فصل: باب: حد القذف:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.فصل: يجمع تفاصيل المذهب في الشبهات المؤثرة في درء الحد:

11071- ونحن نجمعها في تقسيم كان يردده شيخنا أبو محمد، كان يقول: الشبهات ثلاثة أصناف: أحدها: في المحل.
والثاني: في الفاعل. والثالث: في الطريق والجهة.
فأما ما يتعلق بالمحل، فالملكُ وإن لم يُبح الوطء، يدرأ الحد على القول الجديد، والرأي الظاهر، فإذا ملك الرجل أخته من الرضاع أو النسب، وألمَّ بها على علم، لم يلتزم الحدّ، وكذلك إذا وطىء أحدُ الشريكين الجارية المشتركة، فلا حد عليه؛ لمكان الملك.
وللشافعي رحمه الله في القديم قولان مشهوران أن الحد يثبت في هذه الصور التي ذكرناها، وكان شيخنا يقول: أولى الصور بجريان هذا القول فيها المملوكة التي فيها معنىً محرِّم على الأبد، بحيث لا يفرض دفعه؛ فإن الملك لا يؤثر طريانه في رفع الحظر، فوجوده كعدمه، وهذا القول في الجارية المشتركة أضعف، لأنها عرضة الاستباحة باستكمال الملك.
وطرد أصحابنا هذا القولَ في وطء المولى الجارية المزوّجة، والجارية المملوكة المعتدة عن الزوج، وهذا لا أصل له؛ فإن تحريم العدة إلى الزوال، والنكاح عرضة الارتفاع، والطوارىء على الملك مع دوامه لا يُلحقها بالمحرمات التي لا يتصور استباحتها.
ولا خلاف في أن الوطء في الحيض لا يوجب الحد، وكذلك وطء الجارية قبل استبرائها لا يلزم الحد وفاقاً. ووطء المرأة المُحْرمة والصائمة كذلك، إذا كان سبب الحلّ مستمراً عليها؛ وذلك أن الحرمة ليست مختصة بها، وإنما سبب التحريم العبادة، وهذا كما أن سبب تحريم الحائض التقذّر والأذى.
والملك في الغلام على الرأي الظاهر لا يكون شبهة في درء العقوبة، كما تقدم، واستحقاق الاستمتاع بالزوجة والمملوكة يدرأ الحد إذا أتاها الزوج أو المالك في غير المأتى، وفي هذه الصورة وجه ضعيف يناظر على مضادة ما أشرنا إليه في الغلام المملوك.
وإن أردنا ضبط القول القديم، قلنا: كل مملوكة محرمة بمعنىً يخصها، لا لاحترام قرابة، فيجري القول القديم، ثم تتفصّل الصور، فجريانها في بعضها أظهر، وفي بعضها أخفى، كما قدمناه.
فهذا بيان الشبهات المتعلقة بالمحل، وعلى هذا يخرّج وطء الأبِ جاريةَ الابن؛ فإن له فيها شبهة، ثم إن حكمنا بأنها تصير أمَّ ولدٍ لو علقت منه، فلا حد جديداً وقديماً، وإن حكمنا بأنها لا تصير أم ولد، فقد أجرى بعض الأصحاب القولَ القديم في إيجاب الحد، وهذا ضعيف، لا تعويل على مثله.
11072- فأما الشبهات التي تكون في الفاعل، فيجمعها عدم علمه بتحريم الوطء وذلك يحصل بجهات: منها العقود الفاسدة التي يحسبها صحيحة، ومنها أن تزف إليه غيرُ امرأته، ومنها أن يصادف امرأةً على فراشه، فيحسبها مملوكته أو زوجته، ولو حسبها الجارية المشتركة بينه وبين شريكه-والتفريعُ على الجديد في أن الشريك لا يلتزم الحد بوطء الجارية المشتركة- فهذا فيه تردد، ويظهر نفي الحد؛ لأنه ظنّ ما لو تحقق، لاندفع الحد، ويجوز أن يقال: يلزمه الحد؛ لأنه أقدم على الوطء مع العلم بالتحريم، وظنَّ اقترانَ دارىء الحد بالوطء وكان الأمر على خلاف ما ظن، ويقرب من هذا أن يكون الشخص ممن يعلم أن الوطء محرم، ولا يعلم وجوب الحد به.
11073- فأمّا الطريقُ والجهةُ؛ فالقاعدة المعتمدة في المذهب أن كل جهةٍ صار إلى تصحيحها والحكم بإفضائها إلى الإباحة صائر من أئمة الشريعة، فإذا حصل الوطء بها، فالمذهب انتفاء الحد، وإن كان المُقدِم عليها لا يرى استحلالَ الوطء بتلك الجهة. وعلى هذا قال الأئمة: إذا نكح الرجل نكاح متعة، وأصاب، فلا حد، لمذهب ابن عباس في إباحة نكاح المتعة، وكذلك إذا نكح بغير وليٍّ، أو نكح بغير شهود، مكتفياً بالإعلام.
وحكى الأئمة قولاً عن الشافعي أن الوطء في نكاح المتعة ممن لا يستحله موجبٌّ للحد، وهذا قريب من القول القديم في الأملاك المقترنة بالأسباب المحرمة.
والترتيب عندنا أن كل عقد ليس فساده من المظنونات، وإن عُزي إلى بعض الأئمة، فنُجري هذا القول فيه، ونكاح المتعة منه، فإن الذي استقر عليه مذاهب العلماء أن نكاح المتعة أبيح ثم نسخ، وقد قيل: رجع ابن عباس عما ينسب إليه من إباحته.
وكل عقد لا يمكن القطع بفساده ويلحق الكلام فيه بالمظنونات، فهو شبهة في درء الحد، كمذهب أبي حنيفة في انعقاد النكاح بغير ولي، وكمذهب مالك في انعقاده بغير شهود، ولا يجري القول الذي ذكرناه في هذا الصنف.
وذهب الصيرفي من أصحابنا إلى إيجاب الحد على من وطىء في النكاح بغير ولي، ثم زعم أن الحد يجب على الحنفي فضلاً عن الشافعي، وانتحى في هذا مذهب الشافعي، حيث قال: لو شرب الحنفي النبيذ حددته، وقبلت شهادته. وسنعود إلى هذا الطرف في باب الأشربة، إن شاء الله عز وجل.
فهذه معاقد مذهبنا في الشبهات وتقاسيمها، وبيان محل الوفاق والخلاف فيها.
11074- وأما أبو حنيفة، فقد أتى بمناقضات بادية، وزعم أن كل ما يؤتى به على صيغة العقد دارىءٌ للحد، وإن أجمع المسلمون على بطلانه، فقال: نكاح الأم يدرأ الحدَّ عن الابن الذي يأتيها، وإن كان هذا على رتبة العقود الباطلة.
ولو اشترى حرّة، ووطئها، حُد.
ولو استأجر امرأة على الزنا، أو أباحت نفسها، أو جاريتها حُد، وأبو حنيفة قال: لا يحد، وأقام الاستئجار على الزنا دافعاً للحد، ثم اكتفى بالمعاطاة، وقال: لا حد على المرأة إذا مكنت مجنوناً، وعلى العاقل الحد إذا زنى بمجنونة، ولا حد عليه بخرساء في أمور لا يحويها ضبط، وليست من غرضنا. ثم أوجب الحد على من يأتي امرأة يحسبها زوجته، وإن كان لا يأثم، فهذا شخص غير آثم، وهو مرجوم! وقال في مسألة شهود الزّوايا: يجب على المشهود عليه الحد، وإن اختلفت الشهادات، فليس يستقر له مذهب في الدرء، ولا في الإيجاب.
ومن الفروع اللطيفة التي انتظمت له أنه قال: إذا شهد أربعة من العدول على زنا شخص؛ فإن كذّبهم، أقيم الحد عليه، وإن صدقهم، فلا حد عليه؛ لأن التصديق إقرار، والشهادة مع الإقرار مردودة، ثم الزنا لا يثبت بإقرارٍ واحدٍ.
فصل:
قال: "ويحدُ الرجل أَمَتَهُ... إلى آخره "
11075- السيد عندنا يقيم الحد على مملوكه في الجملة، خلافاً لأبي حنيفة، ثم كثر اختلاف أصحابنا في جوانب المسألة وأطرافها، والذي يكاد يجمع معظم صور الخلاف أن من أئمتنا من قال: السيد يقيم الحد على مملوكه بطريق الولاية؛ فإن الملك أثبت له سلطانَ تزويج الأمة، والتزويجَ من العبد مع اختلاف الدين على الرأي الظاهر. ومن أصحابنا من قال: إقامة السيد الحدَّ على مملوكه مأخوذة من جهة استصلاح الملك، وتأديب المملوك.
وينشأ من هذا الأصل مسائل: منها اختلاف الأصحاب في أن المكاتَب هل يقيم الحد على مملوكه الذي تحت يده، فإن جعلنا ذلك ولاية، فالمكاتَب رقيق ليس من أهل الولاية، وإن جعلناه استصلاحاً، فهو من أهله، وكذلك الخلاف في المرأة إذا أرادت إقامة الحد على مملوكها، أو أمتها، فإن اعتبرنا الولاية، فليست هي من أهل الولاية، وإن اعتبرنا الاستصلاح، فهي من أهله، وهذا الاختلاف يجري في المالك الفاسق على نحو ما ذكرناه.
ثم السيد يقيم الحد إذا أقر المملوك، أو أقرت الأمة، وهل يُصغي إلى شهادة الشهود، حتى يُثبتوا الحدّ عنده؟ هذا يخرج على ما مهدناه: فإن جعلنا إقامة الحد استصلاحاً، فليس السيد من أهل سماع البينة، وإنما يقيم الحد إذا عاين الزنا أو أقر المملوك به. وإن قلنا: سبيله سبيل الولاية، فهل يسمع السيد البينة؟ فعلى وجهين:
أحدهما- أنه يسمعها ويقيم الحدَّ بها.
والثاني: لا يسمعها؛ فإنه لا يستقل بالنظر في أحوال الشهود، وإنما يتهيأ ذلك للقاضي؛ لمكان استمكانه لمراجعة المزكين، قال العراقيون: إذا قلنا: لا يسمع الشهادة، فلو سمعها القاضي، وقضى به، فالسيد يستوفي الحدّ حينئذ، والأمرُ على ما ذكروه، وهذا قياس طريق المراوزة أيضاً.
ثم قال الأئمة: لا يشترط أن يكون السيد مجتهداً، قال الصيدلاني: إذا قلنا: إنه يسمع الشهادة، فلابد أن يكون عالماً، وهذا الذي قاله فيه نظر: فإن عَنَى بالعالم المتهدِّي إلى ما يختص بهذا الباب، فنعم، وإن أراد أن يكون مجتهداً، فلست أرى لذلك وجهاً.
وزاد العراقيون شيئاً متصلاً بهذا المنتهى، فقالوا: إذا قلنا: المرأة لا تقيم الحد على مملوكها في أحد الوجهين، فمن يقيمه؛ ذكروا وجهين:
أحدهما: أنه يقيمه الإمام، وهو الذي قطع به المراوزة، والثاني: أنه يقيم الحد على مملوكها من يتولى تزويجها، وهذا بعيد لا أصل له.
11076- ومما يتصل بتمام الفصل أن السيد هل يقطع مملوكه إذا سرق، أو قطع الطريق؟ فيه اختلاف بين الأصحاب، وهو خارج على الأصل الذي مهدناه: فإن جعلنا إقامة الحد ولاية، فلا يمتنع أن يقيمها المالك. وإن قلنا: إنها استصلاحُ ملْكٍ، فكأنا ألحقناه بالتأديب، والقطعُ ليس من قبيل التأديب.
وذكر بعض الأصحاب في هذا ترتيباً حسناً، فقالوا: في القتل والقطع ثلاثة أوجه: أحدها: أن السيد لا يملكهما، والثاني: أنه يملكهما. والثالث: أنه يقطع ولا يقتل؛ لأن القطع على حالٍ فيه إبقاء مملوك، وقد ينتفع به بعدُ، والقتل بخلافه، وابتناء ذلك على الأصل الذي ذكرناه.
والسيد لا يحد مكاتَبه؛ لأنه ليس تحت تصرفه، ويحد مدبَّره، وأمَّ ولده، فإن رقه قائم فيهما، وسلطانه مستمر عليهما، ولا تعويل على امتناع البيع في المستولدة.
ومن نصفه حر ونصفه مملوك، لا يقيم مالك الرق منه الحدَّ عليه أصلاً؛ فإنه يقع بجملته وبعضها حرٌّ، ورأيت في نسخة من نسخ الصيدلاني إلحاقَه بالمدبر، وأمِّ الولد، وهذا خطأ صريح، وأحسبه من خلل النسخة، وسأراجع نسخة أخرى، إن شاء الله تعالى.
وذكر العراقيون: أن العبد إذا قلنا: إنه يغرّب، هل يتولى السيد تغريبَه؟ فعلى وجهين:
أحدهما: ليس له ذلك؛ فإن المعوّل في إقامة الحد على المماليك الخبرُ، وإنما صح في الحديث تفويض الجلد إلى السادة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد» وهذا وجه ضعيف إن صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم».
11077- ومما يجب الإحاطة به أن السلطان من أهل إقامة الحد على المملوكين، والسادة من أهل إقامة الحد عليهم، فلو جعلنا السيد من أهل الإقامة، فليس عليه مراجعة السلطان فيما فوّضه الشرع إليه، وإذا لم يُقم السيد في بعض الصور، أقام السلطان، وإن ثبت الحدّ، فابتدر السلطان وأقامه، وقع الموقع.
وإن فُرض اجتماع السلطان والسيد، وكل واحد يبغي أن يكون هو المقيم، فهذا موضع النظر: يجوز أن يقال: السلطان أولى لمكان الولاية العامة، وإقامة الحدود هي أخص آثار الولايات، وقد قال الشافعي: "إذا اجتمع في دار رجلٍ مالكُ الدار والسلطانُ، وقامت الصلاة، فالسلطان أولى بالإمامة من مالك الدار " لأن أصل الجماعات مما جرى الرسم بكلام الولاة فيها، وإن كان لا يتوقف تصحيحها على رأيهم، فإذا كان كذلك، فالحدود بما ذكرناه أولى.
ويجوز أن يقال: المالك أولى بإقامة الحدود؛ لأنها تتعلق باستصلاح ملكه، فكان أولى منه، ولا يمتنع أن يقال: المالك أولى بالجلد والسلطان بالقتلِ، والقطعِ؛ فإن إعمال الأسلحة وسفك الدماء حقه ارتباطه بمن إليه الأمر، فإن أقام الشرعَ السيدُ به، فهو في حكم النائب للإمام، والتبعِ له. فإذا فرض النزاع، فالوالي أولى بما يليق بمنصبه.
11078- ثم عقد الشافعي باباً في حدّ الذميين، ومضمونه أنهم إذا ترافعوا إلينا، ورضوا بحكمنا، فيجوز القضاء عليهم، وفي الوجوب قولان تقدَّم ذكرهما في أبواب النكاح، وسيعود تفريعهما في أدب القضاء، إن شاء الله تعالى. وقصة اليهوديين، إذ رضيا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حد الزنى مشهورة.
وإذا ارتفع إلى مجلس الحاكم من الذميين من كان شرب الخمر ورضي بحكم الإسلام، فظاهر المذهب أنه لا يقام عليه الحد؛ لأن المقصود من الحد الزجر، والمرتفع إلينا مستبيحٌ للخمر، غيرُ مغيِّرٍ لعقده، فلا معنى لزجره، على أنا منهيون عن تتبعهم، مأمورون بمتاركتهم، والإعراضِ عن البحث عن أحوالهم.
فإن قيل: أليس نص الشافعي على أن الحنفي يحد إذا شرب النبيذ، وإن كان مستبيحَه؟ قلنا: إنما قال ذلك، لقطعه بأن في شرب النبيذ من المحذور ما في شرب الخمر النيّئة، وهذا ليس يفرض فيه اختلاف؛ فإنه آيل إلى درك قضايا الجبلاّت وموجب العادات، ولا يستريب ذو نظر أن حد الشرب شرع زجراً، والحنفي في قبضة الإمام، وعليه تتبّع أحوال الرعايا من غير متاركة وإعراضٍ عما فيه استصلاح الخلق، والذمي مستبيحٌ أُمرنا بمتاركته والإعراضِ عن أحواله، وليس ملتزماً لأحكام الإسلام، ولما يعود إلى مصالح أهله.
وقد خرج في الذمي قول أنه يُحد إذا رضي بحكمنا، وهذا بعيد غير معتد به، وخرج أيضاً في الحنفي قول أنه لا يحد من نص الشافعي؛ على أنه إذا نكح الشافعي بغير ولي، لم يلزمه الحد، وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في النكاح.

.باب: حد القذف:

11079- الكلام فيما يكون قذفاً، وفي إحصان المقذوف، وما يُرعى فيه قد مضى مستقصىً في كتاب اللعان. والذي نذكره الآن-وإن ذكرنا معظمه- الكلامُ في أن حدّ القذف حق للآدمي، ثم النظر فيمن يرثه، وبعد ذلك لو قذف جماعةً بكلمة أو قُذف شخص بكلمات.
فنقول: حد القذف حق للآدمي، ومن قال: فيه شَوْبُ حق الله تعالى وحق الآدمي، فغُلّب حق الآدمي، فليس على بصيرة؛ فإنا إذا قلنا: يتعلّق الحد بطلب المقذوف، ويسقط بعفوه، لم نغادر من تمحيض حق الآدمي شيئاً. نعم، يجوز أن يقال: حد القذف يشابه حدود الله تعالى من وجوه، والقصاص فيه مَشَابه من حدود الله تعالى؛ إذ الغرض الأظهر منه الزجر، وهذا يتعلّق بالمطلوب الأخص من حدود الله تعالى.
ثم اتفق أئمتنا على سقوط الحد بعفو المستحِق، ولو ورث الحدَّ جماعة-كما سنصف إن شاء الله تعالى، وجهَ التوريث فيه- فعفا بعضهم، فحاصل ما ذكره الأئمة أوجه: أحدها: أن الحد يسقط بعفو البعض، كما يسقط القصاص بعفو بعض الأولياء، والوجه الثاني- أنه لا يسقط منه شيء، ويستقل من لم يعف بطلب تمام الحد واستيفائه. والوجه الثالث: أنه يسقط بعفو العافي مقدارُ حقه، ويبقى مقدار حصص الذين لم يعفوا، وإن اقتضت القسمة تكسيراً، أكملنا الكسر في حكم الإسقاط تغليباً لموجب العفو.
ولو أراد مستحق الحدّ أن يعاوض عن الحد، ففي جواز الاعتياض وجهان مشهوران:
أحدهما: الجواز، كمفاداة المرأة في حِبالة النكاح، وإن كان المفتدي لا يستحق شيئاً منها.
11080- ولم أسمع خلافاً في أن مستحق الحدّ لا يقيمه، بل يرفعه إلى مجلس القضاء، والسبب فيه إعظام الاجتهاد في الحمل على الاقتصاد، وقد قيل: من يضرب مائةَ سوط على إبلاغٍ في الإيلام الناجع يستمكن من القتل بعشرين سوطاً، فلا وجه إلا الرفع إلى من إليه الأمر، وقد نيطت به الأمانات والولايات، وهو مبرّأ عن الذحول والأحقاد. هذا متفق عليه.
وقد اتفق الأئمة على أن من استحق القصاص في اليد، لم يكن له أن يستبد باستيفاء القصاص دون الإمام، أو من استنابه، وكذلك القول في القتل، والأمر في القتل من وجهٍ في حكم الاستبداد أهون؛ فإن النهاية المحذورةَ المَثُلَةُ، والقطعُ إذا فرض الإسراف فيه خيف إفضاؤه إلى الهلاك، ولكن لو قَتَل مستحقُّ القصاص، وقع الاعتداد به قصاصاً، وكذلك لو قطع.
ومن قتل من آحاد المسلمين زانياً محصناً، وقع قتله حداً، ولو أقام جلداً على زانٍ بكرٍ، لم يعتدّ بجلده، وعُدّ عدواناً، والحدّ قائم كما كان، ولو استوفى المقذوف الحدَّ بنفسه، فليس يبعد عن القياس المصيرُ إلى وقوعه موقع الاعتداد كالقطع، سيّما إذا صدر عن إسلامٍ من المحدود وإقدامٍ من المقذوف صادرٍ عن رضاه، ولكن الذي سمعته من الأئمة، ودلّ عليه فحوى كلامهم في مجموعاتهم أنه لا يقع الاعتداد بالحد.
11081- ومما يذكر في ذلك أن جماهير الأصحاب أجمعوا على أن المحصن لو قال لإنسان: اقذفني، فقذفه بإذنه، فالحد يجب عليه، بخلاف ما لو قال: اقطع يدي، فقطع، فالقصاص لا يجب وفاقاً، ورأيت للقاضي أبي الطيب الطبري في كتابه المترجم بالمنهاج أن الحد لا يجب على القاذف إذا أباح المقذوف له عرضه، لم يقله من تلقاء نفسه، وحكاه عن شيخه أبي حامد، وقال: كان يرى ذلك، وزيف غيرَه، والفرق على الجملة عسر.
11082- والذي لم يظهر فيه خلاف من أحد تنزيل حد القذف منزلة حدود الله في الفرق بين الحر والعبد، فعلى الرقيق إذا قذف أربعون جلدة نصف ما على الحر، وكان يليق بقياس حقوق الآدميين ألا يفرق في العقوبات بين الحر وبين العبد.
11083-ثم من آثار أصل المذهب في أن حد القذف حق الآدمي أنه إذا مات المقذوف، ولم يعفُ، ولم يُسقط حقَّه، فلا خلاف بين أصحابنا أن حد القذف موروث، وإنما اختلافهم فيمن يرثه، فقال قائلون: يرثه كل من يرث القصاصَ، والمالَ؛ فلا فرق بين أصحاب الفرائض والعصبات والمتعلقين بالأنساب والأسباب.
ومنهم من قال: يختص باستحقاقه إرثاً أهل القرابة، ثم لا فرق بين العصبات منهم وذوي الفروض.
ومنهم من قال: يختص استحقاقه بالعصبات؛ فإنه ذبٌّ عن النسب، فكان مأخذه قريباً من مأخذ الولايات في التزويج، ثم على هذا الوجه يرث الابن بلا خلاف، ولو كان لا يزوِّج، واختلف أصحابنا في أن المولى المعتِق هل يرث الحد؛ تفريعاً على هذا الوجه، كما تنتهي إليه ولاية التزويج؟ فمنهم من قال: هو من الورثة، ومنهم من قال: يختص إرث الحد بعصبات النسب.
هذا وجه في التوريث مفروض فيه إذا استقر استحقاق الحد، ثم مات المستحق.
ولو قذف قاذف ميتاً كان محصناً في حياته، استوجب الحدّ، وورثته يطلبون الحد على الترتيب الذي ذكرناه، والعجب أن أبا حنيفة أثبت لهم الطلب في هذه الصورة، وقال: لو وجب الحد، ثم مات المقذوف، لم يكن لورثته الطلب.
ومن غريب ما حكاه الشيخ في شرح التلخيص أن من أصحابنا من أجرى القصاص مجرى حد القذف، حتى يخرّج فيه الوجوه التي ذكرناها فيمن يرثه ويرث طلبه، وهذا غريب جداً.
ثم إذا قُذف الإنسانُ بعد موته، وقلنا: حد القذف لو ثبت في الحياة، لم يختص بإرثه أهلُ القرابة، بل يثبت للزوج والزوجة، فإذا كان القذف بعد الموت، فهل يستحق الطلب للزوج والزوجة؟ فعلى هذا الوجه وجهان:
أحدهما: يثبت لهما، كما لو استقر الحد في الحياة، ثم مات المقذوف.
والثاني: أنه لا يثبت؛ لأن القذف أنشىء والزوجية منتهية، وهذا لا فقه له؛ فإن الزوجية لا تنتهي بموت المورث، فلو صح هذا الاعتبار، لوجب القطع بأن الزوج لا يرث أصلاً شيئاً.
ومما يتعلق بذلك أنه إذا قُذفت أمتُه وأثبتنا لها حق طلب التعزير، فلو ماتت، فهل للسيد طلبه بعد موتها، كما للوارث ذلك في حق موروثه؟ فعلى وجهين:
أحدهما: أنه لا يثبت ذلك؛ إذ لا وراثة بين السيد والعبد، وسلطانه إلى بقاء ملكه، والموت يخرج العبد عن كونه مالاً. والوجه الثاني- أنه يقوم مقامَه في الطلب، لما بينهما من الاختصاص؛ فإنه يلتزم تجهيزهَ وتعيينَ مدْفنه، ويخلفه فيما يتصور الخلافة فيه عن رقيق. وهذا نجاز هذا الفصل.
11084- فأما القول في تعدد القذف والمقذوف فنقول: إذا قذف شخصاً مرتين بزنيتين، فإن لم يتخلل استيفاء حدٍّ، لم يلتزم إلا حداً واحداً؛ فإن حُد للقذف الأول، فنسبَ المقذوفَ إلى زَنْيةٍ أخرى، ففي المسألة قولان:
أحدهما: أنه لا يلتزم حداً آخر؛ فإنه قد كذب في حقه بحدٍّ، فكفى ذلك، ولا أثر لتعديد الزنيات في الذِّكر، ولكن يستوجب بتجديد الأذى تعزيراً.
والقول الثاني- وهو الأصح أنه يحد مرة أخرى لتجدد الخبر والمخبَر عنه، وإظهار كذبه في القذف الأول لا يتضمن تكذيبَه في الثاني. نعم، لو أعاد ذلك القذف الذي حُد فيه، لم يستوجب إلا تعزيراً، ولو لم يتعرض لإعادة عين القذف الأول ولا للتصريح بتجديد قذفٍ آخر، ولكن قال: زنيتَ، أو عين زنا، فحُدّ، فأطلق النسبة إلى الزنا، فهذا لا يوجب حداً جديداً وفاقاً، لإمكان حمله على إعادة الأول، فلا سبيل إلى إيجاب الحد مع التردد والشبهة.
وما ذكرناه من القذفين المختلفين فيه إذا كان لا يختلف الموجَبَان، فأما إذا تعدد القذف، واختلف الموجَب: مثل أن يقذف أجنبية بزنية، ثم ينكحها، ويقذفها بزنية أخرى على فراشه، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من قطع بتعدد الحد، ثم يلتعن لاختلاف أثر القذفين، ومنهم من أجرى القولين في تعدد الحد، كما قدمناه، وهذا يظهر أثره إذا لم يلتعن، فإن الْتعن، زال أثر القذف في الفراش، وبقيت الطَّلِبةُ بالحد اللازم بالقذف المتقدم على النكاح، وقد أوضحنا هذا في كتاب اللعان. هذا في تعدد القذف واتحاد المقذوف.
11085- فأما إذا قذف شخصين فأكثر، نظر: فإن أفرد كل واحد منهما بلفظة، استوجب حدين بلا خلاف، وإن أَحَّدَ الكلمةَ ونسبهما إلى الزنا بها، ففي المسألة قولان، مثل: أن قال: زنيتما؛ أو أنتما زانيان، والقولان جاريان مع العلم بأن اللفظ الواحد يشتمل على نسبتهما إلى الزنيتين، ولهذا كان الأصح تعدد الحد؛ فإن المعنى هو المعتبر، وقد تعدد معنى القذف، وليس للقائل الثاني إلا التمسك باتحاد اللفظ، ولا خير في هذا، مع ما أشرنا إليه، ولكنه قول مشهور.
ولو قال لأجنبية وامرأته: زنيتما، ففي المسألة طريقان؛ لاختلاف وقع القذف فيهما: منهم من قطع بالتعدد لما ذكرناه من الاختلاف، ومنهم من أجرى القولين، وأثر هذا يظهر إذا لم يلاعن عن زوجته، وآل الأمر إلى الحد وطلبه، فإن لاعن عن زوجته، فلا خلاف أن الحد للأجنبية واجبٌ؛ فإن اللعان لا يدرؤه.
وكل هذا مما قدمنا أصوله وفروعه في كتاب اللعان.