فصل: كتاب الضحايا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: في الحيوانات البحرية:

11585- وحق هذا الفصل أن يذكر في الأطعمة عند تفصيل ما يحل وما يحرم، ولكن جرى رسم الأئمة بذكره هاهنا، فنتأسى بهم، ونقول: أما السمك فميتته حلال بكل حالٍ، سواء مات طافياً أو راسباً، أو مات بسبب أو غير سبب، فلا نشترط في إماتة السمكة تسبباً، ولا نشترط في موته سبباً ظاهراً، خلافاً لأبي حنيفة رضي الله عنه، والمعتمد عندنا ما روي عن النبي صلوات الله عليه أنه قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان السمك والجراد والدمان الطحال والكبد".
ولو اقتطع رجل فلذة من سمكةٍ حيةٍ، فلا شك أن ذلك غير سائغ؛ فإنه في معنى التعذيب، ثم لو جرى ذلك، فالمذهب تحليل تلك الفِلْذة؛ فإن الذي يُحرّم المقطوعَ من الحيوان أن ما أبين من الحي فهو ميتة، وميتة السمكة حلال.
ولو بلع سمكة حية، فالمذهب أنها حلال. ومن أصحابنا من حرم ذلك، وجعل الموت في السمكة بمثابة الذكاة في الذكية من الحيوانات البرية، وإذا بان أنا لا نحرمها وهي حية، فإن مست حاجة إلى بلعها، فلا حرج، وإن لم تكن حاجة فبلعها حية، فهو من تعذيب الحيوان، فالأصح منع ذلك، ومن أصحابنا من أحلّه، ولم يجعل لحياة السمك حكماً، وكأنها ميتة في نفسها.
واختلف أئمتنا في نجاسة خُرئها ودمها، وسبب الاختلاف تمييز السمكة عن الحيوانات لحل ميتتها.
هذا قولنا في السمك.
11586- فأما ما عدا السمك من حيوانات البحر، فللشافعي أولاً قول غريب: أن شيئاً منها لا يحل، إذا كان اسم السمك لا يتناولها، وهذا قول غريب ضعيف، في حكم المرجوع عنه، ولا نرجع إليه، والمذهب أنها تحلّ على تفصيلٍ نذكره في حيوانات البحر سوى السمك.
ثم الترتيب المرتضى فيه أنها منقسمة إلى ماله نظير في البر، وإلى ما لا نظير له: فإن لم يكن له نظير في البر لا مما يحل ولا مما يحرم، فهوحلال في نفسه، ويشهد له أن طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قفلوا من بعض الغزوات، فأصابهم المجاعة، واشتد بهم الأمر، وكانوا يأكلون الخَبَط، حتى تقرّحت أشداقهم، وكانوا على سِيف البحر، فلفظ البحر حيواناً عظيماً يُسمى العنبر، فأكلوا منه زمناً، وتَزَوَّدُوا منه، ثم قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروه، فلم يُنكر عليهم، وقال: "هلا حملتم لي منه " هذا في الحيوان الذي لا نظير له.
ثم إذا أحللناه، ففي اشتراط ذبحه قولان:
أحدهما: أنا نشترط ذبحه قياساً على سائر الحيوانات البرية، وحلُّ ميتة السمك مستثنى عن القياس بحكم الخبر، فلا مزيد عليه.
والقول الثاني- أنا لا نشترط الذبح اعتباراً بالسمك؛ فإنه يساوي السمك في القرب من حالة الذبح كما أُخرج من البحر، ولعل السبب المُحِل لميتة السمك أن الوصول إلى السمك وهو في الماء عسر، بخلاف الصُّيود البرية، فإذا هي اصطيدت وأخرجت من الماء، اضطربت اضطراب المذبوح، وهذا المعنى يتحقق فيما عدا السمك.
فأما الحيوانات التي لها نظير في البر، فهي منقسمة: فمنها ما نظيره حلال في البر، فهو حلال في البحر، والقولان جاريان في اشتراط ذبحه، وتحليل ميتته.
وإن كان نظيره في البر حراماً ككلب الماء، وخنزير الماء، ففي حل هذه الأجناس قولان:
أحدهما: أنها محرمة ككلب البر وخنزير البر؛ فإنّ أقصى ما يُتَعلَّق به الاشتباهُ في هذا المحل، ثم أقرب مسالك الاشتباه الخِلقة، فإذا شابه ما ذكرناه الكلبَ أو الخنزير، وجب القضاء بتحريمه. والقول الثاني- أنه يحلّ؛ فإنه ليس كلباً ولا خنزيراً.
ثم إن قلنا: إنه يحلّ، فهل نشترط الذبح؟ فعلى القولين المقدمين. قال الأئمة: القولان في اشتراط الذبح مبنيان على أن جميع حيوانات البحر هل تدخل تحت اسم السمك أم لا؟ فإن قلنا: إنها سمك، وإن اختلفت صورها، حلت، ولم يشترط ذبحها، وإن قلنا: لا تدخل تحت اسم السمك، ففي حلها التفصيل المقدم.
ثم هل يشترط الذبح فيما يحلّ أم يحل ميتتها من غير ذبح؟ فعلى ما قدمنا.
وكل ذلك في الحيوانات المائية، وهي التي لا عيش لها في البر.
11587- فأما ما يعيش في البر والبحر كالضفدع والسرطان، فالمذهب التحريم؛ قال الشافعي: هما من مستخبثات العرب. وقيل: حضر الشافعي مجلساً، فذكر بعض الحاضرين من مذهب ابن أبي ليلى أنه أباح الضفدع والسرطان، فأخذ الشافعي ينصر مذهبه، وذكر صاحب التقريب أن من أصحابنا من عَدَّ هذا قولاً للشافعي رضي الله عنه.

.كتاب الضحايا:

11588- الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36]، وقوله: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج: 32]، وقال صلى الله عليه وسلم: «عظموا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم». واتفق المسلمون على أن التضحية من الشعائر البيّنة، والقُربات الأكيدة، واختلف العلماء في وجوبها، فمذهبنا أنها سُنة مؤكدة، وليست واجبة إلاّ بنذر والتزام، على ما سيأتي تفصيل ذلك في أثناء الكتاب، إن شاء الله تعالى.
11589- ثم إن الشافعي صدر الكتاب بما يستحبُّه للعازم على التضحية، فقال: "ينبغي لمن يريد التضحية ألا يأخذ من شعره وظفره شيئاً في عشر ذي الحجة " واختلف الأصحاب في تعليل ذلك، فقال قائلون: سبب هذا التشبُّهُ بالمحرمين؛ فإنهم الأصلُ، وهم أصحاب الهدايا والقرابين.
وهذا غيرُ سديد؛ فإنا لا نأمر العازم أن يجتنب الطيب ولبس المخيط، فتبيّن فسادُ هذا الاعتبار، ومن أصحابنا من قال: سبب ذلك أن التضحية في مشهور الأخبار سببٌ في استجلاب الغفران والعتق من النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان يحرِّضه على التضحية: «أكبر ضحيتك، يعتق الله بكل جزء منها جزءاً منك من النار» وقد رُوي صريحاً أنَّ رسول الله صلى النه عليه وسلم قال: «إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يُضحِّي فلا يمسّ من شعره وبشرته شيئاً».
فصل:
قال: "ويجوز في الضحايا الجَذَع من الضأن والثنيّ من الأبل والبقر والمعز... إلى آخره".
11590- هذا الفصل يشتمل على ذكر الأجناس التي يتعلق التضحية بها، وعلى ذكر الأسنان المعتبرة في الضحايا، وعلى ذكر الصفات المرعيّة فيها: أما الأجناس، فلا تضحية إلاّ بالنَّعم، وهي الإبل، والبقر، والغنم.
وأما السّنّ المعتبرة، فالمجزىء من الضأن الجذع، وهو الذي استكمل السنة الأولى، وطعن في الثانية، والذكر والأنثى سواء في الإجزاء، إذا استجمعا الصفات المعتبرة، كما سنذكرها.
والمجزىء من المعز والبقر والإبل الثنيّ، والثنيّ من المعز والبقر ما استكمل سنتين، وطعن في الثالثة، ويُسمى ما كان على هذه السّنّ من البقر المُسن والمسنّة، والثنيّ من الإبل ما استكمل الخمس وطعن في السادسة، وقد ذكرنا أن الذكر والأنثى في الإجزاء سواء، وإنما اختلفت أسنان الثنايا لغرضٍ جامعٍ لجميعها، وهو التهيّؤ للحمل والطروق والنَّزَوان في الغالب، قيل: إنما يغلب هذا المعنى في الثَّنِيّ والثَّنِيَّة من الإبل، وهو غالب في الثني والثنية من المعز والبقر، والصفة التي ذكرناها من التهيؤ للحمل والنزوان تضاهي معنى البلوغ في الإنسان، ولا يحمل في الغالب إلا ثَنِيَّة من الإبل، وهي التي استكملت خَمْساً وطعنت في السادسة، وهذا المعنى بعينه يحصل على العموم والغلبة في الجَذَع والجَذَعَة من الضأن.
ثم كما أن ما دون البلوغ من الإنسان صغير، فما دون هذه الأسنان من النَّعم في حكم الصغر.
هذا بيان الأسنان وهي منصوص عليها في الأخبار.
11591- أما الكلام في الصفات، فقد قال الشافعي " ولا يُجزىء في الضحايا العوراء البيّن عورُها... إلى آخره " روى البراء بن عازب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أربع لا تجزىء في الضحايا: العوراء البيّن عورها، والعرجاء البيّن عرجها، والمريضة البيّن مرضها، والعجفاء الّتي لا تُنقي» وقد رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " أنه نهى عن الشَّرقاء، والخرقاء، والمقابَلة، والمدابَرة " وعنه رضي الله عنه أنه قال: "أمرنا أن نستشرف العين والأذن " أي نتأملها ونطّلع عليها؛ كيلا يكون بها نقص أو عيب. أما الشرقاء فهي المشقوقة الأذن، والخرقاء هي المخروقة الأذن، والمقابَلة هي التي قطعت فِلقة من أذنها، ولم تفصل، بل تركت متدلية من قُبالة الأذن، والمدابرَة هي التي تدلت فِلقة مقطوعة غير مفصولة من دبر الأذن. وفي بعض الألفاظ النهي عن التَّوْلاء، وهي المجنونة التي تستدير في المرعى، ولا ترعى رعياً به احتفال، والعجفاء الهزيلة، وقوله: "لا تُنقي " معناه لا نقيَ لها، والنِّقيُ المخُّ، وأما العرجاء، فمعناها بيّن، وذِكْرُ البيّن فيها، وفي العوراء يأتي مشروحاً في تفصيل المذهب، إن شاء الله.
11592- ثم ترتيب القول والضبط في الصفات أن نقول: هي منقسمة إلى ما يتعلق باعتبار اللحم، وإلى ما يتعلق بالاستحسان في الصورة والهيئة، فأما ما يتعلق باللحم، فينقسم: فمنه ما هو صريح في هذا المعنى، وهو المعنيُّ بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العجفاء، والعجفاءُ الهزيلة، ثم إن المصطفى صلى الله عليه وسلم تعرض للمبالغة في هذه الصفة؛ إذ قال: "العجفاء التي لا تُنْقي " أي لا تنيل ولا تعطي نِقياً، ويجوز أن يكون المعنى لا تنقي الأكل، أي لا تكسبه نِقْياً.
وتبيّن من مضمون الحديث أن السِّمن البالغ غيرُ معتبر في الإجزاء؛ فإن ابتداء الوصف بالعجف يناقض الوصف بالسِّمن، وابتداء العجف غيرُ مانع من الإجزاء حتى يبلغ مبلغاً ينافي الإنقاء، وهذا لا ضبط فيه؛ إذ لا يمكننا أن نقول: العجفاء التي لا تجزىء هي التي بلغت نهاية العجف، وغاية الهزال، ولعل أقرب معتبر في هذا أن تصير بحيث لا يرغب في تعاطيها والتناول منها طبقة غالبة من طلبة اللحوم في سني الرخاء. فهذا أقرب معتبر، والناس على اختلافٍ بيّن في طلب السمن، فمنهم من يبغيه ومنهم من يطلب لحماً ليس بالسمين، ولكنه رخْصٌ لطيف المطعم.
11593- فأما ما يتعلق بصفة اللحم على تقريب، فالمريضة والتَّوْلاء والجَرباء والعرجاء والعوراء، فأما المريضة، فقد ورد تقييد المرض فيها بالبيّن، وهذا يرجع إلى اللحم؛ فإن المرض إذا بان وظهر، ظهر بحسبه العَجَف والهزال، وهذا صريح في أن عدم المرض لا يؤثر، والجرباء وإن ورد ذكرها في الخبر في معنى المريضة.
ثم لو فرضَ فارضٌ مريضة مرضها بيّن، ولم تبلغ بعدُ في الهزال مبلغاً لا تُنقي البهيمة المتصفة به، فالوجه القطع بأنها لا تُجزىء، ولو كان المرض يعني العَجَفَ، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتصر على العجفاء من بين هذه الصفات، فإذا ذكر العجفاء وذكر المريضة، تضمن تعديدُ هذه الصفات أن كل صفة في نفسها معتبرة معنية في المنع عن الإجزاء، ويمكن أن يقال: إذا بان المرض، فسد اللحمُ، وصار مضراً، فلحم المريضة إذا بان مرضها، كلحم العجفاء التي لا تُنقي.
وأما الجرباء، فقد قال شيخي: أدنى الجرب يُفسد اللحم، فهو في معنى المرض البيّن، وهذا أراه متروكاً عليه؛ فإن أدنى الجرب لا يظهر أثره في اللحم ومهما بدا شيء منه في طرف من أطراف البهيمة، لم يظهر أثره في اللحم. نعم، إذا عم، أو ظهر ظهوراً فاحشاً، فهو يُهزل إهزال المرض، ولا يبعد أن يفسد اللحم، فلابد وأن يكون بيّناً، كما ذكرناه في المرض.
وأما التولاء، فإنها لا ترعى رعياً معتبراً، وإذا استحكم ذلك بها، بان هزالها على القرب.
وأمّا العرجاء، ففي الحديث التقييد بالعرج البيّن، وهذا دليل ظاهر على أن أدنى منازل العرج لا يمنع الإجزاء، كما ذكرناه في المرض. ثم قال العراقيون: العرجاء التي لا تُجزىء، هي التي لا تقدر على المشي، وهذا اللفظ فيه تجوُّز؛ فإنّ الّتي لا تقدر على المشي هي الزَّمِنة التي لا تعمل إحدى قوائمها، وإنما تزحف، ولا يشترط انتهاء العرج إلى هذا الحد، ولكن العرج البيِّن هو الّذي يؤثر أثراً بيّناً في المنع من التردد على المرعى، والنَّعم لا تأخذ حظوظها إلا بالتداور؛ فإن ما بالقرب منها ينفد على القُرب، وقد لا تصادف في كل وقت في مراعيها رياضاً أُنفاً، بل الغالب احتياجها إلى التردد، فإذا ظهر العجز عن التردد، ظهر بحسبه نقصان العَلف، وأفضى ذلك إلى الهزال، وليس ما ذكرناه مخالفاً لما ذكره العراقيون، بل لم نشك في أنهم أرادوا بالعجز عن المشي العجزَ عن المشي الذي يُراد لاستيفاء العلف.
وأما العوراء، فهي التي بفرد عين، وهذا يؤثر في تنقيص الرعي، فإنها لا ترعى من أحد الشقين، ولا ترعى إلاَّ من الشق الذي ترى فيه، فهذا يؤثر في اللحم، ولو كان على إحدى عينيها نكتة، وكانت ترى على حال، أجزأت، وإن كان البصر في تيك العين ضعيفاً، وتأكيد رسول الله صلى الله عليه وسلم العوراء بالعور البيّن نصٌّ في ذلك.
فهذا كلام على الجملة في تقدير رجوع هذه الصفات إلى اللحم.
15941- ثم العجفاء على البيان الذي قدمناه لا تجزىء، والمريضة إذا هجم عليها مرض بيّن، وهي كأسمن ما يكون أمثالها لو ابتدرت وضُحيت، فلا وجه للحكم بإجزائها وإن كانت سمينةً، وكذلك القول في الشاة السمينة التي انكسرت رِجلها، فابتدرت على وفورها وسمنها، فلا تُجزىء التضحية بها، وقد نص الأصحاب على ذلك، وردّدوا القول في أنها إذا أُضجعت على سلامتها، وشُدَّ منها اليدان والرجلان، فاضطربت وانكسرت تحت السكين قبل جريان الذبح، فقال بعضهم: لا أثر لهذا التكسير، وقال قائلون: يمتنع إجزاؤها، فوضح بهذا أنَّا لا نشترط في هذه الصفات أن تنتهي إلى العجف، وقد أوضحتُ أنا لو كُنا نشترط ذلك، لكان في ذكر العجفاء مَقْنع، فلا نستريب إذاً أن هذه الصفات لا يقتصر اعتبارها ومراعاتها على ظهور أثرها في اللحم، ولابد من اعتقاد التعبد فيها.
ولو قال قائل: إنما منعت هذه الصفات لإفسادها اللحم، لجرى هذا في المرض ولم يجرِ في العرج.
وقد نقل الأئمة عن أبي الطيب بن سلمة أنه قال: العوراء التي لا تُجزىء هي البخيقة التي فسدت حدقتها، والحدقة من الشاة مقصودة بالأكل، فأما إذا ذهب بصر إحدى العينين من غير اختلال في الجِرم، فلا امتناع من الإجزاء، وهذا لا يُلزمه أن يعتبر وقوع العجف بسبب المرض، أو حصول رداءة اللحم؛ فإنه اعتقد أن العور على طول الزمان لا يؤثر في العجف، بخلاف المرض والعرج؛ فإنهما يؤثران على امتداد الزمان، فلا يمتنع أن يكون النهي عنهما محمولاً على الجسم؛ فإن استبانة العجف قد يختص بها ذوو المعرفة. وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم العجف البيّن الظاهر لكل واحدٍ، والأسبابَ التي تؤدي إلى العجف، ولم يعتبر وقوع العجف بها، فلم ير أبو الطيب العور مما يؤدي إلى العجف، وإنما رآه مانعاً إذا فسد به جِرم العضو، وقد قال بعض الأئمة: امتناع إجزاء العجفاء يلتحق بالقسم الذي سنذكره من الاستحسان والاستشراف، كما قال علي رضي الله عنه: "أُمرنا بأن نستشرف العين والأذن".
والأنثى التي ولدت مرة أو مراراً قد يظهر فساد لحمها بالولادة، أو بتكررها، ولم يُلحِق أحد من الأصحاب التي تكرّر الولادة منها بالمريضة البيّن مرضها، واللحم قد يخبث من الفحل بكثرة النزَوان، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أن الفحل يمتنع إجزاؤه، وإذا تطرق التعبد إلى قاعدةٍ، لم تجر المعاني فيها على حسب المراد في الطرد والعكس، فالأنثى إذا انتهت إلى العَجَف لا تجزىء، يعني العجف البيّن، وكذلك الفحل، وإن حدث بهما مرض، وبان، ألحقناهما بالمريضة، ولا نعتبر سوى العجف البين والمرض البيّن أمراً، ولئن كان لحم الأنثى الولود مضرّاً، ففي الناس من يضرّهُ لحم البقر والإبل، وإن كان لا ينهري، ففي لحم البقر هذا المعنى، وليتنبه الناظر لما يجب الوقوف عنده حتى لا يقع في انتشار لا يعنيه.
هذا مجموع الكلام في قاعدة هذا القسم.
11595- وإذا تناثرت أسنان الشاة، فالذي ذهب إليه المحققون أن ذلك بعينه لا يمنع الإجزاء. نعم، إن كان هذا المرض بيّناً، فالمنع بسبب المرض، وإن أفضى إلى عجف بيّن، امتنع الإجزاء للعجف، ولفظ الأئمة المعتبرين أن الأصح أن سقوط الأسنان لا يمنع الإجزاء، وهذا تشبيب بذكر خلاف، وقطع بعض المصنفين بأن سقوط الأسنان لا يمنع الإجزاء، فأما إذا سقط سن أو سنّان لا يمتنع الإجزاء، ولو كان ما ذكره هذا الرجل مذهباً معتبراً، لقلنا في ضبطه: ما يؤثر في تعذر الرعي والاعتلاف، فهو المؤثر.
ولكن في ذلك سرٌّ يجب التنبُّه له وبه يتهذّب الفصل، فالأمر البيّن المعنوي العجفُ البيّن؛ فإن اللحوم مقصودة من الضحايا، والغالب على الأوصاف الأُخر-وإن ضممناها إلى العجف- التَّعبّدُ، ويشهد لهذا ما ذكرناه من هواجم الأمراض والتكسر مع تصوير تعجيل الضحية، وليس لساقطة الأسنان ذكر، حتى نتبع الشارعَ فيه تعبداً، فليس إلا رَدُّ الأمر إلى العجف، ولم يتصل ما نحن فيه بالقسم الثاني، وهو الاستحسان والاستشراف، فكان الأصح إخراج سقوط الأسنان عما يؤثر في الإجزاء، ومن شبب بخلاف فيه من غير اشتراط إفضائه إلى العجف، فهو ذهول منه عن مأخذ الكلام؛ إذ متعلق هذا القائل التشبيه بالعرج وما في معناه، وليس هذا من مواقع القياس؛ فإن اعتبار المعنى متقاعد، والغالب إذا تقاعد المعنى اعتبار الأشباه الخلقية.
فهذا منتهى الكلام فيما أردناه، وإذا مهدنا مضمون القسمين، ألحقنا بكل قسم مسائل تليق به، إن شاء الله.
11596- وقد حان أن نتكلم فيما نراه في قسم الاستشراف، فلتقع البداية بالشَّرقاء والخَرْقاء، وما في معناهما، فنقول: أولاً المصطلمة الأذن لا تُجزىء وكذلك إذا أبين من الأذن فِلقة ظاهرة، بحيث تبدو للناظر من غير تأمل، والذي تحصّل لنا في ترتيب المذهب طرقٌ: أصحها وأحسنها ترتيباً أن نقول: إذا أبين جزء من الأذن امتنع الإجزاء، وإذا شَرَقَ وخَرَق، ففي امتناع الإجزاء وجهان: ما ذهب إليه الأكثرون أنه لا يمتنع، إشارةً إلى أن الأذن مأكولة على الرؤوس، فإذا لم يُبَن منها شيءٌ، فالعضو باقية مهيأة للأكل، وإذا أبين منها شيء، فقد نقص ما يؤكل من العضو، وذهب القفال إلى منع الإجزاء واعتل فيما نقله الصيدلاني وغيره بأن قال: الأذن إذا شَرَقَت، فما يبرز بالخَرَق والشَّرَق ثم يلتئم، يصير موضع الالتئام جلداً، وكان في التواصل الخلقي في معنى اللحم، فكان ذلك مؤثراً.
هذا ما نقله أصحاب القفال عنه، وللبحث انعطاف عليه، كما سنصفه، إن شاء الله تعالى.
وقال قائلون من الأصحاب: الشَّرقاء والخرقاء، والمقابَلة والمدابَرة، إذا لم يُبن شيء من آذانها لا يمتنع إجزاؤها، ولكنا نؤثر ألا يكون كذلك، فأما إذا أُبين من الأذن جزء كبير بالإضافة إلى الأذن، فلا إجزاء، وإن قلَّ، فوجهان، وهؤلاء يعتبرون اللحم، ويقولون: الفلقة الصغيرة تحذف من الرؤوس المشويّة وترد الآذان إلى ما يُعتاد ويستطاب أكله، والأطراف تصير كالمستحشفة الجاسية، ومضمون هذا يقتضي ألا يؤثر في الإجزاء إلا القطعة الكبيرة.
ولا يتصور ضبط القول فيه إلا بالتنبه لأصل عظيم، وهو أن النهي عن العجفاء والمذكورة معها في القسم الأول منقول عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلزم اتباع ما صح النقل فيه، والنهي عن الشرقاء والخرقاء موقوف على عليٍّ رضي الله عنه، وقوله: "أمرنا باستشراف العين والأذن " كلامٌ مبهم لا يمكن أن يَستدَّ على تحقيق وقد ورد في الحديث النهي عن المصلومة، والمستأصلة، وهذا يشعر إشعاراً بيّناً بالإجزاء مع قطع البعض.
وقد نحوَجُ في المضايق إلى نقل مذاهب العلماء. قال أبو حنيفة رضوان الله عليه: المانع من الإجزاء قطع الثلث، واعتبر أبو يوسف رحمة الله عليه النصفَ، ويترتب مما نبهنا عليه أن النظر إلى الأذن لا يجري مجرى النظر إلى العجفاء، والعرجاء، والعوراء، لما أشرنا إليه من وقوف النهي عن علي رضي الله عنه وأرضاه، ثم تحصّل من مذهبنا أن المقدار الكبير بالإضافة إلى الأذن إذا أبين، مَنَعَ الإجزاء، وهذا ينقدح فيه مسلكان صرح بهما الأئمة:
أحدهما: النظر إلى اللحم، وفي هذا سرٌّ، وإن كنا لا نرتضي هذه الطريقة، فإن قائلاً لو قال: لو قطعت فِلقة على حجم الأذن من عضو كبير، فقد لا يؤثر ذلك في المنع من الإجزاء على ما سنصفه-إن شاء الله تعالى- فما الوجه في ضبط هذا؟ قلنا: كأن كل عضو مقصودٌ في نفسه، والأعضاء متفاوتة في الصغر والكبر، فهذا هو المعتبر، وإلى قريب منه أشار أبو الطيب بن سلمة.
ومن أصحابنا من راعى التحسين في الأذن؛ فإن العين تبتدر إلى الأذن من النَّعم ابتداراً ظاهراً، ولكن إذا حمل هذا على هذا المحمل، فاشتراط الحسن في الإجزاء بعيد، وإنما يليق بالاستحسان الاستحبابُ.
فإن قيل: من فصل بين القطعة الكبيرة والفلقة الصغيرة، فإلى ماذا يرجع؟ قلنا: لسنا نرى التحكم بمقدارٍ كما يعتاده أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم، ولكن مسلك الكلام في هذا عند القائل كمسلك الكلام في الفرق بين اليسير والكثير في دم البراغيث، وما يتطرق العفو إلى اليسير منه، وأقرب العبارات أن نقول: كل نقصان يلوح على البعد، فهو مانع، وكل نقصان لا يلوح على البعد، فليس مانعاً.
ونقل الأئمة اختلاف نصٍّ في التي لا أذن لها، وهذا عند ذوي التحصيل ليس تردُّدَ قول وتمثيلَ مذهب، ولكن إن كانت البهيمة صغيرة الأذن، وكانت أذنها لا تعدِم شكل الأذن في الجنس، فلا تعويل على الصّغر والكبر، وإن كانت سكّاء، لا أُذن لها، أو كان على موضع الصّماخ فلقة نابتة ليست على هيئة الأذن، فهي غير مجزئة.
هذا تمام القول في الأذن. وسبب التردّد فيها ما ذكرنا من جريانها في الأثر دون الخبر، وانضمّ إليه أنها عضو بادٍ وإن كانت صغيرة، ثم تردد الرأي في الاستحسان وطلب الأكل، فانتظم من مجموع ذلك اختلاف الطرق، وإذا نحن رددنا القطع من الأذن إلى اعتبار الأكل، فيلتحق هذا القسم بالقسم الأول أيضاً، وما قدمناه من رسم التقسيم يرجع إلى إرادة التفصيل والتقريب من الأفهام.
11597- ولم يبق من مضمون القسمين إلا مسائل نُرسلها ونلحقها بالأصول التي مهدناها، فمما نذكره إجزاء الخَصِيّ، فإن أبينت الخُصية منه، فإن الخُصية ليست معنيةً الأكل، ولا يتعلق بها خيالُ الاستحسان، وفقدُها يكسب اللحم من الوفور والمزيد ما لا يناسب الخصية فأجزأ الخَصِي لذلك وفاقاً.
فأما عدم الأَلية فنقول: قد تكون الشاة في جنسها عديمة الألية، وقد تكون ذات ألية في جنسها، فيتفق اقتطاع الذئب الأليةَ منها، وفي الصورتين تردد الأصحاب، منهم من قال: التي لا ألية لها في جنسها مجزئة، والتي سقطت أليتها على وجهين:
أحدهما: المنع؛ للنقصان البيّن في اللحم المقصود، والثاني: الإجزاء قياساً على ما إذا كانت عديمة الألية في الجنس.
ومن الأصول المعتبرة أن سقوط الشيء قد لا يؤثر إذا كان عدمه في الخلقة لا يؤثر، وعلى هذا قال الأصحاب: الخَصِيّ مجزىء؛ فإنّ الأنثى مجزئة ولا خُصية لها خلقةً، وقال قائلون من أصحابنا: سقوط الألية بحالة أوآفة يمنع الإجزاء وجهاً واحداً، وهل تجزىء التي تكون عديمة الألية؟ فعلى وجهين، وينتظم في التي لا ألية لها بسبب السقوط أو كانت كذلك خلقةً في جنسها ثلاتة أوجه: أحدها: المنع فيهما.
والثاني: الإجزاء فيهما. والثالث: الفرق بين ما يرجع إلى الجنس وبين ما يسقط للآفة.
ولم يختلف الأصحاب في إجزاء الثنيّة من المعز وإن كانت عديمة الإلية في جنسها وهذا يكاد يقطع عذر من يمنع الإجزاء في الشاة العديمة الإلية في جنسها، ولكن الخلاف مذكور فيها، وكان شيخنا أبو محمد إذا روجع في الفرق بين الشاة العديمة الألية وبين الثنية من المعز يقول: صح عندنا أن شحم المعز يخلف ألية الضان، وبين الجنسين تفاوت بيّن لا ينكر في هذا المعنى، وإذا كانت الضانية عديمة الألية، فالشحم منها كالشحم من صاحبة الألية وهي فقيدة الألية.
وعندي أن الفقيه لا يلتفت إلى أمثال هذا، فالوجه القطع بإجزاء الفقيدة الألية في جنسها، والعلم عند الله تعالى.
وأما ما يتعلق بالقرن، فلا أثر له في المنع من الإجزاء: فالجمَّاء خلقةً مجزيةٌ، وكذلك الجلحاء والعقصاء وهي المكسورة القرن، فلا يتعلق بالقرن غرض معتبر، فإن القرن لا يعنى للأكل، ولا تعويل عليه في الاستشراف، وقد بان أن الغرض الأظهر من الأذن يؤول إلى اللحم.
والصغيرة الضرع مجزية، وكذلك الصغيرة الألية، وإذا قطع ضرع الشاة، فللأئمة تردد: منهم من ألحقه بقطع الألية، وفيه التفصيل المقدم، ومنهم من قطع بالإجزاء، فإن لحمة الضرع قريبة الشبه من الخُصية في معنى أنها لا تعنى بخلاف الألية، وإنما مثار الخلاف في الضرع مع حصول الوفاق في الخُصية من قِبل أن سلّ الخُصية مقصود لتوفير اللحم وتطييبه، وهذا لا يتحقق في الضرع، والأذن يؤثر قطعها بلا خلاف، وإن كان غضروفاً غير معدود من أطايب اللحوم، ولكن لا يلفى فقيده في الجنس الغالب والضرع يلفى فقيداً في غير الأنثى.
ونذكر وراء هذا مسألة ثم ننظم بعد ذكرها مراتبَ، فإذا اقتلع الذئب قطعةً صالحةً من فخذ الشاة، وظهر النقصان البيّن، فهذا مانع من الإجزاء وكذلك الأعضاء التي لا تخلو البهيمة عنها.
11598- ومن أحاط بهذه المسائل نظمناها له في مراتب: إحداها- نقصانٌ بيّن في لحم مقصود لا يخلو عنه جنس، فما كان كذلك أثَّر في المنع. والمرتبة الثانية- نقصان في عضو مقصود معدود من الأطايب قد يخلو عن ذلك العضو جنس، وهذا كقطع الألية. والثالثة- نقصان في عضو غير معدود من الأطايب لا يخلو عنه الجنس الغالب، وهو الأذن. والرابعة- نقصان في عضو ليس من الأطايب وقد يخلو عنه جنس ولا يقطع لتطييب اللحم، وهو كقطع الضرع. والمرتبة الخامسة- في نقصان يخلو عنه الجنس، وهو يقصد لتطييب اللحم، كنقصان الخُصية.
هذا بيان المراتب، ويعترض في أثناء الكلام خيالُ الاستحسان في الأذن، وخبطٌ للأصحاب في الشاة العديمة الألية في جنسها.
وهذا منتهى البيان في تأصيل الصفات وتفصيلها، وبيان محل التعبد والمَعْنَى منها، وفي بعض التعاليق عن الإمام أن المرض الهاجم إذا لم ينته إلى الهزال، وفُرض ابتدار التضحية مانعٌ من الإجزاء على الأصح، ومن أصحابنا من قال: لا يمتنع إذا لم يظهر أثره في اللحم، وهذا غلط غير معدود من المذهب، ولذلك أخرته؛ فإن التعبد غالب في هذه الصفات، ولذلك قطع الأصحاب بأن رِجل الشاة إذا انكسرت قبل البطح للذكاة، لم تجزىء والله المستعان.
فصل:
11599- تعرض الشافعي رضي الله عنه لما هو الأولى من الضحايا فقال: "الضأن أحب إلي من المعز؛ لأن لحمها أطيب " وقال قائلون: سبع من الغنم أحب إلينا من بقرة أو بدنة؛ لأن جنسها أطيب، والبدنة مقامة مقام سبع من الغنم، وكذلك البقرة، وقد تحقّق أن السبع في محل البدنة، وهي مختصة بطيب اللحم، ولم أر هذا مجمعاً عليه بين الأصحاب، ولست أرى القطع بهذا، وكيف أقطع به والبدنة مخصوصة بالذكر في كتاب الله، معدودة من الشعائر، وإذا ذكرنا البدنة في بعض الكفارات في المناسك صادفنا ذكرها مُصدَّراً، والبقرة بعدها، والسبع من الغنم بعد البقرة، وإن كنا قد نحمل هذا على التخيير.
11600- قال الشافعي في كتاب الحج " الأنثى أحب إلي من الذكر " وإنما قال هذا في القرابين والهدايا، وقد تردد أصحابنا في هذا النص، فقال قائلون: إنما ذكر هذا في إجزاء الصيد عند تقويمنا الحيوان للرجوع إلى مقدار قيمتها من الطعام، والأنثى أكثر قيمة، وقال قائلون: أراد الأنثى التي لم تلد، فهي أولى من الذكر؛ لأن لحمها أرطب، وإنما يذهب الطيب من الأنثى إذا ولدت، وكذا من الذكر إذا أكثر النزوان، وإنما عمّ في الناس تفضيل الذكر على الأنثى في الطيب، لأنهم يعتادون أكل لحوم الخِصيان، ولحومها أطيب.
والوجه عندنا تقديم الذكر على الأنثى من طريق الأولى، وحمل نص الشافعي على التقويم، كما قدمناه، ثم لا ينبغي أن يُعدّل الشيء إلا بما يساويه، فالفحل الذي أكثر النزوان لا يقاس بالأنثى الرخْصة الرطبة التي لم تلد، ولكن يعتبر بالتي ولدت؛ فإن النزوان في الذكور كالولادة في الإناث، وإذا فرضنا ذكراً لم ينزُ وأنثى لم تلد، فالذكر أولى، وهذا مستبين في العرف، وما يشار إليه من رطوبة الأنثى ليس أمراً يحس ويُبالَى به، وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين أملحين» والأملح الأبيض، وفي بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لَدَم عفراءَ أفضل عند الله تعالى من دم سوداوين» والرجوع في هذا إلى التعبد المحض.
وروي: أنه صلى الله عليه وسلم ضحّى بكبشين يمشيان في سواد، ويأكلان في سواد، وينظران في سواد: معناه: أن قوائمهما، ومشافرها، ومحاجرها كانت سُوداً، وهذا محمول على الوفاق، لا يتعلق به استحسان. وفي الجملة استحسان الضحية واستسمانها مستحب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عظموا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم» قيل: تُهيأ مراكب للمضحّين يوم القيامة، وقيل: المراد إن التضحية بها تسهل الجواز على الصراط، وقيل في قوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج: 32]، المراد به استحسان البُدْنِ، واستسمانها، وفي قوله تعالى:{فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، معنىً لطيف، وهو أن إقامة مراسم الشريعة قد يَستحِتُّ عليه المرونُ والاعتياد والنشوء، واعتماد التعظيم والاستحسان لا ينشأ إلا من تقوى القلوب.
فصل:
قال: "ولا وقت للذبح يوم الأضحى إلا في قدر صلاة النبي عليه السلام... إلى آخره".
11601- الضحايا والهدايا مؤقتة، ودماء الحيوانات في المناسك لا وقت لها، فمهما وجبت، ساغ إراقتها، ولا اختصاص لها بزمانٍ، والضحايا المنذورة سنصف القول فيها في أثناء الكتاب، وإنما غرض هذا تفصيل الكلام في وقت الضحية المقطوع بها، وجواب الأئمة متردد في أول وقت التضحية، وقد ذكر العراقيون فيه وجهين جامعين لما فرقه الأئمة:
أحدهما: أن أول وقت التضحية يدخل بأن تطلع الشمس، ويزول وقت الكراهية، وقد وصفنا ذلك في كتاب الصّلاة، فإذا زال وقت الكراهية، ومضى بعده ما يسع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبته، فقد دخل أول وقت التضحية، و" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة: ق، وفي الثانية بالفاتحة وسورة الساعة " فنعتبر ركعتين على هذا الحد، وكان يخطب خطبتين طويلتين. هذا أحد الوجهين.
فإذا انقضى بعد زوال الكراهية ما يسع ما وصفناه، دخل أول الوقت.
قالوا: والوجه الثاني- أنا نعتبر ركعتين خفيفتين، واعتل هؤلاء بأنا نعلم، أو نظن ظناً غالباً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو خفف الصلاة والخطبة، لكان يضحي بعد ذلك، أو كان يأذن في التضحية، ثم إن اعتبرنا ركعتين، كما نقلنا عن رسول الله عليه السلام، فلا يخفى تقريب القول فيهما، وما ذكروا من اعتبار الخطبتين الطويلتين، فهو مما اختص به العراقيون، وقطع المراوزة باعتبار خطبتين خفيفتين، وردّوا الخلاف إلى اعتبار ركعتين طويلتين أو الاكتفاء بركعتين خفيفتين؛ فإنه لم يصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يطوّل الخطبة، وقد ندب صلى الله عليه وسلم إلى تخفيف الخطبتين في الجمعة، وهما ركنان، فقال: "قِصرُ الخطبة، وطول الصلاة مَئِنةٌ من فقه الرجل " فكيف يصح منه تطويل الخطبة يوم العيد والناس على وِفاز وشتات من الرأي في إقامة الضحايا.
ومما نذكره في التفريع على اعتبار الركعتين الخفيفتين والاكتفاء بهما أن نقول: من صار إلى ذلك فما أراه يكتفي بركعتين مشتملتين على أقل ما يجزىء في الصلاة، وكذلك ما أراه يعتبر ركعتين مع إسقاط شعار صلاة العيد، والعلم عند الله. وفي بعض التصانيف أنه إذا زال وقت الكراهية، ومضى بعده من الزمان ما يسع ركعتين، كفى ذلك، ولا نعتبر الخطبتين؛ فإن الشعار هو الصلاة، والخطبتان بعد الصلاة واقعتان بعد الفراغ عن شعار اليوم، ولهذا لم تكونا ركناً في صلاة العيد. وهذا ضعيف لا أصل له، وهو مخالف للنص.
فخرج من مجموع ما ذكرنا أن الأئمة اتفقوا على اعتبار خروج وقت الكراهية، ثم اعتبر بعضهم ركعتين طويلتين، واعتبر بعضهم ركعتين خفيفتين، واتفق المعتبرون، الذين على نقلهم تعويل، على اعتبار الخطبتين، وقطع المراوزة بوصف الخطبتين بالخفة، وذكر العراقيون وجهاً في اعتبار خطبتين طويلتين، وهذا وجه ضعيف.
ولا اعتداد بما نقلناه عن بعض التصانيف من إسقاط اعتبار الخطبتين.
11602- فإذا بان أول وقت التضحية؛ فإن زمانها يمتد إلى انقضاء أيام التشريق، فإذا غابت الشمس في اليوم الثالث وهو المسمَّى النفر الثاني، فقد فات وقت التضحية.
ويجوز التضحية في ليالي هذه الأيام، والأحسن الاتباع، وإيقاع التضحية نهاراً.
فإن قيل: التضحية عندكم سنة مؤقتة والسنن المؤقتة إذا انقضت أوقاتها، فلكم في قضائها قولان، فهلا أخرجتم قضاء التضحية على هذا الخلاف؟ قلنا: إن أراد تدارك التضحية، فلينتظر وقتها في قابل، والسنن التي تفوت مواقيتها لو لم يجر القضاء فيها، لتحقق الفوات فيها وانقطع المستدرك.
وكل ما نذكره في التضحية المسنونة التي لم يتعلق بها التزام النذر، ثم إذا فاتت التضحية وفُرض قصد التدارك عند دخول وقت التضحية في السَّنة القابلة، فهذا القصد عندي لا معنى له؛ فإن ما يُوقعه من التضحية يكون أداءً، ويتصوّر من الرجل أن يتقرّب بأضاحيَّ في نوبة واحدة، فلا يكاد ينقدح معنى القضاء فيما هذا سبيله، وإذا كان الرجل يعتاد صوم أيام تطوعاً، فترك الصومَ، فليس يتحقّق عندي قضاؤه، وكذلك لو أفسدهُ بعد التحرم به؛ فإنَ الّذي يأتي به يكون ابتداء تطوع، والأيامُ الّتي رغَّب الشارع في التطوع بصيامها إذا لم يصمها المرء، فلا معنى بتقدير القضاء فيها، ولو تحرّم بالضوم، ثم أفسده، فقد يتخيّل المرء إمكان القضاء، ولست أراه أيضاً، والعلم عند الله.
والذي بقي من الفصل الكلام في الأضحية المنذورة وأنها هل تتأقت؟ وسنذكر هذا في فصلٍ جامع هو غمرة الكتاب، إن شاء الله تعالى.
فصل:
قال: "وأحب ألا يذبح المناسك إلا مسلم... إلى آخره".
11603- ذكرنا من هو من أهل الذكاة ومن ليس من أهلها، وأوضحنا أن من يحل مناكحته تحل ذبيحته، وأخرجنا من حكم التجاري الأمة الكتابية، ثم مقصود هذا الفصل أن المستحب أن يتولى الرجل التضحية بنفسه إن استمكن منها، ولم يستشعر ضعفاً وانخناساً في المُنّة، وإن عجز، فالأولى أن يشهد ضحيته وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابنته: "يا فاطمة اشهدي ضحيتك؛ فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها".
فإن استناب مسلم كتابياً، لم يمتنع ذلك إذا لم يفوض النية إليه، بل تولى النية بنفسه. ولو وكل الكافرَ بالنية، لم يصح؛ فإن النية لا تصح منه، وكذلك لو وكل كتابياً بتأدية الزكاة، وفوض إليه النية، فتفويض النية باطل، ولو تولى النية بنفسه، وفوض إليه التفرقة، جاز.
وبالجملة كل من تصحّ ذبيحته وتحل، يجوز أن يكون وكيلاً في التضحية، والذبيحة إنما تحل من مسلم قاصد، أو من كتابي قاصد، وقد ذكرنا القصد وتفصيله، وحكينا خلافاً في المجنون، وكنا على تلوّمٍ وتردد فيه حتى رأينا قولين حكاهما الصيدلاني وغيره في أن المجنون الذي يتصوّر منه نظمُ الفعل، إذا نظم الذبحَ وأقامه على حد الشرع، فهل تحلّ الذبيحة؟ أحد القولين- أنها لا تحل، ولعله الأصح، فإن قصد المجنون ساقط الأثر. والقول الثاني- أن ذبيحته تحلُّ لوجود حقيقة القصد منه، وذكرنا التفصيل في الصبي، والأصح فيه إذا انتظم تمييزه أنه من أهل الذكاة، فإن جمعنا المجنون والصبي المميز، طردنا فيهما ثلاثة أقوال: أحدها: الفصل بين الصبي والمجنون.
والسكرانُ إن جعلناه كالصاحي، فلا كلام، وهو من أهل الذكاة، وإن جعلناه كالمجنون، فقد مضى تفصيل القول في المجنون.
وفي بعض التصانيف ذكر خلاف في أن الأعمى لو أرسل كلباً أو سهماً، فاتفقت إصابة صيد، فهل يحل؟ وهذا في الصّيد، وهو عندنا مفروض فيه إذا استشعر رِكْزاً من الصّيد وأدركه بحسّ نفسه، وبنى الإرسال عليه، ولا خلاف في أنه من أهل الذبح في الحيوان المقدور عليه.
فصل:
قال: "وأحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة... إلى آخره".
11604- مضمون الفصل في كيفية الذبح في الحيوان المقدور عليه، والغرض يتعلق بما يجب مراعاته، وبما يستحب: فأمّا ما يجب مراعاته، فقَطْعُ الحلقوم والمريء، ثم الأوداج المطبقة بهما، ولابد من انقطاعهما إذا حصل قطع الحلقوم والمريء بإمرار المُدية على الاعتياد في إمرارها، فإن تكلّف متكلف آلة تهيأ بها قطع الحلقوم والمريء مع ترك الأوداج، فالذبح يكمل عندنا بقطع الحلقوم والمريء.
واعتبر مالكٌ قطع الأوداج مع قطع الحلقوم والمريء.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: الأوداج والحلقوم والمريء محل الذبح، فينبغي أن يحصل قطع معظم هذه الأشياء، ولا يشترط أن يقطع الذابح من كل شيء معظمه، ولكنه يعتبر معظم هذه الأعداد فقطْعُ الحلقوم والودجين كافٍ، وقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين كافٍ. هذا أصله.
والاعتبار عندنا بالحلقوم والمري، ولو أبقى الذابح من الحيوان المقدور عليه جزءاً من الحلقوم أو من المريء، فهو ميتة، ولو لم يَبْقَ من المريء إلا مقدارٌ نزرٌ، والحيوان-على القطع- إذا قطع منه الحلقوم والمريء إلا هذا المقدار، فينتهي إلى حركة المذبوح، فالحِلّ لا يحصل إلاَّ بقطع الجميع؛ فإن التعبُّد غالب في الباب، فلزم الاتباع.
ولو أمرّ السكين فويق الحلقوم والمريء ملتصقاً باللّحيين، وأبان الرأس، ولم يقطع الحلقوم والمريء، فهذا ليس بذبح يُحلُّ؛ لعُروِّه عن قطع الحلقوم والمريء، فالذي جاء به قطع الرأس، وهو متعبّد بقطع الحلقوم والمريء.
ومن الأركان المرعية في الذبح أن يحصل فري الحلقوم والمريء، بطريق القطع، حتى لو رمى بندقة إلى عصفورة، فاختطف رأسها، فهي ميتة؛ فإن قيل: قد حصل القطع، فهلا أحللتم؟ قلنا: هذا ليس بقطع، وهو بمثابة ما لو اعتمد رأس عصفورة واقتلعها، والتعبد بالقطع لا بالقلع.
ومن المعاني الكليّة التي فهمها العلماء إراحة الذكيّة، ولا يخفى أن خطف الرأس وقلعها في معنى الخنق، لا في معنى القطع.
ثم كل آلة حادة تفري، فهي صالحة للذكاة إلا السن والظفر؛ فإن الذبح إذا وقع بواحد منهما-وإن كان حادّاً فارياً- فالمذبوح حرام، ولا اختصاص بالسنّ والظفر، بل ما ذكرناه في كل عظم، حتى لو كان نصل النشابة من عظم، فأصابت صيداً، ومرقت فيه، وقتلت الصيد، فهو حرام، وإن كان غير مقدور عليه، والتعويل في هذا على نهي النبي عليه السلام عن الذبح بالعظم، فروي هذا مطلقاً، وروي أنه نهى عن الذبح بالسن والظفر، وقال: "إنهما من مدى الحبشة".
11605- وأهمّ ما يجب الاعتناء به في هذا الفصل ذبح البهيمة التي أصابته نكبة من افتراس أو تردٍّ من موضعٍ عالٍ، أو وقوع شيء على الحيوان يقرّبه من حركة المذبوح، أو يُبقي فيه حياة مستقرة، فالتعرض لهذه الفصول حتى ينتظم ويتضامّ ما فيه من نشرٍ لابد منه، والوجه أن نذكر صوراً أرسالاً، ونوضح في كل صورة ما يليق بها، ثم نعقّبها بما هو الضابط:
فمن الصور أن يقطع رأس شاة من قفاها، فأَمَرّ الآلة الجارحة من جهة القفا، وانتهى إلى المريء، فقطعه، وقطع الحلقوم، فكيف الوجه؟ قال الأصحاب: إن انتهت الشاة إلى حركة المذبوح، فانتهى إلى المريء، فهي ميتة، وقطْعُ الحلقوم والمريء بعد هذا لا ينفع، ولا يُحِلّ؛ فإنه ذبحٌ في ميتة.
ولو لم تنته إلى حركة المذبوح، وكانت فيه حياة مستقرة، فأمرّ السكين من الجهة التي انتهى إليها، فكيف السّبيل؟ قال الأصحاب: تحلّ الشاة؛ فإنه أخذ في قطع الحلقوم، وفي الحيوان حياة مستقرة، فجرى الذبح مُحلاً، وطردوا هذا المسلك في جملة الأسباب التي تتقدّم على ابتداء القطع في المذبح الذي ورد التعبد به.
والذي يختلج في النفس في هذا المقام أن قائلاً لو قال: السكين الذي يفري من جهة القفا لو انتهى إلى المريء لا تصير الشاة بها في حد المذبوح، ولكن لو فرض- وحالتها هذه- قطْعُ المريء وبعض من الحلقوم، لصارت إلى حركة المذبوح قبل استتمام إبانة الحلقوم، وهذا لما نالها بسبب قطع القفا من قبل، فماذا ترون في ذلك؟ قلنا: إذا تحقق عندنا أنها لم تصر إلى حركة المذبوح عند ابتداء قطع المريء، فلا ننظر إلى التفاصيل التي وقع السؤال عنها، بل نفري المريء والحلقوم ونستحلّ، وأقصى ما تُعبّدنا به في الباب أن نبتدىء القطع في المحل المعين، وفي الحيوان حياة مستقرة، ولو فتحنا هذا الباب، لم نأمن أن يتوجه مثلُ هذا التقدير من غير قطع يتقدم على الأخذ في فري المذبح، ولكن لا مبالاة بهذا.
ومما يوضح الغرض في ذلك أن الذي يذبح الشاة لو قطع الحلقوم وبعض المريء على أناةٍ مجاوِزةٍ للعادة، حتى نتبين مصيرَ الشاة إلى حركة المذبوح قبل استكمال القطع فيما يجب قطعه، ثم فرى البقية، فالشاة تحرم.
ويخرج مما ذكرناه وجوب الإسراع في الفري على حدٍّ لا يُحَسُّ فيه ما ذكرناه من تفصيل الأمر وانتهاء الذكية إلى حركة المذبوح. وهذا واضح لمن صرف الدَّرَك إليه.
11606- ومما نلحقه بما ذكرناه أن الذابح لو أخذ في قطع الحلقوم والمريء، وأخذ آخرُ معه في إخراج الحُِشْوة والنخس في الخاصرة، بحيث يخرج قطعُ الحلقوم والمريء عن أن يكون هو المذفِّف، فلا شك في التحريم، ولا فرق بين أن يكون ما يجري مع قطع الحلقوم مما يذفف لو انفرد، أوكان يُعين على التذفيف.
وقطع رقبة الشاة من قفاها إلى المريء لو اقترن بقطع الحلقوم، بأن كانت آلة تجري من جانب القفا، وأخرى تجرى من جانب الحلقوم، حتى التقت المديتان، فالوجه التحريم في هذه الصورة.
ولو تقدم قطع القفا والحياة مستقرة عند انتهاء المدية إلى المذبح، ثم أسرع الذابح في القطع، فالذكية مستحلّة، وهذا الذي نذكره على شريطةٍ، وهي أن يكون للقطع الجاري مع قطع المذبح أثر في التذفيف متحقَّق أو مظنون، فإن تبينا أن الأثر كله في التنجيز والتذفيف لقطع المذبح، فلا مبالاة بما يقترن به، إذا تحققنا أن التذفيف يقطع المذبح لا غير.
فخرج من مجموع ما ذكرناه أمران واقعان في مساق الفصل:
أحدهما: رعاية الإسراع في قطع المذبح إذا فرض الانتهاء إليه والحياة مستقرة. وحدّ الإسراع ألا يُحسّ ولا يدرك انتهاء الشاة قبل استتمام قطع المذبح إلى حركة المذبوح، والآخر ألا يقترن بقطع المذبح ما يعين على التذفيف، وإن كان لو تقدّم مثله لا يضر، وهذا على نهاية اللطف.
ومن محاسن كلام صاحب التقريب في ذلك ومنه تلقينا ما ذكرناه أنه قال: لو أشار ذو سيف بسيفه القاطع إلى رأس شاة من قفاها، وأبان الرأس بضربةٍ، نحكم بالحل، وقد نُعمل سكيناً في القفا أو في إحدى صفحتي العنق، فلا نحكم بالحل إذا كان ينفصل لنا مصير الشاة إلى حركة المذبوح قبل استكمال المذبح، وليس هذا مما يؤثر فيه أن نجهل، ولكن القطع بسرعة يمنع التذفيف، فهذا ما يجب التنبه له.
11607- ونحن نبتدىء بعد هذا الخوضَ فيما هو مقصود الفصل، فنقول: إذا استللنا فريسة من براثن سبع، وترددنا في أنها هل صارت إلى حركة المذبوح، وقطعنا مذبحها ابتداراً من غير تقصير، أو انهدم سقف على شاة، فلم ندر أنها صارت إلى حركة المذبوح أم لا، وقطعنا منها الحلقوم والمريء، ونحن على تردد من أمرنا، أو قطع قاطع رقبة الشاة من قفاها، ثم أشكل الأمر، فلم ندر هل صارت إلى حركة المذبوح قبل الأخذ في قطع المذبح أم لا، فكيف السبيل، وما المسلك الذي نعتمده في التحريم والتحليل؟
فالذي نقله المزني، وذهب إليه جمهور الأصحاب اعتبار الحركة، ومعناها أنا نقطع الحلقوم والمريء بعد تقدم ما صوّرناه من الأسباب المفضية إلى الإشكال، وننظر: فإن تحركت الشاة بعد استكمال قطع الحلقوم والمريء، تبيّنا أنها لم تكن منتهية إلى حركة المذبوح قبل الأخذ في قطع المذبح، وإن لم تتحرك بعد قطع الحلقوم والمريء، تبينا أنها كانت ماتت أو انتهت إلى حركة المذبوح قبل الأخذ في قطع المذبح.
هذا ما اعتمده المزني وطوائف من الأصحاب واعترض عليه صاحب التقريب محقاً، فقال: لا تعويل على التحرك بعد قطع المذبح بدليل أن الشاة التي لا آفة بها إذا قطعنا منها الحلقوم والمريء وأخذت في الاضطراب الشديد، فلو بقرنا على الفور بطنها وأبنّا حُِشوتها، فقد تتحرك بعد ذلك، وإن كان إبانة الحُِشوة مذففاً كقطع الحلقوم والمريء، فإذا كان كذلك، فلا تعويل على الحركة؛ فإن البهيمة قد تنتهي إلى حركة المذبوح بسببٍ يوجب ذلك، ثم يقع بها مذفف، فتتحرك بعده.
ولا تعويل قطعاً على إنهار الدم وإن ضري به عوام الناس؛ فإن البهيمة بعد انتهائها إلى حركة المذبوح بقطع الحلقوم والمريء يتدفق منها الدم زمناً طويلاً، ورقبة الإنسان تحزّ بالسيف المرهف ثم ينذرف الدم من بعد زمان منفصلٍ محسوسٍ، فلا وجه لاعتماد الحركة، واتخاذها معتبراً في النفي والإثبات.
وإذا كان كذلك، فالوجه أن نقول: إذا استيقنا حياة مستقرة عند ابتداء الأخذ في القطع، قطعنا بالتحليل على الترتيب الذي ذكرناه في رعاية الإسراع، وإن استيقنا مصير البهيمة إلى حركة المذبوح قبل الأخذ في قطع المذبح، قطعنا بالتحريم. وإن لم نعلم حالها، طلبنا غلبة الظن بعلاماتٍ لا تدخل تحت الوصف، بل تنزل منزلة قرائن الأحوال التي لا يضبطها الوصف، كعلامات الخجل والوجل والغضب ونحوها، ومنها ما يقتضي العلم، ومنها ما يُغلِّب على الظن؛ فإن حصلت علامةٌ مغلّبة على الظن في أن البهيمة لم تنته إلى حركة المذبوح حتى أخذنا في قطع المذبح، فنحكم بالحِل؛ فإن الأصل بقاء الحياة.
فإن غلب على الظن سقوط الحياة قبل الأخذ في قطع المذبح بعلامةٍ لا نكيِّفها، فنحكم بأنها ميتة، وإن قطعنا الحلقوم والمريء.
وإن استوى الاحتمالان، فالتحريم أغلب؛ إذ ليس التذفيف بأن يُحال على الأول أولى من أن يحال على الثاني، وفي ظن بقاء الحياة قبل الأخذ في قطع المذبح أدنى تردد، وفي كلام صاحب التقريب إشارة إليه؛ التفاتاً إلى مسألة الإنماء.
فهذا غاية البيان في ذلك.
ويخرج مما ذكرناه أنا لا نُبعد تلقِّي ظنٍّ من الحركة، إذا كانت شديدةً، ولكن الذي ننكره اتخاذ الحركة عَلماً في الباب يَثبت الحلُّ بها وينتفي بانتفائها.
11608- والذي ندعو المحقق إليه ألا ينصّ على جنس من الأعلام، ثم حاله فيما شاهدَ لا يخرج عن درك اليقين، وغلبة الظن، واستواء الأمرين، وقد ذكرنا في كل قسم ما يليق به: فاليقين لا يخفى حكمه، والظن إن غلب في التحريم حكم به، وإن غلب في التحليل، فالظاهر الحكم به، وفيه شيء، وإن استوى الأمران، غلب التحريم، ولا التفات على استصحاب الحياة؛ فإنا إنما نستمسك بالاستصحاب في غير هذا المقام؛ فإن التمسك بالحظر مع وقوع الشك أولى، ولو كان معنا توقيفٌ في التمسك بعلامةٍ، لاتبعناه، فإذا لم يكن، ورُددنا إلى ما نعلم، أو نظن، فلا نستريب في أن الوجه ما ذكرناه لا غير.
وتنخّل من مجموع المذكور أن من الأصحاب من اتبع الحركة عموماً، ومنهم من سلك المسلك الذي ذكرناه، وهو الذي قطع به صاحب التقريب، ولا وجه غيره.
وقد نجز القول فيما يجب الاهتمام به في الذبح المذفف المحلِّل، وفيما لا يكون كذلك.
11609- ونحن نذكر الآن أموراً تتعلق برعاية الآداب في الذبح: فمن أهمها تحديد الشفرة، والتحامل عليها بالقوة، وإراحة الذبيحة، ونؤثر أن توجه بالمذبح قِبل القبلة، ويتوجه الذابح أيضاً، والتسمية من أهم المسنونات. ثم قال الشافعي إن صلى الذابح على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلا كراهية، ولو قال الذابح: باسم محمد، لم يجز هذا على هذه الصيغة، فليقع الذبح باسم الله تعالى، والصّلاة إن جرت، فهي من الأذكار المحبوبة، وليس الغرض من إجرائها إيقاع الذبح باسم محمد عليه السلام.
ومما ورد استحبابه عند التضحية أن يقول المهدي أو المضحِّي: "اللهم منك وإليك، فتقبّل مني".
ثم الشاة والبقرة مذبوحتان، والبعير منحور في اللَّبة، والمقطوع من البعير الحلقوم والمريء أيضاً، ولو ذبح البعير حل، ولكنا نكره هذا؛ فإن الأمر قد يعسر عليه لطول العنق، وقد تبيّن أنا أمرنا بالسعي في الإنجاز والإيحاء جهدنا.