فصل: فصل: في كيفية القسمة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: في كيفية القسمة:

11989- القسمة في ذوات الأمثال بيّنة، والتعويل فيها على الوزن أو الكيل، فإن وقع التراضي على القسمة وزناً، وكان المقسوم من أموال الربا، وقد ورد التعبد بالكيل في بيع البعض منها بالبعض، فإذا أرادوا القسمة وزناً، خرج هذا على القولين في ماهية القسمة، فإن قلنا: القسمة بيع، فهي ممتنعة، لامتناع بيع البر بالبر وزناً بوزن.
وإن قلنا: القسمة إفراز حق، فهي جائزة؛ فإن الوزن أَحْصر، وهو إلى تحصيل تمييز الأقدار أقرب.
وإن كانت القسمة في الأراضي، فلابد من المساحة، والتكسيرِ، بطريق الضرب، وإذا اختلفت حصص الشركاء، فكان لواحد النصف، ولواحد الثلث، ولواحد السدس، فالساحة تُقَسَّم أسداساً، وتفرز بالتقدير المساحيّ على هذا الوجه؛ فإن النصيب الأقل لا يتميز إلا كذلك، وقد تمس الحاجة إلى التعديل بالقيمة، وترك اعتدال المقدار المساحي، فإذا تميزت الأقدار، وتعدلت بالقيمة، فالذي نص عليه الشافعي أنا نكتب أسامي الملاّك في الرقاع، وهم ثلاثة في الصورة التي ذكرناها، ثم تخرج الرقاع على الأجزاء المعينة كما سنفصله.
ونصَّ في كتاب العتق على أن المريض إذا أعتق عبيداً لا يملك غيرَهم، واحتجنا إلى رد العتق إلى الثلث، فنكتب رقعة الرق ورقعة الحرية، ولم يذكر كِتْبة أسامي العبيد وأسامي الورثة، وقياس ذلك يقتضي في قسمة الساحة بين الشركاء أن يكتب على الرقاع أعيان الأجزاء المعدّلة، ثم تُخرَج إلى الأسماء؛ فاختلف أصحابنا في المسألة: فمنهم من قال: في المسألتين قولان بالنقل والتخريج:
أحدهما: أنه يكتب أسماء العبيد في العتق، وأسماء الشركاء في قسمة الملك المشترك.
والثاني: أنه يكتب أسماء الأجزاء هاهنا، والرق والحرية ثَمّ.
ومن أصحابنا من قال: ليمست المسألة على قولين، ولكنا نقر النصين قرارهما، ونفرق فنقول: الوجه كِتْبة الحرية والرق إذا كنا نميز الوصية عن حق الورثة، فإن الحرية حق الله تعالى، وليس من حقوق العبيد، فإنهم لو أسقطوه، لم يسقط، فكانت كِتبة الحرية أولى، والعين المقسومة في هذه المسألة ملك الشركاء حقيقة، فكِتْبة أسمائهم أولى.
وقد اتفق الأصحاب أن هذا التردد في الأَوْلَى، ومن اختار مسلكاً لم يمنع صحةَ الآخر إذا أفضى إلى مقصود التمييز، والتردُّدُ فيما هو الأَوْلَى.
11990- والتفصيل في الكيفية نبتديه الآن: فإذا كتبنا أسماء المالكين فيما نحن فيه، وهم ثلاثة، فقد اختلف الأصحاب على ما ذكره العراقيون، وصاحب التقريب: فمن أصحابنا من قال: يكتب أسماء الثلاثة في ثلاث رقاع، وإن تفاوتت حصصهم، ومنهم من قال: يكتب اسم صاحب السدس في رقعة، ويكتب اسم صاحب الثلث في رقعتين، ويكتب اسم صاحب النصف في ثلاث رقاع، قال العراقيون: وهذا أصح؛ فإن من كثر نصيبه، فهو أولى بأن تصيبه القرعة لعظم حظه، وقد يكون له غرض في أن يخرج اسمه أولاً على طرف الدار، فإذا كثرت الرقاع باسمه قرب خروج الرقعة له.
وقال صاحب التقريب: الصحيح الاكتفاء برقعة واحدة في حق كل واحد، ولا معنى لرعاية غرضه في طرف الدار؛ إذ ليس هو بالطرف أولى من صاحب السدس، ولو كان أولى بالطرف لكثرة نصيبه، لكان أولى بما يعيّنه من غير قرعة، والفقه ما ذكره صاحب التقريب.
وقد تأملت كلام الأئمة فاستبنت أن منهم من يجعل هذا الخلاف موضوعاً فيما يجب؛ حتى لو ترك، لم يجز. والعراقيون يثبتون الرقاع على أقدار الأملاك، وصاحب التقريب يختار أن ذلك غير جائز، وكلٌّ يُفسد القسمة إذا جرت على خلاف ما اختاره. وفي كلام الشيخ أبي علي ما يدل على تنزيلِ الخلاف على المستحب وتجويزِ الأمرين جميعاً.
فإذا كتبنا أسماء المالكين، فيقول القاسم: أخرجوا على هذا الطرف، ويعين باختيار نفسه طرفاً، وليس ذلك تحكماً، والقرعة مَغيبة، فإن خرجت قرعة صاحب النصف، فله ذلك الجزء والثاني على التوالي، ويكفيه قرعةٌ واحدة، ولو لم نفعل ذلك، وأخرجنا له القرعة في كل سدس، فربما تفرقت أجزاؤه في الأسداس، ويتخلل فيها ملك صاحبيه، وهذا ضرر بيّن، لا غرض فيه للشركاء، فإن خرجت قرعة صاحب السدس، فله الجزء الرابع، ثم لا فائدة من إخراج القرعة الثالثة، بل الخامس والسادس لصاحب الثلث، وإن خرجت أولاً قرعة صاحب السدس، فله الجزء الأول من الطرف المعيّن، ثم يُخرج قرعةً أخرى، فإن خرجت قرعة صاحب الثلث، فله
الثاني والثالث، ثم الباقي لصاحب النصف من غير قرعة.
والغرض أن لا يتفرق ملك من له سهام.
ولو كتبتَ الأجزاء وأخرجْتها باسم المالك، فقد يتطرق إليه تغرير، ولكنه سائغ إذا أفاد المقصود، وسيق على وجهه، والمحذور منه أنك لو قلتَ: أخرج رقعةً باسم صاحب النصف، فلو خرجت رقعةُ القطعة الثالثة، فالاحتساب من أي طرف-وتصويره ممكن من وجهين- فلو حسبناها في الشرقي، وفيها الطرف الأول، تواصل النصف، ولو حُسبت في الغربي، لخلّفت جزأين في الشرقي وجزءاً في الغربي، فينبغي أن يقطع هذا الخيار، بأن يشترط أن الحَسْب في الجانب الذي لا تتقطع الأجزاء فيه، فإذا وقع التوافق على هذا، فالحَسْب في الشرقي، ولا يخفى درك أمثال ذلك.
11991- ثم أطنب الشافعي في تسوية الرقاع ثلاثاً، وذكر أنها تدرج في بنادق من طين، أو شمع حتى تبعدَ عن الاطلاع، وقال: تسوَّى البنادق، وتجفف، وتطرح في حِجْر من لم يشهد تفصيلَ الأمر، حتى يرجع الخروج إلى الوفاق المحض، من غير تخيل قصد في الإخراج، والتسويةُ إنما راعاها؛ لأن البندقة الكبيرة تسبق إلى اليد، وإذا فرض ذلك، تطرق إلى تحكيم اتفاق الخروج خلل، وكان شيخي يقول: لا نمنع إيجاب هذا؛ لما نبّهنا عليه.
ويجوز أن يقال: إن أظهرناها، وقلنا لمن يخرجها: لا فرق بين الصغار والكبار، فخذ على وفقاف ما عنّ لك-وهي بارزة- فلا أثر للصغر والكبر، وإن كان يطرحها في الحجر أو الكم، ويخرج ما يقع في يده، فيجوز أن يؤثر التفاوت، وحيث نسلّم تخيّل التفاوت، فاشتراط التسوية بعيد، والأولى عدّ هذا من الاحتياط، لا من الاشتراط.
فصل:
قال: "وإذا استُحِقَّ بعضُ المقسوم... إلى آخره".
11992- إذا جرت القسمةَ في الصورة على حقها، ثم تبين أن البعض من الملك المشترك مستَحقٌّ، فأحسن ترتيبٍ في هذا الفن للعراقيين، وقد فالوا: إذا استُحِق شيء، فلا يخلو إما أن استحق عينٌ معيّنة في يد واحد من الشركاء بعد التفاصل، وكانت الشركة موضوعةً على التعديل والنقل، كما قدمنا تصويرها. أو استُحِق جزء مشاع مما في أيديهم، وكذلك يقع الاستحقاق في البعض إذا جرت القسمة في صنف واحد، غيرِ مشتمل على أشخاص متميزة.
فإن استحق معين في حصة إنسان، أو استُحِق جميع حصته، فيبين لنا بطلان القسمة في حق الجميع؛ فتعاد القسمة بعد رد المستحَق.
ثم قالوا في هذه الصورة: لو كانت القسمة قد جرت بين شريكين في أعيانٍ، فاستُحِق من يد أحدهما عين، واستُحِق من يد الآخر عين أيضاً، وهما متساويتان في القيمة، فلا تنقص القسمة في بقية ما في أيديهما؛ فإنهما استويا فيما استُحق وبقي، وهذا متجه حسن.
وفي بعض الطرق ما يدل على بطلان القسمة في البقية، ووجهه بيّن أيضاً؛ فإن القسمة لم تنشأ على البقية أولاً، وقد تغير وضعها بالاستحقاق، فلا يمتنع الحكم ببطلانها.
ولو كان الاستحقاقُ في جزءٍ شائع قبل أن يقتسما أرضاً قدّراها نصفين بينهما، ثم بان أن الثلث من الأرض مستَحَق لغيرهما، فلا شك في بطلان القسمة في المستَحَق، وهل تبطل في الباقي ليعاد بين الشركاء، أو يبقى نصيبُ كل واحد من الأَوّلَيْن منفصلاً عن نصيب الثاني، وللمستَحِق في كلِّ نصيبٍ شَركةٌ؟ ذكر العراقيون في ذلك قولين، وخرجوهما على تفريق الصفقة.
ومن هذا التصرف يظهر ما ذكرناه في استحقاق عينين متساويتين من يدي الشريكين.
هذا تفصيل الاستحقاق بعد القسمة.
11993- ولو قسم الورثةُ التركةَ، ثم ظهر دين على الميت، أو وصيةٌ مطلقةٌ بعينٍ، قال العراقيون: إن قلنا: إن القسمة إفرازُ حقٍّ، فتصحُّ بشرط أن يقضوا الديون أو يُوفّوا الوصيةَ المستحقة. وإن قلنا: إن القسمة بيعٌ، ففي صحة القسمة قولان مبنيان على أن الورثة لو باعوا التركة، وقد تعلق بها دين، فهل يصح بيعهم؟ فعلى قولين:
أحدهما: لا يصح أصلاً، كما لا يصح بيع المرهون.
والثاني: يصح إن قَضَوْا الدين من مال آخر. وهذا يبتني على تردد الأصحاب في أن تعلق الدين بالتركة هل يمنع الميراث أم لا؟ إن قلنا: يمنع، فالقسمة مردودة، والبيع باطل، وإن قلنا: لا يمنع الإرثَ فتعلقه كتعلق الدين بالمرهون، أو كتعلق الأرش برقبة الجاني. وفيه قولان: فإن قلنا: هو كتعلق الدين بالرهن، فالقسمة مردودة، والبيع باطل، وإن قلنا: هو كتعلق الأرش، ففي بيع العبد الجاني قولان. هذا قولنا في البيع.
وما ذكره العراقيون من تصحيح القسمة على قول الإفراز قولاً واحداً ليسوا مساعَدين عليه؛ فإن الإفراز تصرفٌ في متعلَّق الدين، فيظهر إفساده كالبيع، ولما ذكرناه التفاتٌ عندي على أصلٍ، وهو أن المفلس لو تصرف في الأموال التي اطرد الحجر عليها، فنقطع ببطلان تصرفه، أم نقفه قائلين: إن سقطت الديون، فقد نفذ التصرف، وإن بقيت، ومست الحاجة إلى تأديتها من الأعيان أُدِّيت منها.
فالوارث كالمحجور عليه المفلس، والمال كمال المحجور، والدين محصور.
وإذا صححنا بيعَ العبد الجاني، فلم يؤدّ السيدُ الأرشَ، نُقض بيعه، فقد انتظم في التركة الفسادُ، للقسمة، والصحةُ مع التعرض للنقض لو لم يؤدوا الدين، والوقف، حتى إن أَدَّوْا، تبيّنا الصحةَ، وإن لم يؤدوا، تبيّنا الفسادَ، وعدمَ الانعقاد، ثم إذا فُرضت القسمةُ مع الجهل، ثم بَدَا الدين، فالأمر على ما ذكرناه، ولو أنشأ القسمة على علمٍ، لم يختلف الحكم، وترتبت الأقوال نازعةً إلى الأصول التي قدّمناها.
فصل:
11994- إذا قُسم ملك مشترك بين الشركاء، ثم ادعى بعضهم أن القاسم غلط في التعديل وتحيّف عليه، فهل يقبل ذلك؟ نُظر: فإن كانت القسمة قسمة إجبار، واتصلت بالحاكم، ونَصَبَ القاضي فيها قاسماً، أو قاسمين، ثم ادعى شريكٌ نقصاناً من حقه، لم يُقْبل قوله فيه، وهو كما لو ادعى المحكوم عليه على القاضي أنه ظلمني، وقضى عليّ مبطلاً، فلا يقبل قوله، إلا أن يقيم بيّنة عادلة على ما يدعيه من الغلط على القاسم، فيقبل حينئذ.
ولو لم تكن بينة، فدعواه على القاسم مردودة، ولو رام تحليفه لم يبالَ به، ولم يحلّف القاسم، كما لا يحلّف القاضي، والشاهد. هذا إذا كانت القسمة قسمةَ إجبار.
فأما إذا كانت القسمة بحيث لا يجري فيها إجبارٌ، ولكن الشريكين نصبا قاسماً، وقسم عن رضاً منهما، ثم ادعى أحدهما حَيْفاً، قال العراقيون: إذا رضي الشريكان بابتداء القسمة، ثم رضيا بعد خروج القرعة رضاً جديداً، ثم ادعى أحدهما أنه قد نقص من حقه، فلا تُسمع دعواه، ولا تقبل بينتهُ؛ فإن أقصى ما فيه أن يكون منقوص النصيب، فإذا رضي لم ينفعه بعد ذلك شيء، وهو كالذي يشتري شيئاً بما يحسبه ثمن المثل، ثم يتبيّن كونَه مغبوناً.
هذا إذا أنشأ الرضا بعد خروج القرعة، فأما إذا رضيا بالقسمة عند إنشائها-وقلنا: يعتبر الرضا بعد خروج القرعة- ولم يجْر رضاً في آخر الأمر، فلا حكم لما جرى، والقسمة لم تثبت بعدُ، ومن أراد الرجوع، فله الرجوع، وإن لم يكن حيف، فما الظن إذا كان حيفٌ.
وإن قلنا: لا يعتبر الرضا بعد القرعة والتعيين، فإذا رضيا بالقسمة ابتداء، ثم ادعى أحدهم حيفاً بعد القرعة، فالوا: سبيل هذه الدعوى كسبيل دعوة الغلط في قسمة الإجبار. هذا ترتيبهم.
وفيه نظر.
أما قولهم: إذا تراضيا بعد القسمة، فلا رجوع إن كان محتملاً، فلا يجب أن يكون مقطوعاً به؛ فإن الرضا كان على تقدير التعديل والاستواء؛ فإذا بان خلاف ذلك، ظهر الحكم بفساد القسمة، فكأن الرضا مقيدٌ بشرط الاعتدال، وهذا كتقديرنا تقيُّدَ البيع بشرط السلامة. وهذا متجه.
وما ذكروه في آخر الترتيب من أنا إذا لم نشترط إعادة الرضا آخراً، واكتفينا بالرضا الأول، فالقاسم يصير كالحاكم في قسمة الإجبار، فهذا أيضاً فيه نظر؛ فإن قاسم القاضي مولّىً أو شاهداً، والذي ينصبه الشريكان ليس في هذا المعنى، والمسألة محتملة.
ولو لم ينصبا قاسماً أصلاً، ولكنهما اقتسما بينهما من غير قاسم، فلابد في هذه الصورة من الرضا بعد القسمة؛ إذ لا متوسِّط بينهما، حتى يكون قَسْمه مستنداً لرضاهما. هذا هو الظاهر. وفيه احتمال على تقدير القسمة المنشأة مرضيّاً بها؛ فإنه لو توسطهما قاسم، فالتعويل على قسمته لا على عينه.
11995- ومما يليق بتمام البيان في ذلك أنهما لو تفاضلا، وعلما تفاوتاً في القسمة، وتراضيا به على علم، فالذي يقتضيه كلام الأصحاب لزوم هذا، وفيه غائلة.
والوجه أن نقول: إن قلنا: إن القسمة إفراز، فلا تصح القسمة إلا مع التعديل، وإن قلنا: القسمة بيع، فإذ ذاك يجوز أن تَلْزمَ بالرضا مع العلم، ثم يتضح عندي اشتراط لفظ البيع هاهنا؛ فإنا إنما نقيم لفظ القسمة مقام لفظ البيع إذا جرت حقيقةُ القسمة، وحقيقتُها التعادل، وهذا لطيفٌ حسن.
11996- ومما يتعلق بهذا الفصل أن الشريكين إذا تناكرا فادعى أحدهما القسمة، وأنكرها الثاني، فإن لم يكن متعلَّق بقاسم من جهة القاضي، فالقول قول النافي. وإن تعلقت بقاسم القاضي، فالرجوع إلى قول القاسم؛ فإنه حاكم، أو شاهد.
فإذا ادعى الغلط على القاسم من جهة القاضي، ولم يجد بينة، فقد ذكرنا أن دعواه لا تسمع على القاسم، فلو قال: أحلّف شريكي؛ فإنه عالم بأنى منحوسُ الحظ، فله تحليفه، فإن حلف، انقطعت الخصومة، وإن نكل، رد اليمين على المدعي، فإذا حلف يمين الرد، نُقضت القسمة، وأعيدت من الرأس.
وإن ادعى على جمعٍ من الشركاء، فحلف بعضهم، ونكل بعضهم، قال الأئمة: تُرد اليمين بسبب نكول الناكلين، فإذا حلف، انتقضت القسمة في حق الناكلين. قال صاحب التقريب: إذا قلنا: يمين الرد كالبينة، فقد قال بعض الأصحاب: تنتقض القسمة في حق الكلّ: من حلف، ومن نكل، كما لو أقام بينة.
وهذا سخيف، لا أصل له، فإن يمين الرد إنما يكون بينة في حق الناكل فحسب، فأما من حلف، فقد درأ يمينَ الرد عن نفسه، وهذا الوجه نقله صاحب التقريب، وبالغ في تزييفه، ولولا نقلُه لما ذكرناه.
فصل:
11997- إذا كان في أيدي طائفة ملكٌ مشترك، فجاءوا إلى القاضي، والتمسوا منه أن ينصب قاسماً ليقسم الدار بينهم، فهل يجيبهم القاضي؟ إن كان ثبت ملكهم عند القاضي بطريق من الطرق، أجابهم، وإن لم يثبت ملكهم، فهل ينصب قاسماً؟ فعلى قولين:
أحدهما: لا ينصبه؛ فإنه لم يتحقق عنده ملكهم، فالإقدام على القَسْم-وقد يكون الملك لغيرهم- تصرّفٌ قبل ثبوت موجِبه، ولو قسم بينهم، فربما يتعلقون به، ويعدُّونه حجةً في ثبوت الملك، وهم مبطلون. ولا حاجة إلى هذا، فإن القاضي يوضح: إني قسمتُ باستدعائهم، ولم يثبت عندي ملكُهم.
والتعويل في توجيه هذا القول على ما قدمناه من أن القَسْم تصرفٌ، لم يثبت موجِبه.
والقول الثاني-وهو الأصح- أنه يجيبهم إلى القسمة، ولا حاجة إلى إثبات الملك فيما هذا سبيله، بدليل من أدخل إنساناً داره، أو أضاف القاضي، فكل ذلك جائز، وما زال الأتقياء الأبرار يعتادون مثل هذا، يأخذون الأمر على ظاهر اليد، وإن لم تقم عندهم حجج بالأملاك، ولا نعرف خلافاً أن من باع داراً في يده، وأشهد على البيع القاضيَ، أثبت القاضي إقراره، ولم يطالبه بتثبيت ملكه قبل البيع.
وما ذكرناه من طلب القسمة فيه إذا جاءوا طالبين عن تراض منهم، فإذا جاء واحد مطالباً، وامتنع عليه أصحابه ففي المسألة طريقان:
أحدهما: أنه يجيب في هذه الحالة لقطع الخصومة، والطريقة الثانية- طَرْدُ القولين، وليس ينقدح عندي للامتناع عن القسمة وجهٌ. نعم، يجب القطع بجواز القسمة، كما استشهدنا به في جواز دخول الدار، فأما وجوب القسمة، ولم يثبت بعدُ عند القاضي ملكٌ، فهذا فيه تردد، من جهة أن لوجوب يجوز أن يستدعي موجِباً، فأما الجواز، فيكتفي بظاهر الحال.
فصل:
11998- إذا تعذّرت القسمةُ في الملك المشترَك، فأقرب مسلك في الانتفاع المهايأة، فإن وقع التراضي عليها، فذاك، ثم هي مياومةٌ، أو مسانهةٌ، أو مشاهرةٌ، أو مسابعة، على ما يقع التوافق عليه، ولا إجبار على المهايأة في ظاهر المذهب.
وذهب ابنُ سريج إلى الإجبار عليها؛ فإن قسمة الرقبة إذا تعذرت، فلو لم تجب المهايأة، لتعطلت المنافع، ومعتمد أهل المذهب أن المهايأة فيها تعجيلُ حق أحد الشريكين، وتأخير حق الثاني، بخلاف قسمة الرقاب، فإن الحصص تنفصل دفعةً واحدة، فإن قلنا: لا تلزم المهايأة بالدعاء إليها، فلو جرت، فما مضى من النُّوَب لا تتبُّع لها.
وإن كان الشركاء في ابتداء النوبة، فاستوفى واحد نوبة، فهل يجب إدارة هذه النوبة على الباقين حتى يستووا؟ فعلى وجهين، أقيسهما أنه لا يجب؛ فإن الوجوب لو ثبت، لكان مأخوذاً من تقابل المنافع بمعاوضة، أو طريقة مقرِّبة من المعاوضة، وهذا ممتنع في المنافع، فالوجه أن يغرَمَ هذا المستوفي حصص أصحابه من المنفعة، إذا امتنعوا عن الاستمرار على المهايأة.
والوجه الثاني- أنه يجب إجراءُ نوبةٍ دارّة عليهم، ثم هم على خِيَرتهم بعدها، وهذا اختيار القاضي، ووجهه عندنا أنها لو جرت، فلا تتبع، فلا تخرج على مذهب التقاصّ، بل يرى ما جرى معاملة سديدة، عمل بها من مضى وبقي، فإذا استوفى واحد نوبة، وجب بحكم ذلك طردها إلى الآخِر.
وإذا قلنا: لا إجبار على المهايأة، وقد تمانع الشركاء نَكَداً، فأي شيء نفعل والحالة هذه؟ في المسألة وجهان:
أحدهما: أنه لا يُتعرض لهم، ونترك الأملاك متعطِّلةً إلى أن يصطلحوا.
والثاني: يباع الملك، ويقسم الثمن بينهم، وهذا لا أصل له، فلا أعدّه من المذهب، وإنما هو مذهبُ بعض السلف، ثم هذا إنما يجري إذا أداموا النزاع والمطالب، فإن تركوا، تركناهم.

.باب: ما على القاضي في الخصوم والشهود:

قال الشافعي: "وينبغي للقاضي أن ينصف بين الخصمين في المدخل عليه للحكم... إلى آخره".
11999- قال الأئمة: من تولى القضاء، فينبغي أن ينتجز الكتب من الإمام، أو من والي الإقليم، ثم تثبت ولايته في الناحية التي رشح لها بالاستفاضة، وهذا القدر كافٍ عند المحققين، والمشاهَد فيه سِيَرُ الأولين، والدليل الخاص فيه من جهة المعنى أن المُولِّي ذو الأمر، وليس للرَّعايا مطالبةٌ حتى يناط بحُججٍ خاصة، وأيضاً
فاعتبار الحُجج عسر؛ فإنها لو ثبتت، فمن يقيمها، وعند من تقام؟
ثم قال قائلون: مجردُ الكتاب كافٍ، وهو يعتضد عند استمرار الإمرة، وامتداد اليد الباطشة، واشتهار أمور الولاية في مكانها بأن ذلك لا يجترىء عليه ذو عقل، وهو مع هذا معتضد برسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاته، فما كانوا يستصحبون إلا كتبَ الرسول، حتى اشتهرت قصة ذلك المتخرص الذي أتى قوماً، وزعم أنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكرَموه، وبَرّوه، ثم وفدوا على رسول الله عليه السلام، وأخبروه، فلعنه، وقال: "إذا رجعتم إليه، فاقتلوه، وما أراكم تدركونه". فرجعوا وألْفَوْه حُمَمَه، وكانت أدركته صاعقة فاحترق، ووجه التعلق بالقصة أن الرسول عليه السلام لم ينكر عليهم، ولم يأمرهم باستظهارٍ في المستقبل، وعدّ ما جرى من التخرص نادرةً لعن بها صاحبها.
والذي يجب ضبطه في هذا-بعد التأصيل- أن من صدر عن الحضرة العليا لولاية عظيمةٍ في ناحية متسعة الخِطة، فمثل هذا يستفيض الخبرُ عنه، فالاستفاضة كافية، وحكى العراقيون هذا واعتمدوه، ووجهاً آخر أنه لابد من عدلين يُشيعان في أهل الناحية صَدَرَ الولاية من الإمام، ثم ليسا شاهدين، ولكنهما مُسمعان، يُشيعان، عددُهما عددُ الشهود، لتعلق الأمر بما يخصّ الناسَ، ويعمهم، فكان شبيهاً بالشهادة من هذا الوجه، وإن لم يكنها في الاختصاص بمجلسٍ والتزام لفظ الشهادة، وهذا يناظر ما سيأتي في معنى التسامع في الأنساب، وهذا معنى الاستفاضة.
فإن جرى مثلُ هذا، ولم يستفض الخبر، والأليق بالحال الاستفاضة، فإذا ورد، ففي هذه الحالة نظر آخر، يجوز أن يقال: لابد من الاستفاضة بناء على قطبٍ في الأصول، وهو أن الأمور العظيمة إذا جرت، فلابد أن تشيع، فأقلُّ المراتب أن يُورِّثَ ذلك تردداً وخبلاً.
ومن أصحابنا من اكتفى بكتاب الوالي وهو عندي مشروط بظهور مخايل الصدق، وهو بيّن في خطوط الكتاب المشهورين وانشراح الصدر به، فإن الخَوّان في مثل هذا على وفازٍ من أمره.
وقال قائلون: لابد من شاهدين في هذا المقام، وهذا لا بأس به، والمراد بالشاهدين عدلان يُشيعان.
وإذا استخلف القاضي حاكماً في قرية، فقد لا يستفيض مثل هذا، فلا تُشترط الاستفاضة، بل ينقدح فيه الكتاب أو شاهدان.
وينبغي للذي يَقْدَم أن يقدّم كِتْبته إلى محل الولاية، ويتعرف عن أحوال العدول والمزكين، وأركان القضاء، ويكتب إليهم: استعدوا، ويكون هذا من أسباب الاستفاضة، حتى لا يكون مَقدمه فجأة، إذ لو فاجأهم، وتفاوض الناس بالتشبيب بالتكذيب، سمُجَ الأمر، وانكسرت السَّوْرة.
12000- وإذا دخل البلد وتصدى للقضاء، فينبغي أن يبداً بالتعرف عن أحوال المحبوسين، لا يقدّم على ذلك شغلاً، والسبب فيه أن الحبس عذاب، وإدامة العذاب على أقوام من غير تثبتٍ، لا سبيل إليه، وليس هذا من تعقب أحكام القاضي الأول.
وقد ذكرنا أنه لا يتعقبها إلا أن تُرفع إليه، والنظر في حال المحبوسين ليس من ذلك، فإن الحبس كما ذكرناه عذاب ناجز مستمر، وقد يكون المحبوس مظلوماً، وقد يكون في المحبوسين من حبس تأديباً، وفيما مضى من الحبس كفاية، وتقديم ما ذكرناه حتمٌ وليس من الآداب، حتى قال الأصحاب: لا ينبغي أن ينظر في خصومةٍ تُرفع إلى مجلسه ما لم يفرّغ قلبه من هذا الفن.
ثم يُحضر المحبوسين، فمن أقر منهم أنه محبوس بحق، ردّه إلى السجن، ومن ادعى أنه حبُس ظلماً، فالوجه أن يقول: من خصمك؟ فإذا ذكره، أحضره، وسأله، وأمره بأن يبتدىء الدعوى، وإقامة البينة، على ما لا يكاد يخفى ترتيب الخصومة. وإن قال: قد حَبَسه القاضي المصروف، فكان ذلك حكماً منه؛ وحكمه لا ينقض، قيل له: أَثْبِتْ حُكمَه بما تَثْبُتُ به أحكام القضاة. أما صورة الحبس ليس حكماً، فإذا عجز الخصم عن إثبات حقٍّ يوجب الحبس، أطلقنا المحبوس، ولا تطويل بجعل هذا ابتداء خصومة.
12001- قال القاضي رضي الله عنه: من قال من المحبوسين: حبست ظلماً، أطلقناه، وهذا الكلام حق، ولكنه خشن، فالمعني بالإطلاق أن يخرج من الحبس، ولكن لا يخلى سبيله حتى يحضر خصمه، وفي كلام القاضي ما يدل على أنه يخلّى سبيله، ولا يتشبث به، ولست أنكر اتجاه هذا في القياس؛ فإن التشبث به من الحبس، فإن ادعى مدّعٍ استعدى عليه. فإنا لا ندري أن ذلك القاضي حبسه بالحق أم لا، وحبس القضاة منقسم إلى حقٍّ، وظلم، وأدب، وحملٍ على تأدية حق، فيحصل مما بسطناه أن ما صار إليه الجماهير التشبث به إلى التفحص، من غير أن يرد إلى الحبس. والذي ذكره القاضي أنه يطلق، ثم خصمه يتبعه ويستعدي عليه.
فإن فرّعنا على ما عليه الجماهير، قلنا: لو وجدنا محبوساً لا يعرف له خصماً، فكيف السبيل فيه؟ قال الأصحاب: يأمر القاضي من ينادي باسمه، ويقول: فلان بنُ فلانٍ محبوسٌ، فمن خصمه؟ فإن لم يظهر له خصم، أطلقه، إذا كان يقول: حبست بالظلم، أو كان يقول: لا أدري لم حُبست، ولا أعرف على نفسي حقاً يوجب حبسي.
ثم قال الأصحاب: ينادي عليه إلى حد الإشاعة؛ فإن النفوس تتشوف إلى الطلب إن كان طالب، ثم ذكر الأصحاب أياماً. ولا يطاف به، وإنما يذكر اسمه على حد التعريف، وهو في ذلك لا يحبس ولا يخلَّى، بل يُنصب من يراقبه، ثم يطلق. وهل نأخذ منه كفيلاً ببدنه احتياطاً؟ ذكر صاحب التقريب فيه وجهين:
أحدهما: أن عليه إعطاء كفيل، فإن امتنع، رددناه إلى الحبس، والثاني: ليس عليه ذلك، وهو الصحيح الذي قطع به الأئمة.
ولو كان خصمه غائباً، وزعم المحبوس أنه مظلوم، ولو انتظرنا مطالبة الغائب، لطالت المدة، والمراقبةُ أخت الحبس، فهل يطلق والحالة هذه؟ ذكر بعض المصنفين في ذلك وجهين:
أحدهما: أنه لا يطلق، بل يكتب إلى الموضع الذي به الخصم، حتى يحرص على إظهار حجته، فإن قصّر، أطلقناه.
والثاني: أنه يطلق على الفور.
وإذا قلنا: لا يطلق، عنينا به أنه يراقب، فأما الرد إلى الحبس، وإدامة العذاب، فلا سبيل إليه.
وقد يرى الإنسان في مجموعات الأصحاب عبارات موهمة، ولكن ليثق بما ذكرناه؛ فإنا لا نورد-إن شاء الله- في هذا المجموع إلا ما نتثبت فيه، ونرتبه على نَخْل كلام الأصحاب، وحذف المجازات.
12002- فإذا انتجز نظره في ذلك تأمل أحوال الأمناء المنصوبين من جهة القاضي المصروف؛ ونظر فيهم، وفيما في أيديهم، فإن أمكنه في أثناء ذلك أن يفصل خصومة جديدة-من غير أن يتطرق إلى نظره فيما ذكرناه خللٌ- فليفعل، وإلا فالبداية بأحوال المحبوسين، وبعدها بأموال الأطقال في أيدي القُوّام والأوصياء الذين صدَرُهم عن القاضي. وإن استخلف حيث يجوز الاستخلاف في فصل الخصومات الجديدة وتعاطى بنفسه ما ذكرناه من المُهمَّيْن فجائز.
12003- ثم اندفع الشافعي في بيان كيفية إدخال الخصمين ورعاية الإنصاف بينهما، فنقول: لا يأذن لأحدهما دون الآخر؛ فإن ذلك يكسر قلب المحجوب، ويُغَلِّب على ظنه الميلَ إلى خصمه، وإذا دخلا عليه، وسلّما، ردّ جواب سلاميهما، وإن سلّم أحدهما، فقد أفرط بعض الأصحاب، وقال: لا يردّ جوابه، بل يسكت؛ بناء على أنه وضع السلام في غير موضعه؛ فإن القاضي في شغل شاغل، ولا ينبغي أن يُسلَّم عليه وهو كذلك.
هذا وجه.
وإن أراد قال لخصمه: سلّم، ثم يرد جواب سلاميهما، وهذا عندي سرفٌ، وإن ذكره القاضي، فإنَّ رد جواب السلام محمولٌ على ابتداء أحدهما بالسلام، وهذا مما لا يخفى ولا يُظهر ميلاً.
ثم يسوّي بينهما في المجلس ولا يرفع أحدَهما على الثاني، وإن كانا متفاضلين إذا كانا مسلمين، أو ذميين، فإن كان أحدهما مسلماً والآخر ذمياً، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن يسوّي بينهما لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا علي سوّ بين الخصمين في مجلسك ولَحْظك» ويروى «آس بين الخصمين». هذا أحد الوجهين.
والوجه الثاني: أنه يرفع المسلم على الذمي؛ فإنه لو سوّى بينهما، كان ذلك نوعَ مهانة واستذلال، وروي أن علياً كانت له خصومة مع ذمِّي، فرفعه إلى شريح، فلما دخل عليه، قام له شريح، فقال رضي الله عنه: "هذا أول جَوْرك"، ثم أسند عليٌّ ظهره إلى الجدار، وقال: "أما أن خصمي لو كان مسلماً، لجلست بجنبه".
ويسوّي القاضي بينهما في النظر، فلا يخصص أحدهما بالنظر، بل يُطرق، ولا ينظر، أو ينظر إليهما، ولا يتبسم في وجه واحد، ويتعبّس في وجه الآخر، ويجتنب على الجملة ما يشعر بتخصيصه أحدَ الخصمين بمكرمة، أو إقبال.
12004- ثم إذا جلسا إليه، فلا بأس أن يقول: من الطالب منكما، أو من المدعي؟ فإذا ادعى المدعي، وصحّت دعواه، على ما سيأتي تصحيحُ الدعوى في كتابها، إن شاء الله، ثم هل يطلب الجواب من الخصم من غير أن يطلبه المدعي؟ فيه وجهان: أصحهما- أنه يطلب؛ فإن قرينة الحال قاطعة بأن المدعي مطالِب بالجواب، ولا معنى للتطويل ومعاودة المدعي.
والثاني: أنه لا يطلب الجواب ما لم يلتمس المدعي؛ فإن هذا حق المدعي، فلا يطلب دونه طلبه، ثم إذا طلب الجواب، فلا يخلو المدعى عليه أن يقرّ أو ينكر، فإن أقر، ثبت الحق إذا كان الإقرار صحيحاً، ولا حاجة بأن يقول القاضي: قضيت بإقراره- على المذهب الأصح.
وقال بعض أصحابنا: الإقرار كالبيّنة المعدَّلة، وهذا ليس بشيء؛ فإن وراء التعديل وقفات، وتوقُّع رَيْب، فلابد من قطعها بإظهار القضاء.
وإن أنكر المدعى عليه، فالأصح أن القاضي يقول للمدعي ألك بيّنة؟ ومن أصحابنا من قال: لا يقول ذلك، فإنه من باب تلقين الحجة، وهذا ليس بشيء؛ فإن المدعي قد لا يعرف ترتيب الخصومة، ويتحيّر عن دَهَشٍ، ففي السكوت عنه إبطال حقه.
فلو قال المدعي: لا بيّنة لي حاضرة، ثم أقام بعد ذلك بيّنة، سُمعت وفاقاً. فإن قال: لا بيّنة لي، لا غائبة، ولا حاضرة، ثم أقام بينة، فهل تسمع منه؟ فعلى وجهين مشهورين:
أحدهما: لا تسمع، تمسكاً بقوله، والثاني: أنها تسمع؛ فإنه قد لا يعلم أن له بينة، ولو قال: لا بيّنة لي، فهو كما لو قال: لا بينة لي حاضرة، ولا غائبة، مع تخيل ترتيب. ولو سكت المدعى عليه- فإن كان عن عيٍّ وحصر، روجع، وإن أصر، كان ذلك كالإنكار، وسيعود هذا في كتاب الدعوى إن شاء الله.
12005- ثم قال الشافعي: "ولا ينبغي أن يُضيّفَ الخصم... إلى آخره".
قرىء يُضيف بضم الياء، وقرىء يَضيف بفتحها، ومعناه لا ينزل على الخصم ضيفاً، وقد ذكرنا هذا في الولائم، وبالجملة يجتنب من هذا ما يجر تهمة، أو يظهر ميلاً إلى خصم.
فصل:
قال: "ولا يقبل هدية... إلى آخره".
12006- المستحب للقاضي أن يسد باب قبول الهدايا جملة، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً في الصدقات يقال له: ابن اللُّتْبية، فرجع بسواد كثير، فكان يُخرج البعضَ، ويقول: هذا للمسلمين، ويُخرج البعضَ ويقول: هذا لي أُهدي إليّ، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال أقوام نستعملهم على بعض ما ولاّنا الله تعالى، فيرجع الراجع بمالٍ، ويقول: هذا لي أهدي إلي، وهذا للمسلمين، هلاّ جلس في خفش أمه، ينظر هل يهدى إليه أم لا " والخفش البيت الصغير.
وقصة عمر في رِجْل الجزور معروفة.
ثم قال الأصحاب: ينظر إلى المُهدي، فإن كانت له خصومة، فلا يحلّ قبول الهدية منه، وعلى هذا يحمل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هدايا الأمراء سحت» فإن قبل، فالذي ذهب إليه الأكثرون أنه لا يملكه، وهذا معنى التحريم، ومن أصحابنا من قال: يملكه؛ فإن الهبة صدرت من مطلق، وكذلك القبول، والتحريم محمول على التعرض لللهمة بالأمر الظاهر، فالمِلْك بالإضافة إلى التحريم كالصلاة في الدار المغصوبة.
وهذا الخلاف يقرب من تردد الأصحاب في أن من دخل عليه وقت الصلاة في السفر ومعه من الماء ما يكفيه لوضوئه، فوهبه ممن لا يحتاج إليه لسقيه، فهل يملكه؟ وقد قدمنا ذكر ذلك في كتاب الطهارة.
وإن لم يكن للمهدي خصومة، فلا يخلو: إما أن يكون من بلد ولايته، وإما ألا يكون من ولايته، فإن لم يكن من ولايته نظر: إن كان يهدي إليه قبل أن ولي؟ فقبول الهدية قريب، إذا اجتمع عدم الخصومة، وأنه ليس من ولايته واعتاد الإهداء قديماً، والمستحب الامتناع، وإذا قبل، مَلَك، وإن كان لا يُهدي إليه من قبلُ ولا خصومة، وليس هو من ولايته، فيكره القبول، وإذا قبل، مَلَك. والأَوْلى أن يُثيب، فإن لم يفعل وضع الهدية في بيت المال، وإن كان من بلد ولايته، وكان يهدي قديماً، فلا كراهية، والمستحب الامتناع.
ولا يخفى ما بعده، وإن كان لا يهدي قديماً، وهو من أهل ولايته، ولا خصومة له، اشتدت الكراهية، والذي عليه الجريان أنه لو قبل، مَلَك.
وقال القفال في بعض طرقه: إذا حرمنا قبول الهدية، وهو إذا كانت مع الخصومة، فلا يحصل الملك بالقبول. وإذا لم يكن خصومة- ولكن كان الرجل من أهل ولايته وما كان يعتاد الإهداء، ففي حصول الملك وجهان. هكذا قال، وإذا أجرى الوجهين قال على أحدهما: يحرم قبول الهدية لا محالة.
والطريقة المشهورة للأصحاب أن الهدية إذا لم تكن في حالة الخصومة، فهي متملكة، ولا يطلق إلا الكراهية. وإن كانت في حالة الخصومة، قطعنا بالتحريم.
وفي حصول الملك وجهان.
فصل:
قال: "وإذا حضر مسافرون ومقيمون... إلى آخره "
12007- إذا ازدحم على مجلسه مسافرون ومقيمون، فإن قلّ المسافرون وهم على وِفاز، وربما ينقطعون عن الرفاق لو أُخروا، فالأصح أن القاضي لو أراد تقديم المسافرين، ورآه رأياً، فله ذلك.
وكذلك إذا حضرت النساء مع الرجال وخفّ أمرهن، بحيث لا يظهر من تقديمهن أثر وضرر، فللقاضي أن يقدمهن حتى ينقضي انكشافهن، ويتميّزن عن الرجال.
فإن كثر المسافرون والنساء، وكان معظم الضرر على الرجال وأهل الحضر، فلا تقديم، والأمر مردود إلى القرعة إن استَووْا، وإن سبق بعضهم، فالسبق لمن سبق، وليس له بحق السبق أو القرعة أن يدّعي على خصم، ثم بعده على آخر، وإنما يستفيد بهذا خصومة واحدة مع شخص واحد.
ولو أراد أن يدعي على خصم واحد دعويين أو ثلاثة قال القاضي: يحتمل ذلك وجهين، ومنشؤهما من تردد في كلام الشافعي واختلافٍ في كيفية قرائته. قال: "لا يسمع منه في مجلس إلا في حكم واحد " قراً بعضهم إلا في حكمٍ واحد مع التنوين، وموجَب هذا ألا يزيد على خصومة واحدة، وإن اتحد المدعى عليه كما لو تعدد المدعى عليه، وهذا هو القياس، ومنهم من قراً إلا في حكمِ واحدٍ على الإضافة من غير تنوين، ولا يبعد أن يفهم منه فصل خصومات مع شخص واحد. هذا بعيد. ثم لا مزيد على الثلاث.
وهذا فتح باب لا أصل له، فالوجه ألا يزاد على خصومة واحدة بحق السبق والقرعة.
ومن أصحابنا من يقول: لا يقدَّم مسافر ولا امرأة، وليس إلا اتباع السبق أو القرعة.
وإذا استبق طلبة العلم، نُظر: فإن كان ذلك العلم مما لا يجب تعليمه، فالخيار إلى المعلم، وإن كان مما يجب تعليمه الناس فلو خصص به أقواماً فيهم غُنية، فهل يجوز له ذلك؟ فعلى وجهين، والأولى المنع من التخصيص؛ فإنه لا يدري من المفلح ومن المتخرج، فليقصد التعميم وإن كان لا يتأتى الجمع في التعلق، فإن أقدار الطلبة يوجب أن يخصصوا بما يليق بمناصبهم، فعند ذلك يقع السبق أو القرعة.
12008- ثم قال: "ينبغي للإمام أن يجعل مع رزق القاضي شيئاً لقراطيسه"، والمراد بذلك أن تهيأ للحُجج التي يخلدها في ديوان القضاء قراطيسُ، فإن لم يفعل، فالقاضي لا يخرجها، ولكن يقول للخصم: إن أردت أن يتأكد حقك، فائْت بقرطاس أُثبت ما ثبت عندي لك عليه، وأتذكر إذا رجعتُ إليه، فإن لم تُرد، فلا عليك.
12009- ثم أعاد الشافعي فصلاً من القضاء على الغائب. وقد مضى مفصلاً على أحسن مساق، والذي نجدده هاهنا أنا ذكرنا أن من توارى وامتنع، نفذ القضاء عليه نفوذَه على الغائب، وقد ذكر القاضي هذا وارتضاه. وذكر معه وجهاً آخر أن القضاء لا ينفذ عليه ما لم يحضر مجلس الحكم، ثم قال: وهذا الاختلاف يضاهي اختلافَ الأصحاب في أن الممتنع عن أداء الثمن مع القدرة، هل يكون كالمفلس المحجور عليه حتى يرجعَ البائع في عين المبيع إن وجده، ويفسخَ العقد؟ فيه وجهان. ولذلك نظائر.
ولو كان الخصم مريضاً، فالوجه أن يستخلِف من يحضُره ويقضي عليه.
12010- فأما المخدّرة، فنتكلم في وصفها، ثم في حكمها، فأما وصفها: قال قائلون من الأصحاب: هي التي لا تعتاد التبذل بالخروج للحوائج، وإن كانت تخرج إلى العزايا والزيارات، فهذا لا ينتهى إلى التبذل، ولا يناقض التخدير.
قال القاضي: الذي عندي أن المخدَّرة هي التي لا تخرج لحوائجها، ولا تخرج للزيارة والعزايا على اعتيادٍ، فلو خرجت على تردُّدٍ، لم يبطل تخديرها.
والمخدَّرة عندنا هي التي لا تخرج إلا لضرورة، هذا وصفها. فأما حكمها؛ فقال قائلون: يحضُرها المستخلَف أو القاضي بنفسه، ولا يكلفُها حضورَ مجلس القضاء. فإن التبرج إذا لم يكن من عادتها يُلحق بها ضرراً عظيماً يزيد على ما يَلحق المريض لو تكلف الحضور.
وسنذكر في الشهادة على الشهادة التقريبَ المعتبرَ في المرض الذي يتخلف شاهد الأصل بسببه عن مجلس الحكم، إن شاء الله.
وقد ذهب الشيخ الققال إلى أن المخدَّرة تحضر مجلس الحكم كالبَرْزة، فإنها إذا كانت محمولة على هذا المعنى، لم يقدح خروجها في تخدُّرها، وإنما يخالف حالَها اختيارُ البروز في غير حاجة، وهذا متجه في القياس، وإن كان معظم الأصحاب على مخالفته.
12011- ولو كان المدعى عليه غائباً على مسافة العدوى، استعدى عليه الحاكم إذا طلب خصمُه، كما مضى، ولو كان على مسافة القصر، لم يكلفه الحضور بمجرد دعوى المدعي، ولو كان على مسافة قاصرةٍ عن مسافة القصر زائدةٍ على مسافة العدوى، فظاهر المذهب أنه لا يستحضره بمجرد الدعوى، ما لم يُقم الخصم بينة.
ومن أصحابنا من قال: يُحضره بمجرد الدعوى، وهذا لم أذكره فيما سبق، فأعدته لهذا. والله أعلم.
فرع:
12012- إذا سبق إلى مجلس الحاكم رجلان، فابتدر أحدهما وادعى، فقال الثاني: بادرتَ بالدعوى، وكنت أنا المدعي، فالقاضي يقول له: اخرج عن عهدة الدعوى، ثم ادّع، ولو أنشآ دعويين معاً؛ فقد ذكر صاحب التقريب في ذلك مذاهب، حكاها عن العلماء، ولم يعزُها إلى الأصحاب فقال: منهم من قال: من كان له بيّنة منهما، فهو المدَّعي، ومنهم من قال: يقدِّم القاضي من شاء منهما، ومنهم من قال: يطردهما، حتى يتوافقا على من يبدأ بالدعوى، أو يسبق أحدهما في مجلس آخر، ومنهم من قال: يُقرع بينهما.
قال العراقيون: مذهبنا أنه يقرع بينهما، والأمر عندنا على ما ذكروه، فلا يستدّ على قياسنا إلا الإقراع، وما سواه من المذاهب متروكةٌ على القائلين بها، غيرُ معدودة من المذهب إلا ما حكاه العراقيون.
ثم قال: "وإذا علم من رجل بإقراره أو بيقين أنه شهد بزورٍ... إلى آخره".
12013- إذا ظهر للقاضي أن رجلاً شهد بزور، وتبين أنه اعتمد الكذب، ولم يكن ما جاء به عن عثرةٍ، ابتدره وعزّره على ما تقدمت مراتب التعزير، ثم ينبغي أن يبعثه إلى مجتمع الناس، كالمسجد الجامع وغيره، حتى يُنادَى عليه ويشاعَ عنه ما فعل، ويُحذر الناس من تحميله الشهادة.
فصل:
قال المزني: "واختلف قوله في الخصم يقر عند القاضي... إلى آخره".
12014- مضمون الفصل الكلامُ في أن القاضي هل يقضي بعلمه؟ وفيه قولان للشافعي:
أحدهما: أنه يقضي، قال في الرسالة: "وأقضي بعلمي، وهو أقوى من شاهدين، وبشاهدين، أو شاهدٍ وامرأتين، وهو أقوى من شاهد ويمين، وبشاهد ويمين، وهو أقوى من النكول ورد اليمين".
ووجه هذا القول أن القاضي إذا كان يسند قضاءه إلى ظنون يستفيدها من قول الشهود، أو يمين المدعي، فلأن يُسندَه إلى يقين نفسه أولى.
والقول الثاني- أنه لا يقضي بعلمه؛ لأن ذلك فتحُ بابٍ لتطرق التهم إلى القضاة، ولا يليق بقاعدة الإيالة فتحُ ذلك، فإن القاضي إذا قضى بعلمه، ولم يكن ممن يراجِع أو يستفصل، أوْغر ذلك الصدور وأبهم الأمور، والتعرض لمثل ذلك محذور.
وقال الربيع: كان الشافعي يرى القضاء بالعلم، وكان لا يبوح به لقضاة السوء.
ثم إذا جوزنا له أن يقضى بعلمه، فنعني بذلك ما يستيقنه لا ما يظنه، وإن غلب ظنه؛ فإن للظنون مآخذَ لا تسند إلى غيرها ثم لا فرق بين أن يعلم في مكان ولايته وزمانها، وبين العلم الذي يحصل له في غير مكان الولاية وزمانها، خلافاً لأبي حنيفة رضي الله عنه، فإنه جوّز أن يقضي بعلمٍ يستفيده في مكان الولاية وزمانها دون غيره. والذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن القاضي يقضي بعلمه قولاً واحداً في تعديل الشهود، كما قدمناه في فصل التزكية.
وأبعد بعض الأصحاب، وقال: لا يفعل ذلك، بل يُسند الأمرَ إلى تزكية المزكين قياساً على غيره، وهذا القائل يقول: تعديله لا يستند إلى علم. فإذا كنا نمنع القضاء بما يستيقنه، كيف يجوزالحكم بما يظنه؟
ولم يختلف علماؤنا في أن القاضي يمتنع عن القضاء بناءً على علمه. وبيانه أنه إذا شهد شاهدان على زوجيّةٍ، وعلم القاضي أن بين المدعي بها وبين المرأة محرمية، فلا يبالي بشهادة الشهود. وكذا إذا شهد شهود على موت إنسان بتأريخ ذكروه، وعلم القاضي أنه كان حياً في ذلك الزمان، فلا يقضي بشهادة الشهود؛ فإنه إذا كان يتوقف في القضاء لريبة تلحق الشهود، فكيف يستجيز القضاء بها، وهو يستيقن الكذب عمداً منهم أو خطأ.
ثم قال الأئمة: إذا امتنع، فحسنٌ أن يذكر ما عنده، وذلك أنفى للتهم.
ثم اختلف طرق أئمتنا: فالذي ذهب إليه الأكثرون ترتيبٌ نسوقه. وذلك أنهم قالوا: القولان في القضاء بالعلم فيما يتعلق بالأموال، وألحقوا بذلك الأموالَ الثابتة لله كالزكوات، والقضاءُ بالعلم في العقوبات مرتب على الأموال، والأولى أن لا يقضي فيها بالعلم.
ثم العقوبات تنقسم: فمنها ما هو لله، ومنها ما هو للآدميّ. والقضاء بما هو للآدمي أولى، ولا يخفى وجه الترتيب، فإن العقوبة الثابتة للآدمي بالإقرار لا تسقط بالرجوع، بخلاف العقوبة الواجبة لله تعالى. هذه طريقة.
ومن أصحابنا من لم ير الترتيب، لأن العلم لا ترتب فيه. وإنما تترتب الظنون على حسب ترتب درجات المظنون. وهذا وإن كان متجهاً، فالطريقة المشهورة الترتيب.
12015- ومن تمام القول في ذلك أن القاضي إذا سمع إقرار إنسان سرّاً، ثم إنه أبدى الإنكار جهراً، فهذا من صور القضاء بالعلم، ولو أقر في مجلس القضاء على رؤوس الأشهاد، فلا شك أنه يقضى بالإقرار، قولاً واحداً؛ فإن الإقرار في مجلس القضاء حجةٌ ظاهرة.
وذكر بعض أصحابنا أن الإقرار الذي سمعه سراً يقضى به قولاً واحداً؛ لأنه حجة، وجملةُ مجالس القاضي بمثابة مجلسه الذي يتصدى فيه للقضاء. وهذا بعيد، فالوجه التفصيل، فإنا إذا منعنا من القضاء بالعلم، فسببه توقِّي اللهم، وهذا يتحقق في الإقرار الجاري سراً.
ومن تمام البيان في ذلك أنا إذا منعنا القضاء بالعلم، فهل يصير علم القاضي مع شاهد واحد بمثابة شاهد ينضم إلى شاهد؟ فعلى وجهين ذكرهما القاضي وغيره:
أحدهما: أنه لا ينحط علمه عن شاهد.
والثاني: وهو القياس- أنه لا أثر لعلمه، ولا اعتداد بعلمه؛ إذ لو اعتددنا به، لاقتصرنا عليه، وأيضاً؛ فإن اللهمة هي المجتنبة، وهي تظهر عند القضاء بالشاهد الواحد.