فصل: فصل: متصل بما ذكرناه، والحاجة ماسة إلى درك معناه وفيه تبيين تحمل الشهادة من النسوان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: متصل بما ذكرناه، والحاجة ماسة إلى درك معناه وفيه تبيين تحمل الشهادة من النسوان:

12052- فنقول: إذا تحمل الرجل الشهادة على عين إنسان، واعتمد صورته، ولم يُحِط علمُه بنسبه على حسب الإمكان فيه، فيقيم الشهادة على عينه، كما تحملها على عينه، فلو غاب، لم يُقِم الشهادةَ، وكذلك إذا مات.
وقال الأصحاب: إن مات ومست الحاجة إلى إقامة الشهادة يُحضَر مجلس الحكم، ويقيم الشهود الشهادة على عينه، ولو دفن ومست الحاجة إلى الشهادة، قال القاضي: لا ينبش بعد الدفن، وهذا فيه نظر، إذا اشتدت الحاجة، وقرب العهد، ولم ينته إلى التغير الذي يحيل المنظر، فإنا قد نرى النبش بحقوق الآدميين في كون الكفن غصوباً، كما قدمناه في كتاب الجنائز، والأظهر ما ذكره القاضي.
وإذا تحمل الشهادةَ على عين إنسان، وعرف نسبه، فيشهد على عينه في حضرته، ويعتمد النسبَ في غيبته، وإذا عرفه باسمه أحمد، وربما كان يثبته بذلك، فلا يشهد عليه باسمه واسم أبيه؛ فإنه لا يثبت عنده في انتسابه إلى أبيه، ويخرج منه أنه إذا كان لا يعرفه إلا باسمه، فقد لا تنفع الشهادة في غيبته، وإذا عرفه باسمه واسم أبيه: أحمد بن عبد الله، لم يشهد عليه باسمه واسم أبيه وجده؛ فإنه لا يثبت عنده في اسم
الجد.
قال القاضي: ورد كتاب من القاضي إلى الققال رحمه الله ليزوّج فلانة من خاطبها أحمدَ بنِ عبد الله، فكان ذلك الإنسان من جيران الشيخ، فقال رحمه الله: أنا لا أعرفك بأحمدَ بنِ عبد الله، وإنما أعرفك باسمك: أحمد، ولم يزوّج.
فلو قال قائل: هل يجوز في مثل هذه الواقعة أن يسمع المكتوب إليه بينةً على أنه أحمدُ بنُ عبدِ الله؟ قلنا: لا؛ لأن الحاكم لم يفوّض إليه سماعَ البينة على النسب، ولو فوض إليه سماعَ البينة، فلا يسمع هكذا؛ فإن البينات على الأنساب لا يسمعها القضاة إلا في دعوى تتعلق بالنسب.
12053- ومما يجب الاهتمام به الإحاطة بتحمل الشهادة على النساء، فلا يحل تحمل الشهادة على متنقِّبة، وقد جرت عادات بني الزمان بما نصفه في ذلك، ثم نوضح بطلانه.
فمن عادة المتحملين أن يعتمدوا تعريف شاهد أو شاهدين يقولان: هذه فلانةُ بنتُ فلان، حتى يقعَ التعريفُ، والمتحملُ يتحمل، ثم يؤدي الشهادة جازمةً أن فلانةَ بنتَ فلان أقرت لفلان بكذا، وهذا لا مساغ له على قاعدة المذهب. فإذا كان المتحمل لا يعرف عينها، فكيف يشير إليها عند إقامة الشهادة، ولقد كانت متنقبة عند التحمل، وتعذَّرَ اعتمادُ النسب على ما ذكرناه.
قال القاضي: أقرت امرأة بمالٍ في مجلسي، فطلب المقر له أن أسجل على إقرارها، وزعمت المقرة أنها بنتُ فلانِ بنِ فلان، وما كنتُ عرفتها بنسبها، فلم يسغ أن أقبل قولها في نسبها، ولا أن أسمع بينةً على نسبها، من غير سبق الدعوى، فنصبت قيِّماً، فادعى عليها: على أبيها مالاً، فلان بن فلان، فأنكرت أنها ابنته، فأقام الخصم البيّنةَ على أنها بنتُ فلانِ بنِ فلان، فسمعتُ البينة، وسجلت على إقرارها للأول؛ تعويلاً على النسب الذي ثبت عندي.
فقال له بعض المحصلين: هل يسوغ للقاضي مثل هذه الحيلة، وهي تلبيسٌ؟ قال: بلى؛ قال صلى الله عليه وسلم لعامل خيبر في القصة المعروفة: "أوه!! عين الربا، لا تفعلوا هكذا، ولكن بيعوا الجَمْع بالدراهم، واشتروا بها الجنيب".
وقال تعالى في قصة أيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ} [ص: 44]، ويمينه مشهورة، فأبرّه الله تعالى بما ذكر.
وهذا كلام ملتبس. والقاضي مصرح بأن له نصب القيّم ابتداء، واحتجاجُه بما ذكره دليل على اعتقاده أن ذلك مما يسوغ من القضاة ابتداؤه توصلاً إلى إثبات الغرض.
ولست أرى الأمر كذلك؛ فإنّ نَصْب القاضي قيماً، وتكليفَه الدعوى عن غائب، أو عن جهة نفسه-وإن لم يفرض قيّماً- تلقينُ دعوى باطلة، والدعوى الباطلة كلا دعوى، فكيف يسوغ بناء الشهادة عليها؟ وأنّى يشبه هذا قصةَ عامل خيبر!! والذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعٌ صحيح، والقصود لا تُبطل العقود، وقصةُ أيوب مَحملها أن الضرب بالضِّغث وفاءٌ باليمين، إذا اشتمل على قضبانٍ على العدد المذكور في اليمين.
فالوجه أن يقال: إذا كان وكلاء المجلس يتفطنون لمثل هذا، فلو نصبوا مدعياً في مثل ما ذكره، فليس للقاضي أن يتجسس ويبحث، ولكن عليه أن يصغي إلى الدعوى.
ولو أقرت امرأة في مجلس القاضي، فقال المقَرّ له: هذه فلانة بنت فلان، وغرضي الإشهادُ على نسبها؛ فإن إقامة الشهادة على العين لا تعتبر إذا غابت أو ماتت، فإن أقرت المرأة بالنسب فإقرارها يفسد ترتيبَ المقصود؛ فإن البينة إنما تُسمع مع الجحود، أو مع عدم الإقرار، فلو أنكرت النسب، فقد يظهر أن يقال: للمقَر له
أن يثبت نسبها بالبينة، حتى تتأد الحجةُ والإشهاد.
وفيه إشكال؛ فإن القاضي يقول: أقرت هذه التي ادعيتَ عليها، فطالِبْها إن كان الحق ناجزاً حالاً، فلو قال: أبغي تأكيد الحجة في المآل، فالقاضي يقول: ليس لك ذلك بعد ثبوت حقّك عِياناً، وإنما ترتبط الدعوى بالنسب إذا كان ثبوته يوجب طلَبَه، فالأمر كما ذكرناه، فقد يقال: لا حكم لإقرارها إن أثبتنا هذا المسلك؛ فإن نسبها لا يثبت بإقرارها، بل هي مدعية فيما جاءت به، فلو صح إجابة المدعي لغرض التسجيل وتأكيد الحجة، فقد يَسقُط أثر إقرارها.
12054- وكل ما ذكرته جريان على ترتيبين في ذكر طرق الطلب، وإلا فالذي يجب القطع به أن المقَرَّ له لا يُثبت نسبها بالطريقة التي رددناها، ولكن يلتمس من القاضي أن يسجل على حليتها وصورتها. هذا أقصى الإمكان، ثم الحلية المجردة تنفع عند إعادة الشهادة مع لَبسٍ عظيم ذكرناه في حلية العبد؛ فإن الحلية إذا تجردت عن النسب كانت كحلية العبد الغائب، وقد تقدم القول فيها، فلا طريق إلا ما ذكره القاضي.
ولكن الاستدراك عليه أن القاضي لا ينشىء ذلك، بل يُفرض صَدَره من الخصم أو وكلاء المجلس، هذا تمام ما أردنا أن نذكره في ذلك.
فخرج من مجموع ما حصّلناه أن من أراد أن يتحمل الشهادة على امرأة، فينبغي أن يكشف وجهها، وينظر إليها، ثم في الإعادة يكشف وجهها ويشير إليها، ولا يلتبس الأمر عليه إذا غابت عند التحمل والإشارة.
وقيل: ادُّعي في مجلس القاضي أبي عاصم على امرأة، وكان للمدعي شهود على عينها، فدعا القاضي بنسوة في قدها وقامتها ولباسها، ثم قال للشهود: ميّزوا التي تشهدون على عينها، فميّزوها، وألزمها الكشف عن وجهها بعد ذلك، فشهدوا على عينها، وكان ما قدمه احتياطاً للإقدام على الكشف، وهو أقصى الإمكان، ولا حرج- وإن كانت المرأة على نهاية الجمال- لمسيس الحاجة، وهذا كتكشفها للطبيب، وكالنظر إلى الفرج لتحمل الشهادة على حاجةٍ، أو على الزنا.
وقيل: أشهد الشيخ القفال على امرأة جاءته مع شاهدين شهدا أنها فلانة، فأثبت الشيخ شهاته في الصك، فمست الحاجة إلى إقامة الشهادة، فلم يُقمها، فاعتُرض عليه، فقال: أَشْهد كما أُثبت، وكان هذا بعد عهد طويل، فأحضر الصكَّ، فإذا فيه أشهدني فلان وفلان على أنها فلانة، وأنها أقرت، ثم قال: كيف أشهد، والشاهدان في السوق وأنا فرعهما.
فهذا الذي ذكرناه وأكّدناه بالصور لاشتداد الاهتمام به تامٌّ في إيضاح المذهب.
ونحن نختتمه بسؤال وجواب:
12055- فإن قال قائل: قد حكيتم عن العراقيين القطع بالاكتفاء بقول عدلين، وحكيتموه عن الشيخ أبي علي وجهاً، فهلا قلتم: تُتحمل الشهادة على عين امرأة ونسبها، ويعتمد في النسب قولُ عدلين: أنها فلانة بنتُ فلان ابن فلان، فيستتب له أن يشهد-تعويلاً على النسب- في الغَيْبة؟
قلنا: إذا شرطنا الاستفاضة، فهذا لا يتحقق، ولم يحكِ القاضي إلا اشتراط الاستفاضة. وإن صححنا ما ذكره العراقيون، ففي القلب اختلاج وتردد من هذا؛ من جهة أن العين إذا عوينت كرجل يشار إليه، يجوز أن يفرض ارتباط النسب به، فأما إذا كانت متنقبة، أو وراء ستر، فقول عدلين على النسب في مثل هذه الصورة مشكلٌ، حتى يسوغ أن يبنى عليه إثبات إقرار منتسبة. نعم، لو كشفت عن وجهها وقال عدلان: هذه فلانة بنت فلان، فيثبت النسب، ولكن لا فائدة فيه؛ فإنه عند الإعادة يحتاج إلى رؤيتها، وفي الرؤية مَقْنع عن ذكر النسب.
فإن لم يكن كذلك، فعلى ماذا نحمل معرفة العدلين بأن المتنقبة هي التي نسبوها؟ نعم، إن كانا مَحْرمين، أو كان أحدهما زوجاً والآخر مَحْرماً، فقد ينتظم في ذلك رأي، وبالجملة لا تفريع على الاكتفاء بقول عدلين في إثبات النسب؛ فإن قول العدلين سبيله سبيل الشهادة، وللشهادة شرائط، وإن جعلناه شهادة ووجد شرائطُ الشهادة على الشهادة، فينبغي أن يشهد السامع منهما على شهاته. هذا منتهى المراد.
فصل:
قال: "وكذلك يحلف الرجل على ما يعلم بأحد هذه الوجوه... إلى آخره".
12056- العلم المسوّغ للشهادة على الغير لا شك أنه يسوّغ للإنسان الحلف في حق نفسه، وقد تجوز اليمين حيث لا تجوز الشهادة، وذلك إذا رأى (روزنامج) أبيه وكان عدلاً عنده، وفيها أنه له على فلانٍ كذا، فله أن يعتمد خطَّ أبيه، ويحلف عليه بحيث يدّعي باليمين مع الشاهد، والشهادة لا تكتفي بأمثال هذا، وسيأتي هذا في الأيمان مشروحاً من بعدُ، إن شاء الله.

.باب: ما يجب على المرء من القيام بالشهادة:

12057- قال الشافعي رضي الله عنه: "قال الله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} [البقرة: 283]... إلى آخره".
والكلام في الباب يشتمل على مقصودين:
أحدهما: أن من تحمل الشهادة على شيء استشهد فيها، فإذا مست الحاجة إلى إقامة الشهادة، نُظر: فإن كان المقصود يتعطل لو لم يشهد، فحق عليه أن يشهد، وإن كان تحملَ الشهادة جمعٌ، والحقُّ يثبت ببعضهم، وهم عشرة مثلاً، فإذا دعا الخصم آحادهم إلى إقامة الشهادة، فامتنعوا، فلا شك أنهم يَحْرَجون، والمأثم يعمهم، وإذا ابتدأ، فعين شاهدين، والتمس منهما إقامةَ ما تحملاه، فهل لهما أن يمتنعا؟ فعلى وجهين مشهورين:
أحدهما: لهما ذلك؛ فإن الحق يثبت بالباقين.
والثاني: ليس لهما الامتناع؛ فإنا لو سوّغنا لهما ذلك، فقد يمتنع كل اثنين منهم يُدْعَيان إلى إقامة الشهادة، فهذا يؤدي إلى التعطيل. والوجهان مفروضان فيه إذا عيّن والباقون يرغبون، أو لم تبِن رغبتهم، ولا إباؤهم.
ولعل الخلاف في إحدى الصورتين يترتب على الخلاف في الأخرى، ولو امتنعوا، فهو ما ذكرناه من تأثيم الجميع.
ولو أشهد الرجل شاهدين، فلما استدعى منهما إثبات الشهادة وإقامتها، قال أحدهما: أشهد، وقال الثاني: "لست أشهد؛ فأحلِف معه"، فليس له ذلك، لم يختلف أصحابنا فيه، ولا تعويلَ على احتمالٍ يعنّ، مع نقلنا الوفاق على ثبت.
ولو أشهد المودَع شاهدين على الرد، فلما أراد إثباته بشهاتهما، قالا: لا نشهد، قم فاحلف، فليس لهما ذلك.
وقد قال الأئمة: لم يرد على شيء من الكبائر الوعيدُ الواردُ على كتمان الشهادة؛ فإنه سبحانه قال: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]، قيل في التفسير؛ ومن يكتمها مسخ الله قلبه، وانتزع منه حلاوةَ الطاعة، والاستشعار من ملابسة المعصية.
وإن كان الشاهد غائباً، نُظر: إن كان على مسافة يؤويه الليلُ إلى منزله، لزمه أن يحضر ويؤدي الشهادة، قال الأصحاب: له أن يطلب مركوباً، ثم زادوا، فقالوا: له أن يطلب أجرة مركوب، ثم إن لم يركب، فلا عليه.
قال القاضي: لا يحل أخذ الأجرة على إقامة الشهادة؛ فإنه التزمها لمَّا تحملها، فلزمه إيفاؤها، وإنما الأجرة على ما يناله من نَصَبِ المشي، وهذا مشكل عندي؛ فإن المشي إن لم يكن مستحَقاً، فليس عليه أن يمشي، وإن كان مستحَقاً، فأخْذ الأجرة على المستحَق بعيد. نعم، له أن يقول: اكفني المشقة بإحضار مركوب، وفيه أيضاً مجالٌ للناظر؛ فإنه ورّط نفسه في ذلك، ولكن رأيت الطرق مشيرة إلى أن له أن يستدعي مركوباً، فهذا تمام التنبيه على الغرض.
12058- ولو سمع رجلان إقرار رجل، ولم يُشهدْهما، فلهما أن يشهدا على إقراره، وهل يلزمهما ذلك؟ اختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: يلزمهما، كما لو أُشهدا، ومنم من قال: لا يَلزمهما، بخلاف ما لو تحملا؛ فإن التحمل التزام، وكأنه بمثابة ضمان الأموال، أثبته الشرع مُلزماً، ومن يوجب إقامةَ الشهادة، فلا محمل له إلا الحِسبةُ في تدارك ما أشرف على الضياع، وقد اختلف أصحاب أبي حنيفة رضوان الله عليه حَسَب اختلافنا.
12059- ولو كان الشاهد المتحمل على مسادة القصر، لم يلزمه الحضور، والشهادةُ على الشهادة أثبتت لمثل ذلك. وإن كان على مسافة فوق المعروفة بمسافة العدوى، ودون مسافة القصر، ففي المسألة وجهان أجرينا مثلهما في الاستعداء على الخصم وسنجريهما في قبول شهادة الفروع عند غيبة الأصول.
وقد نجز الغرض في هذا الطرف، ولم يبق إلا أنه لو أشهد شاهدين، فمات أحدُهما، فله أن يكلف الثانيَ إقامةَ الشهادة إذا كان الحلف مع الشاهد ممكناًً، وإن لم يكن ذلك ممكناً، فقد يجب إذا أمكنه إشهادَ شاهدٍ ثانٍ، ثم تكليفه الإقامة، وإن لم يكن في شهاته فائدة، فلا معنى لشهاته.
12060- فأما القول في التحمل، فنقول: ما لا يصح دون الشهادة عليه، فإذا فرض الدعاء إلى تحمل الشهادة، فالقيام به من فروض الكفايات، حتى إذا امتنع الناس عن التحمل عمّهم الحرج، كما يعمهم في تعطيل كل فرض من فروض الكفايات، وهذا كالنكاح والإشهاد عليه.
ولو عيّن من يريد الإشهاد رجلين، وفي غيرهما مَقْنع، فلا يَحْرَجان بالامتناع، وليس هذا كما لو امتنع من المتحملين شاهدان؛ حيث لا يتعطل الحق بامتناعهما، فإنا ذكرنا وجهين ثَمَّ، والفرق أن التحمل مسلك في الالتزام، كما قدمناه، وهذا لا يتحقق في ابتداء التحمل.
هذا إذا كان الإشهاد على ما لا يصح دون الإشهاد، وفي تعطيله ضِرارٌ عظيم.
12061- فأما الإشهاد على عقود الأموال، فهل نقول: تحمُّل الشهادة فيها من فروض الكفايات؟ فعلى وجهين مشهورين:
أحدهما: أنه ليس من فروض الكفايات؛ فإن أصل الإشهاد ليس يجب.
والثاني: أنه من الفروض فإن الحاجات ماسة إلى تأكيد أسباب الملك بالشهادات.
ثم للوجهين مستند من اختلاف المفسرين في قوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282]، قيل: أراد أن لا يأبى من تحمل الشهادة عن الأداء، وقيل: أراد الإباء عن التحمل، فنَهى عنه.
12062- وأما كِتْبةُ الوثيقة، هل هي من فروض الكفايات كتحمل الشهادة؟ فعلى وجهين. وتوجيههما يقرب من توجيه الوجهين في التحمل؛ فإن الحاجات ماسَّة إلى تقييد الحُجج بالصكوك، ولا يخفى غَناؤها الظاهر في التذكير، وإن لم يكن عليها معوّل عند فرض النسيان.
وهذا الاختلاف مأخوذ من اختلاف المفسرين في قوله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة: 282]، قيل: هو محمول على فعل المجهول، وهو الذي يسمى: "فعل ما لم يسمّ فاعله"، فالمعنيُّ به-على هذا- لا يلحق ضرر بالكاتب، فعلى هذا لا يجب الكِتبة. ومنهم من قال: أراد أن الكاتب والشاهد لا يفعلان ما فيه ضرر ملتحق بالناس، فعلى هذا يجب الكِتبة فرضاً على الكفاية.
ثم قال الأئمة: للكاتب طلبُ الأجرة، وإن قلنا: الكِتْبة فرض على الكفاية.
وتحمل الشهادة ليس مما يستغرق به منفعةٌ متقومة، ولكن لو كلف المشي إلى موضع، فقد ألحقه الأصحاب بالكِتْبة، ثم حيث أوجبنا تحمل الشهادة لا نوجب على المتحمل أن يمشي إلى موضع، فيتحملَ الشهادة به إلا أن يكون المُشهِدُ مريضاً لا يقدر على أن يأتي الشاهدَ ويشهده؛ فإذ ذاك يجبُ إذا لم تمس الحاجة إلى قطع مسافة، فإن مست الحاجة إليه فتفصيل القول في المسافات كتفصيل القول في الإقامة، إلا أن التحمل فرض كفاية، والإقامة فرضُ عين، وهذا فيه إذا لم يجد المريض من يتحمل، ومكانه قريب من مكانه.

.باب: شرط الذين تقبل شهادتهم:

قال الشافعي: "قال الله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2].
12063- مقصود الباب ذكر الشرائط المرعية في الشهود ليكونوا من أهل الشهادة، وما نذكره كالمعاقد والتراجم، والتفاصيل بين أيدينا.
فيشترط أن يكون الشاهد عاقلاً، فلا قول لمجنون، ويشترط أن يكون بالغاً، فشهادة الصبي مردودة عندنا، ويشترط أن يكون حراً، فشهادة العبد مردودة، وقد خالف في ذلك أحمد وبعض السلف، ونحن لا ننكر أن في الشهادة مشابهة بيّنة مع الولاية، والعبد ليس من أهل الولاية، والسبب فيه أن الاستقلال بالتحفظ، وإقامة أركان الشهادة، لا يتأتى ممن هو مستغرَق المنفعة، كما لا يتأتى منه القيام بالولاية.
والإسلام شرطٌ في الشاهد، فلا تقبل شهادة كافر بحال، لا على الكافر، ولا على المسلم، خلافاً لأبي حنيفة رضوان الله عليه، واعتماده على أن الكافر يلي ابنته الكافرة في نفسها ومالها، فظاهر المذهب ما قال. وقد ذكرنا الجواب عن الولاية.
قال الحليمي: لا تثبت الولاية للكافر وتمسك بلفظ الشافعي في المختصر، فإنه قال في الكفار: "لا نزوجهم إلا بوليٍّ وشهود مسلمين"، فصرف قوله "مسلمين" إلى الولي والشهود. واللفظ الذي ذكره لا يعارض قول الشافعي في المختصر: "وولي الكافرة كافر".
ويشترط في الشاهد العدالةُ-وسيأتي وصفها- وحفظُ المروءة، وهو مشروح بين أيدينا، ويشترط الذكورة في بعض الشهادات، وعدّ عادّون انتفاءَ التهمة، وكل ذلك جُملٌ ستفصّل، إن شاء الله.

.باب: الأقضية واليمين مع الشاهد:

12064- روى الشافعي بإسناده عن عمرو بن دينار عن ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين، قال عمرو: وذلك في الأموال".
فذهب الشافعي رضي الله عنه أن القاضي يقضي بالشاهد الواحد الذكر، ويمين المدعي في الأموال، وما يُقْصد به المال.
وكل ما لا يثبت إلا بشهادة رجلين لا يثبت بالشاهد واليمين، وقد يثبت بالشاهد والمرأتين ما لا يثبت بالشاهد واليمين، وهو عيوب النساء.
والأصل اختصاص القضاء بالشاهد واليمين بالأموال وما يؤول إليها.
12065- ثم قال الأصحاب: ينبغي أن تتقدم شهادة الشاهد الواحد واليمينُ تعقُبها، ولو تقدمت اليمين، لم يُعتدّ بها؛ فإن سبب قبولِ اليمين قوةُ جانب المدعي بالشاهد الواحد. ولم يختلف الأصحاب في أن المدعي يتعين عليه تصديق شاهده في يمينه، فيحلف على ثبوت ما يدعيه، وعلى أن شاهده صادق محق، وسبب اشتراط ذلك ارتباط اليمين بالشاهد؛ فإنهما جنسان مختلفان، ويصير ارتباط أحدهما بالثاني بمثابة اتحاد نوع البينة.
وإذا كان يشهد رجل وامرأتان، فلا ترتيب، فلو شهدت المرأتان أولاً، جاز؛ فإن النوع متحد، والاختلاف في الذكورة والأنوثة لا يوجب الاختلاف في نوع الشهادة، ويمين المدعي وإن كانت حجة، فهي قوله، فلابد من اعتضادها بتقدم الشهادة.
12066- ثم قال العراقيون: ينبغي أن يعدَّل الشاهدُ قبل يمين المدعي، فيثني عليه المزكّي بقبول القول، وجواز الشهادة، ثم يحلف المدعي بعد التعديل، حتى لو جرى التعديل بعد يمينه، فلا يُعتدُّ باليمين، كما لو تقدمت اليمين على الشهادة، وهذا الذي ذكروه ظاهر؛ فإن قوة الجَنْبة إنما تظهر إذا ظهرت عدالة الشاهد، فإذا أنشأ اليمين قبل ذلك، كانت اليمين مصادفةً حالةً لم تظهر فيها قوة الحالف.
وقد يتطرق احتمالٌ؛ من جهة أن التعديل- وإن جرى بعد اليمين، فهو مستند إلى الشهادة المتقدمة، والظاهر ما قالوه.
ولم أر أحداً من الأصحاب تضايق في تقديم تصديق الشاهد في اليمين على إثبات الحق، حتى يقال: الشرط أن يقول أولاً: بالله إن شاهدي هذا محق صادق، ولي على خصمي كذا، فلو عكس، فأثبت الحق أولاً، ثم صدق الشاهدَ، فلست أرى بذلك بأساً، فلينظر الناظر في هذا.
12067- ثم إذا وقع القضاء، فللأصحاب اختلاف في أنه يحال القضاءُ على ماذا؟ فمنهم من قال: هو محال على الشاهد واليمينُ تأكيد وعَضَدٌ، فعلى هذا لو رجع الشاهد، ورأينا الرجوع عن الشهادة مثبتاً غُرما، اختص بالغرم الشاهد، ومن أصحابنا من قال: القضاء يحال على اليمين، كما يحال ثبوت المقصود على أيمان القسامة، وإن كانت تستدعي لوثاً، ومن أصحابنا من قال: القضاء محال على اليمين والشاهد.
ويمكن أن يعلق تردد الأصحاب في هذا باختلاف ألفاظ الأخبار، ففي بعضها أنه قضى باليمين مع الشاهد، وفي بعضها أنه قضى بالشاهد ويمين الطالب، وهذا يدل على إحالة القضاء عليهما.
فإن أحلنا القضاء عليهما، فعلى الشاهد إذا رجع نصف الغرم، وإن أحلنا القضاء على اليمين، فقد قال الأصحاب: لا غرم على الشاهد إذا رجع؛ فإن القضاء لم يقع بشهاته، وهذا محتمل عندنا؛ لأن القضاء وإن وقع باليمين، فمنفِّذُها ومُجريها شهادةُ الشاهد، فيمكن أن يخرَّج في الشاهد الخلاف المذكور في المزكي إذا رجع عن التزكية. والعلم عند الله.
فصل:
قال: "ولو أتى قوم بشاهدٍ أن لأبيهم على فلانٍ حقاً... إلى آخره".
12068- الورثة إذا ادَّعَوْا ديناً لمورثهم، وأقاموا شاهداًً، إن حلف كل واحد منهم يميناً مع ذلك الشاهد، ثبت الدين، واستحقوه إرثاً، وإن نكلوا، لم يستحقوا، فإن حلف البعض، ونكل البعض، استحق الحالف نصيبه، دون الناكل، وفي ذلك كلام نذكره بعد انتظام الترتيب، إن شاء الله.
ثم من نكل، فلو مات الناكل، فأراد وارثه أن يحلف مع الشاهد الأول ليستحق حصةَ الناكل ميراثاً عنه، لم يجد إلى ذلك سبيلاً، فإنه لو حلف، لكان ذلك باستحقاق الخلافةِ والوراثةِ، وقد بطل حقُّ الناكل عن اليمين لنكوله، بدليل أنه لو أراد في حياته أن يعود إلى اليمين، لم يجد إليه سبيلاً، فلا يثبت لوارثه بالخلافة عنه ما أبطله على نفسه في حياته.
ولو أراد وارث الناكل أن يقيم شاهداً آخر، ويحلف معه، أما الحلف، فلا معنى له بعد ما أبطله المورِّث الناكل، ولكن هذا الشاهد هل ينضم إلى الشاهد الذي أقامه الورثة في ابتداء الخصومة، حتى يقال: تمت البيّنة، فتُغني عن اليمين؟ هذا بمثابة ما لو أقام المورِّث شاهداً في خصومةٍ، ومات، فأقام الوارث شاهداًً آخر.
وهذا فيه احتمال من قِبل أن الوارث يحتاج إلى تجديد الدعوى، وما يأتي به في حكم خصومة جديدة، فلو قيل: لابد من استعادة شهادة الشاهد الأول، لكان ممكناًً. ولو قيل: انتظام الخلافة يوجب البناء على ما كان، لم يبعُد، ولذلك لو أقام الموروث الأول شاهداًً، ومات قبل أن يحلف أو ينكل، فأراد الوارث أن يحلف مع ذلك الشاهد، فهذا محتملٌ لما ذكرناه؛ من جهة أنه يحتاج إلى تجديد الدعوى، ويُخَرَّجُ فيه أن الورثة إذا أقاموا شاهداًً، وحلف بعضهم، ومات بعضهم قبل أن يحلف أو ينكُل، فوارثه هل يحلف؟ فيه التردد الذي ذكرته؛ من جهة احتياجه إلى ابتداء الدعوى، وسيأتي لهذا نظير في الفروع، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل إذا كنتم تقولون: لا يحلف الوارث، وإن لم ينكُل الموروث، فأي فائدة في فرض الكلام في النكول؟
قلنا: نكوله سدَّ بابَ اليمين على الوارث، وإن ابتدأ الدعوى وجددها، فليثبت الناظر هاهنا.
وإذا لم يحلف ولم ينكُل، فلا يمتنع على الوارث أن يجدد الدعوى والحلف.
12069- فإن انقسم الورثة إلى حضورٍ وغُيّب، أو صغارٍ وكبار، أو مجانينَ وعقلاءَ، فإذا أقام العاقل البالغ شاهداًً وحلف معه، قُضي له بنصيبه، ووُقِف نصيبُ من يمتنع تحليفه، فإذا آب الغائب، وأفاق وبلغ المجنون والصبي، حلفوا، واستحقوا حصصهم، ولا حاجة بهم إلى استعادة الشهادة، وإن لم يقمها من يليهم، والسبب فيه أن الشهادة متعلقة بالميراث وإثبات ملك الموروث، وذلك في حكم الخصلة الواحدة، فإذا ثبتت الشهادة في حق البعض، ثبتت في حق الجميع وإن لم يصدر الدعوى من الجميع، ولا ممن ينوب عنهم، وليس كاليمين؛ فإن اليمين، وإن تعلقت بتصديق الشاهد وإثبات ملك الموروث، فمبنى اليمين في الشرع على اختصاص أثرها دفعاً ونفعاً بالحالف، ولا يتصور أن يحلف الإنسان لغيره، فالشهادة أبداً حكمها التعدّي.
فإذا كان في الورثة مجنون، وكنا ننظر إفاقته ليحلف، فمات، فقد قال الأصحاب: يقوم وارثه مقامه، فيحلف ويستحق، وهذا من قولهم يدل على أن من لم يحلف، ولم ينكُل إذا مات، قام وارثه مقامه من غير استعادة الشهادة، وقد يتخيل فرق، والأصل هذا.
ثم إذا كان في الورثة صبي وبالغ، أو حاضر وغائب، وأقام البالغ الحاضر الشاهدَ، وكان المدعَى عيناً في يد غاصب، وهي ميراث بزعم الورثة، فإذا حلف البالغ الحاضر، فهل نزيل يد المدعى عليه عن حصة الصبي والغائب، ونَقِفَها إلى زوال المانع؟ ذكر القاضي قولين في ذلك، وهذا فيه بُعد، والوجه ألا تزال يده عن حصة من لم يحلف؛ فإن الحجة في تلك الحصة ما تمت، فلا طريق عندنا إلا القطع بتقرير يده.
ولو أوصى لشخصين بشيء، فادعى أحدهما، وأقام شاهداًً، وحلف مع شاهده، استحق نصيبه، ولا تزال يد المدعى عليه عن نصيب الموصى له الثاني، إذا كان غائباً ما لم يراجع، فكذلك القول في سائر الموادع.
والفرق أن الموصى له يدعي الملك لنفسه، والوارث يُثبت الملك لموروثه، ثم الشرع ينقله إليه بالخلافة، وكل واحد من الموصى لهما منفرد بملكه وحقه، وإذا حضر الغائب في الوصية، لم تغنه الشهادة التي أقامها الحاضر، بل عليه افتتاحُ دعوى، وإقامةُ شاهد، فإن شهد له ذلك الأول، فذاك، وإلا طلب شاهداً آخر.
وهذا لِما ذكرناه من انفصال إحدى الوصيتين عن الأخرى. وقد نجز الكلام في هذا الفن على الترتيب الذي ذكرناه.
12070- وبقي كلامٌ رمزنا إليه في صدر الفصل، وهذا أوان الوفاء به.
فإذا خلف الرجل وارثين، فادعيا ديناً لموروثهما، وشهد شاهد واحد، وحلف أحدهما مع الشاهد، وأثبتنا مقدار نصيبه، فقد قال الشافعي: يختص الحالف بحصته، لا يساهمه فيه الناكل، ونصَّ في كتاب الصلح على أن رجلين لو ادعيا عيناً ميراثاً في يد رجل، وزعما أنهما ورثاها، فأقر المدعى عليه لأحدهما بالإرث في مقدار حصته وأنكر الثاني، قال: يثبت نصف العين المدعاة، ثم قال: صاحب المُقَرِّ له يشاركه ويساهمه في الذي يسلم، فإنهما اعترفا ابتداء بأن المال مشترك بينهما إرثاً، وهذا يخالف الصورة التي قدمناها في اليمين مع الشاهد.
قال الإمام: في المسألتين طريقان: من أصحابنا من قال: افترقا؛ لأن المدعَى في أحدهما دين، وهي مسألة الشاهد واليمين، فاختص الحالف، فإن الذي قبضه ليس عيناً مستحقة بينهما، ولو كانت مسألة الإقرار في الدين، لكانت هكذا، ولكان المقر له ينفرد بما يسلم، لا يشاركه الآخر، ولو كانت مسألة الشاهد في عينٍ، لاشترك الناكل والحالف.
وهذا بعيد.
والطريقة الصحيحة- أن اختلاف المسألتين بسبب تعلق الاستحقاق في إحداهما باليمين مع الشاهد، فلو أثبتنا الشركة، لاستحق الناكل بيمين غيره، وهذا لا سبيل إليه مع إبطال حق نفسه بالنكول، وفي مسألة الإقرار ثبت ما ثبت بإقرار المدعى عليه، ثم ترتب على إقراره إقرار المقَرّ له بأن ما سلّم إرثٌ.
وفي المسألة احتمال، كما ذكرناه.
12071- ولو ادعى الورثة ديناً أو عيناً، وكان منهم غائب وحاضر، فأقام الحاضر شاهدين، فيقضى للحاضر بنصيبه، فإن كان المدعى عيناً، انتُزع نصيبُ الغائب-قولاً واحداً- من يد المدعى عليه؛ فإن البينة تامة لا يمين فيها، وقد أثبتت الميراث، وإن كان المدعى ديناً فهل تستوفَى حصة الغائب- وقد قامت البيّنة؟ فعلى وجهين:
أحدهما: تستوفى، كما تزال يد المدعى عليه عن العين.
والثاني: لا تُستوفى. وهذا في الغائب.
فإن كان مجنوناً أو صبياً استوفى السلطان حصتَهما بالولاية.
وما ذكرناه في الغائب لا يختص بهذه الصورة، بل من أقر لغائب بعين، واعترف بأنه غصبها، أزال السلطان يدَه، وحفظَها للغائب، وإن أقر بدينٍ لغائب، فهل يستوفيها؟ فعلى الخلاف الذي ذكرناه.
ولو ادعى رجل أن فلاناً أوصى لي ولفلان الغائب بهذه الدار، وأقام شاهدين، فتثبت الوصية في حق هذا المقيم، ولا تثبت في حق الغائب، وإذا عاد استعاد الشهادة، أو أقام بينة أخرى.
وما ذكرناه في الورثة من أصول الكتاب، وهو في ظاهر الأمر كالخارج عن قياس الأصول؛ من حيث إن الحاضر يُثبت ملك الغائب من غير ولاية ولا نيابة، وسبب ذلك أنه يثبت ملك الميت، ولكل واحد من الورثة هذا السلطان، ليتَوَصَّل إلى ملك نفسه، ثم إذا ثبت ملكُ الميت، عم الإرث.
فصل:
قال: "وليس للغريم، ولا الموصى له... إلى آخره".
12072- الورثة إذا ادّعَوْا ديناً للميت، وأقاموا شاهداًً، ونكلوا عن اليمين، وكان على الميت ديون لغرماء، فهل لهم أن يحلفوا إذا نكل الورثة؟ فيه قولان، وكذلك لو فرض ذلك في الوصية، وقد استقصيتُ هذا في كتاب القسامة في مسألة أم الولد على أبلغ وجه، فلم أر الإعادة.
12073- ثم قال: "ولو أقام شاهداً أنه سرق له متاعاً... إلى آخره".
وهذا أيضاًً مما ذكرناه في باب الشهادة على الجناية. والذي لابد منه أن من قال: سرق فلان نصاباً من حرزه، وأقام على ذلك شاهداً وامرأتين، فالقطعُ لا يَثْبت، والمالُ يَثْبُت.
ثم فرع الشافعي عليه مسألةً، فقال: إذا قال الرجل: "إن كنتُ غصبتُ شيئاً، فأنتِ طالق"، وخاطب زوجتَه، فأقام المدعي الخَصْمُ شاهداً وامرأتين، أو شاهداًً، وحلف معه، ثبت الغصب، ولم يُحكم بوقوع الطلاق؛ فإن الطلاق لا يثبت بالشاهد والمرأتين، والشاهد واليمين.
قال ابنُ سُرَيْج: لو قضى القاضي عليه بالغصب بالشاهد واليمين، أو بالشاهد والمرأتين أولاً، فقال المقضي عليه: "إن كنتُ غصبتُ، فامرأتي طالق"، فيُقضَى بوقوع الطلاق، بخلاف ما لو تقدم التعليق على نفوذ القضاء. وهذا أجراه الأصحاب كذلك.
وحكى شيخي أن من أصحابنا من خالف ابنَ سريج، ولم يفرق بين أن يتقدم القضاء، أو يتأخر، فقال: لا يقع الطلاق في الصورتين؛ فإن التعليق وإن سبق، فالقضاء بعده قد أكد الأمر، فكان كالقضاء قبله.
وهذا وإن كان متجهاً، فلم أره إلا لشيخي.
قيل للقاضي: ولو قال لزوجته إن ولدت، فأنت طالق، فأقامت أربعة من القوابل على الولادة، فقال القاضي: لا يقع الطلاق؛ لما تقدم، ويثبت النسب؛ لأن الولادة تثبت، ثم الفراش يُلْحقُ النسب، وكذلك لو علّق طلاقها برؤية الهلال، وشهد واحد على رؤية الهلال، ورأينا الحكم بثبوت الهلال، لم يقع الطلاق بناء على ما مهدناه.
فصل:
قال: "ولو أقام شاهداً على جارية أنها له وابنها ولد منه... إلى آخره".
12074- إذا كان في يد إنسان جاريةٌ وولدُها، وكان يسترقّهما، فجاء مدعٍ وادعى أن هذه الجارية أمُّ ولدي، وهذا ولدي منها، وأقام على ذلك شاهداًً، وحلف معه، فقد قال الشافعي فيما نقله المزني: تثبت أميةُ الولد، ولا يُقضى بحرية الولد على حكم دعواه، واعتل أن الحرية لا تثبت بالشاهد واليمين.
ونقل المزني قولاً آخر: أنه يُقضى له بالولد منتسباً إليه، ويقع الحكم بالحرية، فقد ثبت قولان في الولد كما حكينا، وثبت القطع بأُمّية الولد، أما أُمّية الولد، فالثابت منها اختصاصه بها، وهذا في التحقيق ملكٌ، وعُلقة الاستيلاد تثبت بإقراره وراء اختصاصه بملك الجارية.
فأما القولان في الولد، فتوجيههما: من قال: لا تثبت حرية الولد، احتج بأنه لم يدّع فيه ملكاً، بل أراد إثبات حريةٍ أصلية بشاهد ويمين، وهذا لا سبيل إليه.
ومن قال بالقول الثاني، احتج بأن الولد في دعواه جزء من الجارية، وقد ثبت الاستيلاد، فإذا اختص بالجارية على صفة أمية الولد، تعدى ذلك إلى الولد. وهذا بعيد في القياس؛ لأن الجارية وولدها شخصان ويفرض فيهما دَعْوَيَان.
واختار المزني أقيس القولين، وهو أن حرية الولد لا تثبت، واحتج بمسألة نذكرها، ونبين تفصيل المذهب فيها، وهو أنه قال: لو كان في يد إنسان عبد على زعمه يسترقّه، فقال مدعٍ: هذا العبد ملكي، قد أعتقته بحق الملك، وأقام شاهداً وأراد الحلف معه، نقل المزني أن دعوى المدعي لا تثبت، والعبد مقرٌّ في يد المدعى عليه، واحتج بالمسألة التي أوردها، ورجّح قائلاً: إذا كانت الدعوى لا تُثبت العتق بقول المدعي، وإن كان ذلك العتق مترتباً على الملك، وكان العتق مسبوقاً-بزعم المدعي- بالملك الثابت للمدعي، ثم الملك والعتق مزدحمان على شخص واحد، فإذا لم تثبت دعواه لمكان العتق حالة الدعوى، فلأن لا تثبت الحرية الأصلية في الولد أولى.
وقد اختلف أصحابنا في مسألة العتق والملك في العبد، فقال بعضهم: في ثبوت العتق قولان؛ من حيث إنه ترتب على الملك الذي ادعاه، كالقولين في حرية الولد؛ فإنها مترتبة على أمية الولد في الأم.
ومن أصحابنا من قال: لا يثبت العتق في مسألة العبد، لأنه متشبَّثٌ بدعوى المدعي في تلك المسألة، ولدعوى من يدعي أمية الولد تعلقٌ بما يقبل فيه الشاهد واليمين ثم ذلك الاختصاص على ذلك الوجه يقتضي ولداً لا محالة.
وهذا تكلف، والقياس القطُع في المسألتين بأن حرية الولد وعتق العبد لا يثبت.
فصل:
قال: "ولو أقام شاهداً أن أباه تصدق عليه بهذه الدار... إلى آخره "
12075- مضمون هذا الفصل مسألتان، ثم كل مسألة لها شُعب.
الأولى- فيه إذا ادعى ثلاثةٌ معاً-مثلاً- داراً في يد إنسان، فقالوا: هذه الدار وقفها أبونا علينا، وكانت ملكَه إلى أن وقفها، ثم على أولادنا بعد انقراضنا، وذكروا مصرِفاً لا ينقطع من جهة الآخِر، فإذا أقاموا شاهداًً، وحلفوا معه، ثبت الوقف على الرأي الأظهر بالشاهد وأيمانهم.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: رقبة الوقف ملك الواقف، أو ملك الموقوف عليه، فالوقف يثبت بالشاهد واليمين، والشاهد والمرأتين.
وإذا قلنا: الملك في رقبة الوقف لله، فلا يثبت الوقف إلا بشاهدين عدلين.
وهذه الطريقة مزيفة من وجهين:
أحدهما: أن مقصودهم إثبات استحقاق المنفعة ملكاً لأنفسهم، فليقع التعويل على مقصود المدعي، والآخر- أنهم يختصون بالرقبة اختصاص من يدعي استيلاد الجارية، وهذا ليس بذاك؛ فإن المستولدة ملك المستولد، والوقف إنما يضاهي الاستيلاد على قولنا: الملك في الموقوف للموقوف عليه، والتفريع بعد هذا على أن الوقف يثبت بالشاهد واليمين. وقد فرضنا الوقف على الترتب كما صورنا المسألة، ثم نذكر ثلاث صور في هذه المسألة تبيّن القواعد والأمهات، ونأتي بعدها بما يستوعب الغرض.
12076- فإحدى المسائل أن يحلفوا ونقضي بثبوت الوقف، فإذا ماتوا، فهل يحلف البطنُ الثاني، أم يعوِّلون على أيمان الأولين؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنهم لا يحلفون، ويكتفون بثبوت الوقف بما مضى.
والثاني: أنهم يحلفون، ولو أبَوْا، لم يثبت الوقف في حقوقهم.
والقولان مأخوذان من أصلٍ، وهو أن البطن الثاني في الوقف المترتب يستحقون ما ينتهي إليهم من جهة الواقف، أم يتلقَّونه من جهة البطن الأول؟ فعلى قولين، وقد بنينا على ذلك مسائل في الوقف، فإن قلنا: التلقِّي من الواقف، فلابد للبطن الثاني من الحلف، وكأنهم الأولون، وإن قلنا: إنهم يتلقون من البطن الأول، فلا يحلَّفون؛ لأن الأولين قد حلفوا، وسبيلهم سبيل الورثة، وما أثبته الموروث باليمين والشاهد، فإذا انتقل إلى الورثة، لم يحتاجوا إلى الحلف. هذه مسألة.
12077- الثانية- إذا نكل الأولون، ولم يحلفوا مع الشاهد أصلاً، وماتوا، فلا خلاف أن البطن الثاني لا يستحقون شيئاً من غير يمين، ولكن لو أرادوا أن يحلفوا ويستحقوا؛ فهل لهم ذلك؟ فعلى قولين، ومأخذهما ومأخذ القولين الأولين واحد، ولكن يختلف الترتيب.
فإن قلنا: التلقِّي من الواقف، فيحلف البطن الثاني، وإن قلنا: من البطن الأول، فلا يحلفون؛ لأن الأولين أبطلوا حقوق الأيمان بالنكول، وما بطل عليهم لا يثبتُ لمن يُتَلَقَّى منهم، كما ذكرناه في الموروث وورثة الملك.
ووجه اتحاد المأخذين أنا إن قدرنا التلقِّي من الواقف، فحلِفُ البطن الأول لا يكفي في حق البطن الثاني، وعلى هذا الأصل لو نكل الأولون، لم يبطل حق البطن الثاني، فليحلفوا وليأخذوا.
وإن قلنا: التلقي من البطن الأول، فإذا لم يحلفوا ونكلوا، بطل حق البطن الثاني، وإذا حلفوا، لم يحتاجوا إلى الحلف.
12078- الصورة الثالثة- فيه إذا حلف البعض، ونكل البعض، مثل أن يحلف واحد وينكل اثنان، أما حصة الحالف فثابتة له، ولا يثبت حق الناكلَيْن، بناء على الأصل الممهد في أن حلف الإنسان لا يُثبت لغيره حقاً، ثم تُترك حصة الناكلَيْن في يد المدعى عليه؛ فإنه لم تقم عليه حجة في ذلك المقدار، ثم إن مات الحالف، فأولاده معه كأولاد جميع الأولين لو حلفوا. وأولاد الناكلَيْن إذا ماتا كأولاد جميع الأولين إذا نكلوا، وإذا ضممنا الكلام، قلنا: ولد الحالف يستحق إذا حلف، وهل يستحق من غير حلف؟ فعلى القولين. وأولاد الناكلَيْن لا يستحقون من غير حلف، وهل يستحقون مع الحلف؟ فعلى القولين المذكورين.
فهذا بيان الصور المشتملة على القواعد في هذه المسألة.
12079- وألحق صاحب التقريب صورة بما مهدناه، فقال: إذا حلف جميعهم مع الشاهد، ثم مات واحد منهم، فيصرف نصيبه إلى صاحبيه بحكم شرط الواقف؛ فإن مقتضاه ألا يُصرف إلى البطن الثاني شيء ما بقي من البطن الأول أحد.
ثم إذا كان يُصرف نصيبُ من مات إلى الباقيَيْن، وقد كانوا حلفوا معاً، فإذا أخذ الباقي نصيبَ الميت، فهل يحتاج إلى أن يحلف مرة أخرى على نصيبه؟ هذا رَتَّبه على أن البطن الثاني هل يحلفون إذا انتهى الاستحقاق إليهم، وقد حلف البطن الأول.
فإن قلنا: لا يحلفون، ويكتفون بحلف البطن الأول، فالذين بقوا لا يحلفون على ما أخذوه من نصيب من مات منهم، ونفْي الحلف أولى هاهنا.
وإن قلنا: أهل البطن الثاني يحلفون، وإن حلف البطن الأول- فهل يحلف الباقون في مسألتنا، وقد حلفوا من قبل؟ فعلى وجهين:
أحدهما: يحلفون، قياساً على البطن الثاني.
والثاني: لا يحلفون، ولعله الظاهر؛ لأنهم قد حلفوا، وأقاموا الحجة التامة على الوقف وشرطه، فتجديد الحلف في حقهم في حكم إعادة اليمين، وأهل البطن الثاني ما حلفوا قط، فلو أخذوا من غير حلف، لكانوا آخذين بأيمان غيرهم، وهذا بيّن.
12080- ونحن نذكر صورة خامسة متعلقة بالمسألة الأولى، وننبّه فيها على تمام الغرض، فنقول: إذا حلف واحد من البطن الأول، ونكل اثنان، ووقع القضاء للحالف بنصيبه، فمات الحالف، وتصدت لأخذ نصيبه البطن الثاني والناكلان، فكيف السبيل؟
الوجه: التنبيه على مثار الإشكال أولاً، فنقول: إن صرفنا نصيب الحالف إلى الناكلَيْن، كان ذلك موافقاً لشرط الواقف؛ فإن موجبه أن لا يصرف إلى البطن الثاني شيء، ما بقي من البطن الأول أحد، ولكن قد أبطلا حقوقهما بالنكول، ولو صرفنا نصيب الحالف إلى البطن الثاني، لكان ذلك مخالفاً لشرط الواقف مع بقاء الناكلَيْن، فاختلف أصحابنا لما نبهنا عليه على ثلاثة أوجه:
فقال بعضهم: يصرف نصيب الحالف إلى البطن الثاني؛ لأن الناكلَيْن أبطلا حقوقهما بالكلية، فصار ذلك منهما بمثابة موتهما، ولو ماتا، لم يجز الصرف إلى البطن الثاني، وهذا ضعيف؛ فإنه مخالفةٌ لشرط الواقف.
والوجه الثاني- أن نصيب الحالف مصروف إلى الناكلَيْن وفاء بالشرط، وهما إن أبطلا حقهما المتلقَّى من الواقف، فهذا حق متجدد لهما بموت الحالف، فلا سبيل إلى إبطاله عليهما.
ومن أصحابنا من قال: لا يصرف إلى الناكلَيْن، ولا إلى البطن الثاني، وقال: هذا المقدار تعذر مصرفه، لما نبهنا عليه من الإشكال في صدْر المسألة، فيصرف إلى أقرب الناس بالمُحَبِّس، وهذا مسلك لنا معروف: مهما تعذر صرف شيء من الوقف إلى المصرف الذي شرطه الواقف بعد صحة الوقف.
12081- ووراء ما ذكرناه تنبيهات في استكمال التفريع:
أحدها: إن نصيب الناكلَين في أول الأمر متروك على المدعى عليه؛ فإنه لم تثبت فيه حجة، والاستحقاق تبع الحجة، وأما نصيب الحالف، وقد مات-في صورة الأوجه الثلاثة- فقد ثبتت عليه الحجة؛ فإنه حلف عليه في حياته، فلا سبيل إلى تركه بعد وفاته على المدعى عليه، وقد انتزع من يده بحكم وقفٍ لازم، فوقع التردد بعد ذلك في المصرف.
ومما نذكره أنا إن صرفنا إلى الناكلَيْن، فهذا يخرج على التردد الذي ذكرناه في أنهم إذا حلفوا، ثم مات بعضهم، فهل يأخذ الباقون نصيب من مات من غير يمين؟ إن قلنا: لابد من يمين، فللناكلَيْن أن يحلفا الآن على نصيب الحالف، وإن نكلا من قَبْل عن نصيب أنفسهماً، وإن قلنا: لا يحلف الباقون إذا مات حالف، فههنا يأخذ الناكلان ولا يحلفان. وقد يخطر للفقيه ترتيبٌ من جهة أنهما ما حلفا قط، فيمكن أن يكونا كأهل البطن الثاني في الترتيب.
التفريع:
إن قلنا يأخذان بلا يمين، فلا كلام، وإن قلنا يأخذان باليمين، فإن حلفا، فذاك، وإن نكلا، فقد تعذر الصرف إليهما، وزال هذا الوجه، وبقي النظر إلى البطن الثاني، وإلى أقرب الناس إلى المحبِّس.
وإن قلنا بالصرف إلى البطن الثاني، فلا نخصص أوّلاً أولاد الحالف، بل لا فرق بين أولاده وأولاد الناكلَيْن، ثم يعود القولان في أنهم هل يُحَلَّفون أم يكتفون بما تقدم من اليمين؟ فإن قلنا: يكتفون، فلا كلام. وإن قلنا: يُحَلَّفون، فإن حلفوا، فلا كلام، وإن نكلوا، انقطع النظر عن الأول والثاني، وبقي وقفٌ تعذر مصرفه، فإن رأينا الصرف إلى أقرب الناس بالمحبّس، صرفنا إليهم، وهل يُحَلَّفون؟ فعلى ما ذكرنا من الخلاف: فإن قلنا: يحلّفون، فلم يَحْلِفوا، فهذا وقفٌ لا ندري له مصرفاً، وحكمة مستقصىً في كتاب الوقف، وقد بأن مقصود المسألة.
وإذا انتهى طرف منها إلى فقدان مصرف الوقف، فلتقع الثقة بكمال البيان منه في كتاب الوقف.
قال العراقيون: لو أقام الأولاد كما صورناه شاهداًً، وحلفوا معه، وكان شرط الواقف أن الوقف بعد انقراضهم على المساكين، فإذا انقرض الأولاد، فإن قلنا في المسائل المتقدمة: إن أهل البطن الثاني لا يُحَلَّفُون ويكتفون بما سبق، فيصرف الوقف إلى المساكين في هذه الصورة.
وإن قلنا: أهل البطن الثاني لابد وأن يُحَلّفوا، فلا يتصور تحليف المساكين مع خروجهم عن الضبط، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن الوقف مصروف عنهم.
والثاني: أنه مصروف إليهم. ووجه الوجه الأول قياس اشتراط اليمين، ووجه الثاني الضرورة في تعذر التحليف. فإن قلنا بالوجه الأول، فقد تعذر التحليف، فهذا وقف تعذر مصرفه، فيلتحق بأصله في الوقف، ويخرج وجهٌ في الصرف إلى أقرب الناس بالمحبِّس، ووجهٌ في بطلان الوقف ورجوعِه ملكاً، ولا خوض في هذا بعد الإحالة على كتابه، وقد تمت مسألة بأطرافها.
12082- المسألة الثانية- إذا قال الواقف: وقفتُ على أولادي وأولادهم، فذكر البطنَ الثاني جمعاً إلى البطن الأول، ولم يرتبهم، فهذه المسألة تتميز عن الأولى في أن الاستحقاق في الأولى على الترتيب، وهو في الثانية على الجمع، ولكن مقتضى الشرط أن الأولين لو لم يولد لهم، لانفردوا بالاستحقاق، وإذا ولد لواحد منهم أو لهم، أدخل من تجدد في الاستحقاق من وقت الولادة، حتى لو كانوا ثلاثة، فالوقف بينهم أثلاثاًً، فإذا ولد مولود، فله الربع، والوقف بينهم من وقت الولادة أرباعاً، هذا حكم الشرط.
فلو أقام الأولون شاهداً، وحلفوا معه، استحقوا الوقف أثلاثاًً، فلو وجد ولدٌ، وقفنا رُبع الوقف من وقت ولادته، وأبقينا في يد الحالفين ثلاثة أرباع الوقف على الحكم الأول، ولا يصرف إلى الولد الجديد ذلك الربعُ الموقوفُ وجهاً واحداً، اكتفاء بأيمان الأولين.
وليس كالمسائل السابقة في مسألة الترتيب؛ فإن كل صورة ذكرنا فيها خلافاً في اليمين، فهي مشتملة على الترتيب، فإنا نشترط في ثبوت الاستحقاق موتَ ميت، فينشاً منه-إذا حلف من تقدم- كلامٌ في أن من تجدد يأخذ بيمين من قبله بناء على أصلٍ، وهو أن البطن الثاني يتلقَّوْن من البطن الأول، أو من الواقف؟ فإن قلنا: يتلقون من الواقف، فليس إلا الحلف، وإن قلنا: يتلقون من البطن الأول، فلا يحلف كما لا يحلف الوارث، وقد خلف موروثَه في الأملاك.
وهذا المعنى لا يتحقق حيث لا ترتيب، فإن الولد الجديد بمثابة الأولين إذا وجد، فلا ينقدح فيه إلا التلقي من الواقف، فلهذا وقفنا الربع إلى أن يبلغ، فيحلف، فإن حلف، صرفنا إليه ما وقفناه له، وإن نكل عن اليمين، فالمنصوص عليه للشافعي أن ما وقفناه له مردود على الأولين، فتعود القسمة أثلاثاً كما كانت، ويخرج هذا الجديد من البَيْن.
وقال المزني: الربعُ الموقوف لا يصرف إلى الأولين؛ فإنهم ليس يدعون، بل معترفون بأنه يُسْتَحق للولد الجديد بحكم اعترافهم، وقد تعذر الصرف إليه بسبب نكوله عن اليمين، فلا وجه للرد إلى الأولين، وهذا الذي ذكره لا يُنكِر اتجاهَه في القياس منصفٌ، ولا حاجة إلى الإطناب فيه.
والمقدار الذي ذكره الأصحاب لنصرة النص ما حكَوْه عن ابن سريج؛ فإنه قال: كان الأولون مستحقين لجميع الوقف قبل وجود هذا المولود، فإذا وجد دخل استحقاقُه على الأولين دخولَ العَوْل، وكل استحقاق يبقى على استغراق، فهكذا يكون، ثم استحقاق العول موجَبُه الصرفُ إلى المستغرقين إذا تعذرت جهة العول.
وهذا يناظر الديون والتركة فإذا كانت التركة ألفاً والدين ألف، فهي مصروفة إلى الدين، فلو ظهر ألف آخر، فالتركة بينهما، فلو أسقط صاحب الدين الظاهر حقَّه، فصاحب الأول يستغرق التركة، وهذا كلام نظمه ابن سريج، ولا يتصور مصادمة معنى مذهب المزني به؛ فإن الاستحقاق ثبت في الربع للولد الجديد، ولا ينفع بعد هذا التقديراتُ والتلقيباتُ، والمزني يقول في مسألة الدّينين: إذا لم يحلف صاحبُ الدين الثاني لا يأخذ صاحب الدين الأول إلا ما يخصه. نعم، إذا أبطل الثاني دينَه بإبرائه، فالتركة تصرف إلى الأول.
ومسألة الدَّينين فيه إذا اعترف الأول بثبوت حق الثاني، وقصّر الثاني في إثبات التركة لتكون متعلقاً لدينه، وأما إبطال الثاني دينه، فلا نظير له من الوقف؛ فإن النكول لا يُبطل الحق من الوقف، بدليل أن الناكل لو وجد بيّنة، أقامها واستحق بها، ولو أقر المنكر ثبت بإقراره ما فيه النزاع، والأولون معترفون بثبوت الوقف للرابع، وتقصيره لا يبطل إقرارهم، بل يؤاخذون به.
12083- والوجه عندنا إلحاق مذهب المزني بالمذهب، واعتقادُه قولاً منقاساً مخرجاً، ثم تفريع المزني أن الربع الذي لم يحلف عليه المولود إذا تعذر صرفُه إلى الأولين لأنهم مؤاخذون بالأقرار، ولم يحلف الرابع ليأخذ، فهذا وقفٌ تعذر مصرفه، ثم هو محال على موضعه من كتاب الوقف.
فلو قال قائل: هلا رددتم ذلك الربع إلى المدعى عليه؟ فإن التعذر جاء فيه من عدم الحجة، وكأن حجة الأولين لم تشمل هذا الربع عند وجود هذا المولود، وما تقاعدت الحجة عنه، فحكم الخصومة رده على الخصم.
قلنا: هذا لا سبيل إليه؛ إذ لو قيل به أولاً، لزم منه طرد ذلك في مسألة الترتيب إذا حلف الأولون ونكل البطن الثاني-على قولنا إنهم يحلفون- حتى يُردّ الوقف إلى المدعى عليه عند نكولهم، ولا قائل به.
والسبب فيه أن يد المدعى عليه أزيلت بالحجة القائمة، وانقطع تعلقه، وما يطرأ بعد ذلك من باب تعذر الصرف على الاختصاص بمصارف الوقف، كذلك في المسألة الثانية أزيلت يد المدعى عليه قبل المولود الجديد، فلا يعود استحقاقه باختباطٍ واضطراب في مصارف الوقف.
والقول الجامع فيه أنه إذا نكل البعضُ في أول مرتبة، فلا حجة في نصيبه، وحكم هذا تبقيةُ ذلك المقدار في يد المدعى عليه؛ إذ ما قامت عليه حجةٌ قط، فاستمر تعلقه، ومهما أزيلت يده، فلا عود له إلى الطلب قط، ويؤول النظر إلى وقفٍ تعذر مصرفه. هذا ظاهر. ولست أنكر بقاء خلاجٍ في نفس الفقيه، ولكن ما ذكرتُه من أظهر كلام يجري في المسألة، ولست أعرف فيه خلافاًً.
فرع على التصرف، في المسألة الأخيرة:
12084- إذا قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي، وكان أولاد الصلب ثلاثة، فادَّعوا وأقاموا شاهداً، وحلفوا معه، وأزلنا يد المدعى عليه، وصرفنا الوقف إليهم أثلاثاً، فتجدد ولد، ووقفنا له الربع وغَلَّتَه، ومضت سنة كذلك، فمات من أولاد الصلب واحد فيصير الموقوف للمولود ثلثاً من وقت موت ذلك الولد، فلو مضت سنة أخرى، فمات هذا المولود الجديد، فلا شك أن رقبة الوقف بين ولدي الصلب الآن نصفين.
أما رَيْع السنتين، فنقول: رَيْع السنة الأولى حقُّه أن يصرف إلى أولاد الصلب: أعني الثلاثة، فإذا مات الولد، فالرَّيع الموقوف للولَدين الباقيين، ولوارث الولد الثالث الذي مات، وأما رَيْعُ السنة الثانية، فيختص بالولدين الباقيين، فإنه حدث بعد موت الثالث، فلاحظ لورثته فيه. وهذا بيّن لا شك فيه.
فرع:
12085- إذا كان الوقف على الجمع كما ذكرنا، فولد ولدٌ، وقفنا له الربع، وقد حلف الأولون قبله، فإذا مات هذا المولود الجديد طفلاً، فحكم شرط الواقف رجوعُ ذلك إلى الأولين؛ فإن المزاحِم قد زال، وهل يحتاجون إلى يمين جديدة؟ هذا يخرج على الخلاف المقدم.
إن فرّعنا على مذهب المزني؛ فإنه جعل الرابع أصلاً في الاستحقاق، وبمثابة أحد أولاد الصلب، فكان موته، ورجوع الربع بحكم الشرط إلى الأولين، بمثابة ما ذكرناه في مسألة الترتيب إذا حلف الأولون، ثم مات بعضهم، فهل يُحَلَّف الباقون؟ وإن فرّعنا على النص، لم نحوج أولاد الصلب إلى الحلف؛ فإن حكم النص إخراج الطارىء من البَيْن، وتقديره كأنه لم يكن. وكيف يستراب في هذا، ولو نكل وبقي هذا الرابع، فنصيبه مفضوضٌ على أولاد الصلب ويقدَّر كأن التجدد لم يكن.
ثم عقد الشافعي باباً في ذكر الخلاف مع أبي حنيفة في الشاهد واليمين. والله أعلم.