فصل: فصل: في بيع الجارية والبهيمة على شرط الحمل وفي بيعها مع استثناء الحمل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: بَيعتين في بَيْعَة:

3366- روى أبو هريرةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيعتين في بيعة". وذكر الشافعي تأويلين:
أحدهما: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقداً، أو بألفين إلى سنة، فأيهما شئت أنت، أو أنا، وجب البيع به. فهذا باطل بالنص والإجماع. ومعناه ظاهر.
والتأويل الثاني- أن يقول: بعتك عبدي هذا على أن تبيعني فرسَك، فالبيع باطل. يعني البيعَ الذي شرط فيه البيع. وهذا خارج على قياس الشرائط الفاسدة.
وأما البيع الثاني إن اتفق جريانه خلياً عن شرط، فهو صحيح.
3367- وجمع الشافعي في الباب مناهي عن الشارع، فترك كلَّ خبر على معناه.
فمنها: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النَجَش " وهو ضرب من الخديعة. قال الشافعي: ليس من أخلاق أهل الدين، ومعناه أن يتقدم الرجل إلى سلعةٍ تباع فيمن يزيد، وربما عُرف بالحذاقة في التجاير، فيزيد في ثمنها وهو لا يريدها، ولكنه يبغي أن يغترّ الناس ويحرصوا على شرائها؛ فيعطوا أكثر ممَّا كانوا يعطون لولا تغريره. وهذا حرام منه. وهو اللَّبس المحظور.
ولكن إن جرى العقد على مبلغٍ من الثمن، صح، فإن التلبيس لا يمنع صحة العقد. والتفصيل في الخيار. فإن جرى ذلك من غير مواطأةٍ مع صاحب السلعة، يصح العقد، كما ذكرناه. ولا خيار، والحرج على الناجش.
وإن جرى النَّجَش في مواطأة صاحب السلعة، فالعقد صحيح وفي الخيار وجهان:
أحدهما- يثبت الخيار للتلبيس؛ اعتباراً بالتصرية، وما في معناها.
والوجه الثاني- لا خيار؛ فإن هذا الخداع غيرُ راجع إلى صفة المبيع. ولكنه متعلق بالعين. وليس في قَبيله خيارٌ. والنجش المنهي عنه معناه في اللغة الرفعُ، والناجش الرافع للسعر.
3368- ثم ذكر الشافعي نَهْيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال: "لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه ولا يسومن على سوم أخيه".
وصورة البيع على البيع أن يجري العقد ويكون المتعاقدان في مجلس العقد مغتبطين غيرَ نادمين، فيتقدم واحد إلى المشتري ويعرض عليه سلعة خيراً من السلعة التي اشتراها بمثل ثمن سلعته، أو سلعة مثل سلعته بأقلَّ من ثمنها، ويرغّبه في فسخ البيع الأول بهذا السبب. هذا هو البيع على البيع، وهو محرم باتفاق الأصحاب، غيرَ أن البيع يصح؛ فإن التحريم لا يرجع إلى معنى في البيع، وإنما يرجع إلى معنى كلِّي في محاذرة الإضرار بالغير. وكل نهي جرى هذا المجرى، كان في معنى النهي عن البيع في وقت النداء حين يُخشى فواتُ الجمعة.
وأما السوم على السوم، فصورته أن يساوم سلعةَ غيره، ويتفقا على قدر الثمن ويهُما بالعقد، ويرجع أحدهما لإحضار الثمن، فإذا جاء إنسان وساومه السلعةَ بأكثرَ من ذلك الثمن، أو عرض على المشتري سلعة بأقلَّ من ذلك الثمن، وتسبب إلى دفع ما كاد يتفق، فهذا منهي عنه محرّم، وهو المعنى بالسوم.
ولو كانت السلعة معروضة فيمن يزيد، فإذا طلبها طالب بثمن، فللغير أن يطلبَها بأكثر؛ إذ لم يتحقق توافقٌ على مقدارٍ. والسلعة إنما تعرض على من يزيد للتزايد. فكان الذي يجري ليس سوماً.
ثم قال أصحابنا لو خطب الرجل امرأة، فرُدَّ، فللغير أن يخطِبها، وإن أجيب، فيحرم على الغير الخِطبة. ولو خطب إلى الأبِ ابنته، فسكت، ولم يجب، ولم يرد، فهل يحرم الخِطبة؟ فعلى قولين سيأتي ذكرهما، إن شاء الله تعالى- في النكاحِ.
ولو اتفق السكوت في السوم، فللغير أن يستام قولاً واحداً، عند المراوزة؛ فإن السكوت في باب النكاح قريبٌ من التصريح بالرضا في مقام الخطبة؛ فإن المخطوب يستحي في أول مجلس ولا يصرح.
وذَكر العراقيون في السوم طريقةً أخرى فقالوا: إن سكت من خُطب إليه أو من طلب منه متاع، ولم يقترن بالسكوت ما يدل على الرضا، فلا يحرم بهذا السكوت الخِطبةُ، ولا السوم، والسكوت يقدر على وجوه، وإنما يدل على الرضا بعضُها، ولو اقترن بالسكوت ما يدل على الرضا، ففي الخِطبة والسوم جميعاً قولان.
فلم يفرقوا بين السوم والخِطبة في الطريقة التي رتبوها.
وما ذكروه منقاسٌ. ولكن لا يمكن أن نُنكر الفرقَ بين السوم والخِطبة.
فالوجه أن يقال: الدال على الرضا مع السكوت في الخطبة، ربما يخالف الدالَّ على الرضا في السوم، في مجاري العاداتِ، فيقع الفرق في أصناف القرائن. وإطلاق القول بأن السكوت دليل الرضا في الخطبة ليس كذلك.
فهذا تمام الغرض في هذا الفصل.
ثم قال الشافعي: صاحب البيع على البيع والسوم على السوم يَحْرَجُ إذا كان عالماً بالخبر، والناجش يعصِي وإن لم يبلغه الخبر المخصوص في النجش. وسبب ذلك أن تحريم البيع على البيع والسوم على السوم لا يدركه عامةُ الناس، وأما النجش، فخداعٌ، وقد استفاضَ في الناس وشاع تحريمُ الخداع. والقول فيه قريب.

.باب: لا يبيع حَاضِرٌ لبَادٍ:

3369- ذكر الشافعي رحمة الله عليه في صدر الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبيع حاضر لبادٍ».
والحديث وارد في القرويّ أو البدوي يدخل البلد بسلَعٍ وأمتعة، وهو يبغي بيعَها بسعر اليوم خائفاً أن تعظم المؤنةُ عليه لو أقام. فإذا تقدم إليه حضريٌّ والتمس منه أن يترك أمتعته عنده حتى يبيعها على مر الزمن، وقد يتضيق بهذا السبب الأمرُ على أهل البلد. فهذا منهي عنه.
وإن كان البدوي عازماً على الإقامة والتربص بالأمتعة وبيعها على مر الأوقاتِ، فإذا أعانه حضريٌّ على عزمه، والتمس منه أن يفوّض الأمرَ إليه، لم يلحقه بذاك حَرجٌ، وكان ما جاء به من باب التعاون. وكذلك إذا طلب البدوي ذلك ابتداء من الحضري، فأسعفه، فلا بأس ولا حرج.
وكل ما ذكرناه إذا كان يظهر بسبب التربص ضيقٌ على المسلمين.
فإن لم يكن كذلك والأسعار رخيصة، وأمثال تلك السلعةِ موجودة، وكان لا يظهر بالتربص بها أثر محسوس، فهل يَحرَج من يحمل البدويَّ على التربص؟ فعلى وجهين:
أحدهما: أنه يحرَج بمطلق النهي.
والثاني: لا يحرَج؛ لأنَّ معنى الضرار مقصود من النهي، فإذا لم يكن، فلا بأس.
ثم إذا باع حاضر لبادٍ، فلا شك في انعقاد العقد؛ فإن النهي ليس يتمكن من مقصود البيع.
3370- ثم ذكر الشافعي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتلقوا الركبان للبيع، فمن تلقاها، فصاحب السلعة بالخيار بعدَ أن يقدَم السوق».
وصورة ذلك: أن يعلم إنسان بقدوم رُفقة تحمل سلعاً وأمتعة، فيستقبلَهم على قصد أن يشتريَ منهم، ويتقدم إليهم، ويَكْذِبَهم في سعر البلدِ، ويشتري منهم شيئاً من سلعهم أو جميعها بغبنٍ. هذا مورد الخبر.
ولا شك أن صنع هذا المتلقي حرام إذا كان عالماً بالحديث. والعقد ينعقد.
وللبائع الخيار لنص الحديثِ. هذا إذا كذب في السعر واسترخص، فأما إذا صدقَ في السعر، واشترى منهم بأقلَّ من ثمن المثل، أو بمثل الثمن، ففي الخيار وجهان:
أحدهما: يثبت لظاهر الحديث؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم، أطلق إثباتَ الخيار، ولم يفصّل بين أن يكذبَ أو يصدق.
ومما يتعلق بذلك أنه لو لقي الركبَ وفاقاً، وما قصد تلقِّيَهم على نحو ما وصفناه، ولكن اتفق الالتقاء بهم، فإن صدق في ذكرِ السعر، واشترى، نفذ، ولا خيار. وإن كذب في السعر، ففي ثبوت الخيار وجهان:
أحدهما: لا خيار؛ فإن الحديث وارد في تلقي الركبان وهذا ليس متلقِّياً
والثاني: يثبت الخيار؛ لأن معنى الحديث النهي عن المخادعة، وهذا جار في هذه الصورة؛ فهي في معنى مورِد الحديث.

.فصل: في بيع الجارية والبهيمة على شرط الحمل وفي بيعها مع استثناء الحمل:

3371- فإذا باع جارية على أنها حُبلى، أو شاةً على أنها لَبون، أو جُبة وشرط حشوَها؛ ففي المسائل طرق:
من أصحابنا من قطع بفساد البيع في هذه المسائل؛ فإن البيع تضمن شرطَ مجهولٍ لا إحاطةَ به. ومنهم من قال: في جميعها قولان في صحة البيع. ومنهم من قال:
يصح البيع في مسألة الجبة وفي الباقيتين قولان.
وقطع بعضُ أصحابنا بصحة البيع في اشتراط كون الشاة لبوناً. وقال: هذا صفةٌ في الشاة، وليست تقتضى ثبوتَ لبني في الضرع، فأما إذا اشترط اللبن في ضرعها حالةَ البيع، فيكون ذلك كاشتراط كونها حاملاً.
فهذه طرق الأصحاب.
قال الشيخ أبو علي: لو قال: بعتك هذه الجاريةَ، وما في بطنها. أو بعتك هذه الشاةَ، وما في ضرعها. أو هذه الجُبةَ وما فيها من الحشو، فيبطل البيع في هذه الصور قولاً واحداً؛ فإنه تعرض لمجهولات وأثبتَها مبيعةً مقصودةً. وليس كما لو قال: بعتُها على أنها حامل؛ فإنه ما جعل الحمل مبيعاً مقصوداً، بل ذكره وصفاً.
والوصف قد يكون وقد لا يكون، فكان كما لو اشترى عبداً على أنه خبازٌ.
وهذا الذي ذكره حسن. وما ذكره الأصحاب-مع ما ذكر الشيخ أبو علي- يلتفتُ على أن المذكور على صيغة الشرط هل يكون كما يذكر على صيغة الضم إلى المبيع.
وقد ذكرنا أمثلة هذا فيه إذا قال: اشتريتُ منك الزرعَ على أن تحصده. فإن جعلنا المفهومَ من الشرط كالمضموم لفظاً، فيقرب الحكمُ بالبطلان.
والظاهر ما قاله الشيخ إلا أنه ضمَّ حشوَ الجبة إلى الحمل، وفيه بعضُ النظر: فلا يبعد أن يُجعل كبيع الغائب.
ثم يتطرق إلى ما قاله نوعٌ آخر من الاحتمال: وهو أن البيع إن بطَل في الحمل واللبن، فالوجه تخريج البيع في الجارية والشاة على قولين في تفريق الصفقة.
وقد تعرض الشيخُ لهذا. ثم قال: الوجه: القطع بالبطلان؛ فإن المضموم مجهولٌ لا يتأتى توزيع الثمن عليه وعلى المبيع. والقياس ما ذكره. لكنَّا أجرينا قولَيْ تفريق الصفقة في صورةٍ لا يتأتى التوزيع فيها، كما في بيع شاةٍ وخنزير. وذلك يُخرّج على القولين في أن العقد إن أجيز بكم يجاز؟ فإن قلنا: يجاز العقدُ في الذي يصح فيه بتمام الثمن، فلا حاجة إلى التوزيع، ولا يضر تعذر التوزيع؛ إذْ لا حاجة إليه.
3372- ومما يتعلق بتمام القول في هذا أن من اشترى جاريةً حاملاً، وأطلق العقدَ، فالبيع صحيح، والحمل مستحَق للمشتري، والخلاف في أنه هل يقابله قسط من الثمن. وسيجري تحقيق ذلك في كتاب الرهن، إن شاء الله تعالى.
ولو باع جاريةً إلا حملَها، ففي صحة الاستثناء والبيع وجهان:
أحدهما: يصح، كما يصح استثناء الثمار قبل بدو الصلاح؛ فعلى هذا يبقى الحمل للبائع.
والوجه الثاني- يبطل الاستثناء؛ فإن الحمل بمثابة جزءٍ من الجارية في حكم البيع.
هذا في التصريح بالاستثناء.
فأما إذا باع جارية وهي حامل بولد حُر، فالأصح صحةُ العقد، وإن وقع الحمل مستثنىً عن البيع شرعاً.
وأبعد بعضُ أصحابنا؛ فذكر وجهاً في منع بيعها إلى أن تلد.
وكذلك إذا كان الحمل بالوصية لزيد. وكانت الجارية لعمرو. فإذا باع مالك الجارية، فهو كما لو فُرض البيع وهي حامل بولد حُر.

.باب: النهي عن بيعٍ وسلفٍ جرّ منفعة:

3373- صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع وسلف"، وصورته أن يشترط في البيع أن يُقرضه مالاً. وهذا يلتحق بشرط عقدٍ في عقد.
ثم لو قال البائع: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن أقرضك ألفاً، وقبل المشتري، فالبيع باطل.
وكذلك لو قال: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن تقرضني ألفاً، فالبيع فاسد.
أما إذا اشترط على المشتري أن يقرضه، فهذا ضمُّ منفعةٍ إلى الثمن، واشتراط ارتفاق، ولا يثبت ما شَرَطَ، فيصير الثمن مجهولاً به. وكأن التقديرَ بعتك هذا العبدَ بألفٍ وارتفاقٍ بشيءٍ آخر غيره.
وإذا قال البائع: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن أقرضك، فكأنه لم يقنع بأن يقابلَ العبدَ بالألف، فقابلَ العبدَ ورفقاً بألف، فلم يصح.
وما ذكره معتضدٌ بنص الرسول صلى الله عليه وسلم.
فصل:
3374- تعرض الشافعي لإفساد القرضِ الذي يجر منفعة.
والوجه عندنا أن نذكر أصلَ القرض ووصفَه، وقواعد الأحكام فيه، ثم نذكر فساده إذا شرط فيه جرَّ منفعةٍ.
فالقرض في نفسه متفق عليه. وليس عقداً تاماً على قياس المعاوضات؛ فإنه لو كان مردوداً إلى قياسها، لما صح اقتراضُ مالٍ من أموال الربا لشَرْطِ التقابض في بيع بعضه بالبعض.
ومعلوم أن من أقرض إنساناً دراهمَ فإنما يبذلُها ليأخذ منه مثلَها، وهذا على القطع مقابلةُ عوض بعوض. وقياسُ هذا يقتضي التقابضَ في مجلس العقد؛ فإن كل عوضين جمعتهما علةٌ واحدة في تحريم ربا الفضل إذا اشتمل العقد عليهما، وجب التقابُض فيهما. فليس القرضُ إذاً على قياس العقود، وليس خالياً عن تقابل العوضين مقصوداً.
وامتنع الشافعي من إثبات الأجل في القرض؛ من قِبَل أن الأجل إنما يثبت في حقائق العقود المشتملةِ على حقيقة المعاوضة. فإذا لم يكن القرض كذلك، لم يكن في إثبات الأجل معنى، ووافق أبو حنيفةَ على هذا. وكان القرض معروفٌ أثبته الشارع رخصةً مستثنى من قياس المعاوضات، وما فيها من التعبدات؛ فإن القرض لو روعي فيه التقابض، لم يكن فيه معنى. وغرض الشارع بإثبات القرض استثناؤه عن تصنيفات المبيع، وإيصال المقترض إلى القرض من غير أن يُنجز له عوضاً.
وهذا لا خفاء به.
3375- وينشأ من هذا الأصل خلافٌ عظيمُ الوقع مع مالك، فإنه قال: ليس للمُقرض أن يسترد ما أقرضه على الفور، حتى يقضي المقترضُ وطراً، أو يمضي زمانٌ يسع ذلك. وزعم أنا لو ملكنا المقرضَ استرجاع القرض في الحال، لم يكن للقرض فائدةٌ. وبنى هذا على إثبات الأجل، ولزوم الوفاء به إذا ذُكر، وحمل هذا على موافقة مقصودِ القرض.
وهذا الذي ذكره فيه تخييل إذا نظر الناظر إلى مقصود القرض. ولكن لا وجه لما قاله؛ من جهة أن منعه المقرضَ من مطالبة المقترض تحكّم منه عليه، لا عن أصل ثابت في الشرع. ثم ذِكْرُه قضاءَ الوطر عماية لا يهتدى إليها، وأمرٌ خارج عن الضبط.
والوجه إذا عقلنا غرضَ الشرع مائلاً عن قياس كلِّي أن نقتصر عليه، ولا نُتبعُه هدمَ الأصول. ومقصود الشارع استثناءُ القرض عن التعبّد الثابت في التقابض المشروط. وهذا معترف به، فأما الحجر على المقرض، فلا. والأمر محمول فيه على أنه إن شاء وفَى بامتناعه، فإن لم يفِ، فهو المالك.
وقد طرد مالكٌ أصلَه في إلزام العواري إلى قضاء الأوطار.
وهذا عندي خَرق لما عليه علماءُ الأمة؛ فإنهم ما زالوا يعرفون من وضع الشرع في العواري تخيّر المعير، وأن له الرجوع متى شاء. وقد ثبت في وضع الشرع عقودٌ مقرونةٌ بشرط الرجوع. والواهب المملِّك بالإقباضِ عندنا وبنفسِ الهبةِ عند مالك رحمه الله يرجع فيما وهب. ولم يُنكِر أصلَ الرجوع في الهبة منكر.
فالذي يقتضيه الفقه أن يُعتقَدَ استثناءُ الشارع القرضَ كما ذكرناه، مع أن الأمر فيه مبني على أن المقرض يفي بالامتناع، ولا يخلف الموعدَ. وهذا ما اطّرد العرفُ فيه.
فإن أراد الاسترجاع، فلا مانع منه.
وأما الأجل، فقول مالكٍ في إثباته أَثْبتُ. وسبيل الكلام عليه ما قدّمناه، من أن الأجل من توابع العقود المحققة، ولو أثبتنا الأجل فيه، لألحقناه بالعقود، ولو التحق بها، لامتنع الأجل في مقابلة الدراهم بالدنانير؛ ففي إثباته في الربويات نفيُه.
3376- ثم إذا تمهد قولُنا في أصل القرض وتنزيله، فنتكلمُ وراء ذلك في شيئين:
أحدهما: أنه يقتضي الملك للمقترض وكيف التفصيل فيه.
والثاني: فيما يصح إقراضه وفيما لا يصح، ثم نذكر بعدهما القرضَ الذي يجرّ منفعةً.
فأما القول في وقت الملكِ، فقد ذكر أئمتنا قولين من معاني كلام الشافعي في ذلك:
أحدهما: أن الملك يحصل بالإقباض. وهذا هو القياس؛ فإن المقترض يتصرف فيما اقترضه وقبضه تصرفاتٍ مفتقرة إلى الملك، كالبيع وغيره. وأيضاً؛ فإن كل عقد مملِّكٍ على الصحة، إذا لم يقترن به مانِع من نقل الملك، فالملك لا يتأخر فيه عن القبض.
والقول الثاني- أن الملك لا يحصل ما لم يتصرف المقترض، كما سنصف تصرّفَه؛ فإن الاقتراضَ ما وقع للتمليك المحض، حتى لا يقتني المقترضُ ما يقترضه. ولو كان المقصود منه ذلك، لرُدَّ إلى قياس العقود، فحكمُ القرض في وضعه يقتضي وقوفَ الملك إلى اتفاق التصرف.
التفريع على القولين:
3377- إن حكمنا بأن الملك يحصل في القرض بنفس القبض مع جريان لفظٍ مشعر باقتراض، فقد قال صاحبُ التقريب وأئمة العراق: لو أراد المُقرِضُ أن يسترد عينَ ما أقرضه، كان له ذلك. وهو ما قطع به القاضي. وسببه أنه إذا كان يملك تغريمه مثلَ حقه عند فواته، فينبغي أن يملك استردادَ عين ملكه. ولو أبى المقترض، كان حاملاً للقرض على مقصود الاقتناء. وقد أوضحنا خلاف ذلك.
وذكر الشيخ أبو علي في الشرح أن المقرض ليس له أن يسترد عينَ القرض إلا أن يرضى به المقترض، فلو أراد أن يأتي بمثل ما قبضه، فله ذلك.
وهذا الذي ذكره قياس حسن. ولكن جمهور الأصحاب ذهبوا إلى مَا قدمناه.
ولو أراد المقترض ردَّ عين القرض، فلا شك أنَ المقرض محمول على قبوله، وليس له أن يقول: إنما أقرضتك هذه الدراهم بعوضها، فلا أقبل عينها؛ وذلك أن القرض منتزعٌ عن حقائق المعاوضات. ولو باع رجل درهماً في الذمة بدرهم، ثم أقبض أحدُهما صاحبه درهماً، فردّه على صاحبه، وكان مثلاً له، جاز ذلك. فإذا لم يمتنع هذا في المعاوضات المحققة، فلا شك أن المقرض محمول على قبول عينِ حقه.
هذا إذا فرعنا على أن الملك يحصل بالقبض في القرض.
3378- فأما إذا فرعنا على القول الآخر. وقلنا: لا يحصل الملك في القرض إلا بتصرفٍ من المقترض. فالكلام أولاً في نفس التصرف:
لا خلاف على هذا القول أنه لو استخدم العبدَ المقترَض أو أعاره، فلا يحصل الملك بهذا القبيل من التصرفات.
ولو باعه بيعَ بتات، أو وهبه وأقبضه، فيحكم بنفوذ تصرفه، ويستبين أن الملك انتقل إليه قُبَيْل التصرف الصادر منه، فإنا بالتصرف نعلم جريانَ المقترض في مقصود القرض. وإذا تبيَّنا ذلك، أسندنا تصرفاته إلى ملكٍ مقدَّرٍ قُبيلَها.
ولو آجر العبدَ المقترَضَ أو رهنه، فكيف القول في التصرف الذي لا يزيل الملك عن الرقبة، ويستدعي نفوذُه ملكَ المتصرف؟
في كلام أصحابنا خبطٌ في هذا. أمّا شيخي فكان يقول: كل تصرف لو صدر من المتّهب، انقطع به حق رجوع الواهبِ منه، ولولاه لرجع، فذلك التصرف يثبت ملكَ المقترض على حكم التبيّن. وكذلك كل تصرفٍ لو صدر من المشتري، ثم أفلس، لامتنع به حق رجوع البائع إلى عين ماله، فإذا صدر من المقترض، تضمّن حصولَ الملك له، فلا فرق بين هذا المعتبَرِ وبين ما ذكرناه في المتهب.
هذا مسلك شيخي.
ومن أئمتنا من قال: التصرف المعتبَر فيما نحن فيه هو الذي يزيل الملكَ عن رقبة المقترض؛ فإن الغرض من الإقراض إخراجُ المقترَض. وهذا القائل لا يجعل الرهن مما يكتفى به وإن تعلّق برقبة المقترَض.
وقال بعض أئمتنا: كل تصرف يتعلق بالمنفعةِ، فإنه لا يثبت حقَّ الملك في المقترَض، كالإجارة. وكل تصرف يتعلق بالرقبة على لزومٍ، فإنه يتضمن ملك المقترض، فالرهن عند هذا القائل يتضمن تحصيل الملك.
وقال بعض أئمتنا: كل تصرف يستدعي ملكاً، فهو من المقترض يتضمن تمليك القرض على مذهب التبيّن.
وصاغ بعض أصحابنا عن هذا عبارةً أخرى، وقال: ما يستباح بالإباحة لا أثر له، وما لا يستفاد إلا بملكٍ، فهو الذي يُثبت الملك.
فهذا تمام طرق الأصحابِ في تفصيل التصرفات المعتبرة في تحصيل الملك في القرض.
ومن قال: لا يحصل الملك إلا بما يزيل الملك، فلا يمنع المقتَرِضَ من استخدام العبدِ المُقْتَرَضِ ويَحْمِلُ الإقراضَ على إباحة ذلك، وعلى تمهيد تحصيل الملك إن أراد المقترض تحصيلَ الملك. فأما الإجارة، فلا نصححها، فإنها تستدعي ملكاً، والملك عند هذا القائل لا يحصل بها.
ولسنا نحوم بعدُ على استقراض الجارية، فإنا سنذكر أمرها في الفصل الثاني، وهو ما يُستقرَض وما لا يستقرَض.
فرع:
3379-إذا استقرض عيناً وباعها على شرط الخيار. فإن قلنا: البيع لا ينقل الملك، والتفريع على أنه لابد من تصرفٍ ناقل للملك، فلا يحصل الملك للمستقرض.
وإن فرعنا على أن المعتبر تصرفٌ يستدعي الملك، فالبيع يُملّك المستقرضَ؛ فإنه يستدعي ملكاً، وإن كان لا ينقل الملك ما لم يَلْزم.
وإن قلنا: البيع ينقل الملك، والتفريع على أنه لابد من ناقل للملك، فهذا نقل على الجواز، لا على اللّزوم. وفيه تردد للأصحاب. وهو محتمل جداً.
وكان شيخي يقول: لا خلاف أن الملك إذا حصل في زمان الخيار لمن اشترى زوجته، فالنكاح ينفسخ.
هذا منتهى التفريع على التصرفاتِ المعتبرة في قولنا: لا يملك المستقرض ما لم يتصرف.
وقد نجز الغرض فيما يملّك المستقرَض.
3380- فأما القول فيما يصح إقراضه:
قال صاحب التلخيص: "ما يصح السلم فيه، يصح إقراضُه إلا الولائد ": أراد الجواري. فنقول أولاً:
مقتضى كلامه: أن ما يمتنع السلم فيه لأن الوصفَ لا يحيط به لا يصحّ إقراضُه.
وهذا ما ذهب إليه الجماهير المعتبرون من الأصحاب. ووجهه أن القرض مقتضاه إلزامُ ذمة المقترض عوضاً موصوفاً، فينبغي أن يكون الشيء قابلاً للصفة، وكأنَّ العينَ المقرضَة بصفاتها سبيلٌ في وصفِ ما يُلزمه ذمةَ المقترض. وهي نازلةٌ منزلةَ ذكر الأوصاف في السلم.
فيخرج إذاً مما ذكرناه أن اللؤلؤةَ لا يجوز إقراضُها، وكذلك النشابة والقوس، وكل ما يمتنع السلم فيه. وذكر الشيخ أبو علي هذا الوجهَ، ووجهاً آخر: وهو أن الإقراضَ يجوز في هذه الأشياء.
والقول في هذا ينبني على ما سأذكره في آخر الفصل، وأنبه على رد هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
3381- ومما يتعلق بهذا الفصل الكلامُ في إقراض الجواري. وقد نص الشافعي على قولين فيه:
أحدهما: تجويز ذلك قياساً على العبيد والعُرُوض، والنقود. والقول الثاني- لا يجوز إقراضهن.
وقد اتفق أصحابنا على أحد هذين القولين في أن الملك متى يحصل في القرض.
ثم ذهب الأكثرون إلى أنا إن قلنا: يحصل الملك بالقبض، فيصح إقراضُ الجارية، ويملكها المقترض بالقبض، كما يملكها بالاتهاب والقبض.
وإن قلنا: لا يحصل الملكُ في القرض بالقبض، فلا يصح إقراضُ الجواري؛ فإن في تصحيحه تسليمَهن إلى المقترض، فتثبت يدُه عليها من غير ملكٍ. وقد يُفضي ذلك إلى الإلمام، فالوجه حسم هذه الجملة بالكلية.
وذكر الشيخ أبو علي مسلكاً آخر في بناء إقراض الجواري على الملك، وهو عكس ما ذكره الأصحاب. فقال: إن قلنا: يحصل الملك في القرض بالقبض، فلا يصح إقراض الجارية؛ فإن المقترض لو ملكها، لاستحلها، ثم مَلكَ ردها في عينها، فيكون ذلك على صورة إعارة الجواري للوطء. وإذا قلنا: لا يملك القرضَ بالقبض، فيصح إقراضُ الجارية؛ فإن مستقرضَها إذا لم يملكها، لا يستحلها، ولا يقع ما صورناه من وطء الجارية وردّها في عينها.
هذا مسلكه. والذي ذكره الأصحاب قريبٌ. ولا بأس بما ذكره الشيخ أيضاً.
والقياسُ جواز الإقراض على القولين. ولكن صح عن السلفِ النهيُ عن إقراض الوَلائدِ. وكأن المسألة اتباعية.
وأجمع أئمتنا أن الجارية إن كانت من محارم المستقرِض بنسب أو رضاع، أو صهرٍ، فيجوزُ إقراضها منه. لم أرَ في هذا خلافاً. وهذا يُنبِّهُ على أن المحذورَ الوطءُ واستحلاله، على التفصيل الذي ذكرناه.
3382- فإذا ثبت التفصيل فيما يجوزُ إقراضه، فالمقترَض لا يخلو إما أن يكون من ذوات الأمثالِ، وإما أن يكون من ذوات القيم؛ فإن كان من ذوات الأمثال، فلا شك أن المردود مثلُ المستقرَض.
وإن كانَ المُقرَضُ من ذوات القيم، فقد ظهر اختلاف الأصحاب فيه: فذكروا وجهين أشبههما بظاهر الحديث أنه يرد مثل ما قبض. وإن لم يكن من ذواتِ الأمثالِ. وصح " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقرض بكراً من أعرابي فتقاضى عليه وأغلظ عليه في القول". قال أبو هريرة فهممنا به فقال عليه السلام «دعوه فإن لصاحبِ الحق يداً ولساناً. ثم أمر أبا رافع أن يقضيه، فلم يجد إلا بازلاً، فقال: أعطوهُ إياه، خيركم أحسنكم قضاءً» ويعتضد هذا الوجه أيضاً بأن القرض ليس فيه تعرض لذكر العوض، ولو كان الواجب ردَّ قيمة العين لوجب إعلامها، فوضح أن القرض ينزل على العين، وعلى ما يجانسه.
والوجه الثاني-وهو الأقيس- أن العين إذا كانت من ذوات القيم، فالواجب على المستقرض قيمتُها؛ فإنه لا مثل لها، ولو ضمنت بالمثلِ في القرض، لضمنت في الإتلافِ بالمثلِ. وهذا القائل يقول: القرضُ إذاً في التصرف والاستهلاك مضمَّن بالبدل الذي يثبت عند الإتلاف.
هذا تقديره.
وما قدّمناه من الوجهين في إقراض ما لا يصح السلم فيه مبنيان على هذا الذي ذكرناه الآن.
فإن قلنا: العين المُقرَضةُ مضمونة بالقيمة، إذا لم تكن من ذواتِ الأمثال، فإقراض الدُّرةِ جائز بناءً على قيمتها. وإن أوجبنا ردَّ المثل، لم يجز فيما لا يضبطه الوصف.
3383- وأمَّا إقراض الخبز وكل ما لا يجوز بيعُ بعضِه ببعضٍ ينبني على أن ما ليس من ذوات الأمثالِ يَضمن المقترض مثلَه أو قيمتَه. فإن ألزمناه القيمةَ، والخبز ليس من ذواتِ الأمثال، فيجوز إقراضه، فإنه ليس فيه مقابلة الخبز بالخبز. وإن قلنا: يضمن المقترض المثل، فهذا يؤدي إلى مقابلة الخبز بالخبز. وقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من منع الإقراض لأدائه إلى مقابلة الخبز بالخبز. ومنهم من جوز للحاجةِ الماسة، كما يجوز مقابلة الدراهم بالدراهم من غير تقابضٍ. وإلى هذا مال القاضي.
وقد نجز الكلامُ في أصول القرض.
3384- وحان أن نُفَصِّل القرضَ الذي يجر منفعة، فنقول: صح أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن قرضٍ جرَّ منفعة " واتفق المسلمون على منع ذلك على الجملة، وإن كان مِنْ تردُّدٍ، ففي التفصيل. والمعنى المعتبر أن القرض معروفٌ أثبته الشارع لمسيس الحاجة. واستثناه عن تعبداتِ البياعاتِ، وإنما يتحقق معروفاً إذا لم يقصد المقرض جرَّ منفعة.
فإذا أقرض رجُل رجلاً دراهمَ مكسّرة وشرط أن يردها صحيحةً، فالقرض فاسد.
ومن هذه الجملة السفاتج، فإذا جرت مشروطة، فأقرض رجل رجلاً مالاً ببلدةٍ، وشرط أن يرده ببلدة أخرى، فهذا الشرط يفسد القرض؛ فإن المقرض يبغي به درْءَ خطر السفر عن ماله. وهو منفعة ظاهرة.
فإن قيل: أتجوزون القرض على شرط الرهن والكفيل؟ قلنا: هو جائز، لا خلاف فيه، وليس هو من القرض الذي يجر منفعة؛ فإن الرهن لا منفعة فيه إلا التوثيق. وكذلك الكفيل، وليس في استيثاقِ المقرض بالرهن جلبُ منفعة زائدة؛ فإنه كان بملكه أوثقَ منه بالرهن الآن.
ولو قال: أقرضتك هذه الدراهمَ الصحاح على أن تردها مكسّرة، فهذا حط من مقدار الحق، وليس جلبَ منفعة، ثم تفصيله أنه إن لم يكن هذا القرض في معرِض الشرط، بل ذكره متساهلاً واعداً، فالقرضُ صحيح. وهو بالخيار في الوفاء بالوعد.
وإن ذكر ذلك على صيغة الشرط، فقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من حمله على المحمل الأول، وصحح القرضَ. وهو الأصح؛ فإن الشرط في الحقيقة مكرمة، وإنما تشعر صيغةُ الشرط بحقيقة وضعه إذا كان يستجلب الشارط حظاً وغرضاً.
ومن أصحابنا من أفسد القرض بصيغة الشرط. وقد تمهد هذا فيما سبق.
قال الشيخ أبو علي: من أقرض رجلاً مائة درهم على أن يقرضه مائةً أخرى، ولم يتعرض المقترض لذلك، فالصحيح أن القرض لا يفسد بهذا؛ فإن ما ذكره المقرض ليس إلزاماً وإنما هو وعد. وهو بالخيار في الوفاء به. وفيه الوجه الضعيف تمسكاً بصيغة الشرط. ولا عود إليه بعد هذا.
وقال الشيخ: لو وهب رجل من رجلٍ شيئاً على أن يهب منه شيئاً آخر، لا تفسد الهبة، كما ذكرناه في القرض، وهذا في الهبة أظهر. كما سنصفه في آخر المسائل.
ولو قال: بعتك هذا العبدَ بألفٍ على أن أهب منك هذا الثوب، فالبيع باطل، والسبب فيه أن المبيع يقابِل عوضاً، فإذا ضمَّ إليه ما لا يلزم، خرج المبيع عن كونه مقابلاً على التجريد بعوضه؛ وهذا يتضمن جهالةَ العوض من غير فرق بين أن يكون الشرط للشارط أو عليه. والهبة لا عوض فيها، فلا حكم لما يأتي به الشارط، إذا كان يلتزم مزيداً ولا يُلزم.
وأما القرض، فهو ملحق بالهبة. وإن كان مقابلاً بالعوض؛ فإن حقائق الأعواض لا تراعى فيها، ولو روعيت، لكان يسمى.
ولو أقرض وشرط الأجل، فالوجه أن يقال: إن لم يكن للمقرِض غرض في الأجل، فالأجل لا يثبت، والقرض لا يفسد. كما ذكرناه. وإن قُدِّر للمقرض غرضٌ في ذكر الأجل بأن يفرض زمانُ نَهْبٍ والمقترضُ مليءٌ وفيٌّ، فالأحْزم إيقاع المال في ذمته؛ حتى لا يتعرض للضياع. فإن كان كذلك، فمن أصحابنا من جعل شرطَ الأجل جرَّ منفعة، وهو اختيار القاضي، ووجهه لائح. ومنهم من حسم الباب، وجعل الأجل حقَّ المقترض؛ فإنه تأخير المطالبة وإسقاط الطلب بالشيء كإسقاط المطلوب، فلا نظر إلى فرض التعرض للآفةِ.
3385- ثم ما ذكرناه من أن القرض إذا اشتمل على شرط يجرّ منفعة، فهو فاسد، فهو فيه إذا كان المالُ المقترضُ من أموال الربا. فأما إذا لم يكن من أموال الربا، فالشرط الذي يجر المنفعة هل يفسده؟ فعلى وجهين ذكرهما صَاحب التقريب والعراقيون:
أحدهما: أن القرضَ يفسد؛ لأنه إذا اشتمل على جرِّ المنفعة، كان المال خارجاً عن وضعه ومقصوده.
والوجه الثاني- أنه لا يفسد؛ فإن المحذور في مال الربا أن يُردَّ إلى قياسِ المعاوضة، ثم إذا رُدّ إليها، فسد من قِبَل ترك التقابض في المجلس. وإذا كان المال خارجاً عن الربا، لم يضرّ ردُّ القرض إلى قياس البيع.
وهذا فيه نظر من قِبَل أنه إذا رُدّ إلى قياس البيع، وجب فيه التزام شرائط البيع، من تسمية العوض ورعاية شقي العقد إيجاباً وقبولاً، ثم يكون هذا خارجاً عن الباب بالكلية، ويرجع بيعاً محضاً.
ومن جوز هذا من أصحابنا لم يشترط ردّه بيعاً محضاً. فليفهمه الناظر. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر عمرو بنَ العاص حتى استسلف بعيراً ببعيرين إلى إبل الصدقة " ثم مهما حكمنا بفساد القرض لم يملك المستقرض ما أخذه على قولنا بحصول الملك بالقبض، ولم يملك التصرف فيه على القول الآخر.
فرع:
3386- إذا أقرض رجل رجلاً دراهمَ ببلدة، ثم رآه في بلدة أخرى، وأراد مطالبته بالقرض، نُظر في المال: فإن كان مثل النقود التي لا عسر في نقلها، ولا تتفاوت قيمتُها بتفاوت البقاع، فظاهرُ المذهب أن لمستحق الحق مطالبتَه. وإن كان الشيء مما يعسر نقله، وتختلف قيمةُ جنسه باختلاف البلادِ، فلا يطالبه في غير بلد الإقراضِ.
وإن غصب عيناً، ثم ظفر المغصوب منه بالغاصبِ في غير محل العدوان والضّمانِ، ولم تكن العين معه، فأراد أن يغرمه مثلَ العين المغصوبة وهي من ذوات الأمثال، ففي المسألةِ وجهان:
أحدهما: أنه لا يطالبه بها. ونقلها عسر وقيمتها متفاوتة، كما لا يطالَب المستقرِض.
والوجه الثاني- أنه يطالَب؛ تغليظاً عليه، بخلاف المقترض.
وسيكون لنا إلى هذا عَوْدٌ بأشفى بيانٍ، إن شاء الله تعالى- في كتاب الغصب.
ثم إن قلنا: لا يطالبه بمثل المغصوب، فيطالبه بقيمته اعتباراً ببلد الغصب، وهذا للحيلولة. ثم إذا لقيه في بلد الغصب والعين المغصوبةُ قائمة، ردَّ القيمة واستردَّها. وإن كانت تالفةً، فهل يرد القيمة، ويسترد مثلَ المغصوب، وهو من ذوات الأمثال؟ فيه خلافٌ سيأتي إن شاء الله. وإن ظفر المقرض بالمستقرض، فقد ذكرنا أنه لا يلزمه مثل المال إذا كان يثقل نقلُه، ولكن يلزمه القيمة اعتباراً ببلد القرض؛ فإنا لو لم نقل بهذا، لاتخذ المقترضون التغرّبَ ذريعةً في إسقاط الطَّلِبة في الأموال التي وصفناها.
فرع:
3387- عماد الإقراض اللفظ والإقباض: ثم اللفظ أن يقول: أقرضتك أو لفظٌ هذا معناه. ومن الألفاظ أن يقول له: خذ هذا واصرفه في حوائجك بمثله مهما وجدت.
وأمّا قبول المستقرض نطقاً، ففيه خلاف: فمن أصحابنا من لم يشترطه، وهو ظاهر المذهب؛ لأن الإقراض حاصله يرجع إلى الإذن في الإتلاف على شرط الضمان، وهذا لا يستدعي قبولاً.
ومن أصحابنا من قال: لابد من القبول؛ فإن هذا التصرف لا يقصر عن الهبة، وهي مفتقرة إلى القبول، مع عروّها عن العوض؛ فالقرض المضمَّن بالعوض بذلك أولى.
وهذا الخلاف يقرب من القولين في أن القرض هل يتضمن تمليكاً إذا اتصل به القبض. ولا يكاد يخفى وجه الأخذ منه.
فصل:
قال: "لو كان له على رجل حق حَالٌّ من بيع أو غيره، فأخّره به مدةً معلومة... إلى آخره".
3388- لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة رحمه الله في أنه إذا أقرض شيئاً، ثم أراد أن يلحق به أجلاً، لم يلتحق؛ فإنه لو ذكر الأجل عند الإقراض لم يثبت. فأما إلحاق الأجل بالثمن بعد لزوم البيع، ففاسدٌ لاغٍ، والزوائد التي تلحق بالثمن أو المثمن بعد لزوم العقد، لا تلتحق. وهي ملغاة إذا ذكرت. خلافاً لأبي حنيفة.
والحط من الثمن نافذ، ولكنه تبرع غيرُ ملتحق بالعقد عندنا. وأثر ذلك أن البائع لو أبرأ المشتري عن شيء من الثمن بعد لزوم العقد، لم يحط المحطوطُ عن المشتري عن الشفيع؛ فإنه يأخذ المبيع بما وقع العقدُ عليه، وهذا الإبراء غيرُ منعطفٍ على حكم العقد. وهو بمثابة ما لو قبض الثمن ثم وهبَ بعضَه من المشتري.
وهذا إذا كان الإلحاق بعدَ لزوم البيع.
3389- فأما إذا فرض إلحاق بالثمن أو بالمثمن في حال جواز العقد بدوام المجلس، أو بسبب خيار الشرط، ففي التحاق الزيادة وجهان مشهوران:
أحدهما: أنها تلتحق وتصير كالمذكورة في العقد.
والثاني: أنها لا تلتحق.
وقد بنى الأصحابُ هذا الخلاف على أن البيع في زمان الخيار هل ينقل الملك؟ قالوا: فإن قلنا: إنه ينقله، فلا إلحاق. وإن حكمنا بأن البيع لا ينقل الملك، فذكر الزيادة على التوافق بمثابة ذكرها بين الإيجاب والقبول.
والصحيح عندنا أن الزيادة لا تلحق وإن حكمنا بأن البيع لا ينقل الملك؛ لأن البيع الأول إذا لم يُرفع ولم يشتمل لفظ العقد على هذه الزيادة، فلا معنى لتقدير إلحاق الزيادة من غير فسخ محقَّق وإعادة، فيمتنع لحوق الزيادة لفساد الصيغة.
ثم من رأى إلحاق الزيادة، قال: لو حُط بعض الثمن عن المشتري، فهو محطوط عن الشفيع. وقال: لو حُط جميع الثمن، فسد العقد، وكأنه خلا في أصله عن ذكر الثمن.
ولو توافقا على إلحاق شرط فاسد، فسد العقد به. ولو ألحق أحدهما شرطاً فاسداً، فسد العقد أيضاً، وإن لم يوافقه صاحبه.
ولو انفرد أحدهما بذكر زيادة صحيحةٍ، وامتنع من قبولها الثاني، لم تلحق الزيادة. ولكن إن تمادى الشارط، ولم يفسخ البيعَ، استمر العقد صحيحاً، ولغت الزيادة. وليس كما لو ذكر أحدهما بين الإيجاب والقبول شرطاً ولم يساعده الثاني، فإن العقد لا ينعقد؛ إذ صيغةُ العقد تستدعي توافقاً بين الموجب والقابل. وإذا اختلف القولان، خَرَجا عن مرتبة الجواب والخطاب.
ومن عليه الحق المؤجل إذا أسقط الأجل، لم يسقط الأجل في حق مستحِق الدين، حتى لو أتى به قبل حلول الأجل المذكور، لم يجبر مستحِق الدين على القبول، على القول الصحيح.
وهل يسقط الأجل في حق من عليه الدين المؤجل؟ حتى لو أراد مستحِق الدين مطالبتَه قبل حلول الأجل هل يكون له ذلك؟ فعلى وجهين:
أحدهما: يسقط الأجل في حق من عليه الدين؛ لأنه أسقط حقَّه.
والثاني: لا يسقط الأجل؛ لأنه صفة، والصفة لا استقلال لها.
وهذا بمثابة ما لو استحق الرجل دراهمَ صحيحةً، فقال: أسقطت حقي في صفة الصحة، وأنا راضٍ بالمكسّرة، فلا يسقط حقه إجماعاً. فكذلك الأجل.
ومن قال بالأول، انفصل عن الصحة والجودة، وقال: هي صفةُ حق لمستحِق، والأجل حقّ لمن عليه الدين. وليس الموصوف بالأجل حقُّه، فهو إذاً في حقه حقٌّ محض متأصل ليس صفةً.