فصل: فصل: في القنوت:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: في القنوت:

886- ذهب الشافعي إلى أن القنوت مأمورٌ به في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعد الركوع، والأصل في ذلك، ما روي عن أنس بن مالك قال: "قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو عليهم، ثم ترك، وأما في الصّبح، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا".
فإذا ثبت أصلُ القنوت في صلاة الصبح، فالمقدار الثابت فيه ما نقله المزني في المختصر وهو: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيتَ، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذِلّ من واليتَ، تباركت ربّنا وتعاليت".
ثم الذي يجب القطع به أن تتعين هذه الأذكار، ولا يقوم غيرُها مقامَها، وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلّمنا القنوت كما يُعلّمنا السورة من القرآن. وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس في التشهد.
ثم القنوت شديد الشبه بالتشهد الأول؛ فإنهما جميعاًً من أبعاض الصلاة التي يتعلق بها السجود.
ووقته إذا رفع المصلّي رأسه من الركوع.
887- ثم قال العراقيون: إذا نزل بالمسلمين نازلةٌ وأرادوا أن يقنتوا في الصلوات الخمس، ساغ، وإن لم يكن، وأرادوا القنوت من غير سبب، قالوا: قال الشافعي رحمه الله في الأم: لا يقنت. وقال في الأملاء: إن شاء قنت، وإن شاء، لم يقنت.
ثم جعلوا المسألة على قولين.
وكان شيخي يقلب الترتيب ويقول: إن لم تكن نازلة، فلا قنوتَ إلا في صلاة الصبح، وإن كانت نازلة، فعلى قولين.
ثم ما نقله العراقيون من الإملاء، يشعر بأنه يتخير: إن شاء، قنت، وإن شاء، لم يقنت، وهذا يتضمن أن ترك القنوت في غير صلاة الصبح ليس من الأبعاض، والتخيير مصرح بهذا.
وإن كانت نازلة، فقد رأوا القنوت عندها من غير تخيير.
ولست أرى مع ذلك القنوت من الأبعاض، التي يتعلق بتركها سجود السهو.
888- وممّا يتعلق بأمر القنوت الجهر والإسرار، وقد ذكر أئمتنا في هذا وجهين:
أحدهما: أن الجهر به مشروع وهو الظاهر.
والثاني: لا يجهر به، اعتباراً بالتشهد وغيره من أذكار الصلاة. ثم إن لم نر الجهر به أصلاً، قنت المأموم، كما يقنت الإمام، قياساً على سائر الأذكار.
وإن رأينا الجهر بالقنوت، فالمأموم إن كان يسمع صوت الإمام أمَّنَ، ولم يقنت، وإن كان موقفه بعيداً وكان لا يسمع، ففي قنوته وتأمينه من الخلاف ما ذكرناه في قراءة السورة. والخلاف في قراءة المأموم جارٍ في الصلاة السرية.
وإن رأينا الإسرار بالقنوت، فالمأموم يقنت وجهاً واحداً، والسبب فيه أن القنوت إذا رأينا الإسرار به، يلتحق بسائر الأذكار. والسورة وإن كان الجهر بها في بعض الصّلوات، فأمرها على الانقسام على الجملة، فينزل منزلة انقسام المأموم في القرب والبعد في الصلاة الجهرية.
889- ومما يتعلق بالقنوت ما أصفه: كان شيخي يرفع يديه في القنوت، ثم كان يمسح بهما وجهه عند الختم، وفي بعض التصانيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه شاهراً ثم يمسح بهما وجهه.
وقد امتنع كثير من أئمتنا من هذا، فإن دعوات الصلاة ليس فيها رفع اليدين مثل التشهد. وقد راجعت بعضَ أئمة الحديث، فلم يثبت رفعَ اليدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان شيخي يصلّي في آخر القنوت، ولم أر لهذا ثَبَتاً، وفيه الإتيان بما هو ركن في الصلاة منقولاً عن محله، وفيه كلام سيأتي في باب سجود السهو، إن شاء الله تعالى.
فهذا منتهى الكلام في القنوت.
فصل:
قال: "ومن ذكر صلاة وهو في أخرَى... إلى آخره"
890- من فاتته صلوات، فلا ترتيب عليه في قضائها، خلافاً لأبي حنيفة ومن فاتته صلاة الظهر، فدخل وقت العصر، فإن قضى ما فاته أوّلاً، ثم أقام فرضَ الوقت، جاز، وإن أدّى فرض الوقت أوّلاً ثم قضى جاز، ولكن الأَوْلَى إنِ اتَّسَعَ الوقتُ أن يقضي ما فات أولاً، ثم يؤدي فرض الوقت. وقد روي في ذلك أخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذاً رعايةُ الترتيب بين صلاة مقضية وأخرى مؤداة محبوب، والسبب فيه من طريق المعنى-والعلم عند الله في ذلك- أن الأمر برعاية الترتيب يستحث على إقامة القضاء، ولو ابتدر الرجل فرض الوقت، فقد يؤخر القضاء، وتبقى ذمته مشغولة به، وهذا إذا اتسع الوقت، فأما إذا ضاق الوقت، ولو اشتغل بقضاء ما فاته، لفاتت صلاة الوقت، فلا شك أنّا نوجب تقديم الأداء في هذه الصورة.
فصل:
"وصلاة المرأة كصلاة الرجل... إلى آخره".
891- لما نَجَز الشافعيُّ صفةَ الصلاة قال: والمرأة في كيفية الصلاة كالرجل، إلا أنّا لا نأمرها بالتخوية في السجود كما سبق؛ وكلّ ذلك للستر. وفي الحديث:
«صلاة المرأة في قعر بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها».
وممّا ذكره الشافعي في سياق ذلك، أن الرجل إذا كان مقتدياً بالإمام، فناب إمامَه شيءٌ، فينبغي أن يسبِّح لينَبِّه الإمام، والمرأة لا تسبح، فإن ذلك يَشْهَرها، بل تصفق، والأصل فيه، ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليصلح بين فئتين، فأبطأ مجيئه، فقال بلال لأبي بكر: قد استأخر مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقيم لتصلّي بالناس، فقال أبو بكر: ما شئتَ، فأقام وتقدم أبو بكر، فلما تحرّم بالصلاة حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يصفقون، وكانت الصفوف تخرق وأبو بكر لا يلتفت، فلمّا علم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الصفوف لا تُخرق إلا له، استأخر، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة مشهورة. فلما تحلّل عن صلاته قال: «مالي أراكم تصفقون؟ من نابه شيء، فليسبح، فإن التسبيح للرّجال، والتصفيق للنساء».
ثم قال القفال: لا ينبغي للمرأة أن تضرب الراحة بالراحة، فإن هذا تصفيق اللهو، ولكن تضرب كفها على ظهر كفها الأخرى.
فصل:
قال: "وعلى المرأة أن تستر جميع بدنِها... إلى آخره".
892- نذكر ما يجب ستره، وهو الذي يسمى عورة، ثم نذكر كيفية الستر.
فنقول: أما القول فيما يجوز النظر إليه وما لا يجوز النظر إليه، فنذكره مستقصى في أول كتاب النكاح إن شاء الله عز وجل، وإنما غرض هذا الفصل ذِكر ما يستر في الصلاة. فنقول: أمّا الحرة فجملة بدنها في حكم الصلاة عورة من قرنها إلى قدمها، إلا الوجه والكفان، أما الوجه فواضح، وأمّا الكف، فلسنا نعني به الراحة فحسب، ولكنا نعني به اليدين إلى الكوع ظهراً وبطناً، فأما أَخْمَص قدمها، ففيه وجهان، والأصل في ذلك قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قال المفسرون: الوجه والكفّان، وما سوى ما ذكرناه من الحرة، فهو عورة، فلو بدت شعرة من غير ما استثنياه، لم تصح صلاتها.
893- فأما الرجل، فالعورة منه ما بين السرة والركبة، والمذهب أن السرة والركبة ليستا من العورة للرجل. وحكى العراقيون وجهاً غريباً عن بعض الأصحاب: أن السرة والركبة من العورة، وزيفوا ما حكَوْه. وهو لعمري بعيد غير معدود من المذهب.
894- وأما الأمَة، فما بين سرتها وركبتها عورة، كالرجل، وما يظهر منها في المهنة، كالرقبة والساعد وأطراف الساق والرأس، فهذه الأشياء ليست بعورة منها، فأمّا ما وراء ذلك مما فوق السرة وتحت الركبة، وهو ممّا لا يظهر في الامتهان والخدمة ففيه وجهان مشهوران.
فهذا تفصيل القول فيما يجب ستره.
895- ونحن نذكر الآن الستر ومعناه، فنقول أولاً: وجوب الستر لا يختص بالصلاة، بل يجب إدامة الستر عموماً، ولو استخلى بنفسه، وتكشف في الخلوة حيث يعلم أنه لا يطلع عليه أحد، فقد ذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: أنه يحرم التكشف في الخلوة من غير حاجة، وزعم أنه يجب الستر عن الجن والملائكة، كما يجب الستر عن الإنس. وكان شيخي لا يحرم التكشف في الخلوة، ويقول: إذا كان يجوز التكشف بسبب استحداد، أو لقضاء حاجة من غير إرهاق وضرورة، فإيجاب التستر في الخلوة لا معنى له، هذا في غير الصلاة.
فأما الستر في الصلاة، فواجب، سواء كان المصلّي في خلوة، أو إذا كان بمرأى من النّاس.
896- ثم التستر بما يحول بين الناظر وبين لون البشرة، ومن لبس ثوباً صفيقاً، فقد يتراءَى حجمُ أعضائه في الشمس من ورائه، فلا يضر ذلك، فالمرعي باتفاق الأصحاب ألا يبدو السواد أو البياض من وراء الثوب.
ولو وقف المصلّي في ماءٍ صافٍ يبدو منه لون بشرته، فليس بمستورٍ. وإن كان الماء كدِراً، فهو مستور، ولو طلى على عورته طيناً، فهو ستر باتفاق أصحابنا، وهو كافٍ مع القدرة على الستر بالثياب.
ولو لم يكن معه ثوب، وكان متمكناً من التسبب إلى تحصيل طين ينطلي به، فهل يجب عليه ذلك؟ فعلى وجهين، ذكرهما العراقيون:
أحدهما: يجب؛ فإنه ستر، والثاني: لا يجب؛ لأنه لو وجب، لدام الوجوب في الصلاة وغيرها، وتكليف ذلك عظيمٌ منتهٍ إلى مشقة ظاهرة.
897- ثم الستر يراعى من الجوانب ومن فوق، ولا يراعى الستر من أسفل الذيل والإزار.
ونص أئمتنا أن من كان يصلي في قميص واحد، على طرف السطح، فإدراك سوأته هين على من هو تحت السطح، وصلاته صحيحة.
وهذا عندي فيه للفكر مجال؛ فإن من وقف هكذا فوق مكانٍ مطروق، وكان الريح تعبث بثوبه، فلستُ أستجيز إطلاق القول بأنه يحلّ له ذلك، وهو مُعرَّض للنظر.
فإن قال قائل: العرفُ هو المرعي في الستر، والناس يستترون من فوق ومن الجوانب، قيل: هذا كلام عري عن التحصيل؛ فإن العرف لا يطرد بين العقلاء هزلاً في شيء، وأهل العرف إنما لم يراعوا الستر من أسفل من جهة أن التطلع من تحت القميص والإزار غيرُ ممكن إلا بمعاناة وتكلّف، فإذا فرض الموقف على شخص، والأعين تبتدر إدراك السوأة، فهذا لا يُعد في العرف ستراً أصلاً، إلا أن يكون الذيلُ ملتفاً بالساق.
فرع:
898- إذا كان في الثوب الساتر خرق، فوضع يده عليه وكان يصلي، فقد ظهر الاختلاف في ذلك.
والمذهب عندي تجويز الصلاة، فإن الرجل لو لم يكن في الصّلاة، وفعل ما ذكره، فلست أرى تعصيته، وإلحاقَه بمن يبدو للناس متكشفاً، وإذا ظهر ذلك خَارجَ الصلاة، فالستر لا يختلف بالصلاة والخروج منها.
ولو كان يصلي في قميص ساتر ذي طوق واسع وهو مشدود الإزار، جاز.
ولو كان مفتوحَ الإزار، وكان إذا ركع أو سجد تبدو عورتُه، فإذا بدت، بطلت صلاته، فإن كانت لحيته الكثيفة تسد موضع فتح الإزار، ففيه الخلاف المذكور؛ فإنه سَترَ ما يجب ستره بشيء من بدنه. والصحيح ما ذكرناه.
ولو كان بحيث تبدو منه العورة، ولكنه في قيامه وانتصابه لا يبدو منه شيء، فهل تنعقد صلاته؛ ثم إن انحنى وتكشف، بطلت صلاته؟ هذا ملتحق بما ذكرناه؛ فإن سبب الستر وعدم التكشف التصاق صدره في قيامه بموضع إزاره، ففيه ما ذكرناه، والمذهب الحكم بالستر في جميع ذلك.
فرع:
899- إذا وجد خرقة لا تستوعب جميعَ ما يجب ستره، فيجب استعمالها.
ثم قال العراقيون: من أصحابنا من قال: يستر بها القبل؛ فإن السوأة الأخرى مستترة بانضمام الإليتين. ومنهم من قال: يستر بها السوأة الأخرى؛ فإنها أفحش في الركوع والسجود. ولا يتجه التخيير في ذلك.
ثم الفخذ وما دون السرة من العورة، ولا فرق عندنا في وجوب الستر بين السوأة وبين غيرها.
899/م- وأبو حنيفة يفصّل ويزعم أن الربع معفوٌّ عنه في التكشف في كل عضو، ويرعى في السوأة تكشف مقدار درهم. ونحن لا نرعى هذا. وإذا كان كذلك، فلا يمتنع أن نقول: ما ذكره الأصحاب في الخرقة وترديد القول في السوأتين في حكم الأوْلى. ولو ستر واجدُ الخرقة بها جزءاً من فخذه، لم يبعد. جواز ذلك.
وفي كلام الأصحاب ما يدل على تحتم ستر السوأتين أو إحداهما، وله وجه؛ فإن المرعي هو العرف، وما الناس عليه في ذلك، وليس يخفى أن من ستر شيئاًً من فخذه وترك السوأة بادية، يعد متكشفاً.
فرع:
900- ذكر العراقيون نصين في العراة لو أرادوا عقد جماعة:
أحدهما: أنهم إن انفردوا، فعذرهم تمهد في ترك الجماعة، وإن صلّوا جماعة، وغضوا أبصارهم، فجائز.
والثاني: وهو الذي نص عليه في القديم أنهم يصلون فُرادى؛ فإنّ حفظَ العيون فرضٌ، والجماعة نفلٌ، وجعلوا المسألة على قولين في الأوْلى، ولا خلاف أنهم لو عقدوا جماعة، صح ذلك منهم.
ثم إمام العراة ينبغي أن يقف وسطهم، كما سنذكر في صلاة النسوة إذا عقدن جماعة.
فرع:
901- إذا أراد رجل أن يبذُلَ ثوباً، وقد حضر رجل وامرأة على العري، فالمرأة أولى من الرجل وفاقاً، ولو حضر رجلان ولو قسم الخرقة وشقها يحصل في كل واحد بعضُ الستر، ولو خصَّ أحدهما، يحصل له الستر الكامل، فهذه المسألة محتملة، ولعلّ الأظهرَ أن يستر أحدهما، وإن أراد الإنصاف، أقرع بينهما.
فرع:
902- إذا كان يصلي في إزار ساترٍ، فكشف الريح طرف إزاره عن عورته، فإن أمكنه أن يردّه على القرب، لم يضره ما بدا، وإن عسر الردّ وطيرت الريح الإزار، فهذا يفسد الصلاة، وإن تعاطى بنفسه الكشف عمداً، ثم ردّه على الفور، بطلت صلاته. وهذا يطّرد في الانحراف عن القبلة، وإصابةِ نجاسةٍ يابسةٍ الثوبَ، فإن كان عن قصد، فالفساد، وإن كان عن غير قصد وقرب الزمان، فلا بأس، وإن طال الفصل، بطل.
وإن انحل عقدُ الإزار وانسلّ، فردّه، فهو كما لو انكشف طرف منه وأعيد، فلا فرق.
فإن قيل: ما المعتبر عندكم في قرب الزمان وبعده؟ وهل ترون ضبطَ هذا تحقيقاً أو تقريباً؟ قلنا: لعلّ الأقربَ فيه ألا يظهر بين الانكشاف وبين ابتداء الردّ مُكْث محسوس على حكم التكشف.
فرع:
903- الأَمةُ إذا كانت تصلي مكشوفة الرأس، فعَتَقت في أثناء الصلاة فإن كان بالقرب منها خمارٌ، فابتدرته وسترت رأسها، استمرت وبَنَتْ، وكان ما يجري بمثابة تكشف من غير قصد، تداركه المصلي على الفور. وإن كان الخمار بعيداً عنها، وكانت تحتاج أن تمشي إليه خطوات كثيرة، فهذا عند المحققين ينزل منزلة ما لو سبق الحدث في الصلاة، وسيأتي ذلك على القرب.
فإن جرينا على الأصحّ، حكمنا ببطلان الصلاة، وإن فرعنا على القديم فَلْتَمْشِ هذه إلى الخمار وتستتر، ولتبْن على صلاتها، وإن لم تمش، ولكن وقفت حتى أتاها آتٍ بالخمار، ففي بعض التصانيف أن ذلك بمثابة ما إذا أطال الرجل السكوت في صلاته، فإن في بطلان الصلاة وجهين، كذلك هاهنا، وهذا كلام ملتبس.
والوجه أن نقول: إن أتاها الخمار في مدة لو مشت فيها، لنالت فيها الخمار، فلا تبطل الصلاة؛ فإن السكون أولى في الصلاة من المشي والعمل، فإن زادت مدة سكونها على مدة مشيها إلى الخمار لو مشت، فإن لم تبن أمرَها على أن تؤتَى بالخمار، ولكن بقيت كذلك، ثم طالت المدة، وزادت على مدة المشي، فالوجه القطع ببطلان الصلاة، وإن بنت أمرها على أن تؤتَى بالخمار بإشارتها إلى إنسان، فأتى بالخمار، فإن زادت المدة وطالت، فهذا سكون طويل، وتركٌ للساتر، وفي معارضته أنها تركت عملاً كثيراً، وفيه احتمال ظاهر، إذا كان كذلك، ولعل الظاهر الحكم بالبطلان، فإنا إذا ألحقنا هذه الصورة بسبق الحدث، وقد ثبت أنه يُسرع المشي في تدارك ما وقع في القول الذي عليه التفريع، فوجود المشي وعدمه بمثابة، فالوجه النظر إلى التسرّع إلى التدارك من غير مبالاة بالأفعال.
فصل:
904- المصقي إذا سبقه الحدث في الصلاة من غير قصد، فالمنصوص عليه في الجديد أن الصلاة تبطل، ووجهه بيّن من القياس.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل الصلاة.
وهو قول للشافعي في القديم، وقد بان أن القولَ القديم ليس معدوداً من المذهب؛ فإن الشافعي رحمه الله لما نص عليه في الجديد على جزم، رجع عمّا صار إليه في القديم، ولكن أئمة المذهب يعتادون توجيه الأقوال القديمة على أقصى الإمكان، ثم يفرعون عليه.
توجيه القديم: الحديثُ المدون في الصحاح، وهو ما رواه ابن أبي مُلَيكة عن عائشة أنه عليه السلام قال: «من قاء أو رعفَ، أو أمذى في صلاته، فلينصرِفْ، وليتوضأ وليَبْنِ على صلاته ما لم يتكلم»وإنما لم يعمل الشافعي به في الجديد لإرسال ابن أبي مُلَيكة؛ فإنه لم يلق عائشةَ ولا حجةَ في المراسيل عنده. وقد روى إسماعيل بن عياش في طريقه عن ابن أبي مليكة، عن عروة عن عائشة، فأسند.
وإسماعيل هذا سيء الحفظ، كثير الغلط فيما يرويه عن غير الشاميين. وابن أبي مُلَيكة ليس من الشاميين، فإن جرينا على القول القديم، فكل ما يطرأ على الصلاة مما ينقض طهارة الحدث، أو ينجس ما يجب رعاية طهارته، فالمصلي يسعى في إزالة ذلك على أقرب وجه يقتدر عليه، وإن كثرت الأفعال، ومست الحاجة إلى استدبار القبلة ومشى فرسخاً مثلاً، فإنه يبني على صلاته، ولو أمنى أو أمذى، فالكل على وتيرة واحدة.
فإن قيل: فَلِمَ خصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر أشياء معدودة؛ وإذا كان المذهب مبنياً على الخبر بعيداً عن القياس، فهلا اختص بما اشتمل عليه الحديث؟ قلنا: إنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجري في الصلاة وِفاقاً؛ فإن الرعاف وذراع القيء مما يفرض جريانه في الصلاة إذا تعسر التماسك منهما، وكذلك الرجل المذاء قد يبتلى بالمذي في أثناء الصلاة، فعلمنا قطعاً أن الحديث لو صح، فإنما اختص بهذه الأشياء؛ لأنها الجارية في العرف غالباً، وأبو حنيفة حكم بانقطاع الصلاة بخروج المني، ونزَّل الإمذاء منزلة الإمناء، وإن كان منصوصاً في الخبر، وألحقَ سبق البول بالرعاف والقيء.
905- ولو تحرّم الماسح على خفه بالصلاة، على طهارة المسح، ثم انقضت مدة المسح أثناء الصلاة، بطلت الصلاة وفاقاً-وإن فرعنا على القديم في سبق الحدث- والسبب فيه أنه قصر، حيث لم يرع قدْر المدة وانقضائها، وكان كالذي يتعمد إلى الحدث.
ولو تخرّق خفُّه في الصلاة وبرز القدم، ففي المسالة وجهان:
أحدهما: تبطل الصلاة، كانقضاء المدة؛ فإنه مقصر من حيث لم يرع ضعف الخف، وكان كتقصيره في أمر المدة.
والثاني: أن التخرق كسبق الحدث؛ فإن التقصير لا يظهر فيه.
906- ولو رأى المتيمم الماءَ، فالمنصوص عليه في الجديد أن الصلاة لا تبطل، وليس ذلك كسبق الحدث؛ فإن رؤية الماء في نفسها ليست مبطلة للوضوء حتى يتمكن الرائي من استعمال الماء على يسر، والصلاة عاصمة شرعاً مانعة من استعمال الماء، فهذا-مع ما فيه من الغموض- معتمد المذهب الجديد.
907- ثم قال أبو حنيفة: من سبقه الحدث في المسجد، فخرج وتوضأ، لزمه أن يعود إلى مكانه من المسجد، وفيه يبني، فلو بنى في بيته على صلاته، لم يجز، وهذا ممّا انفرد به أبو حنيفة، وليس له فيه معتصم.
ونحن نقول: إذا رفع المانعَ الطارىء، وهو في منزله، تعيّن عليه البناءُ حيث انتهى إليه، فلو رجع إلى المسجد، بطلت صلاته؛ فإن هذه الأفعال تجرى بعد ارتفاع المانع، فتقع قادحةً في الصلاة، لا محالة، ثم نأمر الساعي في رفع المانع بأن يقتصر من أفعاله على قدر الحاجة، ولا نكلّفه أمراً يخرج به عن مألوف اعتياده من عَدْوٍ وبدار إلى رفع الحدث، ولكنه يقتصد، وكما يرعى تقليل الأفعال وتنزيلها على حكم العادة، فكذلك يرعى تقريب الزمان؛ فإن دوام المانع مع التمكن من رفعه استصحابٌ لما يناقض الصلاة.
908- ولو سبق الحدث، ثم استكمل الذي هو صاحب الواقعة الحدثَ، بطلت صلاتُه. وقد ذكر صاحب التقريب أنه لو قطر منه بولٌ سبقاً، فله أن يستتم ذلك البول، ثم يتوضأ، وهذا عندي خطأ إذا كان يمكنه أن يتماسك؛ فإن الذي أتى به حدث على اختيار.
ونحن نقول: لو زاد فعلاً من غير حاجة، وبلغ مبلغ الكثرة، بطلت صلاته؛ فالحدث أولى بالتأثير في الصلاة، إذا جرى على حكم الاختيار.
909- ومما يتعلق بغوامض المذهب أن الأئمة قالوا: لو انكشفت العورة، ثم رد الساتر على قرب، لم تبطل صلاته قولاً واحداً، وطردوا ذلك في نظائر سبقت، وما جرى مناقض للصلاة، وإن قلّ الزمان وقصر، وكان القياس يقتضي أن ينزل ما ذكرناه منزلة سبق الحدث. ولكن الأئمة قاطعون بما ذكرته.
فلْيتأَمل طالبُ الحقائق ما ذكرناه. ولو كان ذلك محطوطاً عن المصلي لقرب الزمان فيه، للزم أن يقال: لو تعمد المصلي كشف إزاره وردّه على القرب، لا تبطل صلاته. وقد قالوا: إذا تعمد، بطلت صلاته. ولو طيرت الريحُ الإزار وأبعدته، وكان لا يلحق إلا بأفعال كثيرة، فهذا ألحقوه بسبق الحدث، وخرجوه على القولين.
910- ومما فرعه أبو حنيفة على مذهبه في سبق الحدث، أن المصلي إذا سبقه الحدث، وكان ملابساً ركناً من الأركان، مثل أن كان في الركوع أو السجود، قال: بطل ذلك الركن، فإذا أراد البناء، لزمه العود إلى ذلك الركن.
وهذا فيه عندي تفصيل في مذهبنا المفرع على القديم، فأقول: إن سبق الحدث قبل حصول الطمأنينة، فمضى إلى التدارك، فيعود إلى الركوع، وإن كان ركع واطمأن ثم أحدث، فإذا أراد البناء ففي إلزامه العود إلى الركوع احتمال. والظاهر أنه لا يعود؛ فإن موجب هذا القول، أن الحدث لا يبطل شيئاًً مضى، وأن من سبقه الحدث يبني، ولا يعيد شيئاًً قد تم على موجب الشرع.
فصل:
قال: "ولو تكلم أو سلم ناسياً... إلى آخره".
911- الكلام على عمدٍ مبطل للصلاة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها من كلام الآدميين شيء» ولا فرقَ بين أن يكون في مصلحة الصلاة، وبين ألا يكون كذلك، خلافاً لمالك، ولو جاز الكلام في مصلحة الصلاة، لما أمر الرجل بالتسبيح والمرأة بالتصفيق إذا ناب الإمامَ شيءٌ.
ثم مضمون هذا الفصل يوضحه أمران:
أحدهما: في كلام من ليس معذوراً، والثاني: في المعذور وتفاصيل العذر.
فأما غير المعذور، فمهما عمد المصلّي مع ذكر الصلاة وعلمه بتحريم الكلام كلاماً خارجاً عن مراسم الشرع، في القراءة والتسبيح والدعاء، بطلت صلاته. ثم ما يأتي به، ينقسم إلى كلام مفهوم، وإلى حروف لا تفهم: فأما ما يفهم، فإنه على الشرائط التي ذكرناها، تبطل الصلاة وإن كان حرفا واحداً، فإذا قال: (عِ) أو (قِ) أو (شِ) من وعى ووقى ووشى، بطلت صلاته.
وإن كان أتى بحرف لا يُفهِم معنى، فالحرف الواحد لا يبطل الصلاة، وإن والى بين حرفين، بطلت صلاته؛ فإن أقل مباني الكلام في أصل اللسان حرفان.
ولو استرسل منه صوت غُفْل لا تقطّع فيه، ولا يسمى حرفاً، فسماعي عن شيخي فيه أنه لا يبطل الصلاة، ولو ذكر حرفاً ووصله بصوت غُفل؛ فإنه كان يتردد فيه، وهو لعمري محتمل؛ فإن الكلام حروف، والأصوات المرسلة من مباني الكلام.
والأظهر عندي أنه مع الحرف كحرف مع حرف؛ فإن الصوت الغُفل مَدّة، والمدّات تقع ألفاً أو واواً أو ياءً، وهي-وإن كانت إشباعاً لحركات- معدودةٌ حرفاً، وعندي أن شيخي ما تردد فيها، وإنما تردد في صوت غُفل مع حرف إذا لم يكن ذلك الصوت مَدّة، وإشباعاً لإحدى الحركات الثلاث.
912- ومما يتعلق بهذا الكلامِ القولُ في التنحنح، فمن تنحنح فاتحاً فاه مغلوباً فيه، وما أتى به لحاجة، فالذي قطع به الأئمة أنه إذا أتى بحرفين، بطلت صلاته.
وحكى ابن أبي هريرة نصاً عن الشافعي: أن التنحنح لا يبطل الصلاة أصلاً؛ فإن الذي يأتي به-على ما يُعهد- ليس آتيا بحروف محققةٍ؛ فهو كصوت غُفل. قال القفال: بحثت عن النصوص، فلم أر ما ذكره، وأنا سأعود في أثناء الكلام إلى هذا.
وأقول الآن: إذا صار المصلي بحيث لا يتأتى منه القراءة المفروضة ما لم يتنحنح، فكأن اختنق أو اغتص بلقمة؛ فإنه يتنحنح ولا يضره ذلك، مع مسيس الحاجة التي وصفناها.
ولو كان في صلاة جهرية، وقد عسر عليه الجهر لو لم يتنحنح، وما عسرت القراءة سراً، فهل له أن يتنحنح ليجهر ويقيم شعار الجهر وكان إماماً؟ فيه وجهان مشهوران: أقيسهما: المنع؛ فإن الجهر أدب وهيئة، وترك ما هو من قبيل الكلام حتم، ولا يتجه وجه الجواز إلا بشيء، وهو أن التنحنح في أثناء القراءة يُعد من توابع القراءة، ومن ترديد الصوت بها، ولا يُعد كلاماً منقطعاً عن القراءة. ولعل ابن أبي هريرة نقل ذلك القول في أثناء القراءة، فينقدح توجيهه، وإن لم تكن حاجة ماسة كما ذكرته، وإن كان بعيداً.
فأما التنحنح لا في حالة استياق القراءة، فيبعد المصير إلى أنه لا يُبطل، فكان مأخذ الكلام في التنحنح الجاري في القراءة أنه يُبطل في ظاهر المذهب، إذا لم يتعذّر أصل القراءة، فإن تعذر رفعُ الصوت، ففيه الخلاف المعروف، ووجهه أنه مع الحاجة في القراءة كأنه تابع، وعن هذا قد يتجه أنه إذا لم تكن حاجة أيضاً، لا يُبطل، إذا كان في خلال القراءة.
وحكى شيخي عن القفال أنه كان يقول: لو طبق شفتيه وتنحنح، لم تبطل صلاته، وإنما التفصيل فيه إذا كان يتنحنح فاتحاً فَاه. وهذا ممّا انفرد به القفال، وصار إلى أن التنحنح مع التطبيق كجرجرة في الحلق، أو قرقرة في التجاويف. ولست أرى الأمر كذلك؛ فإن هذه الأصوات لا تختلف في السمع بالتطبيق والفتح، ومن تنحنح لا يأتي بالحروف الحلقية صريحاً، وإنما هي أصوات تداني الحروف الحلقية، لا يصفها الكتبة ويعرفها من يتأمل. وإذا كان كذلك، فلا فرق بين حالة التطبيق وحالة الفتح.
913- ولو قرأ المصلي آيةً أو بعضاً من آية، فأفهم بها كلاماً، مثل أن يقول: "خذها بقوة"، أو يقول-وقد حضر جمع فاستأذنوا-: "ادخلوها بسلام"، فإن لم يخطر له قراءة القرآن، ولكن جرد قصدَه إلى الخطاب، بطلت صلاته.
وإن قصد القراءة، ولم يخطر له إفهامَ أحد، بحيث لو دخلوا لم يُرد دخلوهم من معنى قوله، فلا شك أن صلاته لا تبطل، وإن قصد قراءة القرآن وقصد إفهامهم، فالذي قطع به الأئمة أن الصلاة لا تبطل؛ فإنه لا يُجدّ متكلماً، والحالة هذه. وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة بهذا.
914- ولو دعا بالفارسية، بطلت صلاته، وكذلك لو أتى بترجمة القرآن. وقد ذكرنا أن ترجمة القرآن لا تقوم مقام القراءة، وخلاف أبي حنيفة مشهور فيه.
ومعتمدنا في وجوب الرجوع إلى الأذكار عند تعذر القراءة، ما روي عن رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن كان يحسن شيئاًً من القرآن، قرأ، وإن كان لم يحسن شيئاًً، فليحمد الله وليكبر».
فهذا تمهيد المذهب فيما يأتي به المصلي من الكلام من غير عذر.
915- فأما تفصيل القول في المعذور، فنبدأ بالنسيان أولاً، فإذا نسي الرجل كونَه في الصلاة وتعمد الكلام، وهذا هو المعني بكلام الناسي، فهذا غير مبطل للصلاة، خلافاً لأبي حنيفة، والمعتمد فيه من جهة السنة قصة ذي اليدين وهي مذكورة في الخلاف.
ولو كثر الكلام في حالة النسيان، ففي بطلان الصلاة وجهان:
أحدهما: وهو القياس أنه لا تبطل الصلاة؛ فإنه لو أبطل الصلاة كثيرُه، لأبطلها قليلُه، كحالة العمد، والثاني: إذا كثر أبطل الصلاة لأمرين:
أحدهما: أن هيئة الصلاة تزول بكثرة الكلام، وينقطع نظامها، والثاني: أن الناسي يعذر، لأنه قد يبتلى ببادرة، فأما الكثير، فيبعد تصوير النسيان فيه، فإنه يتنبه أو يُنبّه، وما يقع نادراً لا يعتد به، والصائم إذا أكل ناسياً لصومه فإن قل أكله، لم يبطل صومه، وإن كثر، ففي المسألة وجهان مرتبان على الوجهين في الكلام الكثير مع استمرار النسيان، فإن قلنا: لا تبطل الصلاة، فلأن لا يبطل الصوم أولى، وإن قلنا تبطل الصلاة ففي الصوم وجهان مرتبان على المعنيين المذكورين في التوجيه، فإن قلنا ببطلان الصلاة، لندور النسيان الطويل، فهذا يتحقق في الصوم أيضاً. وإن اعتمدنا في الصلاة الهيئة وانقطاعَ النظام، فهذا لا يتحقق في الصوم؛ فإنه ليس بعبادة ذات نظام، وإنما هو انكفاف عن أمور معروفة.
916- ولو تكلّم الرجل جاهلاً بأن الكلام يحرم في الصلاة، وكان قريب عهدٍ بالإسلام، فلا تبطل الصلاة، وجهله يعذره. والأصل فيه الأخبارُ، وقد رويناها في الخلاف.
ولو علم أن الكلام محرّم في الصلاة، ولكن لم يعلم كونَه مفسداً، فتفسد صلاته وفاقاً، وهذا يطرد في الصوم وغيره، وهو يناظر مسألة من كتاب الحدود، وهي أن من شرب الخمر، ولم يعلم تحريمَها لم يحدّ، وإن علم تحريمها، ولم يعلم أنه يُحد شاربُها، حُد، ولم يصر جهله بالحدود دارئاً له.
ولو علم أن الكلام على الجملة يحرم، ولكن لم يدْرِ أن الذي جاء به محرم، فقد ذكر بعض المصنفين أن الصلاة تبطل في هذه الصورة، وهذا محتمل عندي، ويظهر المصير إلى أنها لا تبطل الصلاة.
فهذا بيان تمهيد عذر الناسي والجاهل.
917- ومما يلتحق بالنسيان والجهل وهو أولى منها، وهو أنه لو التف لسان الذاكر والقارىء، فجرى بكلام جنسه مبطل للصلاة، فلا تبطل صلاته أصلاً، وعندي أن أبا حنيفة يوافق في هذا، مع مصيره إلى أن الناسي لا يعذر؛ فإن سبق اللسان إلى هذا لا يزيد على سبق الحدث، ومن سبقه الحدث، لا تبطل صلاته.
918- ومما نذكر في المعاذير أن المصلي لو أكره على أن يتكلم في الصلاة، فتكلم مكرهاً، فهذا كما لو أكره الصائم على الأكل مع ذكره للصوم، وفيه قولان، سأذكر حقيقتهما في كتاب الصوم إن شاء الله تعالى، والغرض الآن تنزيل المصلي منزلة الصائم.
919- ومما نذكره متصلاً بالكلام السكوت، فإذا أطال الرجل سكوته، وهو لا يؤمر باستماع وإصغاء، فإن تعمد ذلك في ركن طويل، فقد ذكر القفال وجهين في بطلان الصلاة، أصحهما أنه لا تبطل؛ فإن السكوت ليس خارماً لهيئة الصلاة وما فيها من رعاية الخضوع والاستكانة.
والثاني: أنه تبطل الصلاة؛ فإن اللائق بالمصلي الذكر والقراءة، والسكوتُ في حكم الإضراب عن وظائف الصلاة وما شرعت الصلاة لأجله.
والدليل عليه أنَّ من رأى رجلاً على البعد يتكلم، يسبق إلى اعتقاده أنه ليس في الصلاة، كذلك إذا رآه في سكتة طويلة؛ فإنه يعتقد أنه ليس في الصلاة.
وإن سكت سكوتاً طويلاً ناسياً للصلاة. فالسكوت الطويل إن قيل: لا يُبطل الصلاة واقعُه على العمد، فلا شك أن واقعَه على النسيان لا يبطل، وإن قلنا: عمدُه مبطل للصلاة، ففي واقعه على النسيان طريقان: منهم من قال: هو كالكلام الكثير الصادر من الناسي، وفيه الخلاف المقدم، فيعتبر طويل السكوت بكثير الكلام، ومنهم من قال: السكوت الطويل من الناسي-حيث انتهى التفريع إليه- كالكلام اليسير؛ فإن قليل الكلام من العامد مبطل، وقليل السكوت من العامد غيرُ ضائر، فاعتبرنا طويل السكوت بقليل الكلام.
فصل:
قال: "وإن عمل عملاً قليلاً مثل دفعه المارّ بين يديه... إلى آخره".
920- العملُ القليل على عمد وذِكْرِ الصلاة غيرُ مبطل لها، والعمل الكثير على وجه التوالي والاتصال عمداً- مبطل للصلاة، والدليل على أن القليل غير مبطل للصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في الصلاة أذُنَ ابن عباس، وأداره من يساره إلى يمينه.
ودخل أبو بكرة المسجد، فصادف رسول الله في الركوع، فخاف أن تفوته الركعة فركع منفرداً، ثم وصل إلى الصف بخطوة، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة، قال: «زادك الله حرصاً ولا تَعُد" ولم يأمره بإعادة الصلاة».
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مر المار بين يدي أحدكم وهو في الصلاة، فليدفعه، فإن أبى، فليدفعه، فإن أبى، فليقاتله، فإنه شيطان».
وقيل في تفسير قوله شيطان، معناه المارّ من شياطين الإنس. وقيل: إنه ليس المقصود من دفعه منعَه، ولكن الشيطان لا يجسر أن يمر بين يدي المصلي وحده، فإذا مر بين يديه إنسي، رافقه، فقوله: "فإنه شيطان" معناه، "فإن معه شيطاناً".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو علم المارّ بين يدي المصلي ما فيه لوقف أربعين» وقد اختلف فيه فقيل: أربعين سنة، وقيل: أربعين شهراً، وقيل: أربعين يوماً، وقيل: أربعين ساعة.
921- فإن قيل: هل من ضبطٍ في الفرق بين العمل القليل والكثير؟ قلنا: لا شك أن الرجوع في ذلك إلى العرف وأهله، ولا مطمع في ضبط ذلك على التقدير والتحديد؛ فإنه تقريب، وطلب التحديد في منزلة التقريب مُحال، ولكن كل تقريب له قاعدة، منها التلقي، وإليها الرجوع، فمطلوب السائل إذاً القاعدة التي عليها التحويم في ذلك.
فنقول: الآدميُّ ذو حركات وسكنات، ويعسر عليه تكلفُ السكون على وتيرة في زمان طويل، ولا شك أن المصلي مؤاخذ بالخشوع، والخشوع هو إسكان الجوارح، ورأى رسول الله رجلاً يعبث بيديه في الصلاة، فقال: «هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه». فالقدر الذي يُحمل صدورُه على ضرورة الخلقة والجبلة، ولا يحمل على الاستهانة بهيئة الخشوع والاستكانة مُحتمل، بل لابد منه، وما فوقه إلى الانسلال عن الهيئة المطلوبة مضطرب، والفعل فيه تركٌ للأولى، وإذا تعدى الفعلُ هذا المسلك أيضاً، وانتهى إلى الانسلال عن السكون الذي يتميز فيه المصلي عن غير المصلي، فهو المبطل.
وعبَّر القفال عن هذا، فقال: كل مقدار من الفعل إذا رآه الناظر من بُعدٍ، غلب على ظنه أن صاحبه ليس في الصلاة، فهو الكثير، فهذا هو المعتبر، وقد ثبت في مضمون الآثار وقول الأئمة أن الصلاة لا تبطل بخطوتين متواليتين، وتبطل بالثالثة وِلاءً، وكذلك لو فرضت ضربتان، فالضربة الثالثة كالخطوة الثالثة.
فليتخذ الناظر هذا معتبرَه. وليس الرجوع في هذا التقريب إلى العدد؛ فإن من حرّك إصبعه مراراً كثيرة، لم يقابل ذلك خطوة، ولست أنكر أن التعديد والتقطيع أمر معتبر في هذا الباب؛ فإن الخطوة الواحدة لا تبطل، ولو قطَّعها المصلي، فجعلها ثلاث خطوات متواليات، لبطلت، فإن الخطو الوساعَ إن اتحد لا يعد كثيراً، وإذا تقطع عُدّ كثيراً، ولست أنكر أنه إذا خطا خطوتين واسعتين جداً وِلاءً، فإنهما في العرف قد يوازنان ثلاث خطوات. وقد اضطرب جواب القفال في أن الحركات الكثيرة في إصبع أو كفّ كحركات من يعقد ويحل، أو كحركات من يدير المسبحة هل تبطل الصلاة؟ فقال مرّة: جنس هذه الأفعال لا تبطل الصلاة؛ فإنها في طرف وكُثْر البدن ساكن، وهيئة الخشوع غير مختلة.
وقال مرة: كثيرها يبطل. معتبراً برتبة الخطى والضربات.
922- ثم تمام القول في ذلك أن ما استبنَّا بلوغَه حدَّ الكثرة، فمبطل، وما استبنَّا وقوعَه في حدّ القلة، فهو غير مبطل، وما ترددنا فيه، فينقدح فيه أوجه: أحدها: استصحاب صحة الصلاة.
والثاني: الحكم بالبطلان؛ فإنا مؤخذون بالإتيان بهيئة مطلوبة، ونحن شاكون في الإتيان بها وامتثال الأمر فيها.
والثالث: أنا نتبع غلبة الظن، فإن استوى الظنان، فالأصل دوام صحة الصلاة، والأظهر استصحاب الحكم بدوام الصلاة؛ فإن الهيئة التي ذكرناها وبنينا الكلامَ عليها ليست ركناً مقصوداً في الصلاة، كالركوع والسجود ونحوهما، وكأنها النظام والرابطة لأركان الصلاة، فإذا لم يتحقق انقطاعها، دامت، وسيأتي هذا ومثله مستقصىً في باب سجود السهو، إن شاء الله تعالى.
ثم إذا كثر الفعل في الصلاة، ولكنه وقع مقطعاً غيرَ متوالٍ، فلا تبطل الصلاة به، ويمكن أن يفرض في ركعة واحدة طويلة مائة خطوةٍ فصاعداً مع تخلل الفصول الطويلة. ثم المعتبر في الفصل المتخلل بين الفعل والفعل أن يُشعِر بالإضراب عن الفعل، ويتجاوز حد الثاني في قبيلٍ من الفعل يتمادى المرءُ عليه،، فهذا كله في الفعل الكثير الواقع عمداً.
923- فأما إذا نسي الرجل الصلاة، وأوقع أفعالاً كثيرة، فللأئمة طريقان:
أحدهما: أن القول فيها كالقول في الكلام الكثير الصادر من الناسي، وفيه وجهان مذكوران.
ومن أئمتنا من قال: أول مبلغ الكثرة في الفعل هو الذي يُبطل الصلاة عمدُه، فإذا وقع هذا من الناسي، لم تبطل الصلاة، وهذا المبلغ من العامد كالكلام اليسير من العامد، فإنَّ يسير الخطاب يَخْرِمُ أُبّهة الصلاة، كما أن كثير الفعل يخرِمُها، وما يجاوز مبلغَ أول الكثرة وينتهي إلى السَّرف، فهو من الناسي كالكلام الكثير في حالة النسيان، فهذا تمام القول في ذلك.
فرع:
924- كان شيخي يذكر في الدروس خلافَ الأصحاب في أن الصوم هل يُشترط في الصلاة؟ حتى لو أكل المصلي أو شرب ولم يفعل فعلاً، تبطل صلاته، وكان يصحح اشتراط الصوم في الصلاة، وهذا الذي قطع به الأئمة في طرقهم، ولم يشر إلى الخلاف كما ذكره غيرُ العراقيين.
والوجه الحكم ببطلان الصلاة؛ فإن قليل الأكل كقليل الكلام في منافاة هيئة الصلاة.
وبالجملة الغرض الكلي من العبادات البدنية التي لا تتعلق بأغراض ناجزة-كسد الحاجات بسبب بذل الزكوات- تجديدُ الإيمان، ومحادثة القلوب بالمعرفة، والرجوع إلى الله، وأجمعها لهذا الغرض الصلاة، ولذلك وجب فيها الانقطاع عن أفعال العادة، والانكفافُ عن خطاب الآدميين، والاستواء في صوبٍ واحد وتلقاءٍ واحد، وهو القبلة؛ فإن الانكفاف عن هذه الملهيات والانكبابَ على الأذكار يحصر الذهن ويذكر الحقائق، وقليل الأكل ينافي هذا الغرض، فإن لم نوجب الصوم، ألحقنا الأكل في الصلاة بالأفعال، وقد تفصَّلَ المذهب فيها. وهذا بعيد جداً، فإن أوجبنا الصوم، فكل ما يفسِد الصوم يفسِد الصلاة، وسيأتي تفصيل مفسدات الصوم في كتابه إن شاء الله تعالى.
925- ومما يتعلق بهذا الفصل أن المصلي لو زاد ركوعا أو سجوداً عمداً، بطلت صلاته عندنا، وإن كان الركوع الواحد لا يبلغ مبلغ العمل الكثير، وأبو حنيفة لا يُبطل الصلاةَ بزيادة ركن، ويرعى فيها كثرةَ الفعل وقلَّته، ومعتمدنا أن الكثرة والقلة لا تُعنيان لأعيانهما، وإنما المتبعُ المعنى، فزيادة ركن يُظهر مخالفة النظم، ويعتبر بضدّ الأركان، وأما الأفعال، فلابد من جريان قليلها في ضرورة الجبلّة، والقول في كثيرها ما سبق، وسنعود إلى هذا في باب السجود إن شاء الله تعالى.
فصل:
926- ما أدرك المسبوق، فهو أولُ صلاة المأموم، وإن كان آخر صلاة الإمام، وقد يخالف أبو حنيفة في هذا، ويقول: ما أدركه محسوب له آخراً، وهو يتدارك الأول، وما ذكرناه له آثار، نشير إليها، فنقول: إذا أدرك المسبوق الركعة الأخيرة من صلاة الصبح، وقنت الإمام فيها، فإذا قام المقتدي واستدرك ما فاته، قنت ثانياً؛ فإن القنوت وقع في أول صلاته، ولكنه وقف اتباعاً للإمام، ووفاء بما نواه والتزمه من المتابعة.
وإذا أدرك ركعة من صلاة المغرب، وقعد مع الإمام في التشهد الأخير، فإذا سلم الإمام، قام المسبوق، وصلى ركعة أخرى، وجلس للتشهد، وهذا تشهده الأول المحسوب، ثم يصلي ركعة ثالثة ويتشهد مرة أخرى، وهذا مطرد واضح.
927- ولكن نقل المزني عن الشافعي أنه قال: إذا أدرك المسبوق الإمام في الركعتين الأخيرتين من الظهر أو العصر أو غيرهما، وصلّى مع الإمام ركعتين، ولما سلّم الإمام، قام ليصلي ركعتين، قال الشافعي: يقرأ في الركعتين اللتين يتداركهما السورة مع الفاتحة؛ فاعترض المزني، وقال: ما يدركه المسبوق أول صلاته على مذهب الشافعي، وما يقضيه من الركعتين آخرُ الصلاة، فلِمَ أمر المسبوق بقراءة السورة في الركعتين الأخيرتين من صلاته؟
فاختلف أئمتنا في الجواب، فقال بعضهم: أجاب الشافعي على استحباب قراءة السورة في كل ركعة، ولو أجاب على تَخْلِية الأخيرتين عن قراءة السورة، لما أمر المسبوقَ بقراءة السورة، كما ذكره المزني وهذا غير مرضي عند المحققين؛ فإن فحوى كلام الشافعي دليلٌ على أنه لم يفرع على الأمر بقراءة السورة في كل ركعة؛ فإنه اعتنى بتصوير هذه الصورة على التخصيص، وأمر فيها بقراءة السورة، فلو كان يأمر بها عموماً، لما كان لاعتنائه لتخصيص هذه الصورة بالذكر معنى، فالصحيح أنه مع التفريع على اختصاص قراءة السورة بالأوليين يأمر المسبوق في هذه الصورة بقراءة السورة. والسبب فيه أن إمامه لم يقرأ السورة في الركعتين الآخرتين اللتين أدركهما المسبوق حتى يقع وقوفُ المأموم لقراءته واستماعه موقع قراءته في نفسه، فقد فاتته قراءة السورة، فليتداركها في الركعتين المقضيتين، فهو إذن قاضٍ لقراءة السورة، وليس مُقيماً وظيفة الركعتين الأخيرتين.
وهذا يناظر نص الشافعي في الجمعة، حيث قال: إذا ترك الإمام قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى أعادها في الركعة الثانية مع سورة المنافقين.
فإن قيل: قد قال الشافعي: لو ترك الطائف الرَّمَل في الأشواط الأُوَل من الطواف، لا يتدارك الرمل في الأشواط الأخيرة، فما الفرق؟ قلنا: المشي على الهينة والسكينة سنة في الأشواط الأخيرة، كما أن الرمل سنة في الأشواط الأول، فلو رمل في الأخيرة، لترك سنة ناجزة لتدارك سنة فائتة، وتركُ القراءة في الركعتين الآخرتين لا نعده من السنن، ولكنه من التخفيف الذي تأكد بالاتباع، فليس ترك قراءة السورة هيئة مقصودة، والمشي والسّكينة في الأشواط الأخيرة هيئة مقصودة مأمور بها. فهذا منتهى الإمكان في الفرق، والاحتمال ظاهر في مسألة المسبوق، كما ذكره المزني وتابعه من تابعه.
فصل:
قال: "ويصلي في الجماعة كلَّ صلاة صلاها... إلى آخره".
928- من صلى صلاة من الصلوات الخمس منفرداً، ثم أدرك جماعة، استحببنا له أن يعيدها في الجماعة، ولا فرق بين صلاة وصلاة.
وقال أبو حنيفة: يعيد الظهر والعشاء، فأما الصبح، والعصر، والمغرب، فلا يعيدها، وبنى مذهبه في الصبح والعصر على أنهما يستعقبان وقتاً مكروهاً، وعنده أن الصلوات، وإن كان لها أسباب، لا تقام في الأوقات المكروهة، وأما المغرب؛ فإنه لم ير إعادتها؛ لأنها وتر النهار، وإذا أعيدت صارت شفعاً.
وقد ذكر شيخي في درسه وتعليقه وجهاً عن بعض أصحابنا مثلَ مذهب أبي حنيفة، في أنه لا يعيد هذه الصلوات الثلاث، وإن انفرد بها أولاً وأدرك جماعة ثانياً. وهذا لست أعده من المذهب، ولا أعتد به.
فالمذهب القطع بأنه لو انفرد بالصلاة، ثم أدرك جماعة أعادها، ولا فرق بين صلاة وصلاة.
929- ولو صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة فهل يعيدها مرة ثانية؟ فيه وجهان مشهوران، ذكرهما الصيدلاني وغيره، أحدهما- أنه يعيدها لينال فضيلة الجماعة الثانية أيضاً.
والثاني-وهو الأصح عند الصيدلاني- أنه لا يعيدها؛ فإن ذلك لو قيل به، لزم مثله في إدراك جماعة ثالثة ورابعة، وهذا يخالف ما كان عليه الأولون.
فإن قلنا: يعيدها، فلا فرق بين صلاة وصلاة؛ فإنا على هذا الرأي نراها صلاة لها سبب، والصلوات ذوات الأسباب لا يكره إقامتها في الأوقات المكروهة، وتكون كما لو انفرد أولاً ثم أدرك جماعةً، وإن لم نر إعادتَها مقصودة، فهو في حكم متنفل متطوّع بصلاة لا سبب لها، فعلى هذا لا يكره ذلك في الظهر والعشاء، ويكره في الصبح والعصر؛ فإنهما يستعقبان وقتا مكروهاً. والصلاة لا سبب لها فيما نفرع عليه. فأما المغرب، فلا تستعقب وقتاً مكروهاً، ولكن التنفل بثلاث ركعات مما لا نراه في غير وتر الليل، فَلْيَزِدْ ركعةً أخرى حتى تصير الصلاةُ أربعَ ركعات.
ثم نقول: لا ينبغي أن ينوي الفرض أصلاً في هذا التفريع، بل ينوي صلاة التطوع.
930- وإذا انفرد بالصلاة أولاً، ثم وجد جماعة، فأعاد الصلاة، فالفريضة أيتهما؟ فعلى قولين:
أحدهما: أن الفريضة هي الأولى؛ فإنها لو اقتصر عليها، كفته.
والثاني: أن الفريضة إحداهما لا بعينها، والله يحتسب بأكملهما.
وذكر شيخي عن بعض الأصحاب أن الفريضة هي الثانية؛ فإنها الكاملة بالجماعة، ويتبين بالأخرة أن الأُولى وقعت نفلاً، وهذا مزيف مردودٌ، ولا أعده مذهباً.
ثم قال الصيدلاني: إذا حكمنا بأن الفريضة هي الأولى، فَنَنْدُبُ إلى الثانية في الصبح والعصر؛ فإن هذه صلاة لها سبب، وأما المغرب، فإنه تُعاد أيضاً، ولكن ينبغي أن يضم إليها ركعة أخرى؛ فإن التنفّل بالثلاث في هذا الوقت غيرُ مأثور ولا مأمور به، وهذا حسن بالغ.
ثم إن حكمنا بأن الفرض إحداهما لا بعينها، فلا شك أنا نأمره بأن ينوي الفريضة فيهما جميعاًً، وإن حكمنا بأن الفريضة هي الأولى، فهل ينوي بالثانية المقامة في الجماعة الفريضة؟ تردَّد الصيدلاني فيه، واختار أن ينوي الفريضة، وهذه هفوة؛ فإن أمره بنية الفريضة مع القطع بأن الصلاة التي يقيمها ليست فريضة محال.
نعم الوجه أن يقال: وإن حكمنا بأن الصلاة الثانية ليست فريضةً، فينبغي أن ينوي تلك الصلاة، وهي الظهر والعصر، ولا يتعرض للفريضة، فيكون ما جاء به ظهراً مسنوناً، كالظهر من الطفل، وفيما ذكرته احتمال. ولو نوى النافلة، ولم يعيّن الظهر، فيبعد أن يصير بالجماعة في النافلة مستدركاً لِما فاته من الجماعة في صلاة الظهر، فعلى هذا إذا كان ينوي المغرب، فما ذكره الصيدلاني من ضم ركعة رابعة لا أصل له؛ فإن المغرب لا يكون أربع ركعات، ولا تبعُد صلاة مغرب غيرِ مفروضة، والعجب منه مع حسن إيراده في هذا الفصل أنه قال: إذا حكمنا بأن الصلاة الثانية نفل، فيضم ركعةً إلى المغرب، ثم قال: وعلى كلا الوجهين ينبغي أن ينوي الفرض، وهذا خبط وخروج عن الضبط، وقد لاح ما يكتفي به الفطن، والحمد لله وحده.
فصل:
قال: "ومن لا يستطيع إلا أن يومىء أومأ... إلى آخره".
931- القيام في الصلاة المفروضة ركن مقصود عندنا، فإن عجز عنه المكلّف قعد، فلو اعتمد القادر على شيء في قيامه من غير حاجة وضرورة، أو اتكأ، لم تصح، فليكن مستقلاً في قيامه مقلاًّ نفسه، ولو كان لا يتمكن من القيام إلا متكئاً أو معتمداً، فلا يجوز له أن يقعد، من حيث إنه عجز عن القيام على صفة الاستقلال، بل قيام المتكىء أولى من القعود، فلا يجوز الانتقال إلى القعود إلا عند العجز عن صورة القيام، وإذا عجز عن القيام، قعد حينئذ، ولا يجب في القعود هيئة مخصوصة، فلو قعد مفترشاً، أو متوركاً، أو متربعاً، أو مُقْعياً رافعاً ركبتيه، فكل ذلك جائز.
932- ولو قدر على القيام ولكن لا يقدر على الركوع والسجود أصلاً، فيلزمه القيام، ثم يومىء بالركوع والسجود.
وأبو حنيفة يُسقط القيامَ في هذه الصورة، وهذا يدل على أن مذهبه أن القيام ليس ركناً مقصوداً، وهذا ساقط؛ فإنه وإن اعتقده محلاً، فكان يلزمه ليقرأ قائماً.
أما نحن، فنوجب القيام لنفسه وعينه، وإذا لم يتمكن من القيام على هيئة الانتصاب، فَلْيَقُم على انحناء، وليتخِذْ في هذا حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم معتمده حيث قال: "إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما اسْتطعْتم"، ولو كان لا يقدر على الارتفاع من حد الراكعين، فالذي دل عليه كلامُ الأئمة أنه يقعد، ولا يجزئه غيره؛ فإن حد الركوع مفارقٌ لحد القيام وحكمه، وهو أيضاً هيئة ركن في نفسه يخالف هيئة القائمين.
933- ولو عجز عن الانتصاب على قدميه، لكن قدر على الانتهاض على ركبتيه، كان شيخي يتردد في وجوبه، وهو محتمل من جهة أن هذا لا يسمىَ قياماً، والانحناء فوق حد الراكعين يسمى قياماً.
934- فإذا أراد القعود عند العجز عن القيام، فقد اختلف أئمتنا في الهيئة المختارة المطلوبة، فنقل المراوزة نصين:
أحدهما: يفترش كما يفترش القاعد في التشهد الأول، والثاني: أنه يتربع، ثم جعلوا ذلك قولين، ووجهوا قول التربع بأنه لو افترش، لالتبس جلوسه في التشهد الأول بقيامه، ونحن نرى الفصل بين التشهدين في حق القادر، بالافتراش والتورك، فينبغي أن يقع الفصلُ بين القعود الواقع بدلاً عَن القيام، وبين القعود للتشهد.
والقول الثاني- وهو الذي ارتضاه شيخي: أنه يفترش، فإن التربع ليس يليق بهيئة الخاضعين لله عز وجل في الصلاة، وذكر بعض المصنفين أنه يتورك في القعود الواقع بدلاً، وهذا عندي غلط صريح لا يتوجه.
وقد سمعت من أثق به أن القاضي حسين كان يرى الأَوْلى أن ينصب ركبته اليمنى ويحتبي عليها، كالذي يجلس في اعتيادنا قارئاً على من يقرئه، فهذا خارج عن الإقعاء؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: "لا تُقعوا إقعاء الكلاب". وهو منفصل عن الافتراش والتورك، وليس جلسة المتنعمين كالتربع، وإذا لم يرد ثَبَت شرعي، ورُدَّ الأمر إلى نظرنا، وبان أن المطلوب الفصلُ، وتوقَي هيئات أصحاب الترفه والتنعم، فالذي ذكره قريب في ذلك.
ولو قعد على رجليه جاثياً على الركبتين، فلست أرى به أيضاً بأْساً، وليس ذلك إقعاء؛ فإن الإقعاء هو الجلوس على الوركين ونصب الفخذ والركبتين وهكذا يكون الكلب إذا أقعى.
935- فإن عجز عن القعود أيضاً، واضطر إلى الانبطاح، فعل ذلَك، وفي كيفية هيئته اختلاف. فالمذهب المشهور الذي عليه التعويل أنه يقع على جنبه الأيمن مستقبلاً بجميع مقاديم بدنه القبلة، كالذي يوضع في قبره.
وقال أبو حنيفة: ينبغي أن يكون مستلقياً وأخمصاه إلى القبلة على الهيئة المعتادة في المحتضرين، وصار إلى ذلك بعض أصحابنا، وهذا الخلاف ليس راجعاً إلى الأولى، بخلاف ما فرعنا الآن من هيئة القاعد، بل هو اختلاف فيما يجب، وإنما قلنا ذلك؛ لأن أمر الاستقبال يختلف به اختلافاً ظاهراً.
وفي بعض التصانيف وجة ثالث، وهو أنه يكون على جنبه الأيمن، ولكن أخمصاه إلى القبلة، وهذا غلط غير معتد به. ولست أرى له وجهاً، والأصل فيما ذكرناه حديث رواه من يُعْتَمَدُ في رؤوس مسائله عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يصلّي المريض قائماً، فإن لم يستطع صلى جالساً، فإن لم يستطع القعود أومأ، وجعل السجود أخفض من الركوع، فإن لم يستطع صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة وأومأ بطرفه، فإن لم يستطع، صلّى على قفاه مستلقياً، وجعل رجليه مستقبل القبلة»، فهذا حديث ساقه عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب القطع باتخاذه مرجعاً، ثم الاستلقاء وإن كان مذكوراً في الحديث، فهو بعد العجز عن الاضطجاع مع الاستقبال بجميع البدن كما نص عليه، ولكنه على الجملة مذكور.
وفي الاستلقاء معنى لا يبعد تخيله إذا سبق إليه من لم يبلغه الخبر، وهو أن العاجز يومىء بالركوع والسجود، كما سنذكره، فإذا كان مستلقياً، وقع إيماؤه في صوب القبلة، ولا يكون الأمر كذلك إذا أومأ على جنب، فأما إذا كان على جنب وأخمصاه إلى القبلة، فليس لهذا ذكر في الخبر، ولا يشير إليه معنى متخيل.
فهذا كله في القيام والعجز عنه وعن القعود.
936- ونحن نذكر بعد ذلك الإيماءَ بالركوع والسجود، فأما القاعد إن قدر على الركوع والسجود، وجب عليه الإتيان بهما، وسجوده كسجود القادر على القيام، فأما الركوع، فنذكر حد أقله، قال صاحب التقريب: ينثني مقداراً يناسب انحناءه بالإضافة إلى القيام، فيجعل كأن قامته مقدار انتصابه في قعدته، ويعتبر نسبة انحنائه من قيامه لو كان قائماً، ثم ينثني مثل تلك النسبة في قعوده، وقد رأيت في حد الركوع في ألفاظ الأخبار أنه ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، وليس ذلك بيانَ الكمال. فإنا ذكرنا أن الأكمل وراء هذا، فيتعين صرف هذا في الحديث إلى بيان الأقل، ثم يعتبر اعتدال الخلقة في طول البدن وقصرها، ثم نتخذ هذه النسبة معتبرنا في حق القاعد.
وقد ذكر بعض الأئمة في أقل ركوع القاعد أنه ينحني بحيث يقابل وجهُه ما وراء ركبتيه من الأرض، ثم بأدنى المقابلة يكون مؤدياً لأقل المفروض عليه، وعند تحصيل هذه المقابلة يكون متشوفاً إلى طلب الكمال. وهذا ليس مخالفاً لما ذكرناه قبلُ.
937- وتمام البيان عندي في ذلك، أنه إذا جاوز وجهه الحد الذي يسامت ركبتيه، فذقنه يحاذي الأرضَ، وليس يبعد أن يقال: طلب الكمال في ذلك بأن يفعل ذلك، ويطأطىء وجهَه حتى يحاذي جبهتُه موضعَ سجوده، وهذا يناظر في هيئة الكمال مدَّ القادر الذي لا مانع به في الركوع ظهره ورقبته على استواء، غير أن الاستواء غيرُ ممكن من القاعد.
ولو كان يعجز عن القيام، فأقام القعودَ مقامه، وكان لا يعجز عن هيئة الركوع، تعين عليه أن يرتفع إلى حد الراكعين؛ فإن المقدور عليه لا يسقط بسقوط المعجوز عنه.
938- ومما يتعلق بذلك أنه إذا كان لا يقدر على إتمام السجود، لزمه أن يأتي بما يقدر عليه اعتباراً بما مهدناه من وجوب الإتيان بالمقدار المقدور عليه، فلو كان يقدر على مقدارِ أقل الركوع في حق القاعد، فلا نقول: نقسم ذلك المقدار بين الركوع والسجود، ونصرف شيئاًً إلى الركوع والزيادةَ عليه إلى السجود، فإنا لو فعلنا هذا، كنا مسقطين عنه أقلَّ الركوع مع قدرته عليه، ولكن يأتي بالركوع عما عليه من وظيفة الركوع، ثم ينحني مرةً أخرى عن السجود، ولا يضر استواؤهما، كما يستوي فرضُ القيام في حق القاعد، وفرضُ القعود للتشهد الأخير، ولا يجوز غيرُ هذا، ولو كان يقدر على انثناءٍ يزيد على مقدار الأقل، وكان يزيد على مقدار الكمال أيضاً، فالوجه أن يأتي بما هو على حد الركوع، ثم يأتي بالزيادة على حد الكمال عن السجود؛ فإن الفرق على حسب الإمكان بين الركوع والسجود واجب، وذلك ممكن في الصورة التي ذكرناها، ولا يجب الفرق بين القعود الواقع بدلاً عن القيام، وبين قعود التشهد، وهذا ظاهر، وليس عرياً عن الاحتمال، فَلْيتأمله الناظر.
ولو كان يقدر على أقل حد الركوع، وعلى ما ينتهي إلى حد الكمال، فليس يظهر عندي تكليفه الاقتصار على حد الأقل، ليكون الزائد عليه عن السجود، وليترتب عليه تحصيلُ الفرق بين السجود والركوع- ظهورَه في الصورة التي قبل ذلك؛ فإن تلك مفروضة في زيادةٍ مجاوزةٍ حدَّ الراكعين، وهاهنا الكلُّ واقع في حد الركوع، ومنعُه من الركوع التام حالةَ الركوع بعيد.
939- ولو كان يصلي مضطجعاً، أو على قفاه، كما ذكرناه، وكان لا يقدر على الركوع والسجود أصلاً، فقد قال الأئمة: يلزمه أن يومىء بطرفه إلى الركوع والسجود، والذي ذكروه معتضده الحديث الذي رويناه عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه نص على الأمر بالإيماء، فليعتقد الفقيه أن الإيماء بالطرف حتمٌ.
940- فإن لم يبق في أجفانه حراك، لزمه أن يُجريَ صورةَ الركوع والسجود على قلبه، وذلك أيضاً حتمٌ عند الأئمة، وذلك بأن يمثِّل نفسَه راكعاً وساجداً، ثم يجريهما على الذكر تامَّيْن؛ فإنه لا يعجز عن ذلك فكراً إن عجز فعلاً.
941- ثم إن لم يكن لسانه معتقلاً، أتى بالقراءة وبالأركان، وإن اعتُقل لسانُه، لزمه إجراءُ تكبير العقد، والقراءة، والتشهد والصلاة في أوقاتها على قلبه، وهذا أظهر من إجراء الأركان الفعلية على القلب؛ فإن حقيقة الكلام عند أقوامٍ هي الفكر القائم بالنفس، فإن اقمنا كلام النفس مقام قراءة اللسان، لم يبعد.
فإن قيل: ما الذي اعتمدتموه في إجراء ذكر الأركان وتمثيلها في الفكر؟ قلنا: قد ثبت في الحديث أنه أمر المستلقي بالصلاة، والصلاة في الشريعة عبادة مخصوصة، ذاتُ أركان قولية، وفعلية، فلا يُتصور اعتقادها عند سقوط الأفعال الظاهرة إلا بإجرائها في الفكر، وهذا حسنٌ لطيف.
فإن قيل، فأسقطوا فريضة الصلاة، لعدم تصوّرها، ولا توجبوا تخيلها، كما أسقطها أبو حنيفة، قلنا: منعنا من ذلك الحديث؛ فإنه عليه السلام أمر المستلقي بالصلاة، وهو ساقط الحركات، ثم إذا اضطررنا إلى الإيجاب، فلا يوجد إلا بما ذكرناه، وليس يبعد أن يقال: صلى فلان بقلبه.
942- ومما يتعلق بإتمام ذلك أن القادر على بعض الركوع وبعض الانحناء للسجود، مأمور بأن يأتي بما يقدر عليه، كما ذكرناه، وهل يجب أن يتخيل تمامه بقلبه ويجريه على ذكره؟ هذا محتمل عندي، يجوز أن يقال: الفكر للعاجز عن أصل الفعل بالكلّية، فأما إذا كان يقدر على شيء من الفعل، أغناه ذلك عن الفكر، وهذا هو الظاهر عندي؛ إذ لا خلاف أن القاعد العاجز عن القيام، لا يلزمه أن يُجري القيام في ذكره، وقد ينقدح فرقٌ في هذا بين القيام المعجوز عنه، وبين الركوع والسجود.
فرع:
943- المفترض إذا عجز عن القيام صلى قاعداً. والمتنفل يصلّي قاعداً مع القدرة على القيام، وهل يتنفل على جنب، أو مستلقياً مومياً، كما يفعله المريض المضطر في صلاة الفريضة؟ فيه اختلاف. ولعل الأصحَّ المنعُ؛ فإنه خروج عن هيئة المصلّين بالكلية.
قلت: ومن جوَّز ذلك في النفل، فما عندي أنه يجوز الاقتصار على ذكر القلب في القراءة والتكبير والتشهد والتسليم، وهذا يُضعف أصلَ الوجه؛ فإن ذكر القلب إلى قراءة اللسان أقرب من إجراء أمثال الأفعال في الفكر مجرى صورها فعلاً. ولو ارتكب المفرع على هذا الوجه الضعيف جواز الاكتفاء بقراءة القلب، كان طارداً للقياس، ولكنه مسرفٌ في الخروج عن الضبط، منتسب إلى الاقتحام.
944- وأنا أذكر في ذلك تحقيقاً ينتجح به طالب الفقه، فأقول: قد ذكرنا فيما تقدم في كتاب الطهارة من تقاسيم الضرورات والمعاذير، أنا لا نشترط في القعود في الصلاة المفروضة- بدلاً عن القيام نهايةَ الضرورة، وعدمَ تصوّر القيام في الإمكان. وأنا أقول الآن: ينبغي أن يُشترط في الاضطجاع في الفريضة الضرورةُ، وعدمُ تصور القعود، أو خيفةُ هلاك، أو مرضٍ طويلٍ، وأرى أقربَ المراتب شبهاً بهذا رتبةَ المتيمم في مرض وجُرحٌ به، وقد سبق ذلك مفصلاً.
وعلى الجملة لا أكتفي في ترك القعود بالاضطجاع بما أكتفي به في ترك القيام بالقعود.
ولعل الشرع جوز التنفل قاعداً تهويناً لأمر القيام، والذي يوضّح الغرضَ في ذلك أن الأئمة لما قسموا الأعذار إلى العامة والنادرة، عَدّوا ما يقعد المصلي لأجله من الأعذار العامة، والمرض الذي لا يتصور معه القيام ليس بعام، ولكنهم لما اعتقدوا أنه يُكتفى في القيام بما دون الضرورة، ألحقوا ذلك بما يعم، وأما ما يضطجع المصلي لأجله، فإنهم ألحقوه بما يندر ويدوم، وهذا مشعر بما ذكرته من اشتراط مزيد ضرورة في الاضطجاع. ثم إذا صلّى المريض على حسب الإمكان، لم يلزمه القضاء، فإنه إن قعد، فالعذر عام، وإن اضطجع، فالعذر نادرٌ دائم، وقد ذكرنا أنه لا قضاء في القسمين جميعاًً.
فصل:
945- إذا كان بالإنسان رمدٌ متمكن مؤلمٌ مؤذٍ، فقال من يوثق به: لو اضطجعت أياماً، وعولجت، برَأت، فهل يصلي مضطجعة لهذا العذر؟ قال العراقيون: هذه المسألة ليست منصوصة للشافعي، وللعلماء فيها اختلاف، ونقلوا خلاف العلماء في جواز ذلك، ثم قالوا: وما يقتضيه أصل الشافعي أنه لا يجوز الاضطجاع لهذا، واستدلوا بما روي أنه لما قرب ابن عباس من العمى، قال له بعض الأطباء: لو صبرت سبعةَ أيامٍ مضطجعاً، وعالجتُك برَأت عينُك، فاستفتى ابنُ عباس رضي الله عنه عائشةَ وأبا هريرة، فلم يرخّصا له في ذلك، وكُفَّ بصرُه.
قلت: إذا لم يكن للشافعي في ذلك نص، وقد نقلوا في ذلك خلاف العلماء، فالمسألة محتملة، وفساد البصر شديد، وتكليف المصلي ما يغلب على الظن منه عماه بعيد، وما ذكروه من حديث ابن عباس واستفتائه تعلقٌ بمذهب آحادٍ من الصحابة، وهو حكاية حال، فلعلهم لم يثقوا بقول الطبيب، ورأَوْا الأمرَ شديداً، والعلاجَ غيرَ مجد، والله أعلم.
ثم إن قال قائل: القيامُ في نفسه مقدور عليه، وليس في عينه عجزٌ؟ قيل: إيصال الماء إلى محل الجروح ممكن، ولكن مخوفُ العاقبة، ثم إن صح ما قاله العراقيون، فالذي أراه في ذلك أن القعود إذا كان مُغْنياً في دَرْء غائلة الرمد، قعد بلا خلاف؛ فإنا نكتفي فيما يجوز القعود لأجله بما يُضجر ويُقلق، ويسلب خضوع الصلاة، وهذا المعنى دون خوف فوات البصر، وقد نصّوا على تخصيص المسألة بالاضطجاع، فليتأمل الناظر الفطن مواضع النظر.
946- ومما يتعلق بصلاة العاجز، أن القادر على القيام إذا طرأ عليه عجز، قعد وبنى، والعاجز عن القيام إذا وجد خفة في أثناء قعوده، قام وانتصب، وبنى على صلاته، ثم إن كان القائم في أثناء قراءة الفاتحة، فعجز، فليختتم القراءة في هُويه إلى القعود؛ فان ذلك أقرب إلى حد القيام، وليس ما ذكرناه استحباباً، بل يجب مراعاة ذلك، بناء على ما ثبت من رعاية الأقرب إلى الامتثال.
ولو وجد القاعد في أثناء الفاتحة خفة، وأراد القيام، فلا يقرأ في طريقه إلى القيام؛ فإنه إذا تمكن من إيقاع القراءة في القيام، لم يكتف بما دونه، ثم إذا قام، لم نوجب عليه إعادةَ الفاتحة في القيام، بل يقرأ بقيةَ الفاتحة؛ فإنه إذا كان يبني بعض الصلاة على بعض، في طوْري النقصان والكمال، فكذلك يبني بعض القراءة على بعض.
ومما نذكره في ذلك أن العاجز إذا وجد خفّة، وكان قد فرغ من القراءة، ولم يركع بعدُ، فيلزمه أن يقوم، ثم يهوي راكعاً؛ فإن الهُويَّ من القيام إلى الركوع مأمور به، وقد تمكن هو من ذلك، فَلْيَأْتِ به وكذلك إذا كان فرغ من الركوع، ثم وجد من نفسه خفة لمَّا اعتدل قاعداً، فَلْيَقم ولْيسجد عن قيام تام.
947- قلت: في هذا المقام لطيفة يقضي الفطِن منها العجَبَ، وأنا أقول فيها: إذا اعتدل العاجز عن الركوع قاعداً، فوجد خفة، فليقم كما ذكرته، ويجب والحالة هذه الطمأنينةُ، على ما ذكره الأئمة في اشتراط الطمأنينة في الاعتدال عن الركوع.
فأمّا إذا وجد خفة، وقد قرأ قاعداً، فأمرناه بالقيام ليهوي راكعاً، فأمرُ الطمأنينة في هذا القيام متردد عندي؛ فإنه إن ظن ظان أن الاعتدال عن الركوع ركن مقصود، فما أرى ذلك ظاهراً في هذه القومة، التي وجبت لأجل الهوي منها إلى الركوع؛ فإنها غير مقصودة قطعاً، ولا يمتنع أيضاً أن يقال: ينبغي أن يكون الركوع عن سكون وقيام، وإذا لم نجد نصاً، فالرجوع إلى قضايا النُّهى، وليس لنتائج القرائح منتهى.
ولو ركع الراكع، ثم وجد في الركوع خفة، فلا نأمره أن يقوم ويهوي راكعاً، بل نقول: لو فعل ذلك، بطلت صلاته؛ فإنه يكون آتياً بركوعين بينهما قيام في ركعة واحدة، ولكنه إذا وجد خفة كما ذكرناها في الركوع، ففد قال الأئمة: يجوز أن يرتفع راكعاً حتى ينتهي إلى ركوع القادرين على القيام، ولم ينصُّوا على أنه يجب ذلك.
وأنا أقول فيه: إذا وجد الخفة قبل حصول الطمأنينة، فالظاهر أنه يجب عليه الارتفاع إلى ركوع القائمين.
فإن قيل: قد لابس البدلَ، فهلاَّ جاز إتمامه والاكتفاء به؟ قلنا: نصبُ القدمين إلى معقد النطاق حتمٌ في الركوع كما مضى في فصل الركوع، فَلْيَأت به، وبالجملة، القول في ذلك متردّد محتمل.
وإن ركع واطمأن عن قعوده، ثم وجد بعد ذلك خفة، فالظاهر أنه لا يجب الانتهاء إلى ركوع القائمين؛ فإنه وجد الخفة بعد كمال الركوع، ولا يمتنع أن يقال: يجب ذلك، مادام ملابساً للركن، تخريجاً على أن الركن إذا مدّ، فجميعه فرضٌ، أم الفرض منه مقدار الاكتفاء أولاً؟ وقد سبق في هذا كلامٌ تام، في الأمّي إذا تعلم الفاتحة وهو قائم.
فلينعم الطالبُ فكره جامعاً وفارقاً في هذه المسائل. ولن ينتفع بهذا المجموع إلاّ من هو في الفقه مطلع على مسالكي في المذهب والخلاف والمأمول من فضل الله أن يُعمّمَ النفعَ به، ويجعلَه خالصاً لوجهه، إنه على ما يشاء قدير، وبإسعاف راجيه جدير.
948- ولو قدر العاجز عن القيام في أثناء القعود، لم يجز له أن يلبث قاعداً؛ فإن القعود في هذا الوقت مشروط بالعجز، وقد زال العجز، فليترك القعودَ.
ثم قد ذكرنا أنه إن لم يكن ركع، قام وهوى منه راكعاً، وإن كان ركع، قام وهوى ساجداً. فإن كان هذا بين السجدتين، فهذا أوان القعود، فلا يقوم؛ إذ الفاصل بين السجدتين في حق القادر هو القعود.
وغرض هذا الفصل أنا حيث نأمره بالقيام لا يجوز له أن يلبث قاعداً، ولو لبث، وقد كان تمم القراءة، فإنما نأمره الآن بالقيام ليهوي راكعاً أو ساجداً، فعلى ماذا يترك قعودَه، ومَا المعتبر فيه؟ فالوجه أن يقدر كأنه قعد بسبب وقد زال، فليبتدر قطعَ قعوده، ولو مكث كان كما لو قعد قعدةً في أثناء قيامه في حال قدرته، وإن فرض ذلك، بطلت الصلاة به، وكل ذلك إن فرض مع العمد والعلم؛ فإنه لا يجوز.
ثم إن أمرناه بأن يقوم، فاشتغل بحركات الانتهاض، وواصلها، كما يفعله في انتقالاته، كفاه ذلك، والمكث الذي ذكرناه وحكمنا بكونه مبطلاً هو الطمأنينة التي وصفناها، فإذا قصد مثلَها مع العلم، كان مبطلاً للصلاة.
فهذا منتهى ما نراه في ذلك.
949- ثم يجوز اقتداء القادر بالعاجز، وكل واحد منهما يصلّي على حسب حاله، فيقوم المقتدي القادر على القيام خلف العاجز، وسيعود ذلك في أحكام الجماعات، إن شاء الله تعالى.
فصل:
950- قد ذكرنا في خلال الكلام النهيَ عن المرور بين يدي المصلي، وروينا فيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال الأئمة: ينبغي أن يكون بين يدي المصلي شيء من جدار، أو سارية، أو مصلَّى، ولْيقع بين موقفه وبين ما بين يديه، ما يكون بين يدي الصفين في توافر الناس، وهو مقدار ذراعين إلى ثلاثة، وفيه مسجد على توسع، وإنما رأَوا ذلك، حتى يبين حدّ السجود. وحد مصلَّى المصلِّي، ثم المار يجتنب المرور في ذلك؛ فإنه بمثابة المستحَق لاضطراب المصلّي في حركاته وانتقالاته.
ولو كان الرجل يصلّي في صحراء، فحسن أن يغرز بين يديه عَنَزَة أو سوطاً، أو ينضد شيئاًً من رَحْله، أو ما شاء، ولعل السر في ذلك أن يبيّن للمار الحدَّ الذي يجتنب المرورَ فيه، فيتنكّبه.
وإذا لم يكن بين يديه شيء يُعلِم حدَّه، والمار في مروره يعسر عليه الاشتغال برعاية ذلك، فيكون المصلي في ترك ما يتستر به كالمقصر في الاهتمام بحماية حد صلاته.
ثم ليس المرور حراماً في حده، وإن تستر، وإنما هو مكروه، ولا ينتهي دفعُ المصلّي إياه إلى منعٍ محقق، بل يومىء ويشير برفق في صدرِ من يمرّ ويبغي تنبيهَه.
وهذا كذلك. وإن ورد لفظ القتال حيث قال: "فَلْيُقَاتل"، فهو محمول على إبداء الحدّ في محاولة الدفع، والساتر الذي يرعاه، إنما هو إعلام كما ذكرناه، وهو الغرض منه، وليس المقصود التستر الحقيقي به، وليس كما ذكرناه في نصب شيء في سطح الكعبة يستقبله المصلّي؛ فإن ذلك الشاخص قبلةُ المصلّي، ففصّلنا القول في استقباله، وهذا لإعلام الحد.
951- ولو قصَّر المصلّي ولم يبيّن عَلَماً، ثم أراد أن يمنع المار في حدّه، فهل له ذلك؛ فعلى وجهين:
أحدهما: لا؛ لأنه المقصر، والثاني: يمنعه، ويصير دفعه الآن إعلاماً، فَلْيَكتف به المدفوع، فعلى هذا يعود أمرنا المصلّي بنصب عَلَم إلى أَنْ لا يحتاج في أثناء الصلاة إلى الدفع، فإن لم يتفق مست الحاجة إليه، واكتفى المدفوع به، فكأن العلَمَ لو نصب، في حكم الإشارة إلى الدفع، فإذا لم ينصب، فإنشاء الدفع في حكم التصريح بالمقصود.
952- ثم قال الأئمة: ما ذكرناه من النهي عن المرور و دفع المار فيه إذا وجد المارّ سبيلاً سواه، فإن لم يجد، وازدحم الناس، فلا نهي عن المرور، ولا يشرع الدفع.
953- ولو كان الرجل في صحراء، وخطَّ خطاً بين يديه مُعلماً به حدّه، فقد تردّد في هذا كلام الشافعي في القديم، وأن هذا هل يكون ساتراً؟ فمال إلى الاكتفاء به قديماً، ثم رُئي ذلك القول في الجديد، قد خَطّ عليه الشافعي، فالذي استقر عليه أن الخطَّ لا يكفي؛ إذ الغرض منه الإعلام، وهذا لا يحصل بالخط.
فصل:
قال: "وأحب إذا قرأ آية رحمة أن يسأل... إلى آخره"
954- الإمام إذا مرّ في أثناء القراءة بآية رحمة، فحسنٌ أن يسأل، وإذا مر بآية عذاب، فحسن أن يستعيذ، وكذلك يفعلُ المأموم المستمع.
وقد رُوي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: "صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فقرأ فيهما سورةَ البقرة، وكان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب استعاذ، وإذا مر بآية تنزيه سبح، وإذا مرّ بآية مثَلٍ فكَّر".
955- ويتصل بذلك من مذهبنا أن المصلي يدعو بما شاء في صلاته، ولا يشترط أن تكون دعوته واردة في الصلاة، أو مأثورة شرعاً في غير الصلاة، ولكن شرطها أن تكون عربية، ولا يكون فيها خطاب آدمي.
وقد ذكرنا أن من عجز عن التكبير العربي أو عن التشهد، فإنه يأتي بمعنى ما عجز عنه بالأعجمية، وذكرنا الآن أنه لا يأتي بدعوة يخترعها بالعجمية.
فأمّا الأذكار المسنونة كتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود وغيرها، فهل يأتي الأعجمي بمعناها؟ تردد الأئمة فيه، وحاصل التردد في الاحتمالات ثلاثة أوجه: أحدها: المنع؛ فإنها مسنونة، وتركُ لسان العجم حتم.
والثاني: يأتي بمعناها ويقيمها مقام الأذكار العربية.
والثالث: ما يجبر منها بالسجود لو ترك، فيأتي ببدلها بلسانه، وما لا يجبر لا يأتي له ببدل أعجمي.
وكان شيخي يتردد في دعاء مخترع يشتمل على وصفِ مسؤول، مثل أن يقول: اللهم ارزقني جاريةَ صفتها كذا وكذا، ويميل إلى المنع من ذلك، والمصير إلى أنه من المبطلات؛ فإنه ينافي تعظيمَ الصلاة.
وهذا غير سديد، والوجه ألا يمنع منه؛ فإنه قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول أحياناً في قنوته، "اللهم أنج الوليد واشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" فتسمية الواحد منا في دعائه شخصاً وشيئاًً بمثابة ما صحت الرواية فيه، فأما الأعجمي، فالترتيب فيه أنه لا يأتي بأعجمي مخترع، ويأتي بمعنى ما يجب من الأذكار، وفي معنى ما يسن ولا يجب، ما ذكرناه من الاحتمال.
فصل:
قال: "فإذا قرأ آية السجدة، سجد... إلى آخره".
956- السجود عند الآيات المشتملة على السجود، كما سنذكرها مأمورٌ به، يشهد له السنة المتواترة، وأجمع عليه المسلمون، وليس واجباً، ولكنه مسنون. خلافاً لأبي حنيفة.
957- ومضمون الفصل يحويه القول في مقتضي السجود، وفي كيفية السجود، وفي قضائه:
فأما، مقتضيه، فتلاوة أربعةَ عشرَ آية معروفة، وموضع السجود فيها مبين.
ووافق أبو حنيفة في العدد، ولكنا اختلفنا في سجدتين على البدل، فلم نُثبت في " ص " سجدة، وأثبتها أبو حنيفة، وأثبتنا في سورة الحج سجدتين، ونفى أبو حنيفة السجدة الأخيرة. ومعتمدنا ما روى عقبةُ بن عامر قال: "سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت: في الحج سجدتان؟ فقال: نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما".
ومذهب مالك أن سجدات التلاوة إحدى عشرة، ولم يُثبت في المفصل سجدة، وهذا قول للشافعي في القديم، والمعتمد في نُصرته ما روي عن ابن عباس أنه قال: "لم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المفصّل بعد ما هاجر". واعتمد الشافعي في الجديد ما رواه أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد لما تلا: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] وكان إسلام أبي هريرة بعد الهجرة بسنين، ورأى ما أثبته أولى من نفي ابن عباس.
وفي بعض التصانيف أن ابن سريج أثبت سجدة "ص"، فصارت السجدات على مخرجه خمسَ عشرةَ سجدة.
958- ثم إن تلا الرجل آية سجدة، سجد، وإن لم يتل بنفسه، ولكنه كان يستمع إلى قراءة غيره، فتلا وسجد التالي، يسجد المستمع، فالاستماع إذاً يقتضي السجود إذا سجد التالي، فأما إذا لم يسجد التالي، فالذي ذهب إليه معظم الأئمة، أن المستمع لا يسجد، ويشهد لذلك ما روي: أن طائفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتدارسون القرآن بين يديه، فقرأ قارىء آية سجدة وسجد، فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ آخرُ آيةَ سجدة، فلم يسجد، فلم يسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قرأ فلان فسجدتَ، وقرأتُ فلم تَسجد، فقال صلى الله عليه وسلم: «كنت إمامنا فلو سجدتَ، لسجدنا».
وذكر صاحب التقريب هذا، وذكر معه شيئاًً آخر، وهو أنه قال: نقل البويطي عن الشافعي في مختصره أنه قال: إن سجد القارىء، تأكد السجود على المستمع، وإن لم يسجد القارىء، فسجد المستمع، كان حسناً، وكان مقيماً للسنة، فصار هذا قولاً، وليس يبعد توجيهه، وحُمل ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تدارس أصحابه القرآن على استحثاث التالي على السجود.
ولو لم يقصد الاستماع، فلا يسجد وإن سجد التالي، وإن كان قرع سمعَه ما تلاه؛ فإنه إذا لم يقرأ في نفسه، ولم يجرّد قصداً إلى الاستماع، فتقع سجدتُه لو وقعت منقطعةً عن سبب يختاره وينشئه.
وكان شيخي يقول: المصلي يسجد إذا سجد إمامه سجودَ التلاوة، لا محالة.
ولو كان المصلي يُصغي إلى قراءة قارىءٍ في غير الصلاة، أو إلى قراءة مصل ليس إمامَه، فلا ينبغي أن يسجد أصلاً؛ فإنه ممنوع عن إصغائه، فلا حكم له، وحق الصلاة أن تُحرسَ عن سجودٍ زائدٍ لا يقوى سببُه.
فإذاً إنما يسجد المصلي إذا تلا إماماً أو منفرداً، أو إذا سجد إمامُه لما تلا، فيتابعه، فلو تلا الإمامُ، ولم يسجد، لم يسجد المقتدي، ولو سجد، بطلت صلاته. ولو تلا المقتدي، فلا يسجد، كما إذا سها، فإنه لا يسجد للسهو.
وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه أن المصلي المنفرد، والإمامَ إذا سمع غيرَه يتلو، فإنه يسجد إذا سمع خارجاً من الصلاة. وفي بعض طرقنا ما يشير إلى هذا، وهو بعيد جداً.
فهذا بيان ما يقتضي سجودَ التلاوة قراءةً واستماعاً، وذِكْرُ أعداد السجدات.
959- فأما كيفية السجود، فنذكر سجود من ليس في الصلاة، ثم نذكر سجود التالي في الصلاة.
فأما من ليس في الصلاة، فالكلام في الأقل والأكمل نأتي به ممتزجاً؛ لاختلاف المذهب فيه.
فأما الشرائط المعتبرة في الصلاة، فهي بجملتها مرعية في سجود التلاوة، وهي الستر، وطهارة الحدث، والطهارة عن الخبث، واستقبال القبلة.
وأما ما لابد منه، فالاختلاف الظاهر فيه يحويه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لابد من التحرم بالتكبير والنية والتحلل، فأما السجدة الفردة لا يسوغ تصحيحها.
والثاني: ألا يُشترطَ واحدٌ منها، ويكفي الإتيان بصورة السجود مع استكمال الشرائط التي قدمناها، وهذا ما كان لا يذكر شيخي غيرَه.
ووجهه أنه لو فرض فيه تحرُّم وتحلل، لكان صلاة، والسجدة الفردة لا يجوز أن تكون صلاة.
والوجه الثالث: أن التحرم لابد منه، فأما السلام، فلا يشترط الإتيان به، ولكن رفع الرأس ينهيه نهايته، وجريان سجود التلاوة في الصلاة شاهد لما كان يذكره شيخي؛ فإنه لا يتصور في الصلاة تحرّم وتحلل.
وذكر صاحب التقريب وجهاً زائداً، فقال: إذا قلنا لابد من التسليم، فمن أصحابنا من أوجب التشهد بعد رفع الرأس ليقع السّلام بعد نجازه، وهذا بعيد.
ونص الشافعي يوافق من هذه الوجوه ما كان يذكره شيخي.
فهذا ما نذكره الآن في سجود من ليس في الصلاة.
وأما من كان يسجد في الصلاة على التفصيل المقدم، فلا يشترط أن يكبر؛ فإنه لا يُتصور التحرمُ عقداً ونيةً وشروعاً، وإذا امتنع ذلك، فاشتراط التكبير، لا معنى له، ولكن ما ذكره الأئمة، أن الساجد يُستحب له أن يكبر إذا هوى ساجداً، ويكبر إذا ارتفع، كما يفعله في سجدات الصلاة.
وذكر العراقيون أن ابن أبي هريرة لا يستحب التكبير، لا عند الهوي، ولا عند رفع الرأس، وزعم أن ذلك يشبهها بالسجدات الراتبة.
وهذا بعيد لا يعوّل عليه، وعمل السلف على خلافه.
960- ومما بقي علينا في كيفية السجود كلام يتعلق بالأَوْلى في سجود من ليس في الصلاة. فإن قلنا: التكبير ليس مشروعاً، فالمذهب المبتوت أنه مستحب، وحكى العراقيون عن أبي جعفر الترمذي من أصحابنا أنه كان يكرهها ولا يراها، ويقول: التكبير شرع لصلاة معقودة، وليست هي صلاة، بل هي سجدة فردة، وهذا بعيد.
وإتمام هذا أن نقول: مَنْ شَرطَ التحللَ بالسلام، فلا شك أنه يرعى التحريم؛ فإن التحلل مترتب على التحرّم، وعلى هذا لابد من النية، وهي العاقدة في الحقيقة.
فأما من لا يشترط التحلّل، فلعله لا يشترط التحرم بالنية أيضاً، كما ذكرناه في السجدة الواقعة في الصلاة، ولكن إيجابَ التكبير واشتراطَه من غير نية بعيد. فهذا تمام البيان في ذلك.
ومن لم يشترط التشهد اضطربوا في أن التشهد هل يستحب؟ وهذا لعمري محتمل.
وكان شيخي يقوم ويكبر ويهوي عن قيام، ولم أر لهذا أصلاً ولا ذكراً.
فهذا منتهى القول. في صفة السجود.
961- فأما القضاء، فمن تلا آية سجدة، ولم يسجد حتى طال الفصل، فقد فات أوان السجود، فهل يقضيها؟ ذكر صاحب التقريب قولين في قضائها وقرَّبهما من الاختلاف في أن النوافل إذا فاتت، هل تقضى أم لا؟ وسيأتي ذلك مشروحاً إن شاء الله في باب النوافل. وسجود التلاوة أبعد عندي من قبول القضاء من وجهين:
أحدهما: أن ما يتعلق بأسباب، لا بأوقات من النوافل لا يُقضى، كصلاة الخسوف، وسجود التلاوة شبيه بها.
والثاني: أن الصلاة قُربة كاملة مقصودة، فتقدير القضاء فيها أقرب من تقديره في السجود.
وذكر صاحب التقريب في هذا ضبطاً حسناً، وذلك أنه قال: ما لا يجوز التطوع به ابتداءً، فلا يجوز شرع قضائه، إذا فات.
وقد ذكرنا أن المذهب، أن من أراد أن يسجد من غير سببٍ خشوعاً وتواضعاً لله، لم يجز. فلو قضى سجوداً من غير تلاوة، كان ذلك على صورة سَجْدةٍ لا سبب لها، وهذا ضبط حسن، إذا تدبره الطالب.
ثم من تمام البيان في ذلك أن طول الفصل الذي ذكرناه في تصوير الفوات ليس بخافٍ في الجملة.
وبالجملة سجود التلاوة من توابع القراءة، فَلْيَقع متصلاً بها، والمعتبر في انقطاعها أن يغلب على الظن إضراب التالي عنها بسببٍ، أو بغير سبب. ولسنا ننظر في ذلك إلى مفارقة المجلس الذي حوى التلاوة أو ملازمته، وإنما النظر إلى الزمان، كما ذكرناه.
وقال صاحب التقريب: إذا كان الرجل في الصلاة، فقرأ قارىء ليس في الصلاة، أو لم يكن إماماً آيةَ سجدة، فالمصلي لا يسجد أصلاً، كما ذكرناه، ولكن إذا تحلَّل، ففي القضاء ما ذكرناه، وهذا فيه نظر؛ فإن الظاهر أن ما جرى، لم يكن مقتضياً لسجوده، وإذا لم يجر ما يقتضي أداء السجود، فالقضاء بعيد، ولكن صاحب التقريب يرى ذلك مقتضياً، ويرى الصلاة مانعة من الأداء، وينزل ذلك منزلة ما لو استمع الرجل وهو محدث، فإذا تطهر؛ فإنه في القضاء يُخرَّج عند الأصحاب على الترتيب المقدم.
فرع:
962- ذكر صاحب التقريب عن الأصحاب، أن الرجل لو خضع لله، فسجد من غير سبب، فله ذلك، ولا بأس. وهذا لم أره إلا له، وكان شيخي يكره ذلك ويشتدُّ نكيره على من يفعل ذلك. وهو الظاهر عندي.
فصل:
قال: "ويقضي المرتد كل ما ترك في الردة... إلى آخره".
963- من ارتد واستمر، ففاته صلوات في ردته، فيلزمه قضاؤها إذا أسلم، ولو كان قد فاتته صلواتٌ في إسلامه، فارتد، لم يسقط عنه قضاؤها، ولا يخفى مذهب أبي حنيفة فيها.
وحقيقة مذهبنا أن الردة لا تقطع الخطاب عن المرتد، ولا تخرجه عن التزام أحكام الإسلام، وأبو حنيفة يلحق المرتد بالكافر الأصلي.
ولو ارتدت المرأة، فالصلوات التي تمر عليها مواقيتُها في زمان الحيض لا يلزم قضاؤها إذا أسلمت.
ولو جن المرتد، ثم أفاق وأسلم، فالظاهر من كلام الأصحاب أنه يلزمه قضاء تلك الصلوات، وفرقوا بين الحائض والمجنون، بأن إسقاط الصلاة عن الحائض ليس رخصة، وإنما هي لأن حالها لا يقبل الصلاة.
وكان شيخي يعبر عنه بعبارة رشيقة ويقول: الحائض مكلفة بترك الصلاة، وهذا يتأتى منها في الردة، فكأنها أقامت حكم التكليف في الردة، فلا تدارك له، والمجنون ليس مُخاطباً بترك الصلاة، وإنما سقط قضاء الصلاة عنه تخفيفاً، والمرتد ليس ممن يخفف عنه.
وتمام البيان في ذلك، أن ما ذكروه من إسقاط القضاء في حق الحائض واضح لا شك فيه، وأما إذا جُن المرتد، فيظهر فيه خلاف سيأتي أصله مقرراً في باب صلاة المسافر، وهي أن المعاصي إنما تنافي الرخص إذا كانت في أسباب الرخص كالعبد الآبق لا يترخص برخص المسافرين، فأما إذا لم تكن المعصية في سبب الرخصة، فلا تسقط الرخص؛ فإن المسافرين إذا كانوا يفسقون بالشراب، فإنهم يترخصون؛ إذ لا معصية في السفر نفسه، كذلك سبب الرخصة الجنون، وهو كائن لا معصية فيه، وسيأتي تمهيد ذلك على أبلغ وجه من البيان في موضعه. إن شاء الله تعالى.
964- ثم قال الأئمة: السكران إذا فاتته صلوات في سكره، يلزمه قضاؤها، وهذا متفق عليه، فلو جُن السكران، فقد ذكر الأصحاب وجهين في قضاء الصلوات:
أحدهما: أنه لا يقضي إلا صلوات أيام السكر.
والثاني: أنه يقضي صلوات أيام الجنون؛ فإن جريان الجنون في السكر بمثابة جريانه في الردة؛ إذ السكران مغلّظ عليه في أمر الصلاة، كما أن المرتد مغلظ عليه.
وهذا كلام ملتبس لا حقيقة له، والوجه أن يقال: إذا زال السكر والجنون متصل، فلا يجب قضاء الصلوات التي تمضي مواقيتُها في الجنون بعد زوال السكر وجهاً واحداً، بخلاف المرتد يجن؛ فإن المجنون الذي جنّ في ردته مرتد في حال جنونه حكماً، وليس بسكران قطعاً. فأما الزمان الذي اجتمع فيه السكر والجنون، فيجوز أنْ يُقال: هو فيه كالذي يجن وهو مرتد.
والذي ذكرناه إذا لم يكن شُربُه سببَ جنونه، فإن كان كذلك، فهذا رجل جنن نفسه، ولو جرى ذلك وفاتت صلوات في الجنون، ففي وجوب قضائها وجهان، سنذكرهما في باب القصر عند جمع المعاصي المؤثرة في الرخص. والله المستعان.