فصل: فصل: يشتمل على ذكر من يقتدي بعد الانفراد، وينفرد بعد الاقتداء.

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: فيمن يصح الاقتداء به:

1185- القياس الظاهر يقتضي أن يقال: من تصح صلاتُه في نفسه، يصح اقتداء الغير به، ولا يقع الاكتفاء بأن يكون المصلِّي مأموراً بصلاته؛ فإنه إذا كان يقضيها، فلا يصح اقتداء من تصح صلاته من غير أمر بالقضاء به، وهذا القياس يجري مطرداً على مذهب الشافعي إلا في موضعين، فنذكر طرد القياس أولاً بالأمثلة، فنقول: يصح اقتداء المتوضىء بالمتيمم الذي لا يقضي الصلاة، ويجوز اقتداء الكاسي بالعاري، إذا كان لا يجب القضاء على العاري، فإن لم يجد المرء ماءً ولا تراباً، وقلنا: إنه يصلي في الوقت ويقضي، فلا يصح اقتداء المتوضىء به، ولا اقتداء المتيمم الذي لا يقضي.
1186- فأما ما هو مستثنى عن القياس الذي طردناه، فشخصان أحدهما- المرأة. لا يجوز اقتداء الرجل بها أصلاً، وإن كانت صلاتها صحيحةً، وهذا تعليله مشكل، ولكنه متفق عليه، لا نعرف فيه خلافاً، ولو قيل: الإمام يحتاج إلى تبرج وبروز، ولا يليق بمنصب النساء، لم يكن بعيداً، ولكن لا يقتدي الرجلُ بزوجته، وبأخته في داره، فلعل المرعيَّ في الإمامة كمال، وليست المرأة أهلاً له.
ولا خلاف أن المرأة يجوز أن تكون إمامةً، لامرأة أو نسوة، فهي إذاً على الجملة من أهل الإمامة، وإنما يمتنع على الرجال الاقتداء بالنساء.
ويمتنع اقتداء الرجل بالخنثى المشكل، ولو اقتدى، لزمه القضاء، ولو لم يتفق منه القضاء حتى بان الخنثى رجلاً، ففي وجوب القضاء قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لأنه قد تبين أنه اقتدى برجل.
والثاني: يجب؛ فإنه في عقد صلاته خالف الأمر، وقد ألزمناه القضاء ظاهراً لذلك، فلا ينقض ما مضى؛ لأن التحرم والعقد كان على ظاهر البطلان.
والخنثى لا يقتدي بامرأة؛ لجواز أن يكون رجلاً، فلو اقتدى بامرأة، فألزمناه
القضاء، فلم يقض حتى تبين أنه امرأة، ففي وجوب القضاء القولان المقدمان، كما ذكرناه.
فهذا أحد ما استثنيناه.
1187-
والثاني: اقتداء القارىء بالأمي، فنصوّر الأمي ونصفه أولاً، ثم نذكر ترتيب المذاهب. والمعنيُّ بالأمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة، أو كان لا يطاوعه لسانُه على القراءة السديدة، بل كان يُحيل معنى كلمة منها، وإن كان قادراً على التعلم مقصراً فيه، فلا تصح صلاتُه في نفسه، وليس ذلك صورة مسألتنا، وإن كان لا ينطلق لسانه بالصواب، فصلاته في نفسه صحيحة، وهو الأمي الذي نريد تفصيل الاقتداء به.
وإن كان يحسن الفاتحة، وكان يلحن في غيرها، فقد قال الأئمة: لا يضرُّ لحنُه في غير الفاتحة، إذا كان عاجزاً عن تسديد اللسان؛ فإنّ صلاته صحيحة، والمقدار الذي هو ركن القراءة هو فيه ليس بأمي.
وفي هذا نظر؛ من جهة أنه لو قيل: ليس له في نفسه أن يقرأ بعد الفاتحة ما يلحن هو فيه؛ فإن تلك القراءة ليست واجبة، والتوقي من الكلام واجب، والكلمة التي يلحنها ليست من القرآن، فكأنه يتكلم في صلاته، لما كان ذلك بعيداً عن القياس، فلينظر الناظر في ذلك.
وإن كان يردد حرفاً، ثم ينطلق كالذي يردد التاء ثم يجري-وهو التمتام- فليس بأمي، وكذلك الفأفاء، وهو الذي يردد الفاء، فإنه إذا كان يأتي بحرف، وهو معذور فيما يزيد، كالذي يتكلم ناسياً، فالقراءة صحيحة، والزائد محطوط عنه.
فإذا تُصوّر الأمي، فالذي نص عليه الشافعي في الجديد أنه لا يصح اقتداء القارىء به، ونص في القديم على جواز الاقتداء به.
ونقل بعض الأئمة قولاً ثالثاً: وهو أنه إن كانت الصلاة سرية، جاز الاقتداء به، وإن كانت جهرية، لم يجز الاقتداء به مطلقاً.
1188- احتج للقديم بأن صلاته صحيحة، وهو من أهل التبرج، احترازاً عن المرأة، فأشبه القارىء، واحتج المزني لما اختار هذا القول بأن اقتداء القائم بالقاعد العاجز عن القيام صحيح، وكذلك اقتداؤه بالمريض المومىء، وكذلك اقتداء المتوضىء بالمتيمم، فإذا كانت القدوة تصح إذا صحت صلاةُ الإمام، سواء كان نقْصُ صلاته راجعاً إلى ركنٍ أو شرط، فليكن العجز عن القراءة السديدة بهذه المثابة، ولا شك في اتجاه القياس في نُصرة هذا القول.
ثم لا خلاف أنه يجوز اقتداء الأمي بالأمي.
ومن قال بالجديد، فليس ينقدح لتوجيهه عندي وجه إلا أن الإمام يتحمل على الجملة القراءة عن المأموم؛ فإنه يتحمل عنه القراءة إذا أدركه المسبوق في ركوعه قولاً واحداً، ولا يجري ذلك في شيء من الأركان، وهذا لا يعارضه سقوط المكث في القيام عن المسبوق؛ فإن القيام تبع للقراءة من جهة أنه محلها، فإذا سقطت، سقط المحل، فإذا وضح ذلك في القراءة، فينبغي أن يكون الإمام على كمالٍ في هذا الركن، حتى يصلح للإمامة لكاملٍ فيه.
وتحقيق ذلك أنا نقول: كأن قراءة الإمام منقولة إلى المقتدي، ولو قرأ المقتدي ما يقرؤه الأمي، وهو في نفسه قارىء، لم تصح صلاته، ويخرّج عليه جواز اقتداء الأمي بالأمي.
وأما وجه القول الثالث، فلا يتبين إلا بتخريج ذلك القول على القول الذي حكيناه في أن القراءة تسقط عن المقتدي في الصلاة الجهرية، ولا تسقط في السرية، فحيث تسقط كأنها وقعت محتملة عن المأموم، فلابد من اشتراط كمال من يتحمل، وفي السرية تجب القراءة على المقتدي، فلا أثر لعجز الإمام، كما ذكره المزني من التعلق باقتداء القائم بالعاجز عن القيام.
فهذا بيان الأقوال في الاقتداء.
1189- ثم إن قلنا: يجوز الاقتداء بالأمي، فلا كلام.
ولو لم يجز الاقتداء به، فلو كان الرجل يلحن في النصف الأول من الفاتحة، وكان المقتدي يلحن في النصف الأخير منها، فلا يجوز الاقتداء به، وإن كانا أميين، لأن المقتدي في هذه الصورة ليس بأمي في النصف الأول، وإمامه أمّي فيه، فإذا اقتدى به، فقد تحقق اقتداء قارىء في النصف الأول بأمي فيه، ولو فرض اقتداء الإمام في هذه الصورة بمن قدرناه مقتدياً، لم يجز أيضاً لمثل ما ذكرناه، فإذن هما شخصان، لا يجوز اقتداء أحدهما بالثاني. وهذه من صور المعاياة والمغالطة في السؤال، فإن السائل يعرضها ويقول: أيهما أولى بالإمامة؟ والجواب عنها، أن واحداً منهما لا يجوز أن يكون إماماً لصاحبه، لما قدمنا على القول الذي نفرع عليه.
1190- ومما نفرعه على هذا القول: أن من اقتدى بإمام في صلاة سرية، والمقتدي قارىء، فقد أجمع الأئمة على أنه لا يجب على المقتدي البحثُ عن قراءة إمامه، فإن الغالب أنه قارىء، فيجوز حمل الأمر عليه، كما يجوز حمل الأمر على أنه متطهر، وإن كنا نشترط في القدوة صحة طهارة الإمام. ثم يخرج من ذلك أنه لو بحث، فتبين أنه لم يكن قارئاً، فهو في التفريع كما لو تبين أن الإمام كان جنباً، ولو ظهر ذلك، لم يجب على المأموم إعادة الصلاة.
ولو كانت الصلاة جهرية، فتبين فيها كونَه أُميّاً أو قارئاً؛ فإنه يقع الحكم على حسب ما يظهر. ولو كان يُسر بالقراءة في صلاة جهرية، فقد ذهب كثير من أئمتنا إلى أنه يجب الآن بحثه عن حاله؛ فإن إسراره والصلاة جهرية يُخيل مكاتمة نقصه في القراءة.
وقال آخرون: لا يجب البحث في هذه الصورة أيضاً، فإن الجهر الذي تركه هيئة من هيئات الصلاة، فلا أثر له، وللإسرار محمل آخر سوى جهله بالقراءة، وهو أنه نسي أن الصلاة جهرية؛ فأسر بها، فهذا تفريع القول.
فرع:
1191- في بعض الأئمة: ما كان يقطع به شيخي وهو مذهب نَقَلَةِ المذهب، أن اقتداء الطاهرة بالمستحاضة صحيح، طرداً للقياس المقدم في رعاية الصلاة، وصلاة المستحاضة صحيحة.
وذكر بعض أئمة العراق وجهاً، أنه لا يجوز الاقتداء بها؛ فإن في صلاتها خللاً غيرَ مجبور ببدل، وليست كالمتيمم يقتدي به المتوضىء؛ فإن الإمام، وإن لم يتوضأ، فقد أتى بما هو بدل عن الوضوء. وهو ركيك لا أصل له.
فرع:
1192- من لم يجد ماء ولا تراباً هل يقتدي بمن هو في مثل حاله، ثم يقضيان جميعاًً؟ كان شيخي يتردد في هذه الصورة، من جهة أن صلاة الإمام إن كانت مقضية، فصلاة المأموم كذلك، فيشبه بما لو صحت صلاتهما جميعاًً. ويمكن أن يقال: لا يصح الاقتداء نظراً إلى فساد صلاة الإمام، والعلم عند الله.
فهذا مجموع ما يمنع القدوة وما لا يمنعها، وبيان طرد القياس مع الاستثناء منه.
فصل:
1193- إذا اجتمعت نسوة في دار فحسن عندنا أن تصلي بهن واحدة منهن؛ فإن اقتداء النسوة بالمرأة جائز، وإذا لم يبرزن في مسجد، فليس في عقدهن الجماعة ما يناقض الستر المأمور به.
ثم الجماعة على الصورة التي ذكرناها مسنونة لهن عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، وقد روي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر أم ورقة حتى تصلي بالنسوة في دارها". وروي أن عائشة وأمَّ سلمة أمَّتا بنسوة ووقفتا وسطهن. وهذا هو المستحب للتي تكون إمامة؛ فإنها لو تنصلت عن الصف كدأب الرجل الإمام، كان ذلك مناقضاً للستر المأمور به.
1194- فإن قيل: هلا خرجتم استحباب الجماعة على ما قدمتموه في باب الأذان من الاختلاف في أذانهن وإقامتهن؟ قلنا: في الأذان إظهارٌ وتركٌ للستر، وليس في إقامة الجماعة ذلك، ولو خفضت المرأة صوتها، كان ذلك تركاً لمقصود الأذان، فقد بان مفارقة الأذان والإقامة للإمامة، ولما كانت الإقامة لا يشترط فيها رفع الصوت، كان إثباتها في حقهن أولى في ترتيب المذهب من الأذان.
1195- والنسوة لو شهدن المسجد، واقتدين بالرجال، فإن كنّ شوابّ، فلا يستحب ذلك لهن، والستر ولزوم البيت أولى بهن، ولو حضرن، صح اقتداؤهن، ثم لا يشترط في تصحيح الاقتداء لهن أن يقتدين وينوي الإمام إمامتهن. وشرط أبو حنيفة في صحة قدوتهن ذلك، وهذا غير صحيح؛ فإنه يجوز عندنا للرجل أن يقتدي بالمنفرد في صلاته، وإن لم ينو إمامة أحد.
والعجوز إذا خرجت إلى جمع الرجال، ووقفت في أخريات المسجد، واقتدت، صح ذلك منها، وهل يستحب ذلك أو يكره؟ أما الكراهية، فلسنا نكره، خلافاً لأبي حنيفة، فإنه كره ذلك إلا في صلاة الفجر والعشاء، ونحن نعتمد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كره للنساء الخروج للجماعة إلا أن تكون عجوزاً تخرج في مِنْقَليها»، والمنقل الخف الخلَق، أراد صلى الله عليه وسلم خروجها للعبادة مبتَذِلة، فإنها لو تشبهت بالشوابّ، فلا شك أنه يكره ذلك لها.
ثم إذا نفينا الكراهية، فالذي رأيته للأئمة أنا لا نرجح خروجَها على لزومها بيتها؛ فإنه يتعارض في حقها رعايةُ الستر وإقامةُ الجماعة مع الرجال، فيخرج من تعارض الأمرين نفي الكراهية في الحضور واستواء الأمرين.
ولو حضرت شابّة، ووقفت بجنب الإمام واقتدت، فقد أساءت من وجوه، ولكن تصح صلاتها، وصلاةُ الإمام، خلافاً لأبي حنيفة، وخبط مذهبه معروف في ذلك.
فصل:
1196- ذكر الشافعي أن الأعمى يجوز أن يكون إماماً للبصير، وهذا خارج على القياس الممهد، وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف للإمامة في بعض غزواته ابن أم مكتوم في المسجد، ثم مذهب الشافعي أنا لا نجعل البصير أولى من الضرير، ولا الضرير أولى من البصير؛ إذ في كل واحد منهما أمر يعارض ما في صاحبه، أما البصير فقد يفرق فكرَه في الصلاة بصرُه، ولكنه مستقل بنفسه في استقباله، والضرير في الأمرين على مناقضته، فاقتضى ذلك أن يستويا.
فصل:
1197- يجوز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة وكان منفرداً؛ فإن معنى الاقتداء أن يربط الإنسان صلاته بصلاة غيره، وهذا المعنى يحصل وإن كان الإمام منفرداً؛ وقد روي: "أن عمر كان يدخل فيصادف أبا بكر في صلاة فيقتدي به" وكذلك يفعل أبو بكر إذا دخل فصادف عمر في الصلاة.
1198- وأجمع أئمتنا أن من اقتدى بمأموم لم يجز؛ وتبطل الصلاة، والسبب فيه أن منصب الإمامة يقتضي الاستقلال وكونَ الإمام متبوعاً قائماً بنفسه، وليس المقتدي كذلك، والذي يحقق ذلك أن سهو الإمام يلحق المأموم، وسهو المأموم يحمله الإمام، والمقتدي سهوه محمول، ويلحقه سهو إمامه، وهو يُخرجه عن حكم الإمامة، فإن قيل: أليس أبو بكر كان مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته، والناس كانوا مقتدين بأبي بكر؟ قلنا: إنما كانوا مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً في المحراب، وكان أبو بكر كالمترجم الذي يبيّن للقوم أحوالَ الإمام وانتقالاته في صلاته.
1199- ولو اقتدى برجل هو شاكٌ لا يدري أن إمامه مقتد بغيره أم لا، فلا تصح قدوته مع هذا التردد، كما لو اقتدى بخنثى مشكل. ولو استمر على القدوة ثم بان أن إمامه لم يكن مقتدياً، هل يجب على المقتدي قضاء الصلاة والحالة هذه؟ فعلى قولين كالقولين فيه إذا اقتدى بخنثى، ثم لم يقض الصلاة حتى يتبين أن الخنثى رجل.
1200- ولو كان يصلي مع رجل وأشكل على كل واحد منهما حالُه، فلم يدر أنه مقتدٍ بصاحبه أو إمامٍ له، فلا تصح صلاة واحدٍ منهما على هذا التردد؛ فإنه لا يدري أيتابع أم يستقل؟ ولو كان يظن كل واحد منهما أنه إمام صاحبه، فتصح صلاته؛ فإنه يمضي في صلاته باختياره ولا ينتظر حكم المتابعة.
1201- ومما يليق بما نحن فيه أن من اقتدى بإمام، فالأولى ألا يعيّنَه في نيته، بل ينوي الاقتداءَ بالإمام الحاضر، وليس عليه أن يعرفَه بلا شك فيه؛ فإن نوى الاقتداء بزيد، فإن أصاب، فذاك، وإن أخطأ، فالذي ذكره الأئمة أنه لا يصح اقتداؤه، ولا تصح صلاته، وعدوا هذا مما لا يجب التعيين فيه.
ولو عينه المرء، فعليه خطر في الخطأ، فإن أخطأ، لم تصح صلاته، وكذلك لو نوى الصلاة على زيد، ثم تبين أن الميت غيرُ من عينه، فلا تصح صلاته، وهذا فيه إشكال من جهة أن من ربط نيته بمن حضر، واعتقده زيداً، فإذا المعيَّنُ غيرُه، فقد اجتمع في نيته تعيين وخطأ في المعيَّن، فيظهر أن يقال: المحكَّم تعيينه وإشارته إلى شخصه، ويسقط أثر خطئه في اسمه.
وقد يعنّ للناظر أن يخرّج هذا على مسألةٍ في البيع، وهي أن يقول الرجل: بعتك هذا الفرس، وأشار إلى حمار، ففي صحة البيع وجهان مشهوران سيأتي ذكرهما، فربْطُ الاقتداء بمن في المحراب مع اعتقاده أنه زيد بهذه المثابة.
وإن تكلّف متكلّف تصويرَ عقد الاقتداء بزيد مطلقاً من غير ربط بمن في المحراب، فهذا في تصويره عُسْر مع العلم بأنه يعني من خضه، ومن سيركع بركوعه ويسجد بسجوده، والعلم عند الله عز وجل.

.فصل: يشتمل على ذكر من يقتدي بعد الانفراد، وينفرد بعد الاقتداء.

1202- فلتقع البداية بمن يعقد الصلاة على حكم الانفراد، ثم يتفق عقد جماعة، فيريد ربطَ الصلاة بالقدوة، وقد اختلف نصوص الشافعي في ذلك: والذي نقله الصيدلاني عن الجديد منعُ ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال الشافعي في الكبير: "قد كان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ، وذكر فيه قصة معاذ، وهي أن المسبوق كان يحضر ويسائل من في الصلاة عما فاته، فيشيرون بالأصابع إلى أعداد الركعات التي فاتت، فكان يبتدر إلى ما فاته، ثم يصلي بصلاة الإمام فيما يصادفه من بقية صلاته، فدخل معاذ يوماً وكان مسبوقاً، فاقتدى، وصلّى ما وجد، ثم قام لمّا سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى ما فاته، ثم لما تحلل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاته قال: إن معاذاً سن لكم سنة حسنة فاتبعوها".
وحكى قولاً في القديم: إن الاقتداء بعد حصول العقد على حكم الانفراد جائز، ووجهه أن القدوة معناها ربط الصلاة بصلاة الغير، وليس ذلك من أركان الصلاة قط؛ فإنه ليس تغييراً لأمر يتعلق بركن أو شرط.
1203- ثم الظاهر من مذهب الشافعي في الجديد جواز الاستخلاف في الصلاة، على ما سنذكر ذلك مشروحاً إن شاء الله تعالى في صلاة الجمعة، وهو في الحقيقة ابتداء اقتداء، لم يكن حالة العقد؛ فإن القوم يعقدون صلاتهم بزيد، ثم يربطونها في الأثناء بعمرو المستخلَف، وسيأتي شرح الاستخلاف في موضعه.
ثم يشهد لجواز الاقتداء أثناء الصلاة خبران، أحدهما- ما روي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّ بأصحابه، ثم تذكر في أثناء الصلاة أنه جنب. فأشار إلى أصحابه: أي كما أنتم قفوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يقطر فتحرم، واستمر الأصحاب على حكم الاقتداء" ومعلوم أنهم أنشؤوا اقتداء جديداً، فإن اقتداءهم الأول لم يكن صحيحاً، والثاني: أن أبا بكر في صلاة المرض اقتدى برسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الصلاة، كما مضت القصة.
1204- ثم إذا ظهر القولان، فقد اختلف أئمتنا في محلّهما، فمنهم من قال: إنهما يجريان في الركعة الأولى، فإذا عقد المنفرد الصلاةَ، ثم اتفقت جماعة وهو في الركعة الأولى، فقولان، فأما إذا صلى ركعة على الانفراد، ثم أراد بعدها الاقتداء، فلا يجوز؛ لأنه يختلف ترتيب الصلاة ويتفاوت.
ومنهم من طرد القولين في الصورتين.
وإذا جمع الجامع الكلام في ذلك، كان الخارج منه ثلاثة أقوال، أحدها: المنع، والثاني: الجواز، والثالث: الفصل بين أن يقع في الركعة الأولى قبل الركوع أو بعده.
فهذا كلامٌ في أحد مقصودي الفصل.
1205- فأما إذا كان مقتدياً، ثم أراد الانفراد ببقية الصلاة؛ حتى يسبق الإمام، فقد ترددت النصوص فيه، وحاصل المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: المنع؛ فإنه التزم الاقتداء، وانعقدت الصلاة على حكم المتابعة، فلزم الوفاء.
والقول الثاني- له الانفراد؛ فإن إقامة الجماعة كانت مسنونة، فإذا خاض فيها، لم تلزم بالشروع؛ فإن من مذهبنا أن السنن لا تلزم بالشروع.
والقول الثالث: أنه يفصل بين المعذور وغيره، ويشهد لهذا قصة معاذ: "وقراءتُه سورةَ البقرة في صلاة العشاء، وكان اقتدى به رجل كان يعمل طول نهاره، وكان عقل بعيراً كان معه، فانحلّ عقاله، فقام فقطع القدوة، وتجوّز في صلاته، وخرج، فرفعت قصته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر على معاذ تطويلَه، ولم ينكر على من قطع القدوة، ولم يأمره بالقضاء".
ثم الأعذار التي تقطع القدوة لأجلها كثيرة، ولا ينتهي إلى حد الضرورة عندي، وأقرب معتبر فيها أن يقال: كل عذر يجوز ترك الجماعة بسببه، كما سبق في باب الجماعة، وسنعود في كتاب الجمعة، فهو المعتبر في الذي نحن فيه أو ما في معناه.

.فصل: في المسبوق إذا أدرك الإمام وقد فاته من الصلاة شيء:

1206- فنقول: إذا أدرك الإمامَ راكعاً، فكبر في قيامه وركع، وصادف الإمام راكعاً، فقد أدرك الركعة، ولو كان الإمام هاماً بالارتفاع، متحركاً في جهته، فأدرك المأمومُ-وهو بعدُ غيرُ مترقٍّ عن أقل حد الركوع- فقد أدرك الركعة.
ولو لم يدر هل كان جاوز حد الراكعين أم لا، فالأصل بقاؤه في حد الركوع إلى أن يزول عنه قطعاً. ولكن الأصل أنه لم يصر مدركاً للركوع، فهو على تردد من أمره كما ترى.
وقد ألحق أئمتنا هذا بتقابل الأصلين، فذكروا وجهين، ولعلنا نجمع في ضبط ذلك قولاً بالغاً- إن شاء الله تعالى.
1207- ولو أدرك الإمامَ بعد الارتفاع عن حد الركوع، فلا يكون مدركاً للركعة أصلاً، ويتابع الإمامَ فيما يصادفه فيه، ولا يعتد به له من أصل صلاته.
1208- ولو أدرك الإمامَ قائماً بعدُ، فإن أمكنه أن يتمم قراءة الفاتحة، ثم يدرك ركوعَ الإمام، فهو المراد، ولو علم أنه لو تمم الفاتحة، لفاته الركوع، فماذا يفعل؟ فيه خلاف معروف، فذهب بعض الأئمة إلى أنه يقطع القراءة، ويبادر الركوع. وسقوطُ بعض القراءة عنده، ليس بأبعد من سقوط تمام القراءة إذا صادف الإمام راكعاً، لمّا كبر وتحرم بالصلاة.
ومنهم من يقول: عليه أن يتمم القراءة ولا يقطعها؛ فإنه خاض فيها، فيلزمه إتمامها.
وذكر الشيخ أبو زيد في ذلك تفصيلاً حسناً، فقال: إن تحرم بالصلاة وبادر بالقراءة ولم يقدّم عليها دعاء الاستفتاح، ولا التعوذ، ولكنه لمّا تفطَّن لضيق الوقت، اشتغل بالأهم، فإذا ركع الإمام، فهو معذور الآن، فنجعله مدركاً، وإن قدم على القراءة الذكرَ المسنون والتعوذَ، فقد تعرض لخطر الفوات.
1209- ووجه هذا التفصيل بيّن، ولكنا نوضّحه، ونوضح الوجهين المرسَلَيْن قبله بالتفريع.
فأما من لم يفصل فيقول: ليس على المسبوق مبادرة القراءة بل يجري على هيئته وسجيته، والدليل عليه أنه لو قدر على أن يتسرع قبل الشروع، فلم يفعل، لم يختلف حكم إدراكه، فليكن الأمر كذلك بعد التحرم.
والأصح ما ذكره أبو زيد من التفصيل؛ فإنه بعد الشروع صار ملتزماً لحكم القدوة، مطالباً بموجبها، فليجر على الأصوب فيما نرسم له. ولا شك، أن الاشتغال بإقامة الأركان أولى، ومن لم يتحرم بالصلاة فهو على خِيَرته في أمر الجماعة.
فهذا بيان الاختلاف في هذه الجهة.
ولا ينبغي أن يُعتقدَ خلافٌ فيه، إذا تحرّم وسبَّح، وتعوذ، ثم سكت سكوتاً طويلاً، ولم يشتغل بالفاتحة أنه يكون مقصراً، وإنما الخلاف المذكور فيه إذا اشتغل قبل القراءة بالسنن المشروعة في الصلاة، ثم إن أمرناه بالركوع، فاستتم القراءة، وبادر، فأدرك الإمامَ راكعاً، فهو المطلب، وهو مدرِكٌ.
وإذا رفع الإمام رأسه من الركوع، فلا شك أنا لا نجعله مدركاً للركعة، ولكن هل تبطل صلاة المسبوق بمخالفته إياه وترك ما رسم له؟ سنذكر على إثر هذا تفصيلَ المذهب في تقدم الإمام على المأموم بركن أو ركنين.
فإن سبقه الإمامُ بركنين في هذه الصورة التي نحن فيها، فتبطل صلاة المأموم، وإن سبقه الإمام بالركوع، ولكنه أدركه عند اعتداله-ونحن قد نقول: إن هذا المقدارَ من التقدم لا يضر في أثناء الصلاة في حق غير المسبوق- فهاهنا إذا خالف المسبوقُ، فسبقه الإمام إلى الاعتدال، أما الركعة، فقد فاتت، وفي بطلان الصلاة وجهان:
أحدهما: لا تبطل؛ فإن هذا المقدارَ من التقدم غيرُ ضائر.
والثاني: أن الصلاة تبطل؛ فإنه ترك متابعة الإمام فيما فاتت الركعة لأجله، فكأن الإمام سبقه بركعة، وليس كما لو جرى مثل ذلك في أثناء الصلاة، في حق من ليس بمسبوق.
فإن قلنا: تبطل صلاته، فلا كلام. وإن قلنا: لا تبطل، فلا ينبغي أن يركع؛ فإنه لو ركع لم يكن الركوع محسوباً له، ولكن ينبغي أن يتابعَ الإمامَ الآن، فيما يأتي به من هُويه إلى السجود، ويقدر كأنه أدركه الآن، ثم لا تحتسب له هذه الركعة.
فأما إذا قلنا: إنه يتمم القراءة، فإن تممها وأدرك الإمام راكعاً، فقد حصل تمامُ الغرض، وإن رفع الإمامُ رأسه من الركوع واعتدل، فالمأموم يركع ويرفع وهو مدرك للركعة، معذورٌ في تخلفه، ولو تجاوز الإمامَ، وسبقه بأركان، فلا يضر ذلك.
واستقصاء القول في هذا يتعلق بمسألة الزحام على ما سيأتي إن شاء الله.
1210- ومن تمام البيان في ذلك أن أبا زيد إذا فصل بين أن يُقصِّر وبين أن يبتدِر، فمن تمام كلامه في ذلك أنه لو لم يقصر، فإذا ركع الإمام، ففي المسألة وجهان: في أنه يتم القراءة، أو يقطعها، كما تقدم ذكرهما، والتفريع عليهما.
وإن كان مقصراً، فليقرأ من الفاتحة بقدر تقصيره، فإن رفع الإمام رأسه من الركوع، فالتفريع الآن كالتفريع فيه إذا أمرناه بالركوع، فخالف أمرنا، وقرأ حتى فاته الركوع، وقد مضى بيان ذلك.
فرع:
1211- في إدراك التكبيرة الأولى من صلاة الإمام رغائبُ وأخبار مأثورة، وقد اختلف أئمتنا في أنه متى يصير مدركاً لفضيلة التكبير؟ فمنهم من قال: إذا أدرك الركعة الأولى ولو بإدراك الركوع، فقد أدرك الفضيلة، فإدراكها مربوط بإدراك الركعة الأولى، وهذا سرفٌ ومجاوزة حدّ.
ومنهم من قال: إذا أدرك شيئاًً من قيام الركعة الأولى، فقد أدرك الفضيلة، وإن لم يدرك الإمامَ إلا راكعاً، فهذا قد أدرك الركعة، وفاتته الفضيلة في التكبيرة.
ومنهم من قال: المدرك من يكبّر الإمام في شهوده وحضوره، ثم يتعقبه في عقد الصلاة، على العقد المرعي المرضي في الاتصال. وهذا هو الأظهر عندي؛ فإن من جرى التكبير في غيبته لا يسمى مدركاً لتكبير العقد، ولا شك أن من يجعله مدركاً لها بإدراك القيام؛ فإنه يجعل الاتصال في العقد. والشهود أفضل وأكمل.
وذكر بعض مشايخنا في ذلك تفصيلاً، فقال: إن شغله عن الصلاة أمرٌ من أمور الدنيا حتى ركع الإمام، فهو غير مدرك للفضيلة، وإن أقعده عذرٌ، ثم أدرك الركعة الأولى، فهو مدرك.
1212- وهاهنا دقيقة لابد من الاهتمام بها، وهو أن من قصر، ولم يكبر حتى ركع الإمام، فكبّر وركع، فهو مدرك وفاقاً، ولا أثر لتقصيره بغيبته أو تأخيره في حضوره؛ فإنه إنما يلحقه حكم الجماعة إذا تحرم، فأما دَرْك الفضيلة، فلا يبعد أن نفصل فيها بين المقصر والمبتدر؛ فإن الغرض من الحث على التكبيرة الأولى الدعاء إلى ترك الملهيات، والبدارُ إلى الصلاة، فليفهم الناظر ذلك.