍ، أو ينفصل بتقدم جناية يُحمل الانفصال عليها. فإن انفصل بلا جناية، فلا ضمان أصلاً؛ فإنه لم تتحقق جناية، ويجوز أن الروح لم تنسلك فيه. ولو كان رقيقاً، لكان لنا فيه تفصيل، كما سنذكره في ضمن التقاسيم. وعند ذلك نفصل بين الحر والرقيق إذا انفصل بجناية جانٍ، فيجب على الجاني والجنينُ حر مسلم غرَّةٌ: عبدٌ أو أمة، كما سيأتي في آخر الديات، إن شاء الله تعالى.
ثم يجب الضّمان على الغاصب؛ لأن الجنين انفصل مضموناً، فلم يكن كما إذا انفصل من غير جنايةٍ ميتاً. والعبارة عن غرضنا في ذلك: أن الجنين إن يقوّم له، يقوم عليه؛ فإن الأبدال تحل محل المبدلات، وتخلُفها عند عدمها، فكأن الجنين انفصل حياً إذا استعقب خروجه ضماناً، فإذا ثبت أصل الضمان، فالنظر بعد ذلك في المقدار الذي يضمنه الغاصب للمغصوب منه.
4583- وقد اختلفت الطرق في ذلك، ونحن نذكر طريقةً مرضية، ونتخذُها أصلاً، ونزيدُ فيها ما يخالفها من غيرها من الطرق، حتى ينتظم الكلام، مع استغراق مقصود الطرق، فنقول:
ننظر إلى قيمة الغرة، وننظر إلى عشر قيمة الأم؛ فإن الجنين الرقيق يضمن بعشر قيمة الأم، فإن كانا سواء، ضمن الغاصب عشر قيمة الأم.
وإن كانت قيمة الغرة أكثر، ضمن عشر قيمة الأم، والفاضل من قيمة الغرة له؛ فإنه ثبت لحرية الولد المنتسب إليه، ولا حظ للمغصوب منه في الفضل الذي تقتضيه الحرية.
وإن كانت قيمة الغرة أقلّ من عشر قيمة الأم، ففي المسألة وجهان: أصحهما- أنّ الغاصب لا يغرَم إلا مقدارَ قيمة الغرة؛ لأنا لو ألزمناه إكمال العشر، لكان الزائد إلى كمال العشر غير متقوّم للغاصب، وما لا يتقوم له، لا يتقوم عليه، فإذا كان سبب الغرم وجوب الغرم على الجاني؛ فإيجاب ما لم يغرمه الجاني بعيد.
والوجه الثاني- أنه يجب عشر قيمة الأم وإن زاد على قيمة الغرة؛ لأنا أحللنا انفصال الجنين ميتاً مضموناً محل انفصاله حياً، وقضينا بأن بدله حل محله، فليكن ما نحن فيه بمثابة ما لو انفصل حياً في أصل الضّمان. ثم لا يمكن تقدير الحياة في المنفصل ميتاً. هذا بيان الطريقة المرضية. ذكرها القاضي، والعراقيون.
وذكر شيخي أبو محمد هذه الطريقة، غير أنه لم يعتبر عشرَ قيمةِ الأم، بل قدر الحياة في الذي انفصل ميتاً، واعتبر قيمته مقدَّراً رقيقاً، ثم نظر في قيمة الغرة وهذه القيمة، ولم يعتبر عشر قيمة الأم. وهذا غير متجه؛ من جهة أن تقدير الحياة في الذي لم يعهد حياً، لا يلائم مذهب الشافعي. وأبو حنيفة هو الذي اعتبر ذلك في الجنين الرقيق.
وهذا الاختلاف في عشر قيمة الأم، واعتبار حياة الجنين مع تقدير رقّه يلتفت على أصلٍ، قدمناه، وسنعيده بعد ذلك. وهو أن ما يتلف في يد الغاصب من عضوِ بآفةٍ سماويةٍ، أو بجناية جانٍ غير الغاصب، فهل يعتبر في حق الغاصب البدلُ المقدر في حق الجاني؟ فعلى وجهين، سبق ذكرهما، وسيعود تحقيقهما في فصلٍ متصلٍ بهذا الفصل.
فإيجاب العشر من قيمة الأمّ إيجاب المقدار الواجب على الحياة، فهذا من هذا الوجه يشعر بخلافٍ. ولكن يعارضه، أن تقدير الحياة في الجنين لا ينتظم على مذهب الشافعي أصلاً. فهذا تمام الغرض.
وفي بعض التصانيف غلطة فاحشة، وهي أنه حكى أن بعض الأصحاب قال: يغرَم الغاصب للسيد أكثرَ الأمرين، من قيمة الولد، وقيمة الغرة. أما القول في قيمة الولد فقد ذكرناه، وأما إيجاب الأكثر، فخطأ لا نشك فيه، فإن معناه أن قيمة الغرة إن كانت زائدة على بدل الجنين المقدر رقيقاً، وجب تسليمها بكمالها إلى السيد، وهذا محال؛ فإن تلك الزيادة ثبتت بسبب الحرية، وما ثبت بسبب الحرية يستحيل أن يستحقه مالك الرق.
هذا منتهى الكلام في قاعدة الفصل.
4584- ثم المسألة مفروضة فيه إذا كانت الغرة مصروفةً إلى الغاصب؛ من جهة أنه أبُ الجنين، ولم يكن معه وارث. فلو غصب الجارية وأحبلها، ومات، وخلف أباً، هو جد الجنين، فضرب ضارب بعد موت الأب الغاصب الجاريةَ، وأَجْهَضَتْ جنيناً ميتاً، فالغرة مصروفةٌ إلى الجدّ. قال القاضي: يجب عليه في ضمان الجنين للمالك ما كان يجب على الغاصب لو كان حياً. والسبب فيه أن ضمان الجنين للمالك، إنما يجب بسبب وجوب الغرة، فمن يملك الغرة، يلتزم الضمان. فكأن القدر المطلوب مستحق من الغرة للسيد المغصوبِ منه.
ثم قال القاضي: لو كان مع الأب الغاصب جدة وارثة، وهي أم الأم، ونفرضها حرة لترث، فالسدسُ من الغرة لها. قال: ننظر إلى خمسة أسداس الغرة، وإلى عشر قيمة الأم، ونجعل كأن السدس المصروف إلى الجدة غيرُ ثابت، والخمسة الأسداس نازلةً منزلة الغرة كلها. هذا كلامه.
ولا شك أن إخراج السدس عن الاعتبار يقتضي قياسُه إخراجَ الجد عن الضمان؛ من جهة أنه لم يغصب، ولم يصدر منه سبب يقتضي ضماناً. ومسألة الجد في جميع الغرة، والسدس في حق الجد محتملان. يجوز أن يقال: لا ضمان على الجد، وقد فاز بالغرة إرثاً، ولا يتعلق الضمان بالسدس المصروف إلى الجدّة. ويجوز أن يقال: يتعلق الضمان بالغرة في مسألة الجد وسدس الغرة المصروف إلى الجدة؛ فيتبع الضّمانُ الغرةَ، وإذا رأينا أن لا يضمن الجد، فهل يحبط الضّمان، أو نعلقه بتركة الغاصب؟ هذا فيه احتمال. والظّاهر إتباع الضمان الغرةَ، وطرْد هذا القياس في السدس المصروف إلى الجدة.
وممَّا يتعلق بتمام البيان في ذلك أن الغرة إذا وجبت على الجاني، والأبُ الغاصب حي، ولا وارث معه، فلو عسر عليه استيفاء الغرة من الجاني، فهل يجب عليه تعجيل حق المغصوب منه، أو يتوقف على أن يستوفي الغرة؟ هذا محتمل، وهو قريب من الاختلاف الذي ذكرناه في أن قيمة الغرة لو كانت أقل من عشر قيمة الأم، فهل يجب على الغاصب التكميل؟ فإن أوجبنا التكميل، لم يبعد أن نوجب التعجيل، وإن لم نوجب التكميل، لم نوجب التعجيل.
والذي يقتضيه الرأي أن الأمر لا يتوقف على استيفاء الغرة، إذا كان استيفاؤها متيسراً، وإنما التردد فيه إذا تحقق عسر استيفائها.
وممَّا يجب أن لا يغفل عنه إيجاب ما تنقصه الولادة ضماً إلى المهر، وموجب الجنين إن أوجبناه. اتفق المحققون على ذلك في الطرق.
ولكن هذا فيه إذا كان الرجل جاهلاً وكانت الأمة جاهلة، وقد يتصور ثبوت اليد المضمنة ضمان الغصوب من غير علم.
4585- وإن كانا عالمين بالغصب والتحريم، فوطئها، نظر: إن كانت مستكرهة مضبوطة، وجب المهر على الغاصب المستكرِه، وإن كانت مطاوعة مع العلم بالتحريم، فظاهر النص أنه لا يثبت المهر؛ فإنها مسافحة تلفت منفعة بُضعها على وجه السفاح منها، فكانت ساقطة الحرمة، مندرجة تحت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي.
وذكر طوائف من أصحابنا وجهاًً آخر أن المهر يجب للسيد؛ فإن سبب سقوط مهر الحرة الزانية بذلُها بضعها، وبذلُ الأمة لا يحبط ملكَ السيد، كما لو أباحت قتلَ نفسها، أو أباحت طرفاً من أطرافها.
4586- ولو كانت جاهلةً وكان الواطىء عالماً بالتحريم، وجب المهر، كما لو كانت مستكرهةً. ثم إذا أولدها الغاصب العالم بالتحريم، فالولد لا ينتسب إليه؛ فإنه ولد زنا، وإن كان كذلك، لم ينعقد حراً؛ إذ لا حرمة لمائه، فالولد إذاً رقيق، فإن انفصل حياً، كان لمالك الأم، وهو داخل في ضمان الغاصب، يضمنه ضمان الأم، خلافاًً لأبي حنيفة.
ولو انفصل ميتاً من غير جناية جانٍ، فظاهر المذهب أن الغاصب لا يضمن شيئاًً للمغصوب، كما لو انفصل الولد حراً ميتاً، فإنه لا ضمان، بخلاف ما إذا انفصل حياً.
وذهب بعض أصحابنا إلى إيجاب الضّمان في الولد الرقيق المنفصل ميتاً، وهذا القائل يطلب فرقاً بين انفصال الجنين الحر ميتاً، وبين انفصال الجنين الرقيق ميتاً، وغايته أنا لم نعلم حياة واحد من الجنينين، واختص الجنين الحر بأنّه لم تثبت اليد عليه، واليد تثبت على الجنين الرقيق تبعاًً للأم، وتعلق الضمان به صفةً وتبعاً، فلئن انفصل ميتاً، لم يبعد إيجابُ الضّمان.
والأصح عندنا أن لا ضمان؛ لأنا لم نتحقق سبب الضمان؛ إذ سببه فوات رقيق تحت يدي الغاصب. والذي لم يتحقق انسلاك الروح فيه، لم يتحقق رقه؛ فإن الرقيق هو الحي.
فإن قلنا: لا ضمان، فلا كلام. وإن قلنا: يجب الضمان، فقد صرح شيخي بأنا نعتبر قيمة الجنين لو قدر حياً. وقد ذكرنا غائلة هذا الفصل؛ فإن إيجاب القيمة باعتبار حياةٍ لم تعهد بعيد عن التحصيل. وما يقتضيه قياس طريق القاضي إذا أوجبنا الضمان، فنوجب عشر قيمة الأم؛ فإنّ تقدير الحياة عسر، فالغاصب على وجه الضمان نجعله كالجاني الذي يترتب على جنايته الإجهاض.
هذا تفصيل المذهب فيه إذا كانا عالمين بالتحريم، أو كان الغاصب الواطىء عالماً بالتحريم.
فأمّا إذا كان الغاصب جاهلاً بالتحريم، وكانت الأمة عالمةً بالتحريم، فهي زانية محدودة. وقد ذكرنا وجهين في أنه هل يجب مهر الأمة إذا كانت زانية. فأما إذا علقت بمولودٍ، فهو حر، نظراً إلى قيام الشبهة في حق الواطىء. ثم القول في انفصاله حياً وميتاً من غير جنايةٍ أو بجنايةٍ على التفصيل الذي ذكرناه الآن.
4587- ولو غصب بهيمةً، فحبلت، وانفصل ولدها حياً، فهو داخل في ضمان الغاصب. وإن انفصل ميتاً، ففي المسألة الخلاف الذي حكيناه؛ فإن لم نوجب الضمان، ولم تنتقص الأم، فلا كلام. وإن أوجبنا الضمان، فلا طريق إلا إيجابُ ما انتقص من قيمتها إذا كانت حاملاً. ويخرج من ذلك أن الخلاف لا يظهر أثره في البهيمة، فإنا إذا كنا نعتبر ما ينقص من قيمتها، نظرنا: فإن كان ينقص من قيمتها وهي حامل شيء، فيجب القطع بإيجاب ما نقص. وإن كان لا يَنقُص وهي حامل شيء، فلا وجه لإيجاب شيء. و إنما انتظم الخلاف في الأمة؛ من قِبل أنا على الطريقة المرضية اعتبرنا مقابلة الجنين بعشر قيمة الأم، ولم نلتفت إلى نقصان الجارية، ولا يتحقق مثل ذلك في جنين البهيمة. فإن رأينا في جنين الأمة أن نقدره حياً، ونوجب قيمته بتقدير الحياة، فيتجه مثل هذا في جنين البهيمة، فنقدره حياً عقيب الانفصال. ونوجب قيمته اعتباراً بتلك اللحظة، وهذا بعيد كما ذكرناه.
ثم اعتمد أئمتنا في اعتبار ضمان الغصب بولد المغصوبة إذا انفصل حياً حراً، فقالوا: اليد تُضَمِّن كالإتلاف، ثم التلف يقع على وجهين:
أحدهما: المباشرة، والثاني: التسبب، فلتنقسم اليد هذا الانقسام، حتى يقال: التسبب إلى اليد بما يعدّ في العرف سبباً إذا أفضى إلى حصول الشيء تحت اليد، ينزل منزلة مباشرة اليد. ثم قالوا: من اقتنى قطيعاً عُد متسبباً إلى إثباتِ اليد على الأولاد، فاُلزِم الأصحاب ما إذا غصب بقرة، فتبعها الفحل، أو غصب هادي القطيع، فتبعه القطيع، فذكر الأئمة وجهين في أن هذا هل يكون تسبباً إلى إثبات اليد على الفحل والقطيع؛ حتى نقضي بأن حركتها في صوب الهادي كحركتها في الصوبِ الذي يريده من استاقها؟ وفي المسألة احتمال. والوجه المنع إذا سلكنا هذه الطريقة. وقد ذكرنا في الأساليب طريقةً معتمدة سوى التسبب إلى اليد. وتيك أمثلُ عندنا.
4588- هذا بيان أحكامٍ أردنا تقديمها في حق الغاصب، ونحن الآن نبني عليها مقصودَ الفصل، وهو الشراء من الغاصب، وما يتعلق به فنقول:
من غصب عبداً وباعه من إنسان، وأقبضه إياه، فلا يخلو المشتري من الغاصب إما أن يكون عالماً بحقيقة الحال، أو جاهلاً.
فإن كان عالماً، فحكمه إذا قبض من الغاصب عن هذه الجهة كحكم الغاصب من الغاصب، غيرَ أنه دفع الثمن إلى الغاصب، فيرجع فيه ويستردّه.
ثم من غصب من الغاصب، ضمن ما غصبه من يوم الاستيلاء إلى الفوات، إن قُدّر الفوات، فيضمنه بأقصى قيمته من يوم غصبه إلى أن تلف في يده، ولا يضمن ما تقدم على غصبه ممّا جرى في يد الغاصب الأول.
وبيان ذلك أن الأول لما غصب العبد، كان قوياً سليماً مساوياً ألفاً، لسلامته عن العيوب، ثم عاب في يد الأول، وعادت قيمته إلى خمسمائةٍ. وغصبه الثاني، فلا يطالب الثاني بالزيادة التي كانت في يد الغاصب الأول فعابت. ولو فرضت زيادة في يد الغاصب الثاني. فلا شك أنه مطالب بها.
ثم الغاصب الأول يطالب بما يطالب به الغَاصب الثاني؛ فإنَّ غصبه طريقٌ إلى غصب الثاني. والغاصب الثاني لا يطالب بزيادةٍ كانت في يد الأول؛ فإن ضمان الغصب يستحيل أن يسبق الغصب منعطفاً على سابقٍ. ولو تلفت العين في يد الثاني، فقرار الضّمان في التالف عليه، وللمغصوب منه أن يضمن من شاء منهما: فإن ضمّن الثاني، استقر الضمان عليه، وإن ضمّن الأولَ ما دخل في ضمان الثاني، رجع به الأول على الثاني. وإن ضمن الأول ما اختص الأول بضمانه، ولم يدخل في ضمان الثاني، فلا شك أنه لا يجد مرجعاً به على الثاني.
هذا كله إذا كان المشتري من الغاصب عالماً بحقيقة الحال.
4589- فإن كان جاهلاً، وقد اشترى جاريةً مغصوبة، فإن وطىء، فلا حدّ، ووجب المهر، وإن علقت بولد، فهو حر. والتفصيل في وجوب الضّمان إذا انفصل حياً، ونفيِه إذا انفصل ميتاً من غير جنايةٍ، والعوْد إلى إثبات الضمان إذا انفصل ميتاً بجناية جانٍ، وما فيه من التفصيل، كما مضى حرفاً حرفاً، في الغاصب نفسه إذا جهل التحريم. ويعود تفصيل القول في الجارية ومطاوعتها، وجهلها، وجريان الاستكراه منها.
ومما نذكره الآن أن المشتري إذا وطىء على الجهالة مراراً، لم يلزمه إلا مهرّ واحد، وكذلك من نكح امرأةً نكاحاً فاسداً، فوطئها مراراً، لم نُلزمه إلا مهراً واحداً، وكذلك إذا صادف على فراشه امرأةً وظنها زوجتَه، فوطئها. والسبب فيه أن المقتضي للمهر الشبهةُ وهي متحدة، ولو انكشفت الشبهة بعد جريان الوطء فيها، ثم عاد وجرى وطء آخر في الشبهة الثانية، فحينئذٍ يتعدد المهر، لتعدد الشبهة. ولو كان يطأ الغاصب المغصوبة على علم، وكانت مستكرهة، أو مطاوعةً، ورأينا أن نوجب المهر، فلو تعدد الوطء من غير شبهةٍ، فقد كان شيخي يتردد في تعدد المهر، ولا معنى للتردد عندنا، بل الوجه القطع بأن في كل وطأةٍ مهراً؛ فإن موجِب المهر إتلافُ منفعة البضع، لا شبهةٌ تطّرد. وهذا المعنى متعدد.
ثم ينشأ مما ذكرناه لطيفةٌ في المذهب يقضي الفقيه العجبَ منها، وهي أن الغاصب، أو المشتري من الغاصب إذا وطىء على شبهةٍ، و ظنٍّ في التحليل، فيظهر تعدد المهر، إذا قلنا: المهر يتعدد مع العلم بالتحريم؛ فإن موجِب المهر الإتلافُ، ولا حاجة إلى إحالته على الشبهة، والإتلافُ متعدد. وإنما يظهر اعتماد اتحاد الشبهة، حيث لا يجب المهر لولا الشبهة. وهذا واضحٌ لا خفاء به.
4590- ثم إذا تلف العين المغصوبة في يد المشتري، استقر عليه الضّمان في قيمتها. والكلام يقع وراء ذلك فيما يرجع به المشتري-إذا ضمنه- على الغاصب البائع، وفيما لا يرجع به. وهذا مقصود فصل الشراء. فنقول:
أما العين إذا تلفت في يد المشتري، وغرم قيمتها، فإنه لا يرجع بما غرِم على البائع، والسبب فيه أنه قبض المبيع على اعتقاد أنه قابضه على حكم الضمان؛ فإن البيع عقد ضمانٍ.
وأمّا ما يلتزم من قيمة الولد الذي حصل العلوق به على الحرية، فإنه يرجع به على الغاصب باتفاق الأصحاب.
وإذا غرم المهر لما وطىء، فهل يرجع بالمهر الذي غرِمه على الغاصب، فعلى قولين، ونحن نرسل موضع الوفاق والخلاف، ثم ننعطف، فنحقق كل شيء على حسب ما يليق به.
وإذا غرم المشتري أجرة المنافع، نُظر: فإن غرمها لأجل اليد، وما كان استوفى المنفعة؛ فإنه يرجع بما يغرمه من الأجرة، وإن استوفى المنفعة وغرِم أجرتَها، ففي رجوعه على الغاصب القولان اللذان ذكرناهما في المهرِ.
فهذان بيان قواعد المذهب فيما يرجع به، وفيما لا يرجع به، وفاقاً وخلافاًً، من طريق النقل.
4591- وبيان هذه المنازل من طريق التحقيق أن كل ما يقابل العوضَ المبذولَ في الشراء، فالضمان فيه يستقر على المشتري إذا تحقق الفوات، وما لا يقابله عوض الشراء ينقسم إلى ما يستوفيه المشتري، وإلى ما يفوت في يده من غير استيفائه، فأما ما يفوت من غير استيفاء، وليس مقابلاً بالعوض، فإذا غرِمه، رجع به. والسَّبب فيه أنه لم يتلف مضموناً بالعقد لو قُدِّر العقدُ صحيحاً؛ إذ المنافع ليست معقوداً عليها في شراء العين، وكل ما لا يقابله عوض العقد لا يدخل في ضمان العقد.
والذي يحقق ذلك أن من اشترى شيئاً شراء صحيحاً، وانتفع به زمناً، ثم اطلع على عيبٍ ورده؛ فإنه لا يرد لمكان فوات المنافع شيئاً. وكل قبض لا يترتب على جهة ضمانٍ، فلا يكون سبباً لقرار الضّمان؛ فإن الغاصب إذا أودع شيئاًً عند إنسانٍ، فقبله المودَع ظاناً أنه مالك الوديعة، وتلف في يده؛ فإنه إذا ضمن، لم يستقر الضمان عليه. بخلاف ما لو استعار من الغاصب على جهلٍ، أو أخذ منه عيناً على سبيل السوم كذلك؛ فإنه إذا تلف في يده، والجهة جهة ضمانٍ في وضعها، فالضمان يستقر.
وكل ما لا يقابل عوضاًً في الشراء، ولكن أتلفه المشتري، واستوفاه، فتخرّج المسألة على قولين. والسَّبب فيه أن الإتلاف مستَقَر الضمان في وضع الشرع، ولكن البائع غرَّ المشتري، لما سلطه على الانتفاع، وإذا اجتمع الغرور، وإتلاف المغرور، فينتظم قولان:
أحدهما: أن القرار على المتلِف، وهو القياس.
والثاني: أن القرار على الغارّ. وسيأتي أصل ذلك فيه، إذا قدم الغاصب الطعام المغصوب إلى إنسان، وسلطه على أكله، فأكله ظاناً أنه ملك المقدِّم، فإذا غرِم قيمته للمالك، ففي رجوعه بما غرم على الغار قولان، سيأتي ذكرهما.
فإن قيل: هلا طردتم هذا الخلاف في قيمة الولد المنفصل حياً حراً؟ قلنا: إنّ المغرور ليس ينتسب إلى حقيقة إتلافٍ في الولد، فيقوى وقعُ الغرور فيه؛ فإن سبب الحرية اغترار الواطىء الوالد، ولكن موقع هذا الاغترار الغار.
فهذا بيان القواعد.
4592- ثم ذكر صاحب التقريب أمراً بدعاً، لم أر ذكره على نسق المذهب، ولم أر الإخلال بما جاء به. قال: إذا اشترى عبداً بألفٍ، وقيمته ألف، وتلف في يده، فلا شك في إقرار الضمان عليه. ولو اشترى عبداً قيمته ألفان بألفٍ، وتلف في يده، وغرم ألفين، فلا يرجع بأحد الألفين، ويرجع بالثاني.
وهذا مما انفرد به من بين الأصحاب كافّة؛ فإن الأصحاب اعتبروا مقابلة العين بالثمن. فإذا تقرر ذلك، فلا نظر إلى قيمة العين بالغةً ما بلغت؛ فإن عُلقة الضّمان متعلقة بالعين.
وما ذكره صاحب التقريب على بعده يمكن أن يوجَّه بأن أحد الألفين في حكم المحاباة الخارجة عن حقيقة المعاوضة. ولهذا يعد تبرعاً في حق المريض، محسوباً من الثلث.
وإذا وهب الغاصب العينَ المغصوبة وسلمها، فتلفت في يد المتهب، ففي قرار الضمان على المتهب قولان، سنذكرهما بعد هذا، على نظم مسائل تقديم الطعام إلى المغرور.
وقال: لو اشترى عبداً قيمته ألف بألفٍ، ثم زادت قيمته في يده، فصار يساوي ألفين وتلف في يده، وغرم أقصى القيم، فلا يستقر الضّمان إلا في مقدار الثَّمن من القيمة، ويرجع بالباقي. وهذا أبعد من الأول؛ فإن العقد عري عن انعقاده عن معنى المحاباة، وما جرى من زيادة لا تلحق العقد بالمحاباة التي ذكرناها. ولو اشترى رجل بهيمة، أو جارية من الغاصب، فولدت في يده ولداً جديداً، لم يكن موجوداً حالة العقد حملاً، ثم تلف في يد المشتري، فلا شك أنه يضمن قيمتَه، وإذا ضمنها، رجع بها؛ فإنّ هذا الولد لم يرد عليه العقد، ولم تشتمل عليه عهدتُه، ولهذا قلنا: ينفرد المشتري عن المالك على الصحّة به، ويردّ الأصل بالعيب.
4593- ومن تمام ما نحن فيه وهو من الطوام الكبار تفصيل القول فيه إذا عابَ المغصوب في يد المشتري بآفة، وغرِم أرش النقص للمغصوب منه، نظر: فإن عاب بفعل المشتري فإذا غرم أرشه، استقر الضّمان عليه، ولم يرجع به على الغاصب.
وقياس ذلك بيّن؛ فإنّ العين إذا كانت مضمونة عليه، فالأجزاء بمثابتها، فإذا كان يستقر الضمان في قيمة العين لو تلفت، فيستقر في النقصان اعتباراً للأجزاء بالجملة، وهذا ظاهرٌ في العيب الذي يحدثه المشتري.
فأما إذا حدث العيب بآفة سماوية، فقد قال الشافعي: إذا غرِم المشتري نقْصه، رجع به على البائع.
قال المزني: هذا خلاف أصله، لأنه قد قال: لو تلفت الجملة، فغرِم قيمتها، لم يرجع بها على الغاصب، والأجزاء حكمها حكم الجملة. وقد وافق المزني طوائفُ من الأصحاب. وإذا تصرف المزني على قياسِ مذهب الشافعي مخرِّجاً، كان تخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره. فاتسق إذاً قولان:
أحدهما: منصوص.
والثاني: مخرّج، ووجه المخرّج لائح، كما ذكره المزني.
قال ابن سُريج: إن قلنا: يستقر الضّمان ولا يرجع، فالوجه ما ذكره المزني. وإن قلنا: يرجع ولا يستقر الضمان، وهو ظاهر النص، فوجهه أن العاقد يدخل في العقد على أنه يضمن الجملة دون الأجزاء؛ يدل عليه أنَّ المبيع إذا عاب في يد البائع، فليس للمشتري أن يغرّمه أرشَ العيب، بل له الخيار بين الفسخ وبين الرضا بالعيب، من غير استرداد شيء.
وكذلك لو باع رجل عبداً بثوب وأقبض العبدَ، وقبض الثوب، ثم اطلع على عيبٍ قديم بالثوب، والعبد قد عاب في يد من قبضه، فليس لصاحبِ الثوب أن يرد الثوب بالعيب ويسترد العبد، ويطلب أرش العيب الحادث، بل له الخيار بين أن يفسخ العقد بالعيب ويرضى به معيباً. وبين أن يرد الثوب ويرجع بقيمة العبد- هكذا نقله من يوثق به عن القاضي.
وليس الأمر كذلك عندنا، بل الوجه أن يرد الثوب، ويستردَّ العبد مع أرش النقص؛ فإن العبد في هذا المقام ليس مضموناً بالثمن، إنما هو مضمون بالقيمة.
ومعنى هذا الكلام أن العبد لو كان تالفاً، فصاحبُ الثوب يرد قيمة العبد. وإذ كان يستردّ جملة العبد سليمةً، وقيمتَها تالفة، فيسترد العبدَ معيباً، مع أرش العيب. وليس كالمبيع في يد البائع؛ فإنه مضمون بالثمن. ولو تلف العبد، سقط الثمن بتلفه، ولا يقابل العيب منه بجزء من الثمن بسبب أن رده واسترداد جملة الثمن ممكن.
والذي قاله القاضي ليس بعيداً عن الصواب، أيضاً؛ فإن الرجل إذا أصدق امرأته عبداً، فعاب في يدها، ثم طلقها زوجهاً قبل المسيس، واقتضى الطلاق تنصيفَ العبد، ورجوعَ نصفه إلى المطلِّق، فالزوج بالخيار بين أن يرجع في نصف قيمة العبد سليماً، وبين أن يرضى بنصف العبد معيباً، ولا يكلّفُها ضمَّ أرش النقص إلى نصف العين، فيجوز أن يقال: من يرد الثوب يجري على هذا المنهاج، في استرداد المعيب. وبين المبيع المسترد وبين الصداق فرقٌ، سنذكره في كتاب الصداق، إن شاء الله تعالى.
فإذاً أفاد ابن سريج مذهباً في مسألة الثوب والعبد، وبنى عليه تعليلَ نص الشافعي في المشتري من الغاصب، فإذا صح ما ذكره ابن سريج في مسألة الثوب والعبد، ابتنى عليه ما أراده من توجيه النصين. ثم قال ابن سريج مدلاً بما أورده: إن هذا معنى يلطف مدركه.
4594- ومما يتم به تفريع القول في التراجع: أن كل ما لو غرِمه المشتري، لرجع به على الغاصب، فإذا غرمه الغاصب، استقر الضمان عليه، وكل ما لو غرمه المشتري لم يرجع به على الغاصب، فلو وجه المالك الغرم فيه على الغاصب، كان له ذلك.
ثم إنه يرجع به على المشتري؛ فإنه لا يتصور قرار الضمان على شخصين على البدل.
4595- وممّا يختلج في الصدر أن الغاصب إن طولب بقيمة ما باع أو منفعته، فقياسه بيّن. فأمّا مُطالبته بالمهر وليس منافع البضع مضمونةً بالغصب، وليس هو متلفاً لمنافع البضع، فإن الواطىء هو المشتري، فهل يطالَب الغاصب بالمهر؟ وكيف السبيل فيه؟ نقدّم عليه أن الجارية المغصوبة لو وطئها واطىء بالشبهة في يد الغاصب، ففي مطالبة الغاصب احتمالٌ، يجوز أن يقال: لا نطالبه لما نبهنا عليه. ويجوز أن يقال: إنه يطالَب، لأن الأمر أفضى إلى الغرم، فيبعد فرض غرم في مغصوب لا تتعلق المطالبة فيه بالغاصب.
4596- فإذا تبين هذا، عدنا إلى غرضنا.
فإن قلنا: المشتري لا يرجع بالمهر على الغاصبِ، فمطالبة الغاصب بالمهر محتمل، وظاهر القياس أنْ لا يُطالب. فإن قلنا: المشتري يرجع على الغاصب بالمهر، إذا غرِمه، فتظهر مطالبة الغاصب حينئذ؛ من جهة أن مقر الضّمان عليه، وليس يبعد أن يقال: لا يطالبه المغصوب منه؛ فإن حكم الغصب لا يقتضي المطالبة بالمهر.
وهذا التردد في المهر ذكره صاحب التقريب على وجهه. وإنما الرجوع بسبب الغرور، وعُلقة الغرور مختصة بالمغرور، فليطالب المشتري الواطىء أولاً، ثم إنه يرجع بسبب الغرور على من غره.
4597- ومن تمام القول في ذلك أنَّ الغاصب لو أكرى العبدَ المغصوب من إنسان، فاكتراه ذلك الإنسان على جهلٍ، فلو تلفت العينُ في يد المكتري، وغرَّمه المغصوب منه، رجع بالقيمة على الغاصب المكري، على طريقة المراوزة؛ من جهة أن العقد لم يتضمن ضماناً في العين المكراة؛ إذ معقود الإجارة و مقصودُها المقابلُ بالعوض المنافعُ. وسنذكر للعراقيين في مسألة الإجارة كلاماً بعد هذا، إن شاء الله.
وإذا غرِم أجر مثل المنفعة، لم يرجع بما غرمه على الغَاصِب، سواء استوفاها، أو تلفت تحت يده؛ لأنه دخل في العقد على التزام العوض في مقابلة المنفعة.
فإن زوج الغاصب الجارية المغصوبة، وسلمها إلى الزوج، فلو تلفت تحت يد الزوج، فالقول في قيمتها، كالقول في قيمة العين المكراة.
وإن غرم أجر مثل المنافع، نُظر: فإن لم يستوفها، رجع بما غرم في مقابلتها على الغاصب؛ فإن عقد النكاح لا يرد على منافع البدن، فليست مقابلةً بالعوض. وإن استوفاها، واستخدم الجارية، فما يغرمه في مقابلة ما استوفاه لا يرجع به على الغاصب قولاً واحداً. وليس كما لو اشترى الجارية المغصوبة، وانتفع بها؛ فإنَّ في الرجوع قولين مأخوذين من قاعدة الغرر. والفرق أن المشتري يتسلط على الانتفاع بالمبيع بتسليط البائع إياه؛ فإن عقد البائع إذا صح، اقتضى ذلك، وعقد النكاح إذا صح، لم يقتض تسليط الزوج على استخدام الزوجة.
وإذا غرِم المتزوجُ من الغاصب المهرَ، لم يرجع به على الغاصب؛ لأنه دخل في العقد، على أن يقابل الوطء بالعوض، والمغرور بحرية زوجته وهي رقيقة إذا غرِم المهرَ، ففي رجوعه على الغار في النكاح الصحيح قولان. والفرق أنه مَلَكَ منافعَ البُضع، وَبذَل المهرَ على أن يتأبد له البضع، فإذا بأن ما يوجب الفسخ، فلا يلزمه الرضا بالعيب، فمقتضى الفسخ استرجاع البدل، فثبت الرجوع على الغارّ على أحد القولين لذلك. والعقد في مسألة الغصب فاسد، لا يقتضي استحقاق البضع، حتى لو غرّ من لا يحل له نكاح الأمة بحرية زوجته، فوطئها، ثم بانت أمة، وبان فساد النكاح، فإنه يلتزم مهر المثل، ولا يرجع به المغرور على الغار لما ذكرناه.
وفي فساد النكاح في مسألة المغرور بحرية زوجته مزيد نظر، نذكره في كتاب النكاح إن شاء الله. وما ذكرناه في الغصب مستقيم لا مراء فيه.
وقد نجز تفصيل القول في الشراء من الغاصب.
فرع:
4598- قال العراقيون: إذا اشترى من الغاصب-على ظن أنه مالكٌ- جاريةً، وأولدها، وغرِم قيمة الولد للمغصوب منه، وغرم نقصَ الولادة؛ فإنه يرجع بقيمة الولد على الغاصب قولاً واحداً، ويرجع عليه أيضاً بنقص الولادة، وعللوا بأنّه مقتضى الولادةِ وأثرِها، فإذا رجع بقيمة الولد، رجع بأثر انفصاله.
وقطع المرَاوزة بخلاف هذا؛ فإن نقصان الولادة من نقصان العين، والعينُ مضمونة، فليلحق نقصان الولادة بكل نقص يقتضيه آفة سماوية.
وقد ذكرنا نص الشافعي في العيوب وتخريج المزني وكلام ابن سريج. والغرض من رسم هذا الفرع أن نبين أنه لا فرق بين نقصٍ اقتضته الولادة وبين غيره من النقائص.