فصل: باب: خيار المتبايعين ما لم يتفرقا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: يجمع مسائل تلتحق ببيع الغائب:

2874- منها: إذا اشترى صُبْرةً من حنطة، أو غيرها من المتماثلات، وكان لا يختلف ظاهرها وباطنها، فهو صحيح قولاً واحداً؛ فإن الظاهر دالٌّ على الباطن، وهذا يُعدّ رؤية عُرفاً، ولو كان باطن الصُّبْرة يخالف ظاهرَها، فحِفْظِي عن الإمام أن ذاك بيعُ غائب، وفيه احتمالٌ ظاهر عندي، ولو ظهرت تحت الصُّبرة دِكَّة، وكان المشتري يَحسَب الصُّبرة حنطة إلى استواء الأرض، فقد كان شيخي يقول: هذا بيع الغائب، وقال غيره: هو بيع معاين؛ فإن الحنطة لم تختلف، ولكن يثبت الخيار للمشتري، وستأتي نظائر ذلك، في بيع المصراة، ولا وجه لما قاله شيخي.
ولو قال: بعتك صاعاً من داخل الصُّبْرة، فهو بيع غائب. وأقرب صورة شبهاً بهذا مسألة النموذج، إذا لم يدخل في البيع، ولو قال: بعتك صاعاً من هذه الصُّبْرة، فليس بيعَ غائب، ولكن في بيع صاع من صُبْرة تفصيلٌ لا يتعلق بالغَيْبة والحضور.
ولو اشترى ثوباً منشوراً، ورأى أحد وجهيه، وكان لا يستدل به على الوجه الثاني، فهو بيع غائب، فإن كان لا يختلف وجهاه كالكرباس، وما في معناه، ففيه وجهان، ذكرهما شيخي والصيدلاني. والوجهُ القطعُ بأنّه بيعُ غائب.
وذكر المُزني مسألة تردد فيها الأصحابُ، وهي أن من باع منديلاً نصفه في صندوق ونصفه بارز منه، فقد اختلف الأئمة في المسألة، فمنهم من قطع بأن المسألة على قَوْلي بيع الغائب، والشافعي أجاب بالفساد، جرياً على أحد القولين، وأشار بعضُ الأصحاب إلى أن البيعَ يفسُد في هذه الصورة قولاً واحداً؛ لأن ما لم يره في محل خيار الرؤية لو صح البيع فيه، وما رآه لا خيار فيه، وهذا قد يُفضي إلى قطع البارز عن المستور.
وهذا ليس بشيء؛ فإنا لو قدرنا خيار الرؤية، لاقتضى ردّ الجميع، كما لو اشترى عمامة رآها، ثم وجد بجزءٍ منها عيباً؛ فإنه يرد جميعَها، ولا يختص الرد بمحل العيب.
وأشار بعض الأصحاب إلى تخريج المسألة على تفريق الصفقة، إذا اشتملت على مختلفين، وهذا فاسدٌ، لما قدمناه؛ فإن الكل في حكم ما لم يُرَ، كما استشهدنا به في العيب؛ إذ المبيع واحد، فلا وجه إلا طريقة القولين.
ولو اشترى ثوباً مطوياً، فقد ألحقه الأئمة ببيع الغائب، وقطعوا القول به.
فصل:
2875- المعتمد في الأصل اتباع العُرف في الإعلام، ونحن في منع بيع الغائب إذ عَنَيْنا بأن المبيع لم يعلم، عنينا لم يعلم بما يعلم مثلُه في العرف، ومعلوم أن من الثياب ما يَنْقُصه النشر والردّ إلى طاقةٍ واحدة، ولا يُنشر كذلك إلا إذا أريد قطعه، وقد جرى العرف بأن مثل هذا الثوب يُرى منه طاقات، ولا ينشر عند البيع.
فما نقله الأئمة تخريج المسألة على قولي بيع الغائب، ويحتمل عندي أن يُصحَّح البيع قطعاً، لما في النشر من التنقيص، ويُلحق ذلك ببيع الجوز، والمقصود منه لُبُّه، ولكن لما كان في كسره إبطالُ مقصود الادّخار، وانضمَّ إلى ذلك عموم العرف، صح العقد.
فإن قيل: عمّ العُرف ببيع الثياب التّوزيَّة في المُسوح، قلنا: لا يتجه فيه إلا التخريج على بيع الغائب، وعموم عرف أهل الزمان يُحمَل على مقصود المالية، والإضراب عن رعاية حدود الشرع على قول من يمنع بيع الغائب.
والذي يحقق ذلك أن من أراد ابتياع ثوب بعينه ممّا في المسح، فإنه يراه عرفاً، ثم يشتريه.
فإن قيل: من اشترى جارية متنقبة، فهو بيع غائب، فإن أراد الخروج عن القولين، فكيف السبيل؟ قلنا: ينظر إلى وجهها، ويديها، ورجليها، وإلى ما يظهر من أطراف ساقها وساعدها، في الفِضْلَةِ والمهنة، ويجوز أن نقول: ينبغي أن يرى ما ليس عورة من الجارية باتفاق، وهو المعروض منها في العرف.
وظهر اختلاف الأصحاب في أن رؤية الشعر هل هي من تمام عرضها، حتى إذا لم يُرَ، كان العقد بيعَ غائب.
ولم يتعرض الأصحاب لكشف الرأس، وهو محتمل عندنا، ويمكن أن يستفاد من ذكر الاختلاف في كشف الشعر الاختلافُ فيه.
فرع:
2876- قال الشيخ أبو علي في شرح التلخيص: بيع اللحم في الجلد قبل السلخ باطلٌ، قولاً واحداً، سواءٌ بيع دون الجلد، أو مع الجلد.
وعندي أن تخريج بيعه مع الجلد على قولي بيع الغائب محتمل. وقال الشيخ: إذا سلخ الجلد، ثم رُدّ اللحم إليه فبيع، فهو على قولي بيع الغائب.
وبيع الرؤوس والأكارع، وعليها جلودها مشويةَ ونِيّة جائزٌ، قولاً واحداً. وذلك غالب في العرف، والجلودُ مأكولة عليها؛ فهي كاللحم. وأما السموط فقد قال الشيخ: يجوز بيعهُ مشوياً، ونِيّاً مهيأً للشي.
وأنا أقول: أما المشوي فكما قال، وفي النِّىّ احتمالٌ.
فرع:
2877- من باع شيئاً والبائع لم يره، ففي صحة العقد قولان. والمراوزة يرتبون القولين في ذلك على القولين فيه إذا رأى البائع ولم ير المشتري، ويجعلون عدم رؤية البائع أولى باقتضاء الفساد. والعراقيون يرون عدم رؤية المشتري أولى باقتضاء الفساد، وما ذكروه أفقه؛ فإن المشتري متملكٌ، والضبط بالتملك أَلْيق، والبائع مزيل. والذي يحقق ذلك أن المشتري إذا اطلع على عيب فيما حسبه سليماً، فله الخيار، والبائع لو باع ما يحسبه معيباً، ثم استبان أنه سليم، فلا خيار له.
التفريع:
2878- إذا صححنا بيعَ ما لم يره البائع، ففي ثبوت الخيار له وجهان:
أحدهما: يثبت كالمشتري، والثاني: لا يثبت وهو الأصح؛ لأنه مزيل، والخيار عنه بعيد.
فرع:
2879- كان شيخي يقول: هبة الغائب كشراء الغائب، ويحتمل أن تُرتَّب الهبةُ على الشراء؛ إذ الهبة بالصحة أولى؛ فإنها ليست عقدَ مغابنة، والرهنُ قريبٌ من الهبة.

.باب: خيار المتبايعين ما لم يتفرقا:

2880- خيار المجلس ثابتٌ عند الشافعي، والمعتمد الخبر الصحيح، ومعنى خيار المجلس أن يتخير المتعاقدان، في الفسخ والإجازة، بعد العقد ما لم يتفرقا.
ونحن نتكلم في معنى لفظةٍ في الحديث المعتمد، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار، ما لم يتفرقا إلا بيعَ الخيار».
وقد اختلف أصحابنا في قوله: "إلا بيع الخيار"، منهم من قال: معناه يلزم البيعُ بالتفرق عن مجلس العقد إلا بيعاً يشرط فيه خيار ثلاثة أيام؛ فإنه يبقى جوازه ببقاء مدة الخيار، وإن انقطع خيارُ المجلس بالتفرق.
ومن أصحابنا من قال: معناه أنه يثبت خيار المجلس في كل بيع إلا بيعاً يشترط فيه المتعاقدان نفيَ خيار المجلس.
وهذا التأويل يستدعي تقديمَ بيان المذهب في ذلك، فنقول: اختلف الأئمة في البيع الذي يشترط فيه نفيُ خيار المجلس على ثلاثة أوجه: فمنهم من قال: الشرط فاسد لمخالفته مقتضى الشرع، ثم إذا فسد الشرط، فسد البيع. وهذا ليس بالمرضي.
ومنهم من قال: الشرط صحيح، وينتفي الخيار، ويلزم العقد. وهذا القائل يحمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا، وقد روى الشافعي هذا التأويلَ عن مسلم بن خالد الزنجي، فإن قيل: كيف يحمل قوله: "إلا بيع الخيار" على نفي الخيار، قلنا: المتعاقدان لو تخايرا في المجلس، وأَلزما العقدَ، لزم. فإذا شرطا قطعَ خيار المجلس، فكأنهما تعجلا التخايرَ والإلزامَ حالة العقد.
ومن أصحابنا من قال: الشرط فاسد، والعقد صحيح، ويثبت خيار المجلس.
وهذه الأوجه الثلاثة تقرب من الاختلاف في شرط نفي خيار الردّ بالعيب، على ما سيأتي. ولذلك لم نُغرق في التوجيه.
وإذا صححنا بيع الغائب، فشرط فيه نفي خيار الرؤية، ففيه الأوجه الثلاثة في خيار المجلس. وخيار الرؤية أبعد عن قبول النفي؛ فإن بيع الغائب مع نفي الخيار غرر ظاهر، ولا يتحقق ذلك في خيار المجلس.
فهذا تمهيدُ معتمدِ الباب. ثم نذكر بعد ذلك فصلين:
أحدهما: ما يثبت فيه خيار المجلس من العقود، والثاني: في ذكر ما يقطع الخيارَ، أو يُنهيه.
الفصل الأول
فيما يثبت فيه خيار المجلس
2881- فأما ما يثبت فيه خيارُ المجلس، فقد قال الأئمة: إنه يثبت في كل بيع؛ فإن المعتمد فيه الخبر، وهو عام في كل بيع، فيندرجُ تحت ما ذكرناه: بيعُ العُروض، والصَّرف، والسَّلم، والمرابحة، والتَّوْلية والإشراك، كما سيأتي بيانها.
وذكر شيخي وجهين في الولي الذي يتولى طرفي العقد، إذا باع مالَ الطِّفل من نفسه، أو باع ماله من طفله، فهل يثبت له خيار المجلس، فعلى وجهين:
أحدهما: لا يثبت؛ فإن المعوّل الخبر، وهو في المتبايعين، والولي قد تولى الطرفين.
والثاني: يثبت، وهو ظاهر المذهب؛ فإنه بيعٌ محقق، وغرض الشارع إثباتُ خيار المجلس في البيع، وخصص المتبايعين إجراء للكلام على الغالب المعتاد.
فإن قلنا: له الخيار، فيمتد امتدادَ مجلس العقد، ثم الوجه عندي إثباتُ الخيار من وجهين:
أحدهما: للولي على الخصوص، والثاني: للطفل، والولي نائب عنه، فإن فسخ نفذ كيف فرض الأمر، وإن أجاز في حق نفسه ونظر في إجازته لطفله، لزم العقدُ، وإن أجاز في حق نفسه، بقي له النظر لطفله في الفسخ والإجازة.
فرع:
2882- إذا اشترى الرجل من يَعتِق عليه، فالمذهب المشهور أنه لا يثبت فيه خيارُ المجلس؛ فإنه ليس عقد مغابنة، والحديث وإن لم يتقيد بالمغابنة، فهو مشعرٌ بعقد يفرض في مثله استدراك غبينة. وقال أبو بكر الأُودَني: يثبتُ خيارُ المجلس، وتمسك بظاهر الحديث، وبقوله صلى الله عليه وسلم "لن يَجزيَ ولدٌ والدَه إلا بأن يجدَه مملوكاً فيشتريه فيُعتقَه"، قال: هذا ظاهر في إثبات إنشاء إعتاق بعد العقد، وعنده أن المشتري لو فسخ في المجلس، انفسخ، ولو أعتقه، أو ألزم العقد، كان كما لو اشترى عبداً لا يعتِق عليه. وستأتي تصرفات المتعاقدين في مكان الخيار وزمانه.
فإذا قلنا: لا خيار للمشتري، فلا خيار للبائع أيضا، وإن كان العقد من جانبه عقد مغابنةٍ. ولكن النظر إلى كون العقد عقد عَتاقة.
هذا قولنا في البيوع.
2883- فأما ما سواها، فالعقود الجائزة من الجانبين لا معنى لتخيّر خيار المجلس فيها: فإن الجواز مطرد غيرُ مختص بمجلس. وأما العقد الجائز من أحد الجانبين كالرهن والكتابة، فلا وجه لتوهم خيار المجلس في المرتهن والمكاتب؛ فإنهما متخيران أبداً، ولا يثبت الخيار للراهن والسيد، قطع به الأئمة، وعللوا بأنهما مغبونان تحقيقاً، والخيار للاستدراك.
وهذا تكلف. والمعتمد الخبر وهو في البيع. والرهن والكتابة ليسا في معنى البيع، والقياس منحسمٌ.
وصلح المعاوضة بيعٌ في الحقيقة، ففيه الخيار.
ولا خيار في الهبة التي لا ثواب فيها، إذا اتصلت بالقبض. وإن كان فيها ثواب، فقد ذكر العراقيون وجهين في ثبوت خيار المجلس والشرط:
أحدهما: يثبتان؛ لأنها في معنى البيع، والثاني لا يثبتان؛ لأنها لا تسمى بيعاً؛ والمتبع التوقيف. وهذا الخلاف من طريق المعنى يقرب من تردّد الأصحاب في أن الهبة بالثواب هل تفتقر إلى القبض في إفادة الملك؟ وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما الحوالة، ففي حقيقتها خلاف، فإن حكمنا بأنها ليست معاوضة، فلا خيار فيها، وإن حكمنا بأنها معاوضة، فقد قال العراقيون: لا يثبت فيها خيار الشرط، وفي خيار المجلس وجهان. وكان شيخي يثبت الخلاف في الخيارين، وهو الوجه إن لم يكن من الخيار بُدّ. والظاهر أنهما لا يثبتان؛ فإن الحوالة لا تسمى بيعاً، وليست في معناه، وهي بعيدةٌ عن قبول الفسخ.
وأما القسمة فمنقسمةٌ إلى قسمة إجبار، وقسمة اختيار. فإن كانت قسمةَ إجبارٍ، فلا خيار فيها، والمحكَم القرعةُ. وإن كانت قسمةَ اختيار، خرج أمرُ الخيار على حقيقة القسمة؛ فإن قلنا: ليست القسمة بيعاً، فلا خيار فيها، وإن قلنا: إنها بيع، فقد ذكر صاحب التقريب وجهين على هذا القول في ثبوت الخيارين:
أحدهما: الثبوت، والثاني: وهو مختارُه، أنهما لا يثبتان؛ فإن القسمة لا تسمى بيعاً، وليست عقداً منشأً، وإنما لها حكم البيع في بعض القضايا.
وقد نجز الفصل الأول.
الفصل الثاني
فيما يقطع خيار المجلس أو ينهيه
2884- فنقول: ما يقطع خيارَ المجلس ينقسم إلى قولٍ، وإلى ما ليس بقول.
فأما القول، فينقسم إلى المتعرض للخيار، وإلى تصرفٍ يتضمن فسخاً أو إجازة، فأما التصرف، فسنذكره عند نجاز القول في أصل خيار المجلس والشرط.
وأما القول المتعرض لنفس الخيار؛ فنقول: إذا قال المتعاقدان في المجلس: ألزمنا العقد، أو أجزناه، أو قطعنا الخيار، انقطع الخيارُ، ولزم العقدُ، وإن كانا في المجلس؛ فإن الخيار حقُّهما، فإذا أسقطاه، سقط، وكان كإسقاط حق الرّد بالعيب، عند الاطلاع، وليس ذلك كشرط نفي الخيار في العقد؛ فإنه منعٌ لثبوت موجَب العقد، فكان كشرط التبرِّي من العُيوب، من غير اطلاع عليها.
ولو قال أحد المتعاقدين: أجزتُ العقد، ولم يساعده الثاني، لم يبطل خيار صاحبه. وهل يبطل خياره في نفسه؟ فعلى وجهين: أصحهما- أنه يبطل، كما لو ثبت لهما خيار الشرط، فأسقط أحدهما خيارَ نفسه.
والثاني: لا يبطل خيارُه؛ فإن وضع خيار المجلس أن يثبت للمتعاقدين جميعاً، وإن انقطع، انقطع عنهما، ولا وجه لإبطال خيار من لم يُبطل حق نفسه، فيبقى خيارُ المجيز أيضاً.
فإن قيل: هلا بطل خيارُ المجيز، وخيار من لم يجز، حتى تنزل إجازةُ المجيز منزلةَ ما لو فارق صاحبه؟ قلنا: المفارقة تُنهي خيارَ المجلس بنص الخبر، وليس فيه تفويتٌ لحق واحدٍ منهما؛ فإنه إذا هم أحدهما بالمفارقة، تمكن الثاني من مساوقته، واستمكن من مبادرة الفسخ.
قال شيخي: لو قالا: أبطلنا الخيار، أو قالا: أفسدناه، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبطل الخيار؛ فإن الإبطال يُشعر بمناقضة الصحة، ومنافاة الشرع، وليس كالإجازة؛ فإنها تصرفٌ في الخيار، وهذا ضعيف جداً، ولكن رمز إليه شيخي، وذكره الصيدلاني.
2885- فأما ما لا يكون قولاً، وهو رافعٌ للخيار، فالأصل في ذلك الافتراق، فإذا تفرق المتعاقدان، زال خيارُ المجلس، وإذا لزم أحدهما المجلس، ففارقه الثاني، انقطع الخيارُ؛ فإن هذا إذا جرى عُد افتراقاً، والشارع اعتبر الافتراق، وليس من شرطه، أن يأخذ أحدُهما جهةً، ويأخذ الآخر جهة أخرى، ولو تساوقَ المتبايعان، وزايلا مكان العقد، ولم يتفرقا، فالبيع جائز، والخيار قائم، وإن تماشيا أياماً منازل، فالمعتمد في قطع الخيار افتراقُهما.
ثم الرجوع في الافتراق إلى العرف، فليس في ذلك توقيفٌ شرعي، ولا ضبط معنوي؛ فإن جمعهما بيتٌ مقتصدٌ، فالمفارقة بخروج أحدهما من البيت، وإن كانا في عَرْصةٍ ضاحية، فإذا فارق أحدهما، ومشى خطوات، وبَعُد بُعداً، يُعدّ ذلك مفارقةً، انقطع خيارُ المجلس. ولو تبايعا قريبين من باب بيت، فتعدى أحدهما البابَ، وخرج، فالظاهر عندي أن ذلك مفارقة، وإن خطا خطوتين مثلاً. وإذا تبايعا في صدر بيتٍ مقتصد، فالمفارقةُ بالخروج من الباب.
هذا حكم الجريان على العرف.
ويخرج من ذلك أن البعد يختلف باختلاف المجالس، فإن جمعهما بيتٌ، فالتعويل على الخروج منه، وإن لم يجمعهما بيت، فيراعى فيه بُعدٌ يُعدّ فراقاً، ويمكن أن يقال: وجه التقريب فيه-إذا لم يكن بيتٌ جامع- إن جلوس رجلين في مجلس واحد ليس يخفى، وذلك ينقسم إلى التقارب في الجلوس والتباعد، وقد يتدانى رجلان حتى يتماسَّا، وقد يبعد أحدهما عن الثاني بعضَ البعد، ولكن يُعدان في مجلس واحد.
فهذا ما ينبغي أن يراعى.
فنقول: إذا فارق أحدهما الثاني، وانتهى إلى موضع، لو استقر فيه، لم يُعدّ المكان مجلساً جامعاً، فهذا فراق، وإن كان أقرب من ذلك، فليس فراقاً.
ويمكن أن يقال: المجلس الواحد ما يتسير فيه التفاهم، مع الاقتصاد في الصوت، ويراعى في ذلك اعتدال الأحوال. فهذا أقصى الإمكان.
ويخرج عليه أن البيت إذا تفاحش اتساعه، وقد تبايعا في صدره، فيتحقق الفراق بأن يفارق أحدهما الثاني إلى بعض البيت؛ فإن مثل هذا البيت لا يبين أن يكون مجلساً واحداً لشخصين.
فإن قيل: العرف يختلف في اتحاد المجلس، وقرب الجلوس وبُعده، باختلاف الأقدار والمناصب، فالمتوسط لا يقرب من الملك قُربَه ممن هو في مثل حاله، قلنا: المجلس لا يختلف عندنا بذلك، والذي خيّله السائلُ مغالطةٌ؛ فإن منصب الملك يمنع أن يجتمع معه متوسط في مجلس واحد، فهذا من باب امتناع اتحاد المجلس، وليس من تفاوت المجلس.
2886- فإن قيل: لو وقف المتعاقدان متباعدين، وزادت المسافة بينهما على مقدار المجلس، وتناديا بالإيجاب والقبول، فهل ينعقد العقد؟ وإن انعقد فما حكم خيار المجلس؟ قلنا: الوجه القطع بصحة البيع، إذا اتصل الإيجاب بالقبول من جهة الزمان، هذا ما أثق به، نقلاً ومعنى.
فأما خيار المجلس ففيه احتمال ظاهر، يحتمل أن يقال: لا خيار؛ فإنهما أنشآ العقد على صورة التفرق، وهو قاطعٌ للخيار إذا طرأ على المجلس الجامع، فإذا قارَن العقدَ، منع ثبوتَه. ويجوز أن يقال: يثبت لكل واحد منهما الخيار. ثم إذا قدرنا ثبوتَه، اعترض احتمال آخر في أن أحدهما إذا فارق مكانَه، وبطل خيارُه، هل يبطل خيار صاحبه أم يبقى خيار صاحبه إلى أن يفارق هو أيضاً مكانه؟ فيكون خيار كل واحد منهما منقطعاً عن خيار الثاني. هذا فيه تردد.
فإن قيل: إذا تعاقدا والمجلس جامع، ثم صابرا حتى بُني بينهما جدار حائل، فهل يصيران في حكم المتفرقين؟ قلنا: إن بنى أحدُهما الجدارَ، فالظاهر أن هذا بمثابة مفارقته، وإن بنى غيرُهما، اتصل القول بأن أحد المتبايعين لو حُمل وأُخرج من المجلس، هل ينقطع الخيار؟ وفيه فصل يأتي إن شاء الله تعالى.
ومن لطيف القول في هذا الفصل، أن المتبايعين لو كانا بقربِ الباب، فخرج أحدهما، فهو مفارق، وإن قربت المسافة. ولو كانا في مكانٍ ضاحٍ، فلابد من اعتبار بُعدٍ، كما سبق بيانه، فلو كانا في مكان بارز كما ذكرنا، ففارق أحدهما بعد العقد وبَعُد على الحدّ المذكور، فانتصب واتبعه الآخَر، لم ينفعه ذلك بعد وقوع الفراق. ولو كانا في بيتٍ قريبين من بابه، ففرّ أحدُهما وفارق العتبة، فاتبعه الثاني على الفور، فالظاهر عندي في هذه الصورة أن البيع على جوازه؛ فإن مثل هذا لا يُعد تفرقاً في العرف.
فهذا مقدار غرضنا في البعد المُنهي للمجلس.
فصل:
2887- إذا مات أحد المتعاقدين في مجلس العقد، فالمنصوص للشافعي أنه لا ينقطع الخيار بموته، بل يقوم وارثه مقامه.
وقال في المكاتَب: إذا باع شيئاً أو اشتراه، ثم مات في مجلس العقد، وجب العقد، فأشعر قولُه "وجب" بانقطاع الخيار.
واختلف الأئمة: فمنهم من قال: في انقطاع خيار المجلس بالموت قولان، سواء فُرض العاقد مكاتَباً أو حُرّاً.
توجيه القولين: من قال بالانقطاع تمسك بأن خيار المجلس يقطعه التفرق؛ من حيث إن المفارق بفراقه يخرج عن مجلس التخاطب، ومفارقة الدنيا بالموت أبلغ في هذا المعنى، والميت في حكم التصرفات كالمعدوم، فكأنه عُدم عن مجلس العقد.
والقول الثاني- أنه لا ينقطع الخيار؛ فإنه حقٌ ثابت قاطِعُه في الحديث التفرّق، وهذا ليس تفرقاً إطلاقاً، فالوجه إبقاء الخيار حقا لوارثه.
ومن أصحابنا من قطع ببقاء الخيار، وقال: أراد الشافعي بقوله: وجب البيع، أي استمرت صحته، ولم يبطل، وقد يَظن ظانٌّ أن البيع ينقطع بموت المكاتب رقيقاً.
ومن أئمتنا من حاول الفرق، وتقرير النصين، وقال: إن كان العاقد مكاتباً، انقطع الخيار بموته، بخلاف ما لو مات من يورَث؛ لأن الوارث ينوب مناب المورث، وكأنه هو، فإذا خلفه كان بمثابة الميت، والسيد ليس في حكم النائب عن مكاتبه، فإذا انقلب إلى الرق، بَعُد أن يقال: ينوب السيد عن مكاتبه، ويخلُفه.
وهذا ليس بشيء؛ فإن المكاتب إذا رَقَّ، قام السيد مقامه في الحقوق، التي ثبتت له، والخيار من الحقوق التابعة للملك والعقد، فإذا انقلب العقد بحقوقه إلى السيد، فالخيار من حقوقه.
والطريقة المشهورة طرد القولين.
التفريع:
2888- إن حكمنا بانقطاع الخيار بموت أحدهما، فقد لزم العقد من الجانبين، وإن قلنا: لا ينقطع خيار المجلس بموت أحد المتعاقدين، فإن كان الوارث في مجلس العقد حل محل الميت، وكأنه لم يمت، فيتعلق بالوارث من المفارقة والبقاء في المجلس ما كان يتعلق بالعاقد لو بقي، وإن كان الوارث غائباً، فبلغه الخبر، ثبت الخيار. ثم ذلك الخيار يثبت على الفور، أو يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر، فعلى وجهين ذكرهما الإمام، وصاحب التقريب:
أحدهما: أنه على الفور؛ فإن المجلس قد انقضى، ولكنّا رأينا ألاّ نعطلَ حقا ثبت للمورث، فأثبتنا أصله للوارث، وعسر اعتبار المجلس؛ فاقتضى ذلك الفور.
والوجه الثاني- أنه يمتد؛ فإن الخيار الذي ثبت للمورث كان ممتداً، فليثبت للوارث على الامتداد، والوجهان كالوجهين فيه إذا مات أحد المتعاقدين في زمان الخيار، فخيار الشرط موروث، فإن كان الوارث غائباً، فلم يبلغه الخبر حتى انقضى الزمان المضروب للخيار، فكيف يثبت الخيار لذلك الوارث؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يثبت على الفور؛ فإن الزمان المذكور قد انقضى، والثاني: أنا نثبت للوارث الخيارَ في مثل المدة التي كانت بقيت، لما مات من له الخيار.
ونتمم تفريع ذلك في خيار الشرط ثم نعود إلى خيار المجلس، فنقول: إذا مات من تولى العقد، فقد انقضى من زمان الخيار يومٌ، وقد بقي يومان، فبلغ الوارثَ الخبرُ، وقد بقي من مدة الخيار يوم، فلا خلاف أن خيار الوارث يدوم في هذا اليوم؛ فإنه من بقية الزمان المذكور، وهل ينقطع خياره بانقضاء اليوم الأخير؟ أم يثبت له مع ذلك اليوم الخيارُ في يوم آخر؟ حتى يكمل له-بعد بلوغ الخبر- من الخيار ما كان باقياً لمَّا مات المورِّث؟ على وجهين. ومأخذهما ما قدمناه.
2889- عاد بنا الكلام إلى خيار المجلس، فنقول: انقطاع المجلس بالموت كانقضاء زمان الخيار قبل انتهاء الخبر إلى الوارث، وتقدير مجلسٍ بمثابة ضرب مدةٍ للوارث، وقد انقضت المدة المذكورة قبل الخبر، والفور كالفور.
2890- ومما نذكره في ذلك أنه إذا مات أحد المتعاقدين ووارثه غائب، فبلغه الخبر، والعاقد الباقي سبقه إلى ذلك المجلس، فلا خلاف أنه يثبت له مع ذلك الوارث الخيارُ؛ فإن موت من مات إذا لم يقطع الخيارَ عن وارثه، فلا يتضمن قطع الخيار عن العاقد الباقي. ولكن اختلف أئمتنا في أنه هل يدوم خيارُ الباقي من المتعاقدين إلى أن يبلغ الخبرُ الوارثَ؟ أم يقضى بان الخيار يزول في حقه، حتى يثبت للوارث، ثم يعود إذ ذاك خيارُه؟ فعلى وجهين ذكرهما صاحب التقريب:
أحدهما: أنه يدوم خيارُه؛ إذ سبب استئخار خيارِ الوارث عدم بلوغ الخبر إليه، ولو كان الوارث عالماً، لتخيَّرَ، والباقي من المتعاقدين عالم بحقيقة الحال.
والوجه الثاني- أنه لا يثبت له الخيار، قبل بلوغ الخبر إلى الوارث؛ فإنه لو تخير، لكان منفرداً في التصرف في خيار المجلس، في وقتٍ لا ينفذ فيه تصرف صاحبه.
2891- وتحقيق ذلك يستدعي مزيداً؛ فنقول: من مات أبوه في غيبةٍ وهو لم يشعر بموته، فتصرف في ماله، على ظن أنه يتصرف ظالماً في مال أبيه، ثم بان أنه كان مات أبوه، وأنه تصرف في ملك نفسه، ففي نفوذ تصرفه اختلاف قولٍ، سيأتي إن شاء الله تعالى. فإن لم ننفذ تصرفَه في الصورة التي ذكرناها، فالوارث لو فُرض منه فسخٌ، أو إجازة قبل أن يبلغه الخبر، لم ينفذ.
وإن نفّذنا التصرفَ في الصورة المتقدمة، فالوجه أن يقال: إجازته لا تنفذ، وفسخه ينفذ، بناء على القاعدة التي نبهنا عليها في وقف العقود، أما ردُّ الإجازة، فالسبب فيه أن الإجازة رضا، وإنما يتحقق الرضا مع القطع وتصميم العقد، فأما ما كان على تردد، فلا يتأتى منه قطع الإجازة، وقد قدّمنا في تفريع خيار الرؤية أن إجازة المشتري لا تنفذ قبل رؤية المبيع، وفي تنفيذ فسخه كلام، وفيما ذكرتُه من الإجازة في المسألتين احتمال ظاهر.
فإن قيل: إذا قلنا: لا يثبت للعاقد الباقي الخيارُ قبل بلوغ الخبر إلى الوارث، تعليلاً بأنه لا ينفرد بالتصرف عاقدٌ في خيار المجلس، فلو بلغ الخبرُ الوارثَ، والعاقدُ لم يكن مع الوارث في ذلك المجلس، ولم يكن على علم من بلوغ الخبر إلى الوارث، فلا يثبت لهذا العاقد الخيارُ، إذا لم ينفذ التصرف على وقفٍ كما مضى. وإذا كان كذلك، فالوارث لو تخير، لكان منفرداً في تخيره.
ومنشأ ما نُفرعُ عليه منعُ التفرد بالخيار، فلو جَرَينا على حَقِّ هذا القياس، لقلنا: لا يثبت للوارث الخيار إلا إذا كان العاقد عالماً مع علمه. قلنا: هذا مُشكل، ولكن قطع الأئمة أنه يثبت له الخيار كما بلغه الخبر، سواء اقترن ببلوغ الخبر علمُ العاقد الباقي، أو لم يقترن، وعللوا بأن شرط اقتران علمه يعطل خيار الوارث، ويُعسِّر الأمرَ. هذا منتهى الإمكان.
ثم إذا ثبت الخيار للوارث؛ فإن فسخ، نفذ، وإن أجاز، فحق العاقد الباقي في الفسخ هل يبقى؟ الوجه أن يقال: إن أثبتنا الخيار للوارث على الفور، وقلنا: لا يمتد امتداد المجلس، فإذا بطل الخيار بالتأخير، أو بالإجازة، انقطع خيارُ العاقد الباقي.
وإن قلنا: امتد خياره امتداد مجلس بلوغ الخبر، فإن أجاز وهو في مجلسه بعْدُ لم يفارقه، فبلغ الخبرُ العاقدَ الحى والمجلس مستمر بَعْدُ، يثبت له حق الفسخ. وإن فارق الوارثُ مجلسَ بلوغ الخبر، فقد انقطع خياره، فينقطع الآن خيار العاقد الباقي، ونجعل مفارقة الوارث لذلك المجلس، بمثابة مفارقة أحد المتعاقدين.
فإن قيل: إذا مات أحدُ المتعاقدين، وحكمنا بأن الخيار يثبت لوارثه، وكان غائباً، فقد بطل أثر هذا المجلس، فلو فارقه العاقد الباقي هل يتعلق بمفارقته حكمٌ؟ قلنا: لا يتعلق بمفارقته حكمٌ، والسبب فيه أن القاطع لخيار المجلس مفارقةُ أحد المتعاقدين الثاني، وإذا مات أحد المتعاقدين، فلا أثر لمفارقته، ولا يتعلق به في أمر المجلس حكمٌ، ووجوده وعدمه بمثابة.
فصل:
2892- مذهب الشافعي أن خيارَ الشرط موروث، فإذا شُرط للمتعاقدين، فمات أحدهما في مدة الخيار، قام وارثه مقامه، كما قدمنا التفصيل في انقضاء المدة قبل بلوغ الخبر، وانقضاء بعضها. قال صاحب التقريب: إذا حكمنا بأن خيار المجلس لا يورث، فقد خرَّج عليه بعضُ أئمتنا قولاً أن خيار الشرط لا يورث، فإنه كما اختص المجلس بالعاقد، ولم يوجد منه فراق محسوس، فكذلك الشرط يختص بالعاقد. وهذا بعيدٌ جداً، لم أره لغيره.
فصل:
2893- إذا ثبت خيارُ المجلس بين المتعاقدَيْن، فأُخرج أحدُهما من المجلس محمولاً مكرهاً، فلا يخلو: إما أن يُسدَّ فُوه في حال النقل، حتى لا يتمكن من الفسخ، أو ينقل من غير ذلك، فإن حُمل مُكرهاً مسدودَ الفم، وأُخرج من المجلس، ففي انقطاع خيار المجلس وجهان في الطرق، يقربان من القول في الانقطاع بموت أحد المتعاقدين، والأقرب في الإخراج بقاء الخيار؛ فإنَّ من له حق الخيار باقٍ، وإبطال حقه اللازم قهراً مع بقائه بعيدٌ، فهذا فيه إذا أخرج مسدود الفم. فأما إذا حُمل مفتوح الفم، وكان متمكناً من الفسخ، ففيه طريقان: من أصحابنا من قطع بانقطاع الخيار، وهو اختيار الصيدلاني، فإنه كان متمكناً من التصرف، فلا يتحقق الإكراه.
وذكر بعضُ أصحابنا وجهين في هذه الصورة، وأشار إليهما العراقيون، ووجه ذلك أنه كان مكرهاً في الإخراج، وهو سبب المفارقة، فقد جرى السبب القاطع للمجلس على كُره، فلا ننظر إلى تمكنه من الفسخ، وهذا يضاهي تركَ المجروح مداواةَ الجرح، مع القدرة عليها، حتى تَزهقَ روحُه، وقد يكون المخرَج مبهوتاً في تلك الحالة، أو تكون عليه بقية من التروِّي، ففي إرهاقه وهو في تروّيه إكراه في مقصود الخيار.
فإن قلنا: يبطل خيار المكرَه المُخرج، فيبطل خيار الباقي في المجلس؛ فإنا نجعل هذا الإخراج في قطع المجلس بمثابة الخروج على سبيل الاختيار، ولو خرج مختاراً، لانقطع خيارهما جميعاً.
فأما إذا قلنا: لا يبطل خيار المخرَج كُرهاً، نُظر في الباقي، فإن ضُبطَ حتى لا يساوق هذا المخرَج، فلا يبطل خيارُه؛ إذْ تحقق الإكراه في حقه، كما تحقق في حق المخرج، وإن كان مطلقاً، وكان يمكنه أن يساوقه حتى لا يتحقق الافتراق، فتقاعد ولم يساوقه، فذلك منه بمثابة إجازة العقد مع دوام المجلس.
وقد ذكرنا أن أحد المتعاقدين إذا أبطل خيار نفسه وحكمنا ببقاء خيار صاحبه، فهل يبطل خيار من أبطل خيار نفسه؟ فعلى وجهين: والمذهب البطلان.
ثم تمام التفريع في ذلك أنا إذا أثبتنا لهما الخيار، وقد جرى التفرق، فمهما تمكن المخرجُ من التصرف وهو في المجلس، فالقولُ فيه كالقول في الوارث إذا بلغه الخبر، وأثبتنا له الخيارَ، وقد سبق القول في الفور والامتداد إذا زايله الإكراه وهو مارٌّ، غيرُ قار في موضع، فإن كنا نرى الخيار على الفور لو كان في مجلس، فالخيار على الفور، عند تحقق التمكن، وزوال الإكراه، وإن قلنا: يمتد الخيار امتداد المجلس، فإذا كان ماراً غيرَ لابثٍ، فالذي أراه أنه إذا فارق في مروره مكان التمكن، انقطع خياره؛ إذ لا ينضبط لمروره منتهى، فكان مكان التمكن مجلساً، وقد فارقه.
2894- فإن قيل: إذا خرج عن مجلس العقد مكرهاً، وحكمنا بأنه لا يبطل خياره وبسبب هذه المفارقة، فإذا زايله الإكراه وتمكن من الانقلاب على المجلس والاجتماع بمُعَاقِده، فهل عليه ذلك إن أراد بقاء الخيار؟ قلنا: الوجه عندنا أنه إن طال الزمان، فقد انقطع ذلك المجلس حسّاً، فلا معنى للعود. وإن قرب، ولم يطل الفصل، ففي المسألة احتمال في تكليفه العودَ إلى الاجتماع بمُعاقده، من حيث إنه في استدامة الكَوْن على صورة المفارقة في حكم المؤْثر للفراق. والعلم عند الله تعالى.
فرع:
2895- إذا جُنَّ من له الخيار في مكان الخيار وزمانِ الخيار، لم ينقطع خيارُه وفاقاً، وقام من يقوم عليه في أموره مقامه في أمر الخيار، وليس الجنون في معنى الموت؛ فإن الموت فراقٌ كما قدمناه.
فلو فارق المجنون مجلسَ العقد، فهذا فيه احتمال يلاحِظ إخراج أحد المتعاقدين عن مجلس العقد كُرهاً. ويجوز أن يقال: لا ينقطع بمفارقة المجنون؛ فإن التصرف في الخيار، انقلب إلى الولي القوَّام عليه، ويعارض ما ذكرنا أنه لو كان كذلك، لكان الجنون كالموت، وكان المجنون كالمعدوم، حتى تخرج المسألة على قولين في بطلان الخيار، وليس الأمر كذلك، ولا شك أن من نسي العقدَ، وفارق المجلس، ثم تذكره، فينقطع خيارُه، ولو أكره على المفارقة حتى تعدى بنفسه المجلسَ، فيظهر تنزيل هذا منزلة ما لو حُمل وأُخرج.
ولا وجه لتقريب ما نحن فيه من أحكام الحِنث في اليمين، وقد ذكرنا قولين في أن الناسي هل يحنَث في يمينه؟ فالذي نحن فيه لا يُتلقى من ذلك الأصل؛ فإن المعتبر في نفي الحِنْث، في حق الناسي على قولٍ = أن الحالف جعل اليمين وازعةً إياه مما حلف عليه، وهذا يُشعر بتخصيصه عقد اليمين بحالة الذكر؛ فإنّ اليمين المنسية لا تَزَعُ.
والأصل الذي نحن فيه ليس من ذلك، والناسي إذا فارق مجلس العقد في حكم مضيّعٍ حقَّ نفسه بالنسيان.
وأما إذا كان مكرهاً، فقد نقول: لا يبطل حقه اللازم بما هو مكره فيه، وذلك واضح لمن أَلِفَ مسالك الفقه.
فصل:
2896- خيار الشرط ثابت في نص السنَّة، وهو متفق عليه، ومذهب الشافعي أنه لا يُزاد على ثلاثة أيام، والمتبع في ذلك التوقيفُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حديث حَبّانَ بنِ مُنقذ، أنه قال فيما رواه نافع، عن ابن عمرَ، قال: "كان حَبانُ بنُ مُنقذ رجلاً ضعيفاً، وكان قد سُفع في رأسه مأموماً، فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار فيما اشترى ثلاثاً، وقال له: بع وقل لا خِلابة" وكان ثقل لسانُه لمكان الشجَّة، وكان يقول: لا خذابة، لا خذابة.
والخيارُ مخالفٌ لوضع البيع، في منع نقل الملك، أو في منع لزومه، فثبوتُ الخيارِ حائدٌ عن الموضوع، فيتعين التوقيف فيه، فليس في إثباته غيرُ الاتباع، وقد ورد الخبرُ في إثبات الثلاث، فلا مزيد عليها، فإذا تشارط المتبايعان الخيارَ ثلاثة أيام، ثبت. وإن شرطاه أقل من ذلك، ثبت المشروطُ بلا مزيدٍ، ولا سبيل إلى الزيادة على الثلاث، ولا يختلف ذلك باختلاف صفات المعقود عليه.
2897- ثم أول ما نذكره تفصيلُ القول فيما يثبت فيه خيار الشرط من العقود، فنقول: خيار المجلس يعم كلَّ بيع، كما تقدم. وخيار الشرط لا يثبت من البيوع في الصرف والسلم. والسبب فيه أن الصرف لا يقبل الأجل، والخيارُ أحق بأن يكون غرراً من الأجل، وهو في التحقيق تأجيلُ نقل الملك، أو تأجيلُ لزومه، والسلم وإن قيل: التأجيل في جهة المسلَم فيه، فلا يتصور ذلك في رأس المال؛ إذْ إقباضُه في المجلس شرط العقد، فكان في ذلك كالصرف من الجانبين، والخيارُ لو قُدر ثبوته، لتضمن جوازَ العقد في عِوَضيْه؛ إذ لا يتصوّر بيعٌ جائزٌ في أحد العوضين.
فرع:
2898- إذا ثبت أن خيار المجلس يثبت في الصرف والسلم، فأثر ثبوته أن مَن فسخ العقد من المتعاقدين، انفسخ، وإن كان ذلك بعد جريان التقابض حِساً، ولو أجازا العقدَ، نُظر: فإن أجازا بعد التقابضِ، لزم العقدُ، وامتنع فسخه، وإن أجازا العقدَ قبل جريان القبض، ففي المسألة وجهان، ذكرهما شيخي، وصاحب التقريب:
أحدهما: أن الإجازة لاغية؛ فإن القبضَ يتعلق بالمجلس، وهو بعدُ باقٍ، فحكم المجلس في الخيار باقي. والوجه الثاني- أن خيار المجلس ينقطع.
ثم الذي أثق به في التفريع، أنا إذا قطعنا باللزوم، تعيّن على المتعاقدين التقابضُ، فإن تفرقا قبل التقابض، انفسخ العقدُ بعد اللزوم، ولم نُعَصِّهما إذا كان تفرقهما عن تراضٍ، وإن فارق أحدُهما الثانيَ منفرداً قبل القبض، انفسخ العقد، ولكنه عصى بانفراده بما تضمن فسخَ العقد، وإسقاطَ المستحق عليه من العوض.
فرع:
2899- الإجارة هل يثبت فيها خيارُ المجلس والشرط؟ الطريقة المرضية فيها، أن خيار الشرط لا يثبت فيها؛ لأنه يتضمن تعطيل المنافع، ونحن منعنا إثبات خيار الشرط في الصرف؛ من حيث إن الصرفَ يقتضي تعجيلَ الإقباض، والخيار يؤخر التصرّفَ، وهو نقيض موضوع الصرف. فإذا فسد شرطُ الخيار في الصَّرف بتأخير مقصوده، فالخيار الذي يعطل المنافع بذلك أولى، وهل يثبت فيها خيارُ المجلس؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا يثبت؛ فإن المعتمد فيه الخبر، وهو مختص بالمتبايعين، والإجارة لا تسمى بيعاً.
والوجه الثاني- أن خيار المجلس يثبت؛ فإنا فهمنا من إثبات خيار المجلس غرضَ تدارك الغبن إن كان، والإجارة في هذا المعنى كالبيع، وقد قال الشافعي: الإجارات صنفٌ من البيوع، فهو في التحقيق بيعُ المنافع. ثم المجلس في غالب الأمر لا يمتد، فإن مضى شيء من الزمان، وتعطل فيه مقدار نزر من المنفعة، فهو مما لا يبالَى به، وإن طال المجلس على ندور، فالنادر لا يغير وضعَ الشيء.
وذكر الإمام وبعض أصحاب القفال الخلافَ في خيار الشرط أيضاً. وحاصل الطريقة ثلاثةُ أوجه في الخيارين: أحدها: يثبتان، والثاني: لا يثبتان، والثالث: يثبت خيارُ المجلس، ولا يثبت خيار الشرط.
والمرتضى الطريقةُ الأولى، فإن قلنا: لا يثبت الخياران جميعاً، وهو الأصح، فلا كلام.
وإن قلنا: يثبت الخياران، أو أحدُهُما، فالوجه عندي القطعُ بأن ابتداء المدة المضروبة في الإجارة تُحتسب من وقت العقد؛ فإن المصيرَ إلى أن المدة يحتسب ابتداؤها من انقضاء الخيار، يتضمن استئخار مدة الإجارة عن العقد، وهذا ينافي مذهب الشافعي؛ فإنه لا يرى إجارةَ الدار للسنةِ القابلة. والمصيرُ إلى أن ابتداء المدة من وقت تصرُّمِ الخيار تصريحٌ باستئخار موجَب العقد عن العقد وإجارة الدار للسنة القابلة عند الشافعي بمثابة تعليق العقد على مجيء الزمان المرتقب، وهذا لا مساغ له.
فإن قيل: إذا احتسبنا المدة من ابتداء العقد، فتتعطل المنافع على المستأجر، أو
على المكري؟ قلنا: لابد من التزام ذلك إذا قلنا بإثبات الخيار.
ومن فساد التفريع نتبين فساد الأصل.
ثم نقول: لو قُلنا: ابتداءُ المدّة من انقضاء الخيار، فالمنافعُ في مدة الخيار تتعطل على المكري، فلابد من تعطيل كيف فرض الأمرُ.
فلو قالَ قائل: ينبغي أن تُجوّزوا للمُكري الانتفاعَ إذا صرنا إلى أن ابتداء المُدَّة يُحسَبُ من انقضاء الخيار. قلنا: هذا الآن ينتهي إلى القُرب من خرق الإجماع. ومن أكرى داراً سنة مطلقاً، ثم أكراها من غير المكتري ثلاثة أيام، فلا مُجيز لذلك، فيما أظنُّ. وقال شيخي: من أئمتنا من يحتسب ابتداء مدة الإجارة من وقت انقضاء الخيار، وهذا يمكن توجيهُه على بُعده. ولهذا القائل أن يقول: إنما يمتنع استئخار حُكم الإجارةِ عن العقد، إذا لزم العقد. وهذا كما أنه يلزم ملك المشتري إذا لزم العقد، ويتأخر ملكُه، أو لزومُ ملكه إذا اشتمل العقد على الخيار. فإن صح هذا الوجه، فالقياس يقتضي جوازَ إجارة الدار للمكري في مدة الخيار، وأراه بعيداً.
التفريع:
2900- إن احتسبنا المدةَ من العقد، فالمنافع الفائتة في زمان الخيار يُنظرُ فيها، فإن هي فاتت في يد المكري، فهي من ضمانه، وإن كانت الدارُ في يد المكتري، ففوات المنافع في يده بمثابة تلف جزءٍ من المبيع في زمان الخيار في يد المشتري. وسنعقد في ذلكَ فصلاً.
وإن فرَّعنا على أن العقد يحتسب ابتداءُ مدته من انقضاءِ الخيار، فلا خفاءَ بما نحاولهُ. وإنما الذي يغمض فيه أن المكرِي لو أراد أن يُكري الدار في مدَّة الخيار، فهل له ذلك؟
وكل ما ذكرناه في إجارةٍ تورد على عين، فأما الإجارة الواردة على المدة، فقد قال الشيخ أبو علي: من يجعلها كالسَّلَم، ففيها خيار المجلس، ولا يثبت فيها خيار الشرط، ومن أئمتنا من يجعلُها كالسلم، فيثبتُ عنده فيها الخياران، بخلاف الإجارة الواردةِ على الحين، وذلك لأن المعتمد في نفي الخيار في الإجارة الواردة على العين ما قدمناه من تعطّل المنافع، وهذا المعنى لا يتحقق في الإجارة الواردة على الذمَّة، وفيه احتمالٌ عندي؛ لأن هذا لا يسمى بيعاً، والمعتمدُ في الخيارين الخبر، وهو في البيع.
فرع:
2901- في المسابقة قولان:
أحدهما: أنها جائزة، فلا معنى لتقدير الخيار على ذلك، والثاني: أنها لازمة، قال الأئمة: إذا حكمنا بلزومها، فهي في الخيارين بمثابَةِ الإجارة، والمسابقة عندي أبعد من الخيار، لأنها لا تعدُّ من عقود المغابنات، فازدادت بُعداً من البيع الذي هو مورد الخبر.