فصل: باب: ما لا قطع فيه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: غرم السارق:

قال الشافعي رحمه الله: "أغرم السارق ما سرق قطع أو لم يقطع... إلى آخره".
11152- إذا كانت العين المسروقة قائمة في يد السارق، فلا خلاف أنه يقطع، وتُسترد العين منه، ولو كانت تلفت في يده أو أتلفها، فمذهب الشافعي أنه يقطع، ويغرّم، فإن القطع حد الله تعالى، والغرم بدلُ مال الآدمي، فإذا كان لا يمتنع اجتماع الكفارة والدية، كيف اجتماع الغرم والقطع؟ وخلاف أبي حنيفة مشهور.

.باب: ما لا قطع فيه:

11153- هذا الباب يحوي وجوهاً تتضمن سقوط القطع، ونحن نأتي بها على الترتيب أولاً، فأولاً.
قال الشافعي: "لا قطع على من سرق من غير حرز " وهذا واضح، وحمل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا قطع في ثمر ولا كَثَر» على النخيل التي لا تكون محرزة وروي باقي الحديث في تحقيق ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا قطع في ثمر ولا كَثَر، فإذا أواه الجرين، وبلغ قيمةَ المجن، ففيه القطع».
11154- ثم قال: "ولا عبد سرق من متاع سيده... إلى آخره".
إذا سرق العبد متاع سيده، لم يستوجب القطع، لأنه يستحق عليه النفقة، فله شبهة في مال المولى، وإذا قتله استوجب القود، لأنه لا شبهة له في دم سيده، ولا قصاص على السيد بقتل عبده وإن كان مكاتباً؛ لأن القصاص لو ثبت لثبت للسيد، وكل ذلك مما تمهد، والله أعلم.
فصل:
قال: "ولا على زوج سرق من متاع امرأته " ثم قال بعده: "ولا يقطع من سرق من مال ولده... إلى آخره".
11155- فنقول كل شخصين يستحق أحدهما على الثاني عند فرض الحاجة في المستحِق وفرض الغنى في المستحَق عليه نفقةَ الكفاية، فلا يقطع واحد منهما في سرقة مال صاحبه، فلا يُقطع إذاً ولدٌ سرق مال والده، ولا والد سرق مال ولده، وهذا يطرد بين كل شخصين بينهما بعضيّة، يعني كون أحدهما أصلاً، وكون الثاني فرعاً وفصلاً، على ما تمهد في النفقات، ثم لا يتوقف سقوط القطع على أن يكون السارق محتاجاً، والمسروق منه غنياً، بل انتفاء القطع جارٍ في الأحوال كلها؛ من جهة أن مال كل واحد منهما محلُّ تنفيذ حاجة الآخر. وهذا فائدة الباب.
وقيدنا الكلام بالكفاية لتميز النفقة الواجبة بالقرابة عن نفقة الزوجية؛ إذ فيها من التفصيل ما نصفه.
والأخ مقطوعٌ بسرقة مال أخيه، وأبو حنيفة وإن أوجب على الأخ نفقة أخيه لم يدرأ القطع عن السارق منهما من مال صاحبه.
11156- واختلفت النصوص في أن أحد الزوجين هل يقطع إذا سرق مال الثاني؟ وحاصل ما جمعه الأصحاب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحد لا يجب على واحد منهما، ومعتمد هذا القول ما بين الزوجين من الاتحاد، وكل واحد منهما يتكثر بمال صاحبه، وتقرير هذا في مسائل الخلاف.
والقول الثاني- أن كل واحد منهما مقطوع بسرقة مال صاحبه: أما الزوج، فلا حق له في مالها، والتكثر بالمال لا أصل له، وأما الزوجة، فلها حق النفقة، ولكن نفقتها تضاهي الأعواض، ولهذا لا يعتبر فيها الكفاية، ولا تسقط بمرور الزمان.
والقول الثالث: أن المرأة لا تقطع بالسرقة من مال الزوج، والزوج مقطوع.
والفرق بينهما النفقة.
11157- ثم قال الأصحاب: كل من لا يقطع بالسرقة من مال إنسان، فلا يقطع عبده بالسرقة من ماله أيضاً، فإذا لم يقطع الزوج بالسرقة من مال زوجته، لم يقطع عبده في سرقة مالها، وكذلك القول في سرقة عبد الإنسان من مال ولده، أو والده.
وحكى الصيدلاني هذا مقطوعاً به عن القفال، ثم قال من عند نفسه: الصحيحُ أن يقطع العبد، وإن كان لا يقطع سيده؛ فإن للسيد شبهة النفقة إذا وقع الفرض في الوالد والمولود، وليس لعبده شبهة النفقة في مال ولده، ثم استتم هذا، وقال: إن بهنا لا نقطع عبد الوالد فمال ولده كماله في معنى أنه لا قطع عليه فيه، فيلزم منه أن نقول: لا قطع على الأخ بسرقة مال أخيه، لأنه ابن أبيه، وهو لا يقطع في مال أبيه، ومال الولد كمال الوالد.
وهذا الذي ذكره متجه، لا دفع له إلا بتمويهٍ سنشير إليه. والعجب أن القاضي فرع على الأقوال في الزوجين، وقال: إذا لم يقطع أحدهما في مال الثاني، لم يقطع عبد واحدٍ منهما في مال الثاني، ثم قال: إذا لم يقطع أحدهما في مال الثاني، وجب ألا يقطع ولد أحدهما في مال الثاني وإن كان ربيباً. وهذا قبيح؛ فإن القول به يُلزم إسقاط القطع عن الأخ إذا سرق من مال أخيه، وليس هذا إلزاماً بل هو عين ما قال به لو رُدّ التفريع إلى الوالد والولد؛ فإن ابن الأب أقرب إلى الولد من ابن الزوج-وهو ربيب- إلى الزوجة، فهذا غلط صريح.
ثم لا شك أنّ ما أجريناه من ذلك الوفاق والخلاف في الأموال المحرزة عن السارق على التحقيق.
فإن قيل: إذا زيفتم ما حكيتموه في ولد الزوج، فما الرأي في العبد؟ قلنا: الوجه القطعُ بإيجاب القطع على الرَّبيب، والأخ، وولد الزوج والزوجة، وفي قطع العبد-إذا كنا لا نقطع السيد- وجهان:
أحدهما: وهو اختيار الصيدلاني أنا نقطعه، كالأخ.
والثاني: لا نقطعه؛ لأن يده يد السيد، فكأن السيد أخذه.
وهذا ضعيف لا أصل له؛ فإن العبد إذا سرق حيث يستوجب القطع، فالحكم لا يتعداه، وإن سرق بإذن مولاه، ويجوز أن يقال: هذا وإن كان لا يؤثر في إيجاب القطع على المولى، يجوز أن يؤثر في إسقاط القطع عن العبد؛ لأن بناء الباب على تغليب الشبهة.
11158- ومما يتصل بهذا المنتهى أن من له دين على إنسان إذا سرق من ماله نصاباً؛ فإن كان مماطلاً وعسر استيفاء الدين منه طوعاً، فإن كان المسروق من جنس دينه، لم يقطع؛ فإنه أخذ ملكه. وإن كان من غير جنس ماله، فالمذهب أنه لا قطع عليه أيضاً، وخرّج بعض أصحابنا هذا على القولين في أنه هل يحل له أن يأخذ غير جنس حقه، إذا ظفر به، على ما سيأتي القولان في موضعهما، إن شاء الله تعالى.
فصل:
قال: "ولا قطع في طنبور ولا مزمار ولا خمر ولا خنزير... إلى آخره".
11159- أما الخمر والخنزير، فليسا مالَيْن، ولا يتعلق القطع بأحدهما، فأما آلات الملاهي، وهي التي يستحق كسرها، فالقول في أنها إلى أي حدٍّ تنتهي في التكسير والترضيض مذكور في موضعه من الغصوب، والغرض الآن القول في السرقة، فإن كان مترضَّض ما أخذه لا يبلغ نصاباً، فلا قطع بلا خلاف، وإن كان الرُّضاض الذي لا يجوز المزيد في ترضيضه بحيث يبلغ نصاباً، فإذا أخرجه السارق من الحرز، ففي وجوب القطع وجهان: أصحهما- أنه لا يجب؛ لأن الحرز لا يتحقق في حق هذه الآلات، ويجوز الهجوم على الدور لأجلها، والوجه الثاني- أنه يجب القطع؛ لأن حقها-إن فرض الظفر بها- أن ترضض على مكانها، فأما نقلها وإخراجها، فغير سائغ.
ولو قال قائل: يختلف هذا بالقصد، فإن قصد السرقة، فينقدح الخلاف، والأصح أن لا قطع. وإن. قصد إخراجها ليُشهر كسرها، فلا قطع أصلاً مذهباً واحداً، لكان ذلك متجهاً، ثم الرجوع في هذا القصد إليه.
وما ذكرناه من الخلاف يجري في كل ما يسلِّط الشرع على تكسيره، حتى لو فرضت صور أصنام، فهي كآلات الملاهي، وإن كانت من الذهب والفضة، ويلتحق أواني الذهب والفضة بها إذا قلنا: إنها تُكسر.
وهذا بعيد.
فصل:
يشتمل على ثلاثة مقاصد
11160- أحدها: الكلام في المال المشترك، والقول في مال بيت المال، والثالث الكلام في الأملاك التي توصف بالضعف.
فأما الأملاك المشتركة، فإذا سرق أحد الشريكين يوماً مشتركاً بينه وبين شريكه، أو سرق البعضَ منه، فلأصحابنا طريقان: منهم من قطع القول بانتفاء القطع لشبهة الشركة، وقال: ما من جزء من المأخوذ إلا وله فيه حق، ثم هذا القائل يقول: لو كان المسروق مالاً جمّاً، وليس فيه شركة إلا جزء يسير، فلا قطع، لما أشرنا إليه.
ومن أصحابنا من قال: إذا سرق نصف دينار من مالٍ مشترك هو شريك فيه بالنصف، فيلزمه القطع؛ لأن النصف مما أخذه ليس له، ونصفه نصاب كامل.
وسلك بعض أصحابنا مسلكاً في التفصيل، وقال: إن كان المال المشترك مما يجري فيه الاستقسام جبراً، وهو ذوات الأمثال؛ إذ لا منقول يجري فيه الاستقسام غيرها، كالحبوب وغيرها، فإذا كان المال المسروق من هذه الأصناف، وكان المسروق مقدار ملك الشريك بالجزئية، فلا قطع، فإنا نحمل أخذه ذلك المقدار على إيقاع القسمة، وإن كانت فاسدة، وإن زاد على مقدار حقه، وبلغت الزيادة نصاباً، وجب القطع حينئذ، وهذا كما لو كان بينهما ديناران لكل واحد منهما النصف على الشيوع، فإذا سرق ديناراً، فلا قطع حملاً على مذهب الاستقسام، وإذا سرق ديناراً وربعاً، وجب القطع، هذا فيما يتطرق إليه الاستقسام قهراً.
فأما ما لا يجري فيه الاستقسام قهراً بالجزئية، كالثياب وغيرها من ذوات القيم، فإذا سرق الشريك منها مقدار نصف دينار، وهو شريك بالنصف، فيجب القطع.
وميلُ معظم الأئمة إلى إسقاط القطع من غير تفصيل في جميع الأموال المشتركة.
هذا بيان أحد المقاصد.
11161- الثاني- في أموال بيت المال، فحاصل ما ذكره الأئمة وجهان:
أحدهما: أنه لا قطع أصلاً في أي مال سُرق إلا ما نستثنيه، سواء كان المأخوذ من مال الصدقات، أو من مال المصالح، فإن لكل مسلم حقاً في أموال بيت المال، حتى لو أخذ من الصدقات، ولم يكن مستحِقاً لها، فهي عتيدة لسد حاجته إذا صار من أهل ْالصدقات، وعلى هذا الأصل نفينا القطع عن الأب الموسر إذا سرق من مال ابنه، وإن لم يكن مستحِقاً للنفقة؛ لمكان يساره. هذا وجه.
ومن أصحابنا من فصّل، وقال: إن كان السارق من مستحقي الصدقات، وقد أخذ منها، فلا قطع عليه، وإن لم يكن من مستحقي الصدقات، وسرق منها، قُطع، وليس كالأب في حق ولده، فإن بينهما اتحاد من جهة البعضية ولكل واحد منهما اختصاص بمال الثاني. وإنما أموال الصدقات يصرفها الإمام إلى من يعيّنه، ولا يُعتَرضُ عليه في ذلك المعنى.
فأما مال المصالح، فإن سرق منه محتاج، فلا قطع عليه، وإن سرق منه غيرُ محتاج فوجهان:
أحدهما: أنه يلزمه القطع، لأنه لا يستحق من أعيانها شيئاً.
والثاني: لا قطع، فإن أموال المصالح قد تصرف إلى الرباطات والخانات وغيرها، ثم يعم نفع هذه الأشياء في الأغنياء والفقراء. هذه طريقة، والأولون ينفون القطع من غير تفصيل.
فإن قيل على طريقة التفصيل: هل توجبون القطع على الذمي إذا سرق من مال المصالح؟ قلنا: ما قطع به معظم الأصحاب أن القطع يلزمه، وإن فرض انتفاعهم بالرباطات، فذلك على طريق التبع؛ من حيث إنهم قاطنون ديارَ الإسلام. وأشار بعض المحققين إلى خلافٍ فيهم، وهذا بعيد.
وأما ما وعدنا استثناءه، فهو الفيء المعتد للمرتزقة، فإذا سَرق منها من ليس منهم-والتفريع على أنه ملكهم- وجب القطع، وكذلك ما أُعد من الخمس لذي القربى واليتامى، فإذا سرق من ليس من هؤلاء، وجب القطعُ بإيجاب القطع.
والعلم عند الله تعالى. وقد نجز هذا المقصود.
11162- الثالث: الكلام في الأملاك الضعيفة التي لا تنطلق التصرفات فيها، وذكر أئمتنا وجهين في سرقة أم الولد، قالوا أصحهما وجوب القطع، فإنها مملوكة مضمونة باليد.
ومن أصحابنا من قال: لا قطعَ؛ لنقصان الملك، وهذا غير سديد؛ فإن ما يضمن باليد، فأَخْذُهُ على حكم الاستزلال من الحرز سرقةٌ إذا لم يكن الأَخْذُ فيه شبهة، فإن القطع شرع لصون الأموال المصونة بالحرز، ولا يدخل على ما ذكرناه الحرّ؛ فإنه لا يضمن باليد، فكان لا يد فيه.
11163- ولو كان سرق عيناً موقوفة، فالصحيح تنزيلها منزلة المستولدة من غير تفصيل، سواء قلنا: الملك فيها للواقف أو للموقوف عليه، أو لله تعالى، فقال قائلون: إن حكمنا بأن الملك في رقبة الموقوف لله تعالى، وجب القطع على السارق، كما سنذكره في سرقة أبواب المساجد. فإن قلنا: الملك للواقف أو للموقوف عليه، فعلى وجهين، لأن ملك الواقف-على قولنا: له الملك- ضعيفٌ، لحق الموقوف عليه، وملك الموقوف عليه-على قولنا: له الملك- ضعيفٌ، لحق الواقف.
وهذا ليس بشيء، لأن صاحب هذا الترتيب يشير إلى أنه لا يصفو القول بإضافة الملك إلى جهة من هذه الجهات، وهذا يتحقق إذا قلنا: الملك لله تعالى؛ فإن الملك وإن أضيف إلى الله تعالى ليس يتمحض- حقاً لله عز وجل، فالوجه تنزيل الموقوف منزلة المستولدة على الأقوال كلها.
11164- فأما المساجد فقد أطلق أصحابنا الوفاق على أن من قلع باب مسجد مستزلاً، وهو موقوف، وجب عليه القطع، إذا بلغ نصاباً، وأثبت اليد عليه بأن نقله، والسبب فيه أنه مضمون بالإتلاف واليد.
وهذا يتطرق إليه نوعان من الإشكال:
أحدهما: أن القطع بهذا يوجب القطع بإيجاب القطع بسرقة المستولدة، وإن ضعف الملك فيها، لامتناع بعض التصرفات. هذا وجه.
والثاني: وهو أبلغ أن المساجد يشترك فيها المسلمون ويتعلق بها حقوقهم، وقد ذكرنا التفصيل في أموال بيت المال، فيتجه من الوجه الأخير تخريج وجه في نفي القطع.
ثم قال الأصحاب: إن من سرق حصير المسجد وفُرشَه المحرزَة، ففي وجوب القطع وجهان:
أحدهما: لا يجب للاشتراك في الانتفاع بها، وهذا يتحقق لا محالة في أجزاء المسجد. وقال العراقيون: ما يظهر الانتفاع به، فالظاهر أنه لا قطع على سارقه؛ للاشتراك الذي ذكرناه، وما أثبت في المسجد للزينة، كالقناديل التي تزين المساجد بها، ففيه وجهان.
فانتظم في الفُرشِ وآلاتِ الزينة ثلاثةُ أوجه: أحدها: وجوب القطع.
والثاني: نفي القطع. والثالث: يفصل بين ما ينتفع به وبين آلة الزينة، وكل ذلك متجه. ولكن لا ينتظم معه القطع بإيجاب القطع على من سرق جزءاً من المسجد.
ومن سرق من ثمار بستان محبّس، ولم يكن موقوفاً عليه، لا خصوصاً، ولا عموماً، وجب القطع، لا شك فيه؛ فإن الثمار مملوكة، وليست موقوفة، وإنما الحبس في الرقاب المثمّرة، وكذلك القول في دراهم المستغل.
11165- فأما السرقة من المغنم، فإن فُصِل الأربعةُ الأخماس التي للغانمين، فالسارق منها يستوجب القطع إذا لم يكن منهم، وإن كان منهم، فالتفصيل فيه كالتفصيل في سرقة الشريك شيئاً من المال المشترك.
وأما السرقة من الخمس، فقد مضى في تفصيل مال بيت المال.
ولو سرق سارق قبل إفراز الخمس، فليقع التفريع على أنه لو سرق من الخمس لا يقطع، وإن كان يعترض فيه حصة ذوي القربى واليتامى، ولكن إذا أظهرنا غرضنا، لم يخف التفصيل بعده، فنقول: كأن السارق شريك بالخمس أو بما لا قطع عليه فيه، ثم يعود الكلام إلى تفصيل المال المشترك.
التفريع:
11166- إذا وطىء الرجل جاريةً من مال بيت المال، وقلنا: لو سرق منه، لم يقطع، فلو سرق الجارية في نفسها، لم يقطع، فإذا وطئها، فالمذهب أنه يستوجب الحد، كما يستوجب الابن الحد بوطء جارية الأب، وإن كان لا يستوجب القطع بسرقتها من أبيه. والوجه الثاني- لا حدّ على الذي يطأ جاريةَ بيت المال، وهذا لا يتجه له وجه نتكلف إظهاره، وقد رأيته في طريقة القاضي، ولا يجب أن يعتد به.
11167- ثم ذكر الأصحاب مسائل بيّنة في قاعدة مذهبنا خالف فيها أبو حنيفة- منها أنه لو سرق ما يجب القطع بسرقته مع ما لا قطع فيه، مثل أن سرق شاة وخنزيراً معاً، فالقطع يجب عندنا في الشاة، خلافاً لأبي حنيفة، واشتهر تفريعه فيه إلى أن قال: لو سرق إناء من ذهب في بطنه ماء، فلا قطع عليه، وهذا فاسد. وقال: لو سرق مصحفاً مذهباً، والذهب نصاب، فلا قطع عليه، لأن سرقة المصحف عنده لا قطع فيه، وعندنا يجب القطع بسرقة المصحف.
11168- ومما ذكره الأصحاب أن لو شهد شاهدان، فقال أحدهما: إنه سرق ثوراً أبيض، وشهد الآخر: إنه سرق ثوراً أسود، فلا تلفيق بين الشهادتين، ولا يثبت قطع، ولا مال، فلو أراد أن يحلف مع أحدهما وقد وافقت شهادته دعواه فليفعل، وفي هذا دقائق في التفريع، ستأتي في الشهادات، إن شاء الله تعالى.
ولو شهد أحدهما أنه سرق ثوباً قيمته ربع دينار، وشهد الآخر أن قيمته سدس دينار، وقد فات الثوب، فلا يجب القطع، ولا يثبت الغُرم، إلا في المقدار المتفق عليه وهو السدس، وقال أبو حنيفة يثبت الربع أخذاً بالأكثر، ولو كان التردد فيما هو نصاب عنده أو فيما دونه، فيثبت النصاب أخذاً بالأكثر، ولا يثبت القطع.
فرع:
11169- من سرق شيئاً بالغاً نصاباً، وهو جاهل بأن قيمته تبلغ نصاباً، فالقطع واجب عليه إذا كان الجهل آيلاً إلى جنس المسروق، أو إلى قيمته. فأما إذا سرق قميصاً رثَّاً، فلما أخرجه كان في جيبه دينار، ففي وجوب القطع عليه وجهان:
أظهرهما: أنه يجب، كما لو أخرج مدوَّراتٍ منقوشة حسبها فلوساً، وكانت دنانير، أو دراهم؛ فإن القطع يجب، ولا اعتبار بجهله، وهذا ما قطع به معظم الأئمة.
والوجه الثاني- حكاه القاضي أنه لا يجب القطع ووجهه أنه جهل أصل سرقة الدينار في مسألة القميص بخلاف ما إذا جهل الجنس؛ فإن المسروق معلوم، والصفة مجهولة، ولا يكاد يتضح الفرق.

.باب: قطاع الطريق:

قال الشافعي رضي الله عنه: "رُوي عن ابن عباس في قطاع الطريق... إلى آخره".
11170- الأصل في أحكام قطاع الطريق قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...} [المائدة: 33] وقد تكلم المفسرون في سبب نزولها، والأصح اللائق بغرضنا أنها وردت في قطّاع الطريق، كما سنصفهم، ناسخةً لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم من عُرَيْنة، وهم جماعة دخلوا المدينة، فاسْتَوْخموها، واستَوْبئوا هواءها، وماءها، فاصفرّت ألوانهم، ونُهكت أجسامهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لو خرجتم إلى إبل الصدقة، وشربتم من أبوالها وألبانها، فإنها شفاء للذَّرب، فخرجوا إلى إبل الصدقة، وشربوا من أبوالها وألبانها، فآبت إليهم نفوسهم، وصحت أجسامهم، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الإبل، فبعث في أثرهم، فأُخذوا، فأمر حتى قطعت أيديهم، وأرجلهم، وسُملت أعينهم،-وفي بعض الروايات: وسمّرت أعينهم- وأُلقوا في الحَرَّة، فكانوا يستسقُون فلا يُسقَوْن، وكان الواحد يعض على الحجر عطشاً، حتى ماتوا، فنزلت آية المحاربة ناسخة للمثلة».
ثم اعتمد الشافعي رحمه الله تفسيرَ ابنِ عباس لآية المحاربة، وقد قال في تفسيرها: أن يقتلوا: إذا قتلوا، أو يصلّبوا: إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطعَ أيديهم وأرجلُهم: إذا أخذوا المال، أو يُلحَق بهم إذا ولَّوْا، وهو نفيهم.
وذهب داود إلى تخيير الإمام في هذه العقوبات، من غير نظر إلى الجرائم، وإنما ظن ذلك؛ من حيث اعتقد ظهور معنى التخيير في (أو) وهو على رأي المفسرين للتنويع والتصنيف، لا للتخيير، وهو بمثابة قول القائل: الزاني يجلد أو يرجم، والمراد الإشارة إلى تنويع العقوبة عند تقدير اختلاف الحال.
وعن مالك أن قاطع الطريق إن كان شاباً، قطعت يده ورجله من خلاف، وإن كان شيخاً ذا رأي وتدبير، قتل، وإن لم يكن على نجدة الشباب، ولا على رأي الشيوخ نُفي من الأرض.
11171- ومقصود الكتاب يشتمل عليه فصول: أحدها: في صفة قطاع الطريق، وتمييزهم عن المختلسين.
والثاني: في تفاصيلِ حدودهم، والعقوباتِ المقامةِ عليهم، ويمزج بهذا الفصل جرائمهم التي يستوجبون العقوبات بها.
والفصل الثالث: في مآل أمرهم لو تابوا قبل الظفر أو بعده، أو عفا عنهم أولياء الدم، وإذا تمهدت هذه الفصول، كان الباقي من غرض الكتاب هيّن المُدرك.
فأما الكلام في صفتهم، فهم طائفة يرصدون الرفاق في المكامن، حتى إذا وافاهم الرفاق، برزوا، وأخذوا المال، وقتلوا عن المقدرة والقوة، والغالب أنهم يَشْهرون الأسلحة، ثم يقع ذلك في مكان يبعد الغوث فيه عن المستغيثين، فهذا صورة قطاع الطريق.
فلو لم يرجعوا إلى قوة، ولكن كانوا يختلسون، ثم يولّون مرتكضين أو عادين، فهم أصحاب خَلْسٍ، ودفعُهم بالتحفظ، ولا عقوبة عليهم لله تعالى، والتعزير لا يجب عليهم متحتماً، كما سيأتي أصله، فيُغَرَّمون ما يأخذون إن فاتت الأعيان، وإلا ردوها بأعيانها، وإن اتفق منهم قتلٌ أو قطع، فالقصاص على تفاصيله.
ولو كان فيهم نجدة، ولكن أخذوا الرفقة حيث لا يبعد الغوث، مثل أن يقع على القرب من العمران، وأصحاب السلطان مشمِّرون وأيديهم غالبة، والأغلب تخوف القطاع، فهذا من فن الاختلاس، وقد أشرنا إلى حكمه.
ثم قال الأئمة: لا يتوقف تصوير المحاربة على أن يكونوا مع أسلحة، بل لو أخذوا الأموال بالقوى واكتفوا بالوخز واللكز، والضرب بجُمْع الكف والصراع، فهذا قطع الطريق.
11172- وممّا ذكره الأصحاب أن الرجل لو خرج وحده أو في شرذمة من الضَّعَفَة، واستمكن منهم طائفة لا يقاومهم الرفاق في مكان يبعد الغوث فيه، فهذا قطع الطريق.
وقد يختلج في النفس من هذا شيء؛ فإن خروج الإنسان وحده يعد تضييعاً، وكان يليق أن يكلّف المسافر ألا يخرج إلا على عُدّة وأهبة، واستظهارٍ، فإذا لم يفعل، كان ذلك بمثابة ترك المال في موضع لا يعدّ حرزاً له، وهذا يعتضد بأمر لا ينكره مَنْ يمارس هذه الأحوال، وهو أن الإمام ينفض الطرق عن أهل العرامة بأيْدِه وبطْشه، وليس من الممكن إخراج آحاد الرجال عن التعرض لمستضعف، فإن الداخل تحت الإيالة فضُّ الجماعات، ونَفْضُ الطرق عن أهل العرامات، وهذا يقرب من التصوّن اللائق بطريق الإحراز، فعلى رب المال أن يتصون جهده بالإحراز، ثم إن فرض استجراءٌ عليها، فالشرع يردع المستجرئين بالقطع. هذا وجهٌ بيّنٌ عندنا.
ولكن ما وجدته للقاضي وفي طرقٍ: أن الواحد إذا أخذه مغالب في مضيعة، فهو قاطع طريق، والرأي عندي اتباع الاعتياد، وأخذ طرفٍ من العتاد بحيث يعد اجتماع الرفاق منعة عن آحاد الرجال، في معارضة منع الأحراز، ولو فترت بسطةُ السلطان، وثار من البلاد أصحاب العرامة، فهم عند الشافعي بمثابة قطاع الطريق إذا أخذوا وقتلوا على اقتهار.
11173- ولو فرض جمع من المتلصصة في طرفٍ من البلدة، وقد دخلوا داراً ليلاً بالمشاعل، وشهروا الأسلحة ومنعوا أهل الدار من الاستغاثة، حتى قَضَوْا أوطارهم، فهذا منهم استيلاء في الحال، وليس استزلالاً، فقد اضطرب الأئمة في ذلك، فقال بعضهم: هم سراق؛ فإن الطلب يلحقهم على القرب، واليد الطولى من الإمام تنالهم، وقال قائلون: حكمهم حكم قطاع الطريق؛ فإن الاستيلاء ثابت في الحال، والغوث لا يلحق غالباً، وهذا معنى التصدّي للحرابة.
فإن جعلناهم محاربين، فلا كلام، وإن لم نجعلهم محاربين، فالذي يدل عليه كلام الأصحاب أنهم سراق، ولا يبعد عندنا أن يكونوا مختلسين؛ فإن السارق بناء أمره على الاختفاء وهؤلاء يجاهرون بفعلهم، يخفون أمرهم عن صاحب الأمر، والعلم عند الله تعالى.
11174- ومما نذكره في تتمة ذلك أنه لو ظهر جمعٌ أصحاب قوة، وصادفوا رفقة، وكانت تقاوم القطاع، فاستبسؤوا واستسلموا حتى قُتلوا، وأخذت أموالهم، فليس هذا قطع الطريق، فإن الجمع مع الجمع إذا كانوا على حكم التقاوم والتساوي؛ فليس للقطاع والحالة هذه فضل نجدة.
وهذا يحتاج إلى فضل بيان. فإن استسلموا، ولم يدفعوا مع القدرة على الدفع فهؤلاء مُضيِّعةٌ، بلا خلاف. وهذا يقوي ما ذكرته في خروج الرجل الفرد على خلاف الاعتياد.
ولو اقتتلوا قاصدين ودافعين، ونال كل فريق من أصحابه، وكانت الفئتان على تقاوم، وقد تشمّر القاصدون، ولم يقصِّر الدافعون، ثم انكفوا، وقد نال كل فريق من أصحابه، فكيف الوجه؟ وهل لما أخذه القاصدون من المال حكم ما يأخذه القطاع؟ وهل يستوجبون الحد إذا قتَلوا، ولم يتبين منهم استيلاء القهر، واستعلاء الغلبة، وقد تكون الدائرة عليهم في الأَخَرة؟.
هذا فيه تردد؛ من جهة أنهم لم يكونوا أصحاب ضعف بالإضافة إلى الرفقة، والحرب سجال، ينال الإنسان فيها ويُنال، ويظهر ألا يثبت لهم حكم قطع الطريق؛ إذ لا غلبة، ولا استيلاء، وسبيل الفئتين المتقاتلتين كسبيل رجلين يلتقيان أحدهما قاصد والثاني دافع، ولم يفرّ، والاحتمال الأول أن نقول: هؤلاء ممن يتأتى منهم قطع الطريق، وإنما صادمتهم هذه الرفقة المعدّة وفاقاً، وقد يلقون رفاقاً غير معدة، فالرأي أن يعاملوا معاملة أهل الحرابة. هذا تمام القول في صفة قطاع الطريق.
11175- ويتصل به أن النسوة إذا قطعن الطريق واستجمعن الصفات التي ذكرناها، كن بمثابة الرجال، كما أنهن إذا سرقن، فحكمهن حكم الرجال، وقال أبو حنيفة لا تستوجب المرأة حد قطاع الطريق، وزاد فقال: لو كان في قطاع الطريق امرأة، لم يجب الحد على واحد منهم، وكذلك لو كان فيهم مراهق، فقتلوا وأخذوا المال، لم يُقطع واحد منهم ولم يُقتل.
فصل:
11176- إذا تقرر نعت قطاع الطريق، فإنا نذكر تفصيل عقوباتهم وموجِباتها، كما وعدناه، فنقول: من أخذ منهم ربعَ دينار بالمحاربة والمجاهدة-كما تقدم- قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، وكان الأخذ على سبيل المجاهدة على سبيل التضعيف، فالأخذة الواحدة تنزل منزلة سرقتين، وقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى حدٌّ واحد.
ولا يشترط أخذ نصابين في مقابلة عضوين، وفاقاً.
ولو أخذ أقل من نصاب، لم يستوجب القطع. هذا ما ذهب إليه جماهير الأصحاب وقال ابن خَيْران: يجب قطع العضوين، وإن قل المأخوذ، ونقص عن نصاب، وزعم أن هذا قولٌ خرّجه على ما سيأتي ذكره، إن شاء الله في أن المحارب لو قتل من لا يكافئه هل يقتل به؟ فقال: إذا رأينا قتله بمن لا يكافئه؛ تغليظاً للقتل الواقع في الحرابة، فلا يبعد أن نقطع عضويه وإن نقص ما أخذه عن نصاب.
وهذا متروك عليه مزيف باتفاق الأصحاب؛ فإنا إذا أخذنا عضويه بنصاب واحدٍ، كان هذا التغليظ كافياً، هذا موجب أخذ المال.
11177- وإن قتل المحارب ولم يأخذ المال، استوجب القتل متحتماً، وسنعقد في تحتم القتل وما يتصل من الكلام فصلاً على أثر هذا، وقدر غرضنا الآن أنه لا يجب بالقتل المجرد إلا القتل، ومزية التغليظ بسبب الحرابة تحتُّمُ القتل، كما سنصفه إن شاء الله تعالى.
11178- فإذن على من جرّدَ أخْذَ المال قطْعُ العضوين، وإن لم نجد له اليدَ اليمين والرجل اليسرى، قطعنا يده اليسرى ورجله اليمين، وقدرنا كأن هذا أخذٌ ثانٍ منه على حكم المحاربة. ولو وجدنا يده اليمنى، ولم نجد له الرجل اليسرى فقد قال العراقيون: نكتفي بقطع اليد اليمنى، واعتلّوا بأن قالوا: اليد والرجل في حد المحاربة كاليد الفردة في حد السرقة، ثم لو وجدنا يد السارق ناقصة، اكتفينا بما وجدنا-على التفاصيل المقدمة- فكذلك إذا وجدنا أحد العضوين اكتفينا به.
ولم أر هذا منصوصاً عليه في طرق المراوزة، ولكن الذي يقتضيه القياس ما ذكروه، ووجهه بيّن، وقد يخطر للفقيه إذا وجدنا اليدَ اليمنى، ولم نجد الرجل اليسرى، فإنا نعدل إلى اليد اليسرى بدلاً عن الرجل اليسرى؛ فإنا لو لم نجد اليد اليمنى والرجل اليسرى، لقطعنا اليد اليسرى والرجل اليمنى، وهذا لا تعويل عليه، ولا وجه إلا ما ذكره العراقيون من اتحاد الحدّ، ووجدان بعض المحل، وذلك يتضمن الاكتفاء بالموجود، وفي قطع اليسار استيعاب جنس اليد وهذا ضم عذاب إلى عذاب.
11179- ولو أخذ المال على وجهٍ يوجب القطع، وقتل، فالمذهب المشهور أنا لا نقطعه ولا نقتصر على قتله، ولكنا نقتله ونصلبه، فيكون القتل في مقابلة القتل، والتنكيل بالصلب في مقابلة أخذ المال، وأبو حنيفة يقول: صاحب الأمر بالخيار إن أحب قطع وقتل ولم يصلب، وإن أحب قتل وصلب، ولم يقطع والمسألة مشهورة معه، وقال أبو الطيب بنُ سلمة من أئمة المذهب: إذا أخذ المال وقتل، قُطعت يده ورجله لأخذه المال، وقُتل لقتله، وصُلب لجمعه بين أخذ المال والقتل، ورأى ما ذكرناه محتوماً، وهذا بعيد عن القانون. وكان يكفيه إذا صار إلى هذا المذهب أن يوجب القطع والقتل من غير خِيَرة، ولكن اضطر إلى الصلب لكونه منصوصاً عليه في القرآن، وليس للصلب محلٌّ إلا في حق من يجمع بين أخذ المال والقتل.
وذكر صاحب التقريب قولاً آخر يخالف ما ذكر أبو الطيب، فقال: من أخذ نصاباً وقتل، قُطع وقُتل، ولم يصلب. وإن قتل وأخذ ما دون النصاب، لم يقطع، ولكن يقتل ويصلب، فالقتل على مقابلة القتل، والتنكيل بالصلب على مقابلة أخذ مقدارٍ من المال لا يوجب القطع.
وهذا وما حكيناه عن أبي الطيب لا أصل لهما، والمذهب ما قدمناه من القتل والصلب إذا أخذ نصاباً، وقتل.
ثم إذا فرعنا على ما هو المذهب وأردنا الجمع بين القتل والصلب، فالمذهب الصحيح أنه يقتل على الأرض، ثم يصلب قتيلاً، وذهب بعض السلف إلى أنه يصلب حيّاً ويقتل مصلوباً، وقد حكى الشافعي هذا المذهب حكاية أشعرت بارتضاه، فصار صائرون من الأصحاب إلى أنه قولٌ للشافعي، والصحيح أنه حكايةُ مذهب الغير.
التفريع:
11180- إن حكمنا بأنه يقتل مصلوباً، ففي كيفية قتله وجهان: من أصحابنا من قال: إنه يصلب حياً، ويمنع الطعام والشراب، حتى يموت جوعاً وعطشاً، وهذا مذهب بعض السلف، ولا ينبغي أن يعد هذا من متن مذهب الشافعي.
ومن أصحابنا من قال: يقتل على الصليب بحديدة يعمد بها مقتله على وجه يوحي. وهذا مذهب أبي حنيفة.
11181- ثم إذا صلب قتيلاً، أو قتل مصلوباً، فكم يترك على الصليب؟ في المسألة قولان:
أحدهما: أنه لا يترك أكثر من ثلاثة أيام.
والثاني: أنه يترك على الصليب حتى يتهرّأ قال الصيدلاني: ويتفتت ويسيل ودكه عليه؛ مبالغة في الردع والتنكيل، والصليب اسم للودك، والاصطلاب استخراج الودك، ومنه قول القائل:
" وبات شيخ العيال يصطلب".
وتلك الخشبة على هيئتها سميت صليباً لسيلان الصليب عليها.
ثم قال الأصحاب: إن قلنا: لا يترك مصلوباً أكثر من ثلاثة أيام، فلو نَتُن وكان يتفاحش تغيره قبل الثلاث، فهل يُنزل من الصليب؟ فعلى وجهين. وإذا قلنا: إنه يترك حتى يسيل صديده، فقد صرح الصيدلاني بأنه يترك حتى يتساقط.
وفي القلب من هذا شيء، فإني لم أر هذا لغيره، والذي ذكره بعض الأصحاب أنه يترك حتى يسيل صليبه وودكه، والتساقط يقع بعد هذا بمدة طويلة، وإذا كنا ننتظر سيلان صليبه، فلا نبالي بإنتانه؛ إذ لابد من هذا.
11182- ثم إذا قلنا: يترك على الصليب ثلاثة أيامٍ أو أقل، فيُنزل، ويسلّم إلى أهله، حتى يغسلوه، ويكفنوه، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.
وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه تغليظاً، ولا يبعد أن يقول ذلك هاهنا، وقد صار إليه في البغاة المتمسكين بالتأويل.
وإن قلنا: يترك على الصليب حتى يسيل ودكه، فقد قال الصيدلاني: يقتل على الأرض ويغسل ويصلى عليه، ثم يصلب، ثم اتفق الأصحاب في الطرق أن الغسل والصلاة لا يتركان، وذكر وقت الصلاة والغسل الصيدلاني، وهذا الذي ذكره يتفرع على ما هو ظاهر المذهب، وهو أنه يقتل على الأرض، فإن فرّع متفرع على أنه يقتل بعد الصلب، ويترك على الصليب، فتصوير غسله والصلاة عليه عسر؛ سيّما إذا بالغنا ورأينا أن يترك حتى يتساقط، ولو قال: نجمع عظامه ونصلي عليها، كان في نهاية البعد.
فهذا منتهى القول في ذلك، نقلاً وإمكاناً، وقد انتجز الكلام في عقوبة من يأخذ المال ولا يقتل، وفي عقوبة من يقتل ولا يأخذ المال، وفي عقوبة من يجمع بينهما.
11183- وبقي الكلام في قوله تعالى: "وينفوا من الأرض " وهذا مذكور على سياق ذكر عقوبات المحاربين، ولأصحابنا في معنى النفي من الأرض مسلكان: أصحهما-وهو الذي ذكره الجماهير- أن معنى نفيهم من الأرض إذا ولَّوْا لما شعروا بأنهم مطلوبون، فالإمام يُلحق الطلب بهم، وهم يدأبون في الهرب، وأصحاب الإمام لا يقصرون في الطلب فيتشردون مطلوبين، والغرض أن يُلحقوا، فإن كانوا استوجبوا حدوداً، أقيمت عليهم، وإن لم يقترفوا ما يوجب الحد، ولكن تجمعوا وتكثروا وهيبوا وخوَّفوا، فالإمام إذا ظفر بهم بالغ في تعزيرهم على ما سيأتي مراتب التعزير، بعد هذا، في باب، إن شاء الله.
هذا هو المسلك المرضي.
ومن أصحابنا من قال: النفي من جملة العقوبات الملتحقة بالحدود، وليس المراد به الطلب إذاً، ولكن التجمع والتكثر والتهيب وتخويف الرفاق يوجب النفي بعد القدرة والظفر، ثم إذا نفاهم الإمام في صوبٍ عينه لهم، حجر عليهم أن يحيدوا عنه، ولم يتركهم ينطلقوا حيث شاؤوا، والأولى أن يُسيِّبهم في جهة يحتف بهم فيها أهل النجدة والبأس؛ حتى لا يتأتى منهم الترصد للناس، والعود إلى ما كانوا عليه، ثم اختلف الأصحاب، فقال قائلون ينفَوْن إلى بلدة، ثم يعزرون فيها ضماً إلى النفي، إما بالضرب، وإما بالحبس، وقال آخرون: للإمام أن يقتصر على النفي إذا رأى ذلك.
ثم قال هؤلاء: إذا رأى النفي أو الحبس، لم يبلغ مدة الحبس والنفي سنة، فإن التغريب سنة من حد الزنا، وهؤلاء ما اقترفوا موجِب حد.
وكل ذلك عندي خبط وتخليط؛ فإنهم لم يرتكبوا ما يستوجبون به حدّاً، فإن كان هذا التفي تعزيراً، فينبغي أن لا يجب، فإن ما يتعلق بحقوق الله تعالى من التعزيرات لا يُقضى بتحتمه، كما سيأتي ذلك، إن شاء الله، ثم إن كان تعزيراً غيرَ متحتم، فيبعد أن يختص بالنفي حتى لا يجد الإمام منه بداً إن أراد التعزير؛ فإن أصله إلى رأيه ونظره، فإذا تخير في أصله، وجب أن يكون جنسه وصنفه إلى رأيه، وإن صار صائرون إلى أن هذا النفيَ تعزير واجب ليس للإمام تركه، فهو مخالف لقاعدة المذهب في التعزيرات التي تجب في حقوق الله تعالى. فالوجه حمل النفي على أن يُطلبوا، حتى إذا صودفوا أقيمت عليهم الحدود إن استوجبوها، وإن لم يستوجبوها، رأى الإمام رأيه في تعزيرهم.
ثم إذا كان الطلب لأجل التعزير، لم يتعين على الإمام الطلب، كما لا يتعين عليه التعزير لو ظفر بهم.
نعم، يجب عليه بالنظر الكلي نفضُ جميع الطرق عن أهل الفساد، وكان شيخي يقول: من تغليطات حدود المحاربين أن الأئمة اختلفوا في أن من استوجب حداً وهرب هل يسقط الحد عنه؟ وهؤلاء إذا استوجبوا الحدود وهربوا، فلا يجوز أن يتركوا، بل يلحق الطلب بهم؛ فإنّ تركهم يجر شراً عظيماً قد يتفاقم، ويبلغ مبلغاً يعجز الإمام عن استدراكه. وقد انتهى بعضُ التفصيل في عقوبات الحرابة.
11184- ونحن الآن نعقد فصلاً في استيجاب القتل بالقتل في حالة المحاربة، فنقول: إذا صدر القتل من المحارب خطأ، أو على وجهٍ شبه العمد، فلا خلاف أنه لا يستوجب القتل، وإن قتل عمداً محضاً من يكافئه، وجب القتل، وهذا القتل متحتم، لا يجد ولي القتيل إلى إسقاطه سبيلاً. هذا متفق عليه.
وذكر الأئمة قولين مستخرجين من أصول المذهب في أن هذا القتل يتمحض حقاً لله تعالى، أم فيه حقّ لله تعالى ويشوبه حق الآدمي: أحد القولين- أنه يتمحض حدَّاً، والثاني: أنه مشوب بحق الله تعالى، وحق الآدمي.
وبنى الأئمة على هذين القولين مسائل: أحدها: أنه لو قتل المحارب من لا يكافئه، ولا يستوجب القصاص بقتله في غير المحاربة، فهل يجب القتل عليه؟ إن حكمنا بأن قتل المحارب يتمحض حقاً لله تعالى، فلا ينظر إلى صفات الكفاءة، ونقول: لو قَتَل المحاربُ ذمياً من الرفقة، والقاتل مسلم، أو قتل الحر المحارب عبداً من أهل الرفقة، أو قتل الأب ابنه، أو قتل السيد عبده، وكان عبدُه في الرفقة، فإنه يستوجب القتل حداً لله تعالى في هذه المواضع، ولا ننظر إلى الصفات التي نعتبرها في نفي القصاص.
وإن قلنا: قتل المحارب يشوبه حق الآدمي، ولابد من رعاية صفات الكفاءة، حتى لا يستوجب المحارب القتل إلا بقتل يستوجب بمثله القصاص لو صدر منه في غير حالة الحرابة، وهذا التفريع على وجهه.
وفي قتل السيد بعبده إذا قلنا: القتل محض حق الله تعالى نظرٌ، وقد قطع القاضي بأن السيد يُقتل إذا قتل عبدَه، والعبد في الرفقة، وقال الصيدلاني: يستوجب المحارب القتلَ بكل قتلٍ محرم يقع بأهل الرفقة، إلا إذا قتل عبده، واعتلّ بأنه لا يفرض انحياز العبد عن المولى، ومصيره إلى حزب الرفاق، فإذا وقع القتل به، فليس القتيل من حزبٍ هم على اللصوص.
ثم لو فَرَض فارض مكاتَباً لهذا المحارب القاتل، وهو في الرفاق، فإذا فرض موت المكاتَب، انقلب رقيقاً، ولو فرض العبد مستأجَراً للرفاق، فله أن يذب سيده عن الرفقة، ولكنه مملوك قن، والقتل يقع برقبته، هذا مسلك الصيدلاني.
والقاضي قطع بما قدمناه، وألحق القتل الواجب حداً بالكفارة التي تجب حقّاً لله تعالى.
وإذا كنا نوجب القتل حداً على السيد على طريقة القاضي، فلابد أن نصور له اختصاصاً بالرفقة، ولا وجه إلا أن يكون مستأجراً لخدمة الرفاق، أو يفرض مأذوناً له من جهة السيد، والسيد قتله غير شاعر به.
11185- ومما فرعه الأصحاب على القولين المذكورين في أن المحارب إذا قتل استوجب القتل حتماً، فلو مات قبل أن يُقتل، فإن قلنا: يتمحض قتله حداً لله تعالى، فليس لولي الدم حقٌّ في تركته، وإن قلنا: حق الآدمي مشوب بحق الله تعالى، فإذا فات الحد بفوات محله، كان لأولياء القتيل أن يطلبوا الدية من تركة المحارب القاتل.
وإذا قتل جماعةً، إن قلنا: يتمحض قتله حداً لله تعالى، لم يلزمه إلا قَتْلُه في مقابلة جميع القتلى وإن قلنا: يشوبه حق الآدمي، فقَتْلُه يقع لواحدٍ منهم، فإن كان قتلهم على الترتيب، قتل بالأول، وللباقين ديات القتلى وإن قتلهم دفعة واحدة، أُقرع فيما بينهم، فيقتل بمن خرجت له القرعة وللباقين الدية.
والأصح عندنا في قياس المذهب أن القتل يقع مشوباً؛ فإن من قتل في غير المحاربة استوجب القصاص حقاً للآدمي، فإذا قتل في حالة المحاربة، استحال أن يسقط حقُّ الآدمي وقد اتفق الأصحاب على أنه إذا اجتمع في محلٍّ واحد عقوبةٌ هي حق للآدمي، وعقوبةٌ لله تعالى، فالمغلب حق الآدمي؛ فإسقاط حق الآدمي بالكلية لا وجه له.
والذي يتمم التفريع في ذلك أنا إذا قلنا: حق الآدمي ثابت في القتل، فإن لم يعف ولي الدم، أقمنا الحد. والوجه أن نقول: القتل بالقتل، والتحتم حقٌّ لله تعالى، وإن عفا ولي الدم. فإن قلنا: لا حق للآدمي في هذا القتل، فالعفو لغو، ولا حق له في الدية، وإن قلنا: حق الآدمي ثابت في الدم، فإذا قال الولي: عفوت على مالٍ، فله الدية، والمحارب مقتول حدّاً لله تعالى، وهو بمثابة مرتد يستوجب القصاص، فإذا عفا ولي الدم، يرجع إلى المال، وقُتل المرتد بردته.
11186- ونختم ما ذكرناه بمسألةٍ من الفصل الذي سيأتي إن شاء الله تعالى، فنقول: إذا قتل قاطع الطريق واستوجب القتلَ، وتاب قبل الظفر به، فسنوضح أنه يسقط ما كان حقاً لله تعالى مختصاً بالمحاربة، وأثر هذا أن تحتّم الضل يسقط، قال الأصحاب: يبقى القصاص إلى خِيَرة الولي، وقال بعض أصحابنا: هذا يفرع على أن القتل على قاطع الطريق محض حق الله تعالى أم للآدمي فيه حق؟ فإن قلنا: للآدمي فيه حق، فيبقى القصاص، وإن سقط تحتُّم القتل حقاً لله تعالى.
وإن قلنا: لا حق للآدمي، فإذا سقط القتل بالتوبة، فلا قصاص للآدمي، ولا دية، وهو كما لو مات المحارب وفات الحد، وقلنا: القتل محض حق الله تعالى، فلا دية لولي الدم، وهذا لا ينكر ضعفَه فقيه، ولكنه قياس ما قدمناه من التفاريع.
فانتظم مما ذكرناه أنا إن قلنا: للآدمي حقٌّ، بقي القصاص، وسقط التحتم بالتوبة، وإن قلنا: لا حق للآدمي، فإذا تاب قبل الظفر، ففي بقاء القصاص وجهان:
أحدهما: أنه يسقط، وهو قياس هذا القول الضعيف.
والثاني: لا يسقط، وهو الذي صححه الأئمة.
ونحن نقول: إن كان هذا هو الصحيح، فإطلاق القول بأن القتل محض حق الله تعالى لا وجه له، بل الوجه أن نقول: الغالب حق الله تعالى، أو حق الآدمي. والذي يقتضيه قياس المذهب إثبات الحق على الشَّوْب والاشتراك من غير تغليب، فإن حصل التوافق على القتل، فذاك، وإن فات الحد، بقي حق الآدمي، وإن عفا الآدمي، فله المال، وحق الله يستوفى، فهو إذاً قتلٌ معلل بعلّتين، ولو أمكن قتلان لأثبتناهما.
فصل:
11187- المحارب إذا جنى جنايةً على بعض من في الرفقة، فإذا كانت تلك الجناية لا توجب القصاص كالجائفة، وما في معناها، فلا يُجرح المحارب بسبب جرحه، وإن جنى جناية يتعلق بمثلها القصاص، مثل أن يُبين عضواً من أعضاء القصاص، فقد قال بعض الأصحاب: إن قَطَع من الجوارح، وهي اليدان والرجلان، فمعلوم أنها تُستحق لله حداً، فإذا تضمنت الجناية إبانة عضو من هذه الأعضاء فيتحتم قطع ذلك العضو من المحارب، كما يتحتم قتله إذا قَتل، ثم يجري التفريع في الطرف على حسب جريانه في القتل.
ولو قطع المحارب عضواً من أعضاء يتعلق بقطعها القصاص، ولكنها لا تُستحق حقاً لله تعالى، كقطع الأذن والأنف وفقء العين، فهل يتحتم قطع ذلك العضو منه، أم يجب القصاص على حكم الخِيَرة؟ فعلى وجهين وتوجيههما بيّنٌ، هذه طريقة.
وذهب معظم الأصحاب إلى طرد القولين في اليدين والرجلين، فقالوا: في تحتم قطع هذه الأعضاء من المحارب إذا قطعها قولان:
أحدهما: أنه لا يتحتم قطعها، وإنما التحتم في القتل، فحسب.
والثاني: أنه يتحتم قطعها ثم طردوا هذا الخلاف في الأعضاء كلها، إذا كانت أعضاءَ القصاص.
ومن جمع طرق الأصحاب نظم في الأعضاء التي هي أعضاء القصاص ثلاثةَ أقوال:
أحدها: أنه لا يتحتم استيفاؤها من المحارب، إذا أبانها.
والثاني: أنه يتحتم من غير فصْل. والثالث: أن التحتم يجري في اليدين والرجلين دون غيرهما.
ولو جرح المحارب واحداً من الرفقة، وانجلى القصد والدفع، فمات ذلك المجروح بعد أيام مثلاً، فالقتل يجب حداً، وإن لم يتم في حالة المحاربة، ولو جرح وتاب قبل الظفر، وحصل الموت والزهوق بعد الظفر، فالتوبة قبل الظفر هل تؤثر في إسقاط تحتم القتل؟ هذا فيه احتمال؛ لأن القتل يجب عند الزهوق، وهو إذ ذاك مظفور به، ولعل الأظهر سقوط تحتم القتل نظراً إلى حالة الجرح، وهذا يلتفت على مسائلَ من هذا الجنس ذكرناها في أول الجراح، منها: أن كافراً لو جرح كافراً ثم أسلم الجارح، ومات المجروح، ففي وجوب القصاص على الجارح وجهان.
فصل:
قال: "ومن تاب منهم قبل أن نقدر عليهم... إلى آخره".
11188- قاطع الطريق إذا تاب قبل الظفر به، فالتوبة تُسقط الحدودَ المختصة بالحرابة، قال الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34]. ثم قال الأئمة: العقوبات المختصات بالحرابة ثلاثة: التحتم في القتل إن كان قتلٌ، والصلب إن استوجبه بسببه، وقطع الرجل، فأما قطع اليد، فليس من خصائص الحرابة؛ فإن السارق تقطع يمناه، ففي سقوط قطع اليد إذا وقعت التوبة قبل الظفر وجهان:
أحدهما: أنه لا يسقط، لما ذكرناه من أنه ليس مختصاً بالحرابة.
والثاني: أنه يسقط؛ فإن اليد والرجل كالعضو الواحد؛ فإذا سقط قطع الرجل، لم يتبعض
الأمر، وترتب على سقوط قطع الرجل سقوط قطع اليد.
هذا إذا تاب قبل الظفر.
11189- وإن تاب بعد الظفر، ففي سقوط العقوبات مما يختص بقطع الطريق وما لا يختص به قولان، وأجرى الأصحاب هذين القولين في سائر الحدود كالقطع في السرقة، وحد الشرب، والزنا، وقد ذكرنا هذا في كتاب الحدود.
والذي نريده هاهنا أن تخصيص التوبة بما قبل الظفر وتقييدها به، يكاد أن يكون نصّاً في أن التوبة بعد الظفر لا تؤثر، ولكن من نَصَر قولَ قبول التوبة في الحدود كلها، عارض هذا التقييد أوّلاً بجريان ذكر التوبة على أثر آية السرقة؛ فإنه تعالى قال بعد آية السرقة: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} [المائدة: 39] فاقتضى هذا تأثيرَ التوبة في حد السرقة، فلو قال قائل: ليس لسقوط الحد ذكرٌ في هذه الآية، وإنما ذكر الله تعالى المغفرة؟ قيل: لم يجر في التوبة قبل الظفر في آية المحاربة أيضاً ذكر الحدود وسقوطها، ولكن ذكر المغفرة في الموضعين في العقوبات الثابتة لله تعالى، ظاهرٌ في
إسقاطها.
11190- ومما تعرض له بعض المحققين أن الله تعالى ذكر توبة المحارب قبل الظفر، ولم يقيده بالإصلاح، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} وذكر التوبة بعد آية السرقة وقيدها بالإصلاح، فقال تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ} [المائدة: 39] فالتوبة المجردة قبل الظفر تُسقط الحدودَ على التفصيل المقدم من غير إصلاح الحال. وإذا قلنا بقبول التوبة بعد الظفر، فنفس إظهار التوبة لا يُسقط الحد حتى ينضم إليها إصلاح الحال، وكذلك القول في سائر الحدود إذا قلنا: إنها تسقط بالتوبة.
وهذا كلام حسن مستند إلى ظاهر القرآن، وفيه طرفٌ من المعنى، وهو أن التوبة قبل الظفر في غالب الأمر لا تصدر إلا عن إضمار صحيح، وإذا فرض إظهار التوبة بعد الظفر، فالغالب أنه صادر عن ضبطٍ تحت القهر واستيلاء يد الإمام.
وهذا وإن اتجه على الوجه الذي ذكرناه، فتفريعه عسر، كما سنذكره، إن شاء الله تعالى. وهذا التفصيل يحكى عن القاضي. والأصحابُ مجمعون على أنا إذا حكمنا بأن التوبة تُسقط الحدود، فمجرد إظهارها كافٍ، وهو بمثابة إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.
ثم سبيل التفريع على ما ذكره القاضي أن من أظهر التوبة امتحناه سراً وعلناً، فإن ظهر الصلاح في أعماله، حكمنا بسقوط الحد، وإن بدا نقيض ذلك، فالتوبة لا تُسقط الحد.
وهذا كلام مضطرب، فإن هذا التائب إن حُبس، كان محالاً، وإن خلّي سبيله، فلا معنى لاتباعه بهناة تصدر منه، وقد يزلّ بعضَ الزلل، ثم لا ندري أن الإصلاح مرعيٌّ في قبيل من تاب عنه، أو في جميع الأحوال، ولا ضبط لهذا الكلام.
وأنا أقول: ذكر التوبة المجردة قبل الظفر يدل على سقوط الحد بها، وذكْر التوبة مع إصلاح العمل يدل على المغفرة باطناً، والحدود مقامة، والوجه تصحيح منع قبول التوبة إلا في المحاربين، وتنزيل الكلام على الآية المطلقة والمقيّدة على ما ذكرناه.
فصل:
قال: "ولو شهد شاهدان من أهل الرفقة... إلى آخره".
11191- إذا شهد شاهدان من الرفقة على المحاربين وقالوا: هؤلاء تعرضوا لهؤلاء، فأخذوا أموالهم، وقتلوا منهم، وفصّلوا ما يجب تفصله، ولم يتعرضوا لقصد المحاربين إياهم، فالشهادة مقبولة، ووجهه بيّن، وليس على القاضي أن يستكشف ويبحث ويقول: هل أنتم من أهل الرفقة؟ فإن سأل عن هذا، فلهم ألا يجيبوه، وإن ألحّ، قالوا: لا يلزمنا الجواب عن هذا، وإنما عندنا شهادة أقمناها، وسيأتي نظائر هذا في الشهادات، إن شاء الله تعالى.
ولو قال الشهود: تعرضوا لنا، فذكروا أنفسهم وأصحابهم، فشهاداتهم مردودة؛ لأنهم صدّروها بإظهار العداوة، وكذلك لو شهد شاهدٌ أن فلاناً قذف أمه وفلانة، فشهادته غير مقبولة لأمه، ولا لفلانة؛ لأنه أظهر بها سبب العداوة.
ولو شهد شاهد بمالٍ مشترك بينه وبين صاحبٍ له، فشهادته لنفسه مردودة في حصته، وفي قبول شهادته لشريكه قولان، سيأتي أصلهما وتفريعهما، إن شاء الله تعالى والقدْر الذي هو غرضنا هاهنا أن الشريك بشهادته لم يظهر عداوةً توجب تعميم الرد في شهادته، فلذلك لم نقطع برد شهادته لشريكه.
فصل:
قال: "وإذا اجتمعت على رجل حدود... إلى آخره".
11192- إذا اجتمعت على رجل عقوبات، فلا يخلو إما أن يكون الكل حقاً لله تعالى، أو حقاً للآدمي، أو البعض حق لله تعالى، والبعض للآدمي، فإن كان الكل حقوقاً للآدمي مثل: أن يجتمع على رجل حد قذف، وقطعُ يدٍ لإنسان قصاصاً، وقتلٌ في النفس على سبيل القصاص.
قال الأئمة: إذا ازدحم الطالبون، فالبداية بحد القذف، ثم إذا جلدناه، نتركه حتى يندمل، ثم نقطع، ولا يتركُ حتى يندمل، بل يقتل في الحال، إذا طلب المستحِق؛ لأن المقصود إهلاك الجملة، ولم يبق غيره، وإنما لم نقطعه على أثر حدّ القذف، لأنا لو فعلنا ذلك، لأوشك أن يموت بالجلد والقطع، ويفوت حق القصاص في النفس.
هكذا ذكره الأصحاب.
11193- وفي هذا بحثٌ وفضل نظر؛ من جهة أن الحدّ، والقطعَ، والقتلَ قصاصاً لو ثبت لثلاثة نفر، فإذا أقيم الحد، فإن كان تأخير القطع بسبب إبقائه، فهو مستحَق الدم، فلا معنى لتقرير الضنّة بدمه، وإن كان السبب في الإمهال وانتظار الاندمال ألا يسقط القصاص في النفس ولا يفوت.
فإذا اجتمع مستحق الجلد والقتل والقطع، ورضي الكافة بإقامة الحقوق وِلاءً، وقال صاحب النفس: إن كنتم تتركونه بعد الجلد لحقي، فقد رضيت، فعجلوا القطع، فهذا محل النظر: يجوز أن يقال: إذا وقع الرضا، ابتدرنا الجلد والقطع بعده، ثم القتل.
ويجوز أن يقال: لابد من المَهَل بين الجلد والقطع؛ لأن مستحق الدم قد يبدو له ألا يقتل، وقد رُتب تقدّم الجلد والقطع على حقه. ولو أتبعنا الجلدَ القطعَ، فليس ما يفرض من موتٍ بسبب توالي العقوبتين واقعاً عن القصاص المستحق في النفس، فهذا يُفضي إلى موتٍ غيرِ معتد به، ولا سبيل إلى إهدار الروح.
وهذا الوجه أظهر وأفقه.
وإن علمنا قطعاً أنه لو جلد وقطع على التوالي، لم تَفِض نفسُه على الفور-وإن صار لما به- فإذا قال صاحب النفس: عجلوا، وأنا أقبل، فيجب القطع هاهنا؛ فإن له ذلك، وما قدمناه فيه إذا كنا نجوّز أن تفيض نفسه لتوالي العقوبتين جميعاً، فنقول: لو فعل ذلك، لهلكت النفس، لا عن جهة القصاص، فلو قال القائل: إذا كان يتأتى الموالاة في أزمنة متقاربة بين هذه العقوبات، فقد يخطُِر لمستحق النفس أن يعفو، ولو عفا، فربما يهلك من والينا عليه بين العقوبتين؟ قلنا: هذا لا مبالاة به الآن، فلا يجوز ترك حق الإنسان بناء على أنه قد يعفو.
11194- فخرج مما ذكرناه أن مستحِق النفس إن كان غائباً في الصورة التي صورناها، فلا وجه إلا الإمهال بين الجلد والقطع، وإن حضر وكان من الممكن لو والَيْنا بين العقوبتين أن تفيض النفس بالقطع اختراماً، فهذا محل التردد، والأظهر الإمهال، وإن كنا نعلم أن الاخترام لا يقع، فلا وجه للتأخير عند الطلب.
وتبينا من هذا المنتهى مسألةً وهي أن من استُحِقت يدُه قصاصاً، واستُحِقت نفسه أيضاً قصاصاً، فالبداية بإجراء القصاص في الطرف، ولا فرق بين أن يتقدم استحقاقه للقصاص وبين أن يتأخر، فإن المرعي في هذا الباب ألا نفوّتَ على ذي حق حقاً، وهذا لا يُتلقى من الترتيب في الاستحقاق، والدليل عليه أنا نقدم حدّ الله تعالى في الاستيفاء إذا كان دون النفس على القتل المستحَق قصاصاً، وإن كان حق الآدمي في العقوبة مقدماً على الحد.
والغرض من هذا المساق أن مستحِق الطرف لو عفا عن الطرف، فالقصاص قائم في النفس، ولو لم يعف مستحق الطرف، ولكن كان يؤخر استيفاءَ القصاص، فإجباره على التعجيل محال، وحمله على العفو محال، وتفويت حقِّه بتسليط مستحق النفس على القتل لا وجه له.
وينتظم من هذا المجموع أن من يستحق أنملة من إنسان يتسبب إلى تأخير القصاص في نفسه، وإنما فرضنا في القصاص، لأن حق الله تعالى يعجل، والإمام محمول عليه، وهذا لا يتحقق في القصاص؛ فإن مستحق الطرف في القصاص، لا يُحَثُّ على الاستيفاء ولا يؤمر بالعفو، ولا نفوِّت حقّه، ولكن مستحق النفس لو ابتدر، وقتل، وقع القصاص في النفس موقعه، ويسقط القصاص في الطرف لفوات المحل وآل أمر مستحِق الطرف إلى المال، وما ذكرناه فيه إذا كانت العقوبات حقوقاً للآدميين.
11195- فأما إذا اجتمعت عقوبات لله تعالى، كحد الشرب، وحد الزنا بالجلد، وقطع اليد، والقتل في الحرابة، فلابد من البداية بالأخف منها، وهذا الترتيب مستحَق، فإنا إذا فعلنا ذلك، وضممنا إليه الإمهال بين العقوبتين، كان ذلك مسهِّلاً طريق إقامة الحدود، مانعاً من الفوات في البعض، ثم إذا حددناه للشرب، نتركه حتى يندمل، ثم نحده للزنا، ونتركه حتى يندمل، ثم يقطع، فإذا بقي القتل، فلا معنى للتوقف، والإنجاز والإراحة أوْلى.
ولو كان بعض العقوبات حقاً لله تعالى والبعض حقاً للآدمي مثل: أن شرب، وقذف، وقطع يد إنسان قطْعَ قصاص، وزنى وهو ثيب؛ فحد الشرب أخف، ولكنه حق لله تعالى، وحد القذف أغلظ، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أنا نبدأ بحد الشرب لخفته، ولما مهدناه من الترتيب في توفية الحقوق.
والثاني: البداية بحق الآدمي وهو حد القذف؛ فإن حقه أولى بالتقديم في العقوبات، ثم نتركه حتى يندمل، ونوفي بقية الحدود على الترتيب المقدم.
ولو اجتمع حدُّ زنا البكر، وقطعُ الطرف في القصاص، فهذا يخرج على الوجهين المذكورين في حد الشرب وحد القذف إذا اجتمعا، فإن قلنا: البداية بالأخف ثَمَّ، فها هنا نبدأ بحد الزنا؛ فإن الجلد أخفُّ من القطع، وإن قلنا: البداية بحق الآدمي، بدأنا بالقطع، ثم نمهله حتى يبرأ، ثم نحده.
هذا هو الترتيب في اجتماع العقوبات.
11196- ومما يليق بهذا المنتهى أن المحارب إذا استوجب قطع طرفين، فقد قال الأئمة: نوالي بين القطعين ولا نمهله ليبرأ عن قطع اليمين، والسبب فيه أن قطع العضوين من المحارب حدٌّ واحد، والحد الواحد لا يتبعض استيفاءً، كما لم يتبعض وجوباً، ولو وجب عليه قطع الرِّجل قصاصاً، وقطْع اليمين عن جهة السرقة، فنبدأ بتوفية القصاص، ثم نمهله إلى أن يبرأ، ثم نقطع يمناه عن السرقة؛ فإن العقوبتين مختلفتان، ولابد من رعاية هذا الترتيب.
والمحارب إذا كان يستوجب قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى قصاصاً في غير حالة المحاربة، ثم حارب، وأخذ المال، فاستُحِقَّت يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم أجرينا القصاص في يده اليسرى ورجلِه اليمنى، فلا نقطع طرفيه الباقيين حداً حتى يبرأ، ولو قطع يمين إنسان، ووجب القصاص عليه في يمناه، ثم سرق سرقةً توجب عليه القطع، فقد ازدحم على يمناه الحد والقصاص، ولكن القصاص مقدّم، وهذا متفق عليه.
فإن قيل: قطعتم القول بتقديم حق الآدمي في العقوبة إذا فرض الازدحام، كما صورتموه، وردّدتم الأقوال في حقوق الأموال، وقلتم في قولٍ: نقدم حق الله تعالى على حق الآدمي، فما الفاصل بين الأصلين؟
قلنا: حق الله تعالى في العقوبات يتعرض للسقوط بالشبهات، حتى انتهى الأمر فيها إلى قبول الرجوع عن الإقرار بها، وحق الآدمي في العقوبة آكد، ولا يسقط بما يسقط به حق الله تعالى؛ فاقتضى ذلك تقديم الآكد، والحقوقُ المالية وإن أضيفت إلى الله تعالى، فإنها لا تتعرض للسقوط بالشبهات، وانضاف إليه أن مصرف حقوقِ الله تعالى في الأموال للآدميين، فكأنه يجتمع فيه حق الآدمي والتأكد بالإضافة إلى الله تعالى. هذا هو الفرق بين الأصلين.
والذي يعضّد هذا أن من استحق القصاص فوافى الجاني في شدة حرٍّ أو برد، لم يجب عليه أن يؤخر الاقتصاص في الطرف، وقد نوجب تأخير الحد عن شدة الحر والبرد.
ولو جرى اقتصاص في طرفٍ، وفرض بعده استحقاق طرف في حدٍ، فإنا نؤخر استيفاء الحد إلى أن يبرأ، ولو فرض استيفاء حدٍّ في طرف، ثم وجب القصاص في طرف آخر، أو كان واجباً، فليس على مستحِق القصاص أن يؤخره.
والذي قدمناه في صدر الفصل من الإمهال بين الجلد والقطع قصاصاً مفروضٌ فيه إذا كان بعد القطع قتلٌ يخشى فواتُه، ثم فيه من التفاصيل ما مضى.
11197- ولو وجب على الإنسان القصاص لأسبابٍ، فلم يتفق استيفاؤه حتى أخذ المال في المحاربة؛ فيجب عليه قطع اليد اليمنى قصاصاً وحداً، ويجب قطع الرجل اليسرى حداً، فإذا طلب مستحق القصاص حقه، أجيب إليه، ثم إذا قطعت اليمنى قصاصاً، فهل نمهل المقطوعَ منه إلى أن يندمل؟ ذكر العراقيون وجهين:
أحدهما: أنا لا نمهله، وهو الأقيس؛ لأن القصاص لو لم يكن، لَوالَيْنا بين القطعين، وقد تعلق وجوب الحد بالطرفين، غيرَ أنا قدمنا القصاص، ثم قلنا: بقيت الرجل للحد، فلتقطع.
والوجه الثاني- أنا نمهل؛ لأن اليد إذا قطعت قصاصاً، فكأنها لم تكن مستحَقةً حداً، وكان لا يستحق في الحد إلا الرجل، ولو استُحِقَّ من الرَّجُل طرفان:
أحدهما: عن جهة القصاص، والآخر- عن جهة الحد؛ فإذا قطع الطرف المستحَق قصاصاً، فلابد من الإمهال إلى الاندمال.
ولو استُحِقت يمناه ورجلُه اليسرى قصاصاً، وقَطَعَ في الحرابة الطريقَ فاستُحِقت يدُه اليمنى ورجله اليسرى حداً، فإن طلب مستحق القصاص، مكناه من قطع الطرفين، ثم يسقط الحد بفوات المحل، على ما تمهد. وهذه المسائل، لا إشكال فيها.
ولكن المخوف فيها على الناظر أن تزدحم عليه، ويُلهَى فكره عن التفصيل.
11198- ومن تمام هذا الفصل أن من زنى مراراً، ولم يتخلل بين الزنيات استيفاءُ الحد، فإن كانت الحدود متفقة، وإنما يفيد فرضها بالجلد، حتى يتصور تكريرها، فإذا كان كذلك، اكتفينا بجلد مائةٍ وتغريبه عاماً، ثم لا يفضّ الحد على الزنيات، بل نقول: هو في مقابلة جملتها، وكان شيخي يقول: جملة الحد مقابل بكل زنية، وإذا انتفى عن فكر الفقيه التقسيط، فلا مشاحة بعد ذلك في العبارات.
وقد تردد العلماء على وجهٍ آخر، فقال قائلون: يجب حدودٌ على أعداد الزنيات، ثم تتداخل، وقال آخرون: الزنيات إذا لم يتخللها الحد كالحركات في زنية واحدة، وهذا أقرب، فإن الوجوب والسقوط يجر خبلاً واضطراباً في الكلام. ثم اتحاد الحد محمول على ابتناء حدود الله تعالى على الدرء والدفع، والعجب أنه لا يجب بالوطآت في نكاح شبهة إلا مهر واحد، فاشتمال الشبهة الواحدة على جميعها يجعلها كالوطأة الواحدة.
11199- ولو زنى الرجل بكراً، ثم ثاب وأحصن، فزنى مرة أخرى، فموجب الزنية الأولى يخالف موجبَ الزنية الثانية، والمذهب الاكتفاء بالرجم ومن أصحابنا من قال: يجمع بين الجلد والرجم؛ فإنهما مختلفان، ليس أحدهما في معنى الثاني، فصارا كعقوبتين لجريمتين مختلفتين، والله أعلم.