فصل: فصل: يحوي أحْكامَ ألفاظ الطفلِ في المعاملاتِ وغيرهَا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: تِجارَة الوَصِيِّ بمَالِ اليتيم:

قال: "وأحب أن يتجر الوصي بمال من يلي... إلى آخره".
3390- أصول القول في الأوصياء يأتي في كتاب الوصايا، إن شاء الله تعالى- ونحن نذكر في هذا الباب ما يليق به وأطرافاً مما نعود إليهِ في كتاب الوصايا تمس الحاجة إليها في نظم مقصود الباب.
فنقول: وصيُّ الأب ومنصوبه يتصرف في مال الأطفال كما كان يتصرف الأب في حياته. والقول في الجد أب الأب ووصيه كالقول في الأب.
فأما وصي الأم، فلا يتصرف في مال أطفالها وأولادها المجانين في ظاهر المذهب؛ لأنها بنفسها لا تتصرف في أموالهم في حياتها، فكيف يتصرف نائبها بعد وفاتها؟
وذهب الإصطخري إلى أن الأم تملك التصرفَ في ولدها وماله، والنكاح مستثنى عن تصرفات النسوة. ثم قال الأصطخري: وصي الأم يلي أطفالها بعد وفاتها، كما أنها بنفسها تتصرف في حياتها.
ثم إن نصب السلطان قيِّماً في أمر الأطفال، فلفظ النصب مع لقب القوام لا يسلِّط المنصوبَ على التصرف في مال الطفل؛ فإنا نجوز أن يكون نصبُه إياه للحفظ فحسب.
فإن صرح بتفويض التصرف مَلَكَه على موجَب الشرع.
فأما الأب إذا قال: نصبتك وصياً على أطفالي أوْ في أموال أطفالي، فلا شك أن الوصي يحفظ عليهم أموالهم. وهل يملك التصرفَ تعويلاً على لفظ الإيصاء من غير تصريح بالإذن في التصرف؟ فعلى وجهين: أظهرهما- يملك ذلك، بخلاف نصب القاضي القيمَ. ومن أصحابنا من قال: لا يملك التصرفَ من غير تصريح، كنصب القيم من جهة السلطان.
فإن قيل: فما الفرق؟ قلنا: القُوَّام ينقسمون إلى حفظةٍ ومتصرّفين، وليس يغلب عرفٌ في التصرف، والأوصياء عمَّ العرفُ في تصرفهم، وانضم إليه قرينةُ مسيس الحاجة عند انقطاع نظر الموصي بالموت.
وظهر اختلاف الأصحاب في اجتماع وصي الأب وجدّ الطفل من قِبل الأب، فمن أصحابنا من قدّم الجدَّ ورآه أولى، ومنهم من قدم وصي الأب، وذلك يأتي على الاستقصاء، إن شاء الله عز وجل.
ومقصود البابِ تفصيل القول في تصرف الموصى، فنقول:
3391- لا شك أن المأخوذ على الوصي مراعاةُ النظر والغبطةِ والمبالغةِ في الاحتياط، حتى لا يبيع سلعةً له بعشرة، وثم من يطلبها بعشرة وحبة. وللوصي أن يبيع بالنسيئة إذا زاد القدر بسبب الأجل، وارتهن به رهناً وافياً. فإن أراد البيع نسيئةً من غير أخذ رهن، وكان من عليه تقدير الدين مليّاً وفياً، فالأصح الصحةُ.
ومن أصحابنا من منع دون الرهنِ، والكفيلُ لا يسد مسدَّ الاستيثاق بالرهن، فإن متضمن الضمان ضمّ ذمةٍ إلى ذمة، والذمم وإن تَضامَّت لا تسد مسدَّ الاستيثاق بالرهن.
وسنذكر أصلَ هذا الخلاف في سياق الفصل.
والوكيل المطلق والعامل لا يتبايعانِ بالنسيئة؛ فإنهما يتصرفان بالنيابة المحضةِ، والوصي وإن كان نائباً، فتصرفه تصرفُ الولاة؛ فإنه خلفَ الأبَ عند فواته، ثم الأب يبيع نسيئة، على شرط المصلحة.
3392- ومما يليق بتصرف الوصي الكلامُ في مسافرته بالمال في البر والبحر. أما إن كان في الطريق خوفٌ، فلا سبيل إلى المسافرة بمال الأطفال. وإن غلب الأمن في الطريق، بحيث تغلب السلامةُ، ويندر نقيضها، فهل يملك الوصي المسافرة بمال الأطفال؟
أما السفر في البر، فقد ذكر الأصحابُ فيه وجهين وقالوا: أظهرهما- أنه يملك المسافرة، فإنه جهة في الاكتسابِ، وهو موكول إلى نظر الوصي.
والوجه الثاني- أنه لا يملكه، كما لا يملك المودعَ المسافرةَ بالوديعة. والأول يقول: لم يُجعل إلى المودعَ النظرُ لمالك الوديعةِ، وجُعل إلى الوصي النظر في استنماء مال الطفل. وهذا يُعذ من جهات الاستنماء.
وما ذكرناه من الخلاف في البيع نسيئة من غير رهن قريبُ المأخذ من المسافرة مع غلبة الأمن.
هذا قولنا في البر.
فأما المسافرة بمال اليتيم في البحر فإن كان معطبةَ، فلا سبيل إليه، وإن لم يكن كذلك، وكان يركبه التجار في تجايرهم، وقد يقال: الأمن غالبٌ فيه، فقد قطع معظم الأصحاب بالمنع عن المسافرة فيه بمال اليتيم. بخلاف البر؛ فإن غرر أسلمِ البحار لا ينقص عن خطر البر مع الخوف.
وذهب بعض الأئمة إلى أن هذا يخرّجُ على وجوب ركوب البحر للحج. فإن لم نوجبه، فلا يجوز المسافرةُ بمال الأطفال فيه. وإن أوجبنا ركوبَ البحر للحج، فقد نزلناه منزلة البر. وقد صح: "أن عائشة أبضعت بأموال بني محمد بن أبي بكر في البحر".
ومن منع ذلك، تعب في تأويله، وأقربُ مسلك في ذلك أنها أمرت بذلك والممر على السَّاحل الذي لا يتوقع فيه غررٌ من جهة البحر، فإذا كان كذلك، فهو كالبر لا شك فيه. وقيل: لعلها فعلت ذلك بشرط الضمان، وهذا بعيد؛ فإن ما يضمن، فهو ممنوع.
والأولى أن يقال: رأت ذلك رأياً، والمسألة مظنونة.
3393- ومما يتعلق بغرض الباب أن أئمة العراقِ والقاضي ذهبوا إلى فرقٍ بين تصرف الأب وبين تصرف الوصيِّ، ونحن نسوقه على وجهه: قالوا: لا ينفذُ القاضي شيئاً من تصرفات الوصي إذا ارتفع إلى مجلسه من غير بينةِ تقوم على أنها موافقةٌ للغبطةِ، وينفّذ تصرفات الأب مطلقاً، وعلى من يدعي خلافَ الغبطةِ البيّنةُ.
ولو بلغ الصبي وادعى على الوصي مخالفةَ الغبطةِ، فالقول قوله، وعلى الوصي البيّنةُ. ولو ادعى على أبيه مخالفةَ الغبطة، فالقول قول الأب. والسبب فيه أنَّ تصرف الأب محمولٌ على فرط شفقته وانتفاءِ التهمة عنه، واستحثاث الأبوة إياه على طلب الغبطةِ. والوصي عدلٌ في ظاهر الأمر، وليس على شفقة تستحث على طلبِ الغبطة.
ولا يكفي في تصرف الأوصياء أن يعرَى عن الغبن.
ولو أنفق الأب شيئاً في مصلحة الصبي، فبلغ الصبي وأنكره، أو زعم: أنك تعديت قدرَ الحاجة، فالقول قولُ الأب. ولو ادعى مثلَ ذلك على الوصي، فهل يقبل قول الوصي؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا يقبل، كما لا يقبل منه دعوى الغبطة في البياعاتِ.
والثاني: يقبل؛ فإن تكليفه الإشهادَ على كل ما ينفق عليه عسر، والإشهادُ على البياعات من الممكنات.
فصل:
قال: "وإذا كنا نأمر الوصيَّ أن يشتري بمال اليتيم عقاراً... إلى آخره".
3394- المتصرِّفُ في مال الطفل بالوصاية والولاية إذا رأى من النظر أن يشتري له عقاراً يردّ عليه غلّةً يُقصد مثلُها ببذل ثمن العقار، فليفعل ذلك، والعقار المغلُّ خير من إعدادِ المالِ للتجارة؛ فإن التجاير على غرر من جهةِ الأسعار أوَّلاَ، وإن فرض مسافرة بها يعترضها فنون من الغرر، والعقارُ على إغلاله باقٍ في الأصل، ولو أراد أن يشتري عقاراً نفيساً من جهة القيمة، لا يُغل غَلّة بمبلغها احتفالٌ، بالإضافةِ إلى ما بذل في ثمن العقار، مثل أن يشتريَ داراً عظيمة لا حاجة بالصبي إليها، ولا يوجد من يكتريها، فهذا ليس من النظر. وما خالف النظر، فهو مردودٌ.
وإذا كنا نرى أن يشتري العقار للطفل على الترتيب الذي ذكرناه، فينبغي ألا يبتدر بيعَ العقار إلا على تثبتِ وتبتن ونظرٍ ظاهر.
3395- وحاصل القول أنه يبيعه لغبطةِ ظاهرة تقدَّم على شرفِ العقارِ وفضيلةِ ثبوته على سائر المال. وذلك بأن يكون للصبي شقصٌ من عقار، وكان يطلبُه الشريكُ بأكثرَ من ثمنه، وظهرت الزيادة على التقريب الذي ذكرناه، وكان الشريك يحتاج إليه لتخليص العقار لنفسه، أو لتسوية رَبْعه، فهذه غبطة.
ومن تمام تصويرها ألا يعجز الناظر للطفل من شراء عقار آخر للطفلِ أكثرَ قيمة وريعاً مما يبيعه، فهاهنا تظهر الغبطة.
ولو كان لا يقدر على تحصيلِ عقارٍ بالثمن الذي يأخذه، فذاك في غالب الحال لعلمِ الناسِ بشرف العقار ومزيته على الثمن الذي حصله؛ فإن الناس تتبع الغبطة، فإن كان لا يقدر على تحصيل العقار، فالغالب أن لا خير في بيع العقار.
فهذا تمهيد معنى الغبطة، وقد لاح أن لا يكتفى فيه بثمن المثل، ولا بزيادةٍ قريبةٍ يستهين بها أربابُ العقول بالإضافة إلى شرف العقار، وينضم إليه الاستمكانُ من تحصيل عقارٍ للطفلِ.
فإذا وقع التنبيه على الأصل، هان اتباعُ الصور. فهذا بيع العقار لأجل الغبطة.
3396- وأما بيعه لأجل الحاجة، فإن مست حاجة الطفلِ إلى النفقةِ ولم يتأت تحصيلها إلا من جهة العقارِ، فيبيعُ منه بقدر الحاجة؛ إن عجز عن تحصيل النفقةِ بجهة أخرى.
ثم القولُ في تصديق الولي في ادعاء الغبطةِ، أو الحاجة، وفي إجراء الوصي على خلافه، وإحواجه إلى إثبات الغبطة بالبيّنة- كما ذكرناه.

.فصل: يحوي أحْكامَ ألفاظ الطفلِ في المعاملاتِ وغيرهَا:

3397- أما حكمه في العباداتِ، فقد مضى. وأما إسلامه، فسيأتي ذلك في كتاب اللقيط.
وشهاداته مردودة، وفي روايته ولا عرامة به خلافٌ، وفي وصيته-والتدبيرُ من الوصية- قولان.
وإذا انضم إلى قوله قرينة تتضمن تصديقَه، مثل أن يفتح البابَ ويخبر عن إذن صاحبها بالدخول، أو يخبر-في بعثه الهدايا والتحف- عن حقيقتها.
فإن انتفت العرامةُ، وجرى ما ذكرناه مرسلاً، ولا قرينة، فتصديقه فيما يخبر عنه محمولٌ على الخلاف في قبول روايته. وإن انضم قرينة مصدقة، نُظر: فإن بلغ الأمرُ إلى العلم، سقط أثر قوله، وإن لم تنته القرينة إلى العلم، فلأصحابنا طريقان: منهم من خرَّجه على الخلاف في روايته، ومنهم من قطع بالتعويل عليه، واستمسك بعاداتِ الأولين، في اعتماد مثل ذلك.
ولا تصلح عبارته لشيء من العقود خلاَ الوصيةَ والعبادة. فلا تستقل ولا تصح عبارته بإذن من يليه. ولا فرق بين أن يكون من يليه عنده يراقبه، وبين أن تقدّر غيبته عنه، وهذا يؤخذ من سقوط عبارته في هذه القواعد عندنا. والخلاف مشهور مع أبي حنيفة.
واختلف أصحابنا في بيع الاختبار، وذلك أنا قد نرى للولي أن يخبُرَ الصبي إذا ناهزَ الحلم؛ حتى يستبينَ رشدَه في الوجوه. فإن رأى أن يفوض إليه عقداً حتى يتعاطاه، وهو يراقبه ليستبين تهدِّيه وكَيْسه، فهل ينفذ ذلك؛ المذهب أنه لا ينفذ. واشتهر عن بعض الأصحاب تنفيذ هذا العقد وهذا لا وجه له. ولا أصل في قاعدة المذهب لهذا.
3398- والصبي ليس من أهل القبض فيما لا يكون من أهل العقد فيه؛ فإن القبض فيه من الخطر ما يزيد على العقد. وإذا كان القبض مملِّكاً في عقدٍ كالقبض في الهبة، فيدُ الصبي لا تصلح له، كما لا تصلح عبارتُه للفظ الذي يملِّك لو صدر من أهله.
وقال الأئمة: لو قال مالك الوديعة للمودَع: سلِّم الوديعةَ إلى هذا الصبي، فسلمها إليه، برىء؛ فإنه امتثل أمرَه، فيما هو خالصُ حقه.
ولو قال للمودعَ: ألقِ هذه الوديعةَ في النارِ، فألقاها، بَرِىء.
ولو قال مستحق الدين لمن عليه الدين: سلّم حقي عليك إلى هذا الصبي، فإذا فعل، لم يبرأ، حتى لو ضاع من يد الصبي، فحق مستحِق الدين باقٍ في ذمة المديون؛ فإن يد الصبي لا تصلح للقبض، ولم يتعين بعدُ حق ذي الحق حتى يكون قولُه هذا بمثابةِ الرضا بإتلاف حقه.
ولو قال لمن عليه الدين ألْقِ حقي في هذه النار، فإذا ألقى مقداره فيها، لم يبرأ؛ فإن ما يلقيه حقُّ الملقي بعدُ إلى أن يتعيَّن بقبضٍ صحيح، هو المملِّكُ في العين.
وهذا ظاهر.
ثم إذا ضاع ما سلمه إلى الصبي فبقاءُ الحق على ما وصفناه، ولا ضمان على الصبي.
وقد قال الأئمة إذا أودع الرجل شيئاً من ملكه عند صبي، فضاع في يده بسبب ترك الحفظ، فلا ضمان والمضيعُ ربُّ الوديعة؛ إذْ وضعها عند من ليس أهلاً لها.
ولو أتلف الصبي الوديعة ففي وجوب الضمان عليه وجهان سيأتي ذكرهما في كتاب الودائع:
أحدهما: لا يجب الضمان؛ فإن المودِع هو المسلِّط على الإتلاف.
ولا خلاف أنه لو باع منه شيئاً وسلمه إليه، فأتلفه، لم يضمن؛ فإن التسليم في البيع تسليط على وجوه التصرّف، بخلاف التسليم في الوديعة.
وقال المحققون: لو دفع الصبي ديناراً إلى صراف لينقده، فإذا أخذه منه، لم يجز أن يرده عليه، وهو مال الغير حصل في يده، فليردّه على مالكه، فإن رده على الصبي دخل في ضمانه، يعني في ضمان الصراف، حتى لو ضاع في يد الصبي، ضمنه الصرّاف.
ولو ظفر الصبي بدرهم، فاشترى به شيئاً فأكله، فما أكله لا ضمان عليه فيه، وما قُبض منه فقابضه مضمون عليه. أما الضمان فبيّن. وإهدار ما أكله معلل بتسليط المالك إياه على الإتلاف.

.باب: مداينة العبد:

3399- نذكر في الباب قاعدتين:
إحداهما: في العبد المأذون في التجارة
والثانية: في العبد الذي ليس مأذوناً له في التجارة.
فأما المأذون، فالأولى تصدير حكمه بحقيقة أمره، فمذهبنا أن السيد إذا أذن لعبده في التجارة، فعقوده فيها واقعة للمولى، والعبدُ مستنابٌ فيها. فإن سَلّم إليه مالاً، وأمره بالتجارة، فالمعنى الذي ذكرناه ظاهر في هذه الصورة؛ فإنه لو سلم هذا المال إلى حرٍّ مطلق، وأمره بأن يتصرف فيه عنه، كان التصرف للآمر؛ من حيث أن ما يباع فهو مالُه، وإذا خرج عن ملكه، انقلب العوضُ إلى مخرج المعوَّض، فإذا كان هذا قولَنا والمأمور حر مطلق، فالعبد بذلك أولى.
وإن لم يسلّم إلى العبد شيئاً، وأمره بأن يشتري ويؤدي الثمنَ من كسبه، فكسبه ملك المولى، ولا يكتسب شيئاً إلا ويصير عينُ المكتسب عينَ مال السيد. ثم يقع تصرفه فيه بمثابة تصرفه في سائر أعيان مال المولى.
وقال أبو حنيفة: المأذون له في التجارة يتصرف لنفسه، وهذا نظر زائلٌ عن منهاج الحق. وإنما حمله على هذا ظنٌّ له في أحكام العُهدة، ونحن نختتم بذكرها آخر مسائل المأذون.
3400- ونعود الآن فنقول: إذا ركب المأذونَ ديونٌ، فما ركبه من ديون التجارة على حسب الإذن، فهو متعلق بذمته وكسبه، أما معنى التعلّق بالذمة، فيظهر في أنه يطالب بالملتزَم إذا عَتَق، وأما التعلق بالكسب، فمعناه تعيّن الكسب لأداء ما التزمه.
والحقوق المالية ثلاثة أقسام: منها ما يلزم بغير رضا مستحق الحق كأروش الجنايات. ومتعلقها في الحال الرقبةُ، وفي تعلّقها بالذمة خلاف، جرى منا التنبيه عليه، واستقصاؤه في آخر كتاب الديات.
وأثر الخلاف في التعلق بالذمة أنا إن حكمنا بالتعلّق فلو عَتَقَ، اتّبع بالأرش بالغاً ما بلغ، وإن لم نحكم بالتعلّق، انحصر حقُّ المجني عليه في رقبته وماليَّته، فلا يتبع إذا عَتَق بشيء.
هذا بيان هذه الجملة على الإرسال.
والقسم الثاني- ما يجب برضا ذي الحق، وبإذن المولى، فيتعلق بالذمةِ لا محالة، ويتعلق بالكسب، ولا يتعلق بالرقبة.
وما يثبت برضا ذي الحق من غير إذن المولى، فهو الذي يتعلق بالذمة على الإطلاق دون الكسب. وعنده يقول الفقيه: لا يطالَب به مادام رقيقاً رعايةً لحق السيد، فيتبع إذا عَتَقَ.
وإن كوتب، فأوْجبت له الكتابةُ الاستقلال، فظاهر المذهب أنه لا يطالَب بديون الذمة، التي تثبت في حالة الرق؛ فإنه بعدُ مملوك، ولا يبعد أن ينقلب قِناً، ولهذا رُدت تبرعاتُه. وسيأتي هذا في الكتابة، إن شاء الله تعالى.
فهذا تقسيم أوّلي.
3401- والذي نبدأ به الآن تفصيلُ القول فيما يتعلق بالكسب وهذا ينقسم قسمين:
أحدهما: ما يتعلق بالكسب مع التقييد بالتجارة.
والثاني: ما يتعلَّق بالكسب مطلقاً.
فأما ما يتعلق بالكسب والإذنُ متقيد بالتجارة، فنقول فيه: ما يلتزمه من ديون المعاملة وهو مأذون في التجارة، يتعلق بما اكتسبه من رأس المال، وهو الأرباح، ويتعلق برأس المال نفسِه، لا خلاف فيه وإن لم يكن من كسبه؛ فإن الإذن في التجارة يعيّنُه متعلَّقاً لحقوق التجارة. وإذا كان الإذن المطلق في الضمان والشراء والنكاح يتضمن تأديةَ الملتزَم من الكسب، وإن لم يجر له ذكر، فتعيُّن رأس المال لتأدية ديون المعاملات أوْلى.
وإذا فرض للعبد كسب، لا من جهة التجارة: مثل أن يحتشَّ أو يحتطب، ففي تعلق ديون معاملاته المأذونة بما يكتسبه، لا من جهة التجارة وجهان:
أحدهما: أنها تتعلق بها؛ فإنها لزمت بإذن المولى، فضاهت مهرَ النكاح ومؤنها الدارّة.
والوجه الثاني- أن ديون المعاملة والإذن تتقيد بالتجارة لا تتعلق بهذه الاكساب؛ فإن تخصيصه جهةَ التجارة يتضمن حصرَ التأدية في أموال التجارة. وليس كما لو كان الإذن مطلقاً.
والأظهر تعلُّقُ الديون بجميع أكسابه؛ فإن الإذن في التجارة رضا من المولى في الالتزام، والرضا به مشعرٌ بالإذن في التأدية. وأقرب المجال الكسبُ.
وإذا أحاطت الديون بالعبد المأذون واطرد الحجر عليه باستدعاء الغرماء، وقُسم المال الحاصل على الديون، فما يفضل بعد قسمة تلك الأموال كيف السبيل فيه؟ فعلى وجهين، وهما الوجهان المقدمان. أصحهما- أن فضلات الديون يؤديها من الأكساب التي ستكون حالاً على حال. ولايزال الأمر كذلك إلى ألا يبقى من الديون شيء.
والوجه الثاني- أن الفاضل من أقدار تلك الأموال ينقلب إلى الذمة المحضة.
وهذا وإن كان يستدعي مزيد تفصيل، فهو الخلاف الأول، غير أنا فرضنا ذلك الخلافَ في مال التجارة، وأكسابٍ تحصل لا من جهتها، فجرى الوجهان. وهذه الصورة في معناها؛ فإنه إذا سلَّم طائفةً من المال إلى عبده وأذن له في التجارة وكان أحد القابلين يعتقد الحصر في تلك الأموال، حتى إذا قسمت فلو فرض بعد ذلك كسب باحتطاب، فهو على الوجهين. وإن فرض تسليم مال آخر إليه للتجارة، فهو على الوجهين أيضاً؛ فإنه غير تلك الأموال، كما أن الحاصل بالاحتطاب غيرها.
التفريع على الوجهين:
3402- إن رددنا فاضل الديون إلى الذمة المحضة، فلا كلام.
وإن رددناه إلى الكسب، فلو باع سيد العبد العبدَ، فالتعلق بالكسب لا ينقطع، وقد صارت الأكساب على هذا الوجه مستحقة التعلق إلى تمام البراءة.
وإذا نكح العبد بإذن مولاه وتعلق المهر والنفقة بكسبه، فإذا باعه سيدُه، لم ينقطع التعلق. ثم لا شك أن المشتري إذا اطلع على ذلك بعد الشراء، ثبت له الخيار في فسخ البيع، وإن رددنا فاضل الديون إلى الذمة، فلا خيار للمشتري؛ إذ لا ضرر عليه في تعلق دينٍ بذمته، إذا كان رقه وكسبه متخلصين له. وخالف أبو حنيفة في هذا.
ولو عَتَقَ العبد قبل أن يتفق أداء فاضل الديون، فلا شك أنه يطالَب به؛ فإنه لا يتصور أن يتعلق دين بالكسب إلاَّ وهو متعلق بالذمة.
ثم إذا أدى ما عليه بعد العتق، فهل يرجع به على مولاه؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا يرجع به؛ فإنه من آثار تصرف السيد في محلِّ ملكه، ولا تبعة على المتصرف في محل الملك، وما أدى الدينَ منه بعد الحرية بين أن يكون في حكم المستَحَق بالتصرف السابق في حالة الرق، وبين أن يقال: ما يرجع إلى الذمة المحضة، فالعبد مختص بالالتزام فيه، فلا نجد مرجعاً لما اختصَّ بالتزامه.
والوجه الثاني- أنه يرجع؛ فإن تصرف السيد جرَّ على العبد هذا الغرم بعد العِتاق وانقطاع علائق استحقاق المولى، فكأنه ورَّطه في هذا الغرم، وهو لا يستحقه بحق ملك الرق.
وعبَّر الأئمة عن هذا النوع وقالوا: اختلف الأصحاب في أن المولى هل يتصرف في عبده تصرفاً يبقَى ضررُه بعد العتق، ويعدُّ ذلك من بقايا الاستحقاق بعد العتاق كالولاء؟ فمنهم من قال: لا يستحق السيد هذا، وإن وقع، فهو بشرط الضمان، وهذا القائل ينظر إلى حالة العَتاقة وانقطاع السلطان.
والثاني: يملك ذلك ويستحقه ولا مرجع. وهذا القائل ينظر إلى حالة الرق.
ومن هذا الأصل إذا أجر السيد عبده، ثم أعتقه في أثناءِ المدة، فإذا حصل الوفاء بالإجارة فهل يرجع بمثل أجرة نفسه في المدة الواقعة بعد العتق على سيده؛ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما في الإجارة. وفي ملك العبد فسخها إذا عَتَق تفصيل يأتي في كتاب الإجارة، إن شاء الله تعالى.
وإذا ضمن العبد عن مولاه دَيْناً كان عليه بإذنه، ثم أدَّاه بعد العتق، فهل يرجع به على المولى؟ فعلى ما ذكرناه من الوجهين.
3403- هذا قولنا في متعلق ديون العبد المأذون في التجارة، ويخرج مما قدمناه أولاً، وفصلناه آخراً أن ديون التجارة لا تتعلق برقبة العبد؛ فإنها ليست محل التجارة وليس ما يلتزمه على قياس أروش الجنايات؛ ولهذا قال أئمتنا: لا يؤاجر العبد المأذون نفسه؛ فإن رقبته ليست محل تصرفه. وهل يؤاجر الأموال التي يتجر فيها؟ على وجهين:
أحدهما: أنه يؤاجرها؛ فإن السيد أذن له في استنمائها وتحصيل الفوائد منها بالجهات التي تعد استنماء.
والوجه الثاني- أنه لا يملك ذلك؛ فإن الإجارة لا تعد من أنواع التجارة، وفيها حجر في بعض المذاهب مانع من التجارة الحقيقية؛ فإن المكرَى لا يباع في قولٍ.
وفي المأذون وتصرفاته، وتصرفات المولى فيما في يده أحكام سيأتي ذكرها في كتاب النكاح، إن شاء الله تعالى، ولو جمعنا أحكام المأذون، لطال الباب، ولسنا نلتزم مثل هذا؛ فإنه يُحوج إلى الخروج عن التزام ترتيب السواد.
3404- فإن قيل: بيّنوا أحكام العُهدة بين السيد والعبد، وبين تعامل العبد وبين السيد.
قلنا: ظن أبو حنيفة وأصحابُه أن عُهدة العقود التي يعقدها المأذون تنحصر عليه، ولا تتعداه إلى مولاه، وبنَوْا على ذلك مصيرهم إلى أن العبد متصرف لنفسه، ونحن نذكر ما ظنوه في معرض الأسئلة والإلزامات، ثم نبيّن المذهبَ في معرض الأجوبة عن تلك الأسئلة.
قالوا: لو اشترى المأذون شيئاً لا يطالَب المولى بثمنه، بل العبد هو المطالب، وإذا اشترى الوكيل شيئاً لموكله، فللبائع مطالبة الموكِّل بالثمن. وقالوا: إذا غرم المأذون بعد العتق دينَ معاملة، لم يرجع على السيد، ولو غرِم الوكيل ثمن العقد، رجع على الموكل. وقالوا: إذا باع المأذون سلعة، وأخذ ثمنها واستُحِقَت السلعة، فالرجوع بالثمن على العبد دون المولى.
فهذه أسئلتُهم.
واعتقدوا أنها مسلمةٌ لهم.
3405- ونحن نقدِّم على الخوض في الجواب عنها أصلاً، فنقول: إذا دفع المولى ألفَ درهم إلى عبده ليتجر فيه، فاشترى به شيئاً، ثم تلف الألف في يده، نُظر: فإن عيّن الألفَ وتلف، انفسخ به العقد، وارتد به المبيع إلى ملك البائع.
وإن كان قد اشترى في الذمة سلعةً بألف، وكان على صرفِ الألف إلى الثمن، فتلف في يده، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن العقد باقٍ، وعلى المولى إخراج ألفٍ آخر؛ فإن العقدَ وقع له، ولم يتعين الألف بالتعيّن، فعلى السيد الوفاء بعهدة العقد. هذا هو الصحيح.
والوجه الآخر أن السيد لا يلزمه إخراج ألف آخر.
ثم اختلف الأصحاب: فمنهم من قال: ينفسخ العقد بتلف الألف، كما لو كان معيَّناً في العقد؛ من جهة أن السيد حصر إذنه في التصرف في ذلك الألف، فإذا فات، فقد انقطع محل الإذن، ولم يلتزم السيد على الإطلاق الوفاءَ بعقده، والانفساخُ على هذا الوجه اختيار القاضي.
ومن أصحابنا من قال: للسيد أن يؤدي الألف من سائر ماله؛ فإن العقد صحّ له، فإن فعل، جرى العقدُ ونفذ، وإن أبى، فالبائع يفسخ العقدَ حنيئذٍ.
وكان شيخي يختار هذا الوجه، وهو أمثل من الوجه الأول. والوجهان في الأصل قبل التفريع ينبنيان على ما إذا دفع الرجل ألفاً إلى واحد قِراضاً، فاشترى به شيئاً من غير تعيين، ثم تلفط الألفُ قبل تسليمه، فهل يجب على المالك ألفٌ آخر؟ أم ينقلب العقد إلى المقارِض العامل؟ وسيأتي شرح ذلك، إن شاء الله تعالى.
فإن قلنا: في مسألة القراض: على ربّ المال توفيةُ الثمن، فعلى السيد ذلك أيضاً. وإن قلنا: العقد ينقلب إلى العامل، وينفذ عليه، فلا يجب على السيد تأديةُ ألف آخر، ثم يعود الكلام إلى الخلاف الذي قدمته في الانفساخ.
ثم إذا قلنا: على السيد أن يأتي بألف آخر، فقد ذكر أئمتنا وجهين في أن العامل هل يتصرّف فيه بحكم الإذن السابق؟ أم لابد من إذن جديد فيه؟ وبنوا هذين الوجهين على ما إذا أوجبنا على مالك رأس المال في القراض أن يأتي بألف آخر، فرأسُ المال ألفٌ أم ألفان؟ فيه وجهان، سيأتي شرحهما، إن شاء الله تعالى.
وإن غمض على الناظر أن يصير الألف الثاني من رأس المال، ولم يكن مذكوراً حالة العقد، قيل له: هو تابع للألف الأول، والعقد عليه، وإذا تبعه، كان ملحقاً به كما يلتحق حطُّ أرش العيب بالعقد حتى يُحَط من الشفيع، وإن كان يأخذ الشقصَ بالثمن المسمَّى في العقد.
ولسنا نلتزم الآن شرح هذه المسألة في أحكام القراض، ولكن لابد من كشف ما ذكرناه في أحكام المأذون، وكيف تصوير الوجهين، والسيد هو الذي يخرج الألفَ، وإنما يطالبه بائع السلعة، لا العبدُ. فما معنى ترديد الكلام في تصرف العبد فيه؟ وليس للعبد أن يمد يده إلى الألف من مال السيد؟
فالوجه في ذلك أن نقول: إذا أدى الألفَ، ثم فُرض ارتفاع العقد بسببٍ، فالعبد هل يستقل بالتصرف في الألف الراجع؟ فيه الخلاف المقدم. وهو مأخوذ من التحاق الألف برأس المال في القِراض.
وينبني على تحقيق هذا أنا إذا قلنا: لابد من إذنٍ جديد، فالعبد يصير محجوراً عليه بتلف الألف؛ فيرتدُّ العقد إلى تصرف السيد، حتى إن فُرض فيه فسخ، فهو الفاسخ، وهو المخاطب بأحكام العقد.
وإن ألحقناه برأس المال، فتصرُّفُ العبد قائم في العقد على حسب الغبطة.
ثم إن قلنا: تصرّف العبد باقٍ في العقد، فالمطالبةُ والتعلّق بالذمة على الاستمرار الذي كان. وإن قلنا: يرتدّ العقد إلى السيد، ففي بقاء التعلق بذمة العبد وكسبه تردد، فليتأمله الناظر.
3406- فهذا أصل قدمناه في الكلام على أحكام العُهدة، وعاد-بعده- بنا الكلامُ إلى الجواب عن أسئلتهم.
فإذا باع المأذون سلعةً، وقبض الثمنَ، واستُحِقَّت السلعةُ، وقد كان تلف الثمن في يد العبد، فالمذهب الصحيح أن المشتري يرجع إلى المولى بالعهدة؛ فإنّ يدَ العبد يدُه، فكأنه البائع والقابضُ للثمن. ولسنا نبرىء العبد عن الضمان؛ فإنه خائضٌ في العقد بإذن المولى.
هذا هو الأصح.
ومن أصحابنا من قال: لا طَلِبةَ على العبد، وعبارته مستعار في الوسط، ويده يدُ سيده. وهذا مزيف، لا أصل له؛ فإن يدَه يدُ ضمان في عقد مضمَّن، وقد جرى ما جرى بإذن المولى.
هذا إذا قلنا: السيد يطالب بما تلف في يد العبد.
ومن أصحابنا من قال: لا مطالبة على السيد. وهذا لا أصل له. ولولا أنَّ في التقريب رَمْزاً إلى هذا، وإلا كنتُ لا أذكره. ولا شك أنه إذا سلّم العبدُ الثمنَ إلى السيد، ثم ثبت الاستحقاق، فالعهدة متعلقة به.
هذا جوابنا عن الاستحقاق.
والحاصل المعتمد فيه أن السيد يطالَب والعبدُ في العهدةِ أيضاً. ثم العهدةُ في حق العبد تتعلق بذمته وكسبه.
وأما قولهم: لو عَتَقَ المأذونُ وغرِم دينَ المعاملة، لم يرجع، فقد تكلمنا على هذا الفصل فيما تقدم.
فإن قلنا: يرجع، فهو على قياس الوكيل. وإن قلنا: لا يرجع، فليس هو لوقوع العقد له وانحصارِه عليه؛ إذ لو وقع العقد له، لكان المبيع في يده، كما أن الثمن عليه. فإذا كان المبيع في يد السيد، دَلَّ أن تغريم العبد بعد العتق-من غير إثبات مرجع له- من أصل آخر، وهو أن السيد تصرّف في حالة الرِّق تصرفاً، لم ينقطع ضراره بالعتق. وقد مهدنا هذا الأصل.
وأما قولهم إذا اشترى المأذونُ شيئاً للتجارة، لم يطالَب السيد بالثمن في الحال.
وهذا فرضوه فيه إذا كان في العبد وفاءٌ، فقد ظهر الخلاف في هذه الصورة: فمن أصحابنا من قال وهم القيّاسون: يطالب السيد بالثمن، كما يطالب الموكَل بثمن العقد الذي عقده الوكيل؛ لأن العقد وقع له، ومِلْكُ الثمن عليه، كما مِلْكُ المثمن على البائع.
ومن أصحابنا من قال: لا يطالَب السيد إذا كانت مطالبة العبد ممكنة، وكان ما في يده وافياً، وليس هذا لوقوع العقد للعبد، وإنما هو لتنزيل السيد عهدَ عقدِ عبدِه على ما سلمه إليه، فكان كل من يعامله يُنزِل أمره على هذا، ولهذا الفقه تعلّق دينُ المعاملة بما في يده، ولولا ذلك، لما صار رأسُ المال مرتهناً بدين المعاملة.
ثم الدليل على أن سبب انقطاع المطالبة عن السيد هذا- أن العقد لو وقع للعبد، لما تعين له مالُ السيد. وقد ذكر أصحابنا في المقارِض والمقارَض هذا الخلاف بعينه. وإن كان عقد المقارِض لا يقع لنفسه، ولكن معاملة القِراض منزلةٌ على مال معيّن، فنشأ منه الخلاف الذي ذكرناه.
ولو سلم رجل إلى وكيل ألفاً وقال: اشترِ لي عبداً وأد هذا الألفَ في ثمنه، فإذا اشترى الوكيلُ، فلأصحابنا طريقان في مطالبة الموكل: منهم من خرجه على الخلاف المذكور في رب المال والعامل، ومنهم من قال: لا حكم لهذا التعيين مع الوكيل.
والقياسُ طردُ الخلاف في الوكيل.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كان ما في يد العبد المأذون وافياً فهل يطالَب السيد؟ فهو على ما تقدم.
3407- فأمَّا إذا قصر ما في يده عن الدَّيْنِ الذي ركبه، فيفرض هذا في تلف بعض ما في يده، وإذا تلف جميع ما في يده، فقد مضى الكلام في أنه هل يجب على السيد توفيةُ الثمن، من سائر ماله؟ فهذا ذاك بعينه.
وإذا ضممنا صورة الوفاء إلى الصورة التي لا وفاء فيها، انتظم في الصورتين ثلاثةُ أوجه. أحدها: أن السيد لا يطالَب فيهما.
والثاني: أنه يطالب فيهما. والثالث: أنه لا يطالَب وفي المال وفاءٌ. ويطالب إذا لم يف ما في يد العبد بالمقدار المعقود.
ثم لا خلاف أن العبد مطالب.
واختلف الأصحاب في أن الوكيل بالشراء هل يطالَب بالثمن إذا أضاف الشراء إلى نفسه، ولم يعقد العقد على صيغة السفارة؟ وفي عُهدةِ العقد في حق الوكيل والموكّل كلامُ سيأتي مشروحاً في الوكالة إن شاء الله تعالى.
والقدر الذي نذكره الآن الفرق بين المأذون؛ فإنه مطالبٌ في حال الرق وبعد العتق وبين الوكيل وفيه عسر.
والممكن فيه أن السيد يستخدم عبده في أمره بالشراء، ويُلزمه أن يمتثل أمره.
وليس على الحر أمرٌ من جهة موكَله، فإذا التمس منه التوكيلَ عنه والنيابة، تمحّض معنى النيابة، وعقد العبد يعتمد أكسابَه وهي مملوكة للمولى، ثم لا يتأتى تعلّق الطَّلِبة بأكسابه من غير فرض التعلق بالذمة. ولا يتحقق هذا في الوكيل.
فهذا هو الفرق بين الموقفين.
3408- ثم ذكر الأصحاب المسائل الخلافية بيننا وبين أبي حنيفة في أحكام المأذون، ونحن نذكر ما نطلب بها بيان مذهبنا وتمييزَ أصلنا عن أصل أبي حنيفة:
فمما أجريناه أن ديون المعاملة لا تتعلق برقبة العبد المأذون، وتتعلق بالمال الذي في يده.
وقال أبو حنيفة: تتعلَّق بذلك المال وبالرقبة.
ومن المسائل أن المأذون لا يؤاجر نفسه عندنا، وذكرنا الخلاف في إجارته ما يقبل الإجارة من الأموال التي تحت يده.
ومنها أن السيد إذا أذن لعبده في نوع من التجارة، لم يصر مأذوناً في غيره.
خلافاً لأبي حنيفة.
وهذا مبني لنا على أن العبد يتصرف لمولاه.
ولو رأى السيد العبد يتصرف، فسكت، لم يكن سكوته إذناً في التصرف الذي عاينه، ولم يكن إذناً في التجارة.
وأبو حنيفة جعل السكوت إذناً في التجارة، ولم ينفذ به التصرف الذي اتفق السكوت عنده.
ومن المسائل أن المأذون إذا أبق، لم ينعزل بالإباق، ولم ينقطع الإذن.
وقال أبو حنيفة: ينقطع، وتصرفه على حكم الإذن نافذ في الإباق إلاَّ أن يكون الإذن يقيد بالتصرف في البلدة التي بها السيد، فلا ينفذ في غيرها.
ومنها أن المأذون لا يأذن لعبده في التجارة، كما أن المقارِض لا يقارِض، وللمقارض أن يُوكِّل. والأصح أن المأذون يملك ذلك في آحاد التصرفات، وإنما يمتنع إقامته غيرَه مقام نفسه.
وأجاز أبو حنيفة أن يأذن المأذون لعبده؛ بناءً على أنه يتصرف لنفسه.
ومنها أنه ليس له اتخاذ الدعوة وجمع المجهزين.
خلافاً لأبي حنيفة.
ومنها أنه لو ركبته الديون لم يَزُل ملك السيد عن المال في يده.
وقال أبو حنيفة: يزول ملكه عنه ولا يدخل في ملك الغرماء.
ومنها أن المأذون إذا احتطب أو اصطاد، لم ينضم ما حصله من هذه الجهات إلى رأس المال حتى يتصرف فيه تصرّفه في رأس المال. نعم، في تعلق ديون معاملاته بالمكتسب من هذه الجهات وجهان تقدم ذكرهما.
وقال أبو حنيفة: ينضم ما يحصّله إلى رأس المال في نفوذ التصرف.
ومنها أن المأذون لا يعامل سيده وإن ركبته الديون.
وقال أبو حنيفة: له معاملته إذا ركبته الديون.
ومنها أنه لا يشتري أبَ سيدِه وابنَه بمطلق الإذن في التجارة؛ فإنّ ذلك لو صح، لألحق ضرراً بالسيد وخسره مالاً، وهو نقيض التجارة.
وقال أبو حنيفة: يصح ذلك منه.
ومنها أن العبد إذا ادّعى أن سيده أذن له في التجارة، فليس لأحد معاملتُه ما لم يعلم إذنَ السيد من جهته، أو من بينة تقوم.
وقال أبو حنيفة: تصح معاملته.
واختلف أصحابنا فيه إذا شاع الإذن في الناس، ولعل الأصحَّ الصحة؛ فإن إثبات الإذن على كلّ معامل بتسجيل القاضي شديد. ولو عامله إنسان ولم يدْرِ كَوْنَه عبداً، نفذت المعاملة، فليس علم من يعامِل بحقيقة الحال شرطاً.
ثم على من علمه عبداً رقيقاً أن يمتنع من الإقدام على معاملته من غير ثبت. ولو علم من يعامله كوْنه عبداً، فعامله، ثم تبين أنه كان مأذوناً، فهذا يقرب خروجه على قسم من وقف العقود. وهو إذا باع الرجل مالَ أَبيه على اعتقاد حياته، ثم استبان وقوعُ البيع بعد وفاته.
وكان شيخي أبو محمد يقول: لو باع الرجل مالَ أبيه وظنَّه مال نفسه غالطاً، ثم تبين أنه كان مالَ أبيه وكان ميتاً حالة العقد. قال: هذا العقد يصح قولاً واحداً؛ فإنه لم يبنه على خلاف الشريعة. وهذا الذي ذكره على حسنه محتمل.
ومنها أن العبد المأذون إذا زعم أن سيده حجر عليه، وقال السيد: لم أحجر عليه، لا تجوز معاملته في ظاهر المذهب؛ لأنه يزعم أن التصرّفَ معه غير صحيح، ومبنى التصرّف في ظاهر الأمر على قول العاقد.
ومن أصحابنا من صحح التصرف بناء على قول السيد. وهذا مذهب أبي حنيفة.
ومنها أن السيد لو أذن للعبد المأذون أن يأذن للعبدِ الذي في يده للتجارة، صحّ ذلك. ثم لو حجر السيد على المأذون الأول، صح، واستمر الثاني مأذوناً. ولو أراد أن يحجر على العبد الثاني، صح.
وقال أبو حنيفة: لا يصح الحجر على العبد الثاني ما لم يرده إلى يده.
ومنها أن إقرار المأذون نافذ بدين المعاملة، وهذا متفق عليه. ولو أقر بشيءٍ منه لأبيه أو ابنه، صح.
وقال أبو حنيفة: لا يصح.
ومنها أنه لو كان في يده عين مالٍ، فأقرَّ بأنه مغصوب أو وديعة، لا يصح إقراره؛ فإن إقراره يصح فيما يتعلق به الإذن في التجارة.
وقال أبو حنيفة: يصح.
ومنها أنه لو علم رجل أنه مأذون، وعامله، ثم امتنع من التسليم إلى أن يقع الإشهادُ على الإذن، فله ذلك؛ فإنه لو سلم كان على غرر. وقد ينكر السيد أصل الإذن. وهذا كما لو ادّعى رجل أن فلاناً وكَّلني بقبض حقه منك، فصدقه بذلك مَنْ عليه الحق، فله ألا يسلمَ إليه ما لم يُشْهِد على أنّه وكله. وهذا الأصل فيه تردد واحتمال سيأتي في كتاب الوكالة.
وقد اشتمل ما ذكرناه على معظم أحكام المأذون، لم يشِذ منه إلاَّ تصرّف السيد في المال الذي في يد المأذون قبل أن تركبه الديون، وبعد أن تركبه، وهذا ذكره الشافعي في مسائل النكاح، عند ذكره نكاحَ العبد، ومتعلّق المهر والنفقة.
3409- وقد نجز ما أردناه من تعلق ديون المأذون. وكنا ذكرنا قسمين:
أحدهما: المأذون له في التجارة، وقد نجز.
والثاني: في المأذون له في تصرف يُلزِم الذمةَ عوضاً مطلقاً، من غير أن يتضمن الإذنُ حصراً للتصرف في مالٍ، وهذا بمثابة ما لو أذن السيد لعبده أن ينكح، فهذا إذْنٌ بالتزام المهر والنفقة، وكذلك لو أذن له في أن يشتري مطلقاً، أو أذن له في أن يضمن ديناً.
فهذه جهات في التزامٍ جَرَت عن إذن السيد، ولا تعلق لأدائها بأموالٍ خاصة، بخلاف ديون المعاملة في حق المأذون له في التجارة، فما يكون كذلك، فهو يتعلق بجميع جهات كسب العبد التي منها الاحتطاب والاحتشاش والاحتراف-إن كان محترفاً صَنَاعَ اليد- ثم جميع جهات الكسب بالإذن المطلق تصير مستغرقة بالديون التي تلزم من هذه الجهات؛ حتى لا يجوز للسيد أن يستغلَّها قبل أداء الديون المتعلقة بها إلاَّ على شرط ضمان.
ولو استخدم عبده يوماً أو أياماً، ففيما يلزمه تفصيل مذكور في كتاب النكاح.
ولو التزم ديوناً مطلقةً كما وصفناها بالإذن المطلق، ثم كان مأذوناً له في التجارة في أموالٍ في يده، فالديون المطلقة تتعلق بما يستفيده بالتجارة، اتفق أصحابنا عليه.
وفي تعلق ديون التجارة بسائر جهات الكسب سوى التجارة خلافٌ قدمناه، واختلف أصحابنا في تعلق الديون المطلقة بعين رأس المال، ولم يختلفوا في تعلق دين التجارة بها.
فهذا نهاية التفصيل في متعلقات ديون العبد إذا ثبتت عن إذنٍ مطلق أو مقيد بالتجارة.
3410- وقد انتهينا إلى تفصيل ما يصدر من العبد المحجور من غير إذن السيد، فالوجه أن ننص على مواقع الإشكال، ولا نُطنب بالتقاسيم.
فكل تصرف يتعلق بالرقبة، فلا يملك العبد الانفراد به: من جملتها النكاح، وهو الذي يكاد يغمض تعليله، فلا ينكح العبد دون إذن مولاه، ولو صححنا نكاحه دونه، لزمنا أن نبيح له قضاءَ وطره، وذلك يوهي مِنهُ القُوى، ولا ضبط له، ولا منتهى، ويستحيل تصحيح النكاح ووقف التحليل على مراجعة السيد، فكان النكاحُ متعلقاً بالرقبة من الوجه الذي ذكرناه.
3411- وأما التصرفات المتعلقة بالذمة، ففيها الكلام، وهي المعنيّة، فإذا اشترى العبدُ المحجور عليه شيئاً بغير إذن سيده، ففي صحة شرائه وجهان ذكرهما العراقيون، والشيخ أبو علي:
أحدهما: لا يصح، وهذا الذي قطع به الإمام وصاحب التقريب.
والثاني: يصح شراؤه؛ فإنه يعتمد ذمته، والسيد لا يملك ذمةَ عبده.
وذهب هؤلاء إلى بناء الوجهين على قولين في أن المحجور عليه بالفلَس إذا اشترى شيئاً في زمان اطراد الحجر عليه، ففي صحة شرائه قولان سيأتي ذكرهما.
وزعم من ذكرناهم أن العبد محجور عليه لحق غيره كالمفلس، ولا حجر على الذمة، وهذا لا أصل له.
والفرق أن المفلس من أهل التملّك والعبد ليس من أهله، وعماد الشراء إمكان الملك للمشتري.
ثم من صحح الشراء، قال: إنما تترتب صحة الشراء على قولنا القديم في أن العبد يُتصوّر أن يملك، وهذا مشكل على هذا القول أيضاً؛ فإن العبد إن صُوّر له ملك، لم يُصوّر إلا من جهة تمليك السيد إياه، فأما التمليك من جهة غيره، فلا مساغ له، ولا يمكننا أن نقول: المبيع يدخل في ملك السيد قهراً كما يحصله العبد من جهة الاحتطاب والاحتشاش وغيرهما؛ فإن تلك الجهات أفعال تقع لا مردَّ لها، والعقود يتطرق إليها الفساد، والصحة.
ثم الذي ذكره العراقيون في قول الصحة أن الملك في المبيع يقع للعبد، ثم السيد فيه بالخيار: إن شاء أقره عليه، وإن شاء انتزعه من يده؛ فإنه يستحيل أن يثبت للعبد ملكٌ مستقر لا يُزيله سيده.
ثم قال المفرعون على ذلك: إن لم يأخذ السيد المبيع من عبده، فالبائع بالخيار إن أراد فَسَخَ العقد واستردَّ المبيع، كما يفسخ البائع البيعَ عند إفلاس المشتري بالثمن، والتعذر أظهر في العبد؛ فإنه مع دوام الملك لا مضطرَب له في جهات الكسب؛ بخلاف المعسر.
ولا خلاف أن الثمن الذي يلتزمه يتعلق بذمته، لا يؤدي شيئاً منها من كسبه، وإنما يطالب به إذا عَتَق.
هذا إذا لم ينتزع السيد المبيع من يد البائع، فلو نزعه من يده، وتملكه عليه، فأراد البائع أن يسترد من السيد، قالوا: ليس له ذلك؛ فإن سلطان الاسترداد يثبت مادام المبيع في يد العبد وملكه، فإذا زال نزل منزلة ما لو زال ملك المشتري الحرّ عما اشتراه، ثم أفلس بالثمن، فلا رجوع للبائع على من تملك على المفلس المبيع.
وهذا خبط عظيم، وقول مضطرِب، وكان لا يمتنع أن يقال: يَبيع البائعُ العينَ في يد السيد؛ فإنه مملوك بالثمن، فلا وجه لاستبداده به وإبطال حق البائع، وإحالته على الطَّلِبةِ بعد العتق.
ولكن الذي ذكره المفرعون ما نصصت عليه. والتفريع على الفاسد فاسد.
3412- ولو استقرض العبد المحجور عليه شيئاً بغير إذن مولاه، فهو كما لو اشتراه في التفصيل الذي ذكرناه.
ولو ضمن شيئاً بغير إذن سيده، فهذا تصرف منه في الذمة، ولا شك أنه لا يؤدي ما ضمنه من كسبه. ولكن إذا عَتَق هل يطالب بما ضمنه؟
الصحيح أنه يطالب، وليس الالتزام من جهة الضمان كالالتزام من جهة الشراء والاستقراض؛ فإن الشراء والاقتراض يشتملان على تقدير الملك للمقترض وللمشتري، وتصوير ذلك عسرٌ في العبد القن، فظهر الحكم بالفساد، وإذا فسدت الجهة، انقطع اللزوم. والضمان التزام مطلق.
ومن أصحابنا من لم يصحح ضمان العبد، ولم يوجه الطَّلِبَة عليه بالمضمون بعد العتق، وقال: التصرف في الذمة إنما يتصوّر ممن يُفرض منه إمكان الوفاء بالمضمون وحقيقة ضمان العبد يرجع إلى تعليق الضمان بما بعد العتق، وتعليق الضمان فاسد.
ولا خلاف أن العبد يخالع زوجته، فيصح ويثبت العوض، وذلك أنه مالكٌ للطلاق بالعوض وغيرِ العوض. غير أنه في حق المعوَّض كالمحتش والمحتطب. ولو احتش العبدُ أو اصطاد بغير إذن مولاه، دخل ما حصله تحت ملك المولى قهراً؛ فيقع الأمر كذلك في العوض المحصَّل. وهذا لا وجه غيرُه إذا قلنا: لا يملك العبد بالتمليك. وإن قلنا: يتصور له ملك، فلا يبعد أن نقول: يحصُل الملك في العوض له، تخريجاً على ما ذكرناه من شرائه شيئاً بغير إذن مولاه، ثم السيد يتسلط على انتزاع ذلك المال من يده وملكه.
وقد نجز غرضنا في تصرف العبد المحجور.
وأما أحكام الجنايات وأرشها، وما يتعلق بها من فداء السيد، فموضعه كتاب الجنايات.