فصل: باب: بيع المكاتب وشرائه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.باب: المكاتبة بين اثنين يطؤها أحدهما أو كلاهما:

قال: "وإذا وطئها أحدهما، فلم تحبل... إلى آخره".
12576- المكاتبة المشتركة بين اثنين، إذا وطئها أحدهما- فلا يخلو إما أن يتصل الوطء بالإحبال، وإما أن يعرى عن الإحبال.
فإن لم يُحبلها، التزم مهر المثل لها، وسلمه إليها، فكان من جملة أكسابها. وإن أحبلها، نُظر: فإن كان معسراً، فيصير نصيبه أم ولد، ولا منافاة بين أمية الولد والكتابة، وسنبين أن مكاتبة أم الولد ابتداءً صحيحة، ثم لا سريان؛ لكونه معسراً، وفي الولد قولان حكاهما الصيدلاني:
أحدهما: أن النصف منه حر، والنصف رقيق؛ فإن الوطء المُعْلِق صادف مشتركة، وانتفى السريان، فكما اقتصرت أمية الولد على النصف، وجب اقتصار الحرية على نصف الولد.
والقول الثاني- أن الولد يعلق حراً؛ فإن الرق لا يتبعض ابتداءً، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم مع نظائرَ وأمثلةٍ.
ثم إن حكما بتبعيض الحرية، فالنصف الرقيق سبيله سبيل ما لو كان جميع الولد رقيقاً، وقد مضى التفصيل في ولد المكاتبة، فإنه رقيق، وتسري الكتابة إليه، إلى آخر التفصيل.
وأما النصف الذي وقع الحكم بحريته، فإن قلنا: ولد المكاتبة من زنا أو نكاح رقيق للمولى، فهذا النصف الذي انعقد حراً لا يضمن الواطىء قيمتَه؛ فإنه لو كان رقيقاًً، لكان له، وإن قلنا: لو كان رقيقاً، لسرت الكتابة إليه، فإذا انعقد حراً، فَمَنْع الرق بمثابة إتلاف الرقيق، وقد تقدم التفصيل في أن ولد المكاتبة إذا قتله أجنبي، فقيمته لمن؛ فإن قلنا: القيمة للمولى، فلا قيمة في مسألتنا على المولى في النصف الذي انعقد حراً، وإن قلنا: القيمة للمكاتبة، غرم لها نصفَ القيمة، ومنعْ الرق كالإتلاف.
ولو حكمنا بأن الولد حر كله، فالقول في النصف، كما مضى، والنصف الآخر لا شك أنه يجب على الواطىء قيمته، والكلام في أنه يصرف إلى المكاتبة أو إلى الشريك، ولكن الواطىء معسر، فيقع ذلك النصف في ذمته إلى أن يجد.
هذا كله إذا كان الواطىء معسراً.
فأما إذا كان الواطىء المعْلِق موسراً: أما الولد، فلا خلاف أن الولد يعلق حراً؛ لأنا نعلّق بهذا الوطء الاستيلاد في الجارية، وإنما الخلاف في وقت السريان، وكل وطء يتعلق به أمية الولد عاجلاً أو آجلاً، فالولد يكون حراً، لا محالة.
وقد يعلق الولد حراً إذا جرى الوطء بشبهة في ملك الغير، ولا يثبت الاستيلاد في الجارية، وقد نقول: لا يثبت أيضاً إذا ملك الموطوءة، فإذا تعلقت حرمة الاستيلاد بالوطء، فلا يخفى أن الولد يعلق حراً.
ثم أول ما نذكره إذا كان المُعْلِق موسراً، تفصيل القول في وقت سريان الاستيلاد، فنقول: إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من المكاتب، ففي سريان العتق-والمعتق موسر- قولان:
أحدهما: أنه يتنجز في الحال.
والثاني: أنه يتأخر إلى عجز المكاتب في باقيه. وقد مضى هذا مفصلاً.
12577- ونعود بعد تجديد العهد إلى الاستيلاد. وقد اختلف أصحابنا في وقت سريانه على طريقين: فمنهم من قال: في الاستيلاد ووقت سريانه قولان كالقولين في العتق. ومنهم من قطع بتأخر سريان الاستيلاد إلى عجز المكاتبة في باقيها ورقها، وهذا ظاهر النص؛ فإن الشافعي قطع جوابه بتأخير سريان الاستيلاد، وردّد القول في العتق.
والفرق أن تسرية العتق في الحال يقتضي نقلَ الملك، ونقلُ الملك في المكاتب في ظاهر القياس يتضمن فسخ الكتابة، كما ذكرنا طرق الأصحاب في ذلك، ولكنا نحتمل هذا-في قولٍ- من جهة أن الكتابة إن كانت تزول، فالعتق الناجز يخلفُها، فلو قلنا: يثبت الاستيلاد ناجزاً، لاقتضى سريانُه نقلَ الملك في حصة الشريك إلى المستولد، وهذا يتضمن لا محالة رفعَ الكتابة على الطريقة الظاهرة، فلو صرنا إليه، لكنا رافعين للكتابة بأمية الولد، وأمية الولد ليست تنجيز عتق، وإنما هي توقع عتق، والكتابة لازمة من جهة المولى، فلا يسوغ رفعها من غير أن يخلفها عتقٌ ناجز.
فإن قال من أجرى القولين: أمية الولد أثبتُ من الكتابة؛ فإن الكتابة عرضةُ الفسخ بخلاف الاستيلاد، قيل له: الأمر كذلك، ولكن حصول المقصود مربوط بالموت، وأداءُ النجوم أقرب إلى التوقع من الموت في شخص، والبقاء في شخص، وقد يُظن ذلك ثم ينعكس الأمر.
هذا قولنا في الاستيلاد ووقت سريانه.
12578- فأما الكلام في قيمة الولد: فإن جرينا على المسلك الأصح، وقلنا: يتأخر سريانُ العتق إلى العجز في الباقي، فالكلام ينقسم في شطري-الولد- وإن كان كله حراً- أما النصف الذي يقابل حصةَ المستولد، فقد جرى فيه منعُ الرق.
فإن قلنا: حقُّ الملك للمكاتبة في ولدها، فلا شك أن السيدَ المستولدَ يغرَم لها نصفَ القيمة ناجزاً. وعلى هذا لا توقف في النصف الثاني؛ فإن حق الولد-على القول الذي نفرع عليه- للمكاتبة، والكتابة بعدُ قائمة؛ فإن النصف الذي ثبت الاستيلاد فيه لم ترتفع الكتابة عنه، ولم يَجْرِ الاستيلاد في النصف الآخر، فليغرَم تمامَ القيمة لها.
وإن قلنا: ولد المكاتبة رقيق، فلا يغرم المستولد على مقابلة حصته شيئاً، ويغرم في الحال قيمة النصف الآخر لشريكه، وسريان الاستيلاد منتظر.
ومن أحاط بما قدمناه في ولد المكاتبة، لم يخف عليه تخريج هذه المسائل على ما تقدم.
ولا شك أن ما نذكره فيه إذا انفصل الولد حياًً، هذا هو التفصيل البين المفرّع على تأخير سريان الاستيلاد.
فإن قلنا على الطريقة البعيدة: ينفذ الاستيلاد في الحال، ثم قلنا: تنفسخ الكتابة في نصيب الشريك، للاحتياج إلى نقل الملك، فلا شك أنا على ذلك نقول: بقيت الكتابة في نصفه منهما، وانفسخت الكتابة في النصف الذي كان لشريكه، وخَلَفَت الكتابةَ أميةُ الولد.
فأما قيمة الولد، فالكلام يقع في شقي الولد، فأما النصف الذي يقابل نصيب المستولد، فهو مخرج على أن الحق في ولد المكاتبة لمن؟ وأما النصف الآخر الذي حكمنا بانفساخ الكتابة، فالقول فيما يقابل ذلك النصف-وقد انفسخت الكتابة فيه- مأخوذ من استيلاد أحد الشريكين الجارية القِنَّة-والتفريع على تعجيل السريان- فالولد حر.
وفي قيمة الولد قولان:
أحدهما: أنها لا تجب.
والثاني: أنه يجب نصف قيمة الولد للشريك، وهذا مبني على أن العلوق على الحرية هل يقترن بنقل الملك، أم يقع بعده، أم يتقدم على النقل؟ وكل هذا مما مضى.
ومن انتهى من هذا الكتاب إلى هذا الموضع وطلب الإحاطة بما فيه، لم تخف عليه أمثال ذلك. هذا تمام البيان.
12579- وقد خلط الصيدلاني هذا الفصل، وأتى بكلام متهافت، وأنا أرى نقلَ كلامه بلفظه، ثم نتتبعه.
قال: "والولد حر ثابت النسب، وينظر في قيمة الولد، فإن جاءت به قبل أن عجزت، فنصف قيمة الولد واجب عليه، وإن جاءت به بعد أن عجزت وأدى القيمة، فلا يلزمه من قيمة الولد شيء، وإن جاءت به بعد أن عجزت، وقبل أن أدى القيمة- فإن قلنا: السراية تقع يوم الإحبال في سائر المواضع-وهاهنا يوم التعجيز- فلا يلزمه من قيمة الولد شيء، وإن قلنا: يوم أداء القيمة، غرم نصف قيمة الولد".
هذا لفظ الصيدلاني في كتابه. وهو خطأ صريح. ومن أحاط بما ذكرناه، لم يخف عليه أن ما سواه غلط، ومعنى ما ذكره أن الولد حر لا محالة، وهذا سديد، ثم قال: "فإن جاءت به قبل أن عجزت"، أراد إن ولدته، فنصف قيمة الولد واجب على المستولد. وأين هذا من التفصيل المطلوب في قيمة الولد: وأنها للمكاتبة، أو للمولى، وما وجه الاقتصار على نصف القيمة؟
ثم قال: إن جاءت به بعد العجز وأداء القيمة عند السريان، فلا يلزمه من قيمة الولد شيء- أراد بذلك أنها إذا عجزت في باقيها ورقت، وربما فرض عجزها في النصف الذي يثبت الاستيلاد فيه ابتداء، فإذا أتت بالولد وهي مستولدة، وقد زالت الكتابة بالتعجيز، فقد تحقق الولاد في ملكه، والاعتبار بحالة الولادة؛ ولهذا قلنا لو انفصل الولد ميتاً، لم يجب الضمان، فإذا وقعت الولادة في حالة خلوصها له، فلا ضمان أصلاً.
هذا ما فهمتُه من كلامه، وانقدح لي من توجيهه، وهو ليس بشيء؛ فإنا ذكرنا في قيمة الولد عند جريان الاستيلاد من أحد الشريكين في الجارية المشتركة قولين:
أحدهما: أنه يجب مقدار حصة الشريك من القيمة، وهذا مبني على تقدم العلوق على انتقال الملك، ثم الولادة تقع بعد هذا الحكم، وبعد الانتقال بأشهر، وكذلك الأب إذا استولد جارية الابن، وأوجبنا عليه قيمة الولد على قولٍ، فهو جارٍ على القياس الذي ذكرناه في الجاربة المشتركة، وإن كانت الولادة تقع بعد انتقال الملك.
وذاك الذي خيّلنا به من تشبيه انفصال الولد في ملكه بانفصاله ميتاً ليس بشيء؛ فإن الحرية إذا تحققنا تقدمها؛ ثم علمنا حياة الولد-والحر وإن انفصل في حالة كون الأم مملوكة- فلا حق في الحر لمالك الأم، وإذا انفصل الولد ميتاً، فلم تتحقق حياته، فكان كالعديم الذي لا حكم له في موجب الغرم، فلم يتحصل مما ذكره شيء.
وباقي كلامه مختبط؛ فإنه بناه على ما ذكرناه، ولا يلتبس على من شدا طرفاً من الفقه أن المسلك الحق في ترتيب المذهب ما قدمناه، وما عداه خبط وخيال.
12580- ومن تمام الكلام في هذا الفصل أنا رأينا الاستيلاد وسريانه أولى بالتأخير من العتق، والذي ذهب إليه معظمُ المرتبين أن أحد الشريكين إذا أعتق الجارية المشتركة، ففي سريان العتق الأقوالُ المعروفة.
ولو استولدها، وقلنا: العتق يتعجل سريانه، فالاستيلاد أولى بالتعجيل. ومن أصحابنا من قال: لا فرق. وقد ذكرنا في هذا الفصل أن الاستيلاد أولى بالتأخير من العتق. والفرق بين القاعدتين أن الاستيلاد في الرقيقة القنة يصادف ملكاً يقبل النقل، بخلاف ما إذا جرى في المكاتبة. ثم احتملنا تعجيل سريان العتق في المكاتبة على قولٍ؛ لأن العتق يعجل مقصود الكتابة، والاستيلاد توقع المقصود، وهذا على ظهوره لا يضر ذكره.
فصل:
قال: "فإن وطئاها... إلى آخره".
12581- قد ذكرنا في الفصل المتقدم وطء أحد الشريكين إذا عَرِيَ عن الاستيلاد، أو أفضى إليه، وهذا فيه إذا وطئاها جميعاً، فإن لم يثبت استيلاد، فعلى كل واحد منهما مهرُ مثلِ المكاتبة لها؛ فإن المهر عوضُ منفعة البضع، فهو مصروف إليها، فإن لم يتفق منهما غرم المهرين حتى ماتت المكاتبة، وجرى الحكم برقها، أو لم يغرما حتى عجَّزت نفسَها، فإن استوى مقدار المهرين، جرى بين الشريكين التقاص، وسنذكره مفصلاً على القرب، إن شاء الله، وإن تفاوت المقدار بسبب تفاوت الزمان، واختلاف صفة الموطوءة فيما يلحقها من التغايير، لم يَخْفَ التفصيلُ.
ولو وطئا وأتت بولد، وأمكن أن يكون منهما على البدل، فحكم النسب لا يخفى، فإن ادعياه، أَرَيْنا الولدَ القائفَ، وإنما غرضُنا من الفصل بيانُ الاستيلاد والغُرم، وليقع الغرض فيه إذا كانا موسرين، وادعى كلُّ واحد منهما أن الولدَ ولدُه، والجارية أمُّ ولده، فإذا تنازعا كذلك، وأَرَيْنا الولدَ القائفَ، فألحقه القائفُ بأحدهما، التحق النسب، وقدّرنا كأنه المنفرد بالاستيلاد، ويصير قول القائف حجةً في الواقعة؛ فإن النسب إذا ثبت، فلا شك أن الولد ولدها، فإذا انتسب إلى أحدهما، فهي أم ولده، وهذا بمثابة إثباتنا الولادة في النكاح بشهادة نسوةٍ والفراش يلحق النسب، وإن كان النسب لا يثبت بشهادة النسوة المجردات.
ولو فرضنا هذه المسألة في الرقيقةِ القِنة، لكان ذلك أقربَ إلى إيضاح الغرض، حتى لا نحتاج إلى تأخير الاستيلاد وفرض العجز، فليقع الكلام في الرقيقة، والحكم ما ذكرناه من نفوذ الاستيلاد، ولحوق الولد.
ثم إذا نفذنا استيلادَه، فلا يغرَم لشريكه قيمةَ نصيبه؛ لأنه ادعى أن الجارية مستولدتُه، وهو مؤاخذ بموجَب إقراره، ولو صح ما قاله، لما وجب على شريكه غُرم، هذا إذا وجدنا القائف.
فأما إذا لم نجد وعسُر الأمر، والمتداعيان موسران، فنحكم بثبوت الاستيلاد في نصف كل واحد منهما، فيعم الاستيلادُ الجاريةَ، ولكن يضاف إلى كل شريك نصفُ الاستيلاد، والسبب فيه أنهما مستويان، وليس أحدهما أولى بالتصديق من الثاني، ويدُ كل واحدٍ ثابتة على النصف، والملكُ مترتب على اليد، وليس أحدهما أولى بالسراية من الثاني. فالوجه عند إشكال النسب ما ذكرناه، ثم لا تراجُعَ بينهما لما نبهنا عليه.
ولو أقرا بالوطأين، ولم يتعرضا للتداعي في الولد بل سكتا عنه، فالولد نُري القائفَ، فإذا ألحقه بأحدهما، التحق به، وثبت الاستيلادُ وسريانُه في حقه، ثم يلزمه أن يغرَمَ لصاحبه قيمةَ نصيبه، والأمر في الولد على ما ذكرناه في الجارية المشتركة إذا انفرد أحدهما بوطئها واستيلادها، والغرض من هذه الصورة أن قول القائف، اقتضى ذلك كلَّه، ولم يوجد من الشريك إقرارٌ ينافي الغرم، فجرى الأمر على ما وصفناه.
ومما يتعلق بهذا الفصل، أنا إذا لم نجد القائفَ، راجعنا الولد بعد بلوغه، كما تفصل في موضعه، فإذا التحق بأحدهما لحقه.
فليت شعري: ماذا نقول في الغرم، والشريكان ساكتان؟ أنثبته بقول الولد، كما أثبتناه بقول القائف؟ أو نقول لا يثبت الغرم بقول الولد؟ هذا فيه احتمال وتردد بيّن، والأصحابُ وإن لم يصرحوا به، ففي قواعد كلامهم ما يشير إلى التردد.
وكل ما ذكرناه فيه إذا كانا موسرين.
فأما إذا كانا معسرين، فلا سريان في الاستيلاد، فإذا تردد الولد بينهما، ثم فرض إلحاقٌ من القائف، لم يخفَ التفريع، فيثبت الاستيلاد في حصة من لحقه النسب، ولا سريان، ويثبت الاستيلاد في نصيب الثاني لإقراره، وإذا وضحت الأصول، وتكررت الفروع، لم يكن في إعادتها معنى.
فصل:
قال: "ولو ادعى كل واحد منهما أن ولده وُلد قبل صاحبه... إلى آخره".
12582- صورة المسألة: أن تأتي الجارية بولدين من الشريكين، والتحق بكل واحد منهما ولد، فقال كل واحد منهما: ولَدَتْ مني هذا الولد قبلَ أن وَلَدَتْ منك الولدَ الذي لك، والولدان متقاربان في السن، وأشكل الأمرُ، فالاستيلاد ثابت، ولا ندري أن الجارية أُتمُ ولد مَن منهما؟ وليس أحدهما أولى بالتصديق من الثاني، والفرض في القِنة، والشريكان موسران، والتفريع على تعجيل السراية، ثم هما جميعاً مؤاخذان بالإنفاق عليها، فإذا مات أحدهما، عَتَقَ نصفُها في ظاهر الحكم؛ فإن كل واحد منهما مؤاخذ بإقراره فيما هو تحت ملكه ويده، ولو ماتا، عَتَقَت ظاهراً وباطناً، وولاؤها موقوف؛ فإنا لا ندري من المعتِق منهما.
ولو كانا معسرين وجرى ما وصفناه وماتا، فلا شك أنها تعتِق، ولكن لا إشكال في الولاء، فيثبت لكل واحد نصفُ الولاء.
وحكى الربيع في المعسَرَيْن، حيث انتهى التصوير إليه أن الولاء موقوف. وهذا غلطٌ بإجماع الأصحاب، لا يعد مثله من المذهب، وذلك بيّن. وإنما نذكر أمثاله حتى نوضح وجهَ الزلل فيه. والله أعلم.

.باب: تعجيل الكتابة:

12583- مضمون الباب شيئان:
أحدهما: القول في تعجيل المكاتَب النجمَ، وهذا مما قدمناه، ولكنا نزيد فضلَ تفصيل حتى لا يَعْرَى البابُ عن مزيد: فإذا عجل المكاتبُ النجمَ قبل حلوله، تعين على السيد قبولُه، إذا لم يكن على السيد في قبوله ضرر، وقد فصلنا هذا فيما مضى، والذي نَزِيدُه أن ابتداء الكتابة لو كان في زمان نهب وغارة، ثم استمرت تلك الحالة، فجاء المكاتَب بالنجم، فقال السيد: لا أقبله للضرر، وقال المكاتَب: لقد كانت هذه الحالةُ مقترنةً بالعقد، ولم يتجدد أمر لم يكن، ففي هذه الصورة وجهان للأصحاب:
أحدهما: أن السيد لا يُجبر على قبول النجم المعجَّل.
والثاني: أنه مُجبر عليه؛ لاستواء الحال.
فصل:
قال: "ولو عَجّل بعضَ الكتابة على أن يبرئه من الباقي... إلى آخره".
12584- صورة المسألة: أن السيد إذا استدعى من المكاتب أن يُعجِّل له نجماً، فقال المكاتب: أُعجل لك بشرط أن تَحُطَّ عني بعضَ النجم، فقد نقل المزني في هذا ترديداً في النص، وجعل المسألة على القولين في أن الإبراء هل يصح على هذا الوجه، وهل يصح الأداء على هذا الوجه؟
وقد ذهب المحققون من الأصحاب إلى تغليط المزني ونسبتِه إلى الوهم والزلل؛ فإن الإبراء المعلَّقَ بالشرط باطلٌ، وتعجيلُ أداء النجم-إذا عُلق بشرطٍ- غيرُ صحيح، وليس هذا مما يجوز التماري فيه.
وذهب الأكثرون إلى حمل كلام الشافعي على غير الشرط، وقالوا: المسألة مفروضة فيه إذا عجّل المكاتب، فتفضّل السيد من تلقاء نفسه وأبرأ عن مقدارٍ، فأما إذا جرى الشرط على حقيقته، فليس إلا الفساد، فإن جرى الإبراء معلَّقاً بشرط التعجيل، فسد، والدَّينُ بكماله باقٍ، وإن عجل المكاتَب الأداءَ، وشرطَ الإبراء، فأداؤه باطل.
ولست أستجيز أن أنقلَ جملةَ ما اختلف الأصحاب فيه في هذا الفصل؛ فإني لست أرى فيه مزيد فقه، ولا كلاماً مُخيلاً تَمَسُّ الحاجةُ إلى نقله ليعتمد، هذا مضمون الباب.
12585- ثم نقل الأصحاب عن الشافعي شيئاً، إذا أفسدنا الأداء المشروط وهو مذكور في (السواد) قال: "إن أراد أن يَسْلَم له مقدارٌ من النجم، فليقل للمكاتَب: عجِّز نفسك وأنا أُعتقك على المقدار الذي أبغيه منك".
وهذا الذي ذكره الشافعي مشكل، فإنه إذا عجّز نفسه، انقلب إلى السيد جميع ما في يده، فمن أي موضع يؤدي المشروط أولاً؛ ثم السيد بعد جريان التعجيز يستبد بجميع ما في يده، وتنقلب رقبته إليه رقيقاًً، ولا يلزمه الوفاء بإعتاقه على مال، فذلك العوض يقع في ذمته، وقد فاز السيد بجميع ما كان منسوباً إلى مِلْكه قبل التعجيز، فكيف ينتصبُ هذا ذريعة إلى تحصيل التعجيل، مع تحقيق غرض المكاتَب في التخفيف عنه في مقدارٍ من النجم، وهذا استئصالُ جميعِ ما في يده مع إلزامه مزيداً في ذمته.
ووراء ما ذكرناه نوعان من الإشكال آخران:
أحدهما: أن غرض المكاتَب استتباعُ أكسابه وأولاده، وإذا عجّز نفسَه، وانقطعت المكاتبة، لم يتبعه الكسب والولد بعد انقطاعها. هذا وجه. والوجه الثاني- نورده جواباً عن سؤال، قال صاحب التقريب: إن أراد المكاتب أن يثق بموعد السيد، لم يُسعفه بما قال، حتى يقول المولى: إذا عجَّزت نفسك، ثم أعطيتني ألفاً، فأنت حر، فتحصل الثقة بعد حصول التعليق.
وهذا فيه نظر؛ من جهة أن تعليق العتق بالأداء يقع إنشاؤه في حالة استمرار الكتابة، وما لم ترتفع الكتابة، لم يصح إثبات عقد عَتاقة آخر على مال، فكأنه أوقع تعليق عقد في وقت لا يملك إنشاءه، ومن مذهب الشافعي أن ما لا يصح تنجيزُه في وقت لا يصلح تعليقُه فيه، وهذه أمور مضطربة، لا يشك الفقيه في خروجها عن ضبط المذهب على أي وجه قُدِّر، ثم إن جُوِّز مثلُ هذا التعليق، تعويلاً على استمرار الملك، فكيف الجواب عن استتباع الكسب والولد.
وقد قال شيخي أبو محمد رضي الله عنه: من أصحابنا من قال: إذا أدى بعد التعجيز ما شرط عليه، استتبع الكسبَ والولدَ، فإن هذا شرطٌ جرى في كتابةٍ لتحصيل غرض المولى.
وهذا عندي لا مساغ له، وهو هدمُ أصل المذهب، وإثبات ما لا يليق مثلُه بقاعدة الشافعي، وإن لم يكن من مثل هذا بدٌ؛ رعايةً لغرض المولى والمكاتب، فما ذكره المزني من نقل قولٍ في صحة الأداء والشرط أمثلُ من هذا، ولا خير في شيء منه.
والوجه أن يقال: في نقل ذلك خلل، أو بادرةٌ صدرت من غير فكر من ناقلٍ على قياس مذهب الشافعي. والله أعلم. ثم المعلَّقُ عتقه بالأداء إذا أدى ما لا يملك، ففيه كلام طويل وتفصيل، ثم عاقِبتُه أن يغرم قيمةَ نفسه، ويفوزَ السيد بما يأتي به من حساب ارتداد الأكساب إليه بسبب تعجيز المكاتب نفسه، وبالجملة هذا سوء تدبير العبد.

.باب: بيع المكاتب وشرائه:

قال: "وبيعُ المكاتَب وشراؤه... إلى آخره".
12586- مقصودُ الباب ضبطُ المذهب فيما ينفذ من معاملات المكاتَب، وفيما لا يصح منه الاستقلال به، ولو فعله بإذن المولى، ففيه قولان.
فنقول: بيعُه بثمن المثل من غير أجلٍ نافذٌ، وشراؤه إذا لم يتضمن التزامَ غَبْن، صحيحٌ، وانفرادُه بما هو تبرع من المريض محسوب من الثلث مردودٌ، وإذا تبرع بإذن السيد، ففي المسألة قولان مشهوران:
أحدهما: أن تصرفه ينفذ؛ فإن الحق لا يعدوهما.
والثاني: أنه لا ينفذ؛ لأن المكاتب باستقلاله خرج عن التعرض لإذن المولى، فضعف من هذا الوجه إذنُه، وامتنع انفراده بالتبرع؛ فانتظم من ذلك انحسام التبرع عليه؛ فإن الإذن إنما يقع الموقع ممن يملك الاحتكام، وليس السيد كذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة.
ثم ألحق الأصحاب بما يمتنع على المكاتب التسري؛ بما فيه من الإفضاء إلى الإعلاق، وتعريض الموطوءة لخطر الطَّلْق، وهذا بمثابة منعنا الراهنَ من وطء الجارية المرهونة. وكان شيخي لا يُبعد إجراءَ الوجهين في وطء الجارية يُؤْمَنُ حَبَلُها.
وهذا غير مرضيٍّ-وإن أجرى الأصحاب هذين الوجهين في الراهن والمرهونة- من جهة أن المكاتب عبدٌ، وهو بالوطء يتصرف في نفسه بما يوهي القوة ويُضعف المُنَّة، ولا ضبط يُتخذ مرجوعاً للمذهب فيما يجوز من ذلك ويمتنع، والوجه الحسم، وإن أراد التسري بالإذن، ففيه الخلاف المذكور، كما تقدم في جميع التبرعات.
12587- ومما ألحقه الأصحاب بقبيل التبرع البيعُ نسيئة من المليء الوفى، وإن فُرض تأكيد الثمن بوثيقة الرهون، وهذا فيه بعض الغموض؛ فإن مثل هذا مما نجوّزه للقيّم، أو للأب، في مال الطفل مع شدة العناية بالنظر له، ورعايةِ نهاية الغبطة.
والذي أراه أن هذا لا يُخَرَّجُ على قانون المذهب في منع الوكيل المطلق عن البيع نسيئة؛ فإنا نُدير أطراف تلك المسألةِ على العادة إذا اطردت، وعليها إذا اضطربت، والمالك للأمر هو الموكِّل، وليس المكاتَب متصرفاً للسيد، حتى يُحمَلَ تصرفُه على ما يقترن بالإذن المطلق من العادات، ولكن الوجه فيه أن رفع اليد عن المبيع غررٌ في الحال، والكسبُ حقُّ السيد، وإنما أثبت الشرع للمكاتب التصرفَ فيه على شرط ألا يركب غرراً ناجزاً، ورفعُ اليد عن المبيع غرر، وفيه تحقيق للضرر على ارتقاب فائدةٍ في العاقبة، وهذا تصرف من المكاتب في الكسب، حقُّه أن يكون للمولى بما يقطع السلطان عنه في الحال، ويستبدل عن النقد وعداً قد يُخلف.
وليس تصرفه كتصرف الولي في مال الطفل؛ فإنه محمول على ما يعدّ مصلحة، والبيع الموصوف يُعدُّ مصلحةً، والمكاتب لم ينصبه الشرع ناظراً، والكسب في الحقيقة ليس له؛ فلينحصر تصرفه على أمر ناجز يكون ذريعةً إلى تحصيل العتق، والدليل عليه أن المريض إذا باع نسيئة طال نظر الفقيه في اعتبار تصرفه من الثلث، على تفاصيلَ قدمناها في الوصايا، والسبب فيه أنه في الثلثين متصرفٌ في حق الورثة، فلم ينصبه الشرع ناظراً لهم، فهذا تحقيق ما أردناه.
والذي أراه القطعُ بأنه يبيع العَرْضَ بالعَرْض؛ إذ لا غرر والمالية هي المرعية، بخلاف الوكيل؛ فإن أمره مفارقٌ لأمر المكاتَب، والمريض ينفذ منه بيع العَرْض إذا عريت الصفقة عن غبينة.
12588- وأما إذا أراد أن ينكح، فلا شك أن النكاح يجر إليه مؤناً، ويُلزمه في الحال المهر، وليس مستبدِلاً عنه مالاً على الحقيقة، ولكن الحاجة قد تمسّ، فاضطرب أصحابنا: فمنهم من نزّل نكاحه منزلةَ التبرعات في الاستقلالِ، والصدورِ عن الإذن، وهذا هو القياس المعتمد. ومنهم من قطع القول بصحة النكاح، إذا صدر عن إذن المولى؛ للحاجة التي أشرنا إليها.
وهذا ليس بشيء؛ من وجوه: منها- أن أحداً من الأصحاب لم يُطلق انفرادَه بالنكاح، ولو تحقق التعويل على الحاجة، لوجب إلحاق نكاحه بأكله وشربه حتى يستبدَّ به، ولم يصر إلى هذا أحد. والآخر- أن التسري يلزم إخراجُه على قياس النكاح، وإن كان فيه تعريضُ الجارية لخطر الطَّلْق. والآخر- أن مدة الكتابة متناهية، فلا يبعد تكليفُه الصبرَ، وارتقابَ الخلاص من الرق.
وأما تزويج المكاتبة، فالنظر فيه على وجه آخر، فإنه ليس من التبرع، حتى يُلحقَ بما قدمناه، ولكن عَسُر مُدرك تصحيحه؛ من جهة أنها لا تستقل، والسيد لا يليها، وليس مالكَها المستقل؛ فمن هذا الوجه التحق تزويجها في ظاهر الأمر بتزوج المكاتب، وإن بَعُد المأخذان، وإنما يتشابهان في ظاهر الحال، ومن الأصحاب من يقطع بالمنع، لما نبّهنا عليه.
12589- ومما ذكره الأصحاب أن المكاتب إذا باع بنقدٍ لم يبدأ بالتسليم للمبيع؛ فإن هذا رفعُ اليد من المال على غرر، فكان في معنى البيع نسيئة.
واختلف أصحابنا في أن المكاتب هل يُسْلمُ في أجناس الأموال على شرط الغبطة؟ فمنع منه الأكثرون، على القياس الممهد؛ فإن مقتضى السَّلَم تسليمُ رأس المال في المجلس، وانتظار المسلَم فيه بعده، سيّما إذا كان السلَم مؤجلاً، وجوّز بعض أصحابنا السلَم، وهذا هوسٌ مع منع البيع نسيئة، وكنا نود لو وُجد مذهب في تجويز البيع نسيئة، لما قدّرنا فيه من الغبطة، فإذا لم نجده، وجب طرد قياس الباب، ولم أر هذا القياس إلا في بعض التصانيف، ولست أعتدّ به.
ولا يهبُ المكاتب بالثواب المجهول، وإن كنا قد نصحح الهبةَ كذلك من الحر المطلَق، والسبب فيه أن من العلماء من يُنزل الهبة بالثواب المجهول-إذا صحت- على ما يسمى ثواباً، وقد يجري بهذا حكم حاكم، وأيضاً فلا وصول إلى استحقاق الثواب إلا بتسليم الموهوب أولاً، وهذا لا نسوّغه.
ولو وهب بثواب معلومٍ على شرط الغبطة، فإن قلنا: هذه الهبةُ بيعٌ، ولا يشترط في إثبات الملك فيها الإقباض، فهي مُجْراةٌ على قياس البيع، وإن شرطنا الإقباض، ففيها من النظر ما ذكرناه مع سؤالٍ، وهو أن من شرط الإقباض لا يوجبه، فلا يمتنع أن يصحح الهبةَ، وَيمْنعَ من الابتداء بالإقباض، حتى يسبق قبض العوض، وهذا لا يبعد عن وجه الرأي، وليس كالبيع نسيئة؛ فإن موجَبَه وجوبُ تسليم المبيع قبل القبض في الثمن.
12590- فإن قيل: ذكرتم هذه المسائل المرسلة، فهل من ضابط؟ قلنا: الأصل المتبع فيها ألا يرفع يدَه عن جزء من كسبه، لا بتبرع، ولا بركوب خطر، ويحصر تصرفه على ما لا يزيل يدَه عن عوضِ ما يُخرجه من غير قبول حطيطة وغبن لا يتساهل في مثله طلابُ الأموال؛ فإن الكسب في الحقيقة للمولى، وإنما ملّكه الشرع التبسط فيه على شرط الاقتصار على ما ذكرناه.
وكان شيخي رضي الله عنه يقول: لا يُحلّ له أن يتبسط في الملابس والمآكل، ولا نكلفه أيضاً الإقتار المفرط، بل ليكن ما أشرنا إليه لائقاً بحاله، من غير سرف ولا تقتير.
12591- ومما نذكره أن هباتِه وتبرعاتِه إذا صدرت عن إذن المولى، خرجت على القولين في سائر التبرعات.
ولو أذن له المزني في إعتاق عبد من عبيده، ففي المسألة طريقان: من أصحابنا من خرَّج ذلك على القولين في سائر التبرعات، ومنهم من قطع برد العتق لمكان الولاء، ولو قدر العتق، لاضطرب الرأي في الولاء، على ما سنصفه الآن في التفريع.
فإن حكمنا بأن العتق مردود وإن صدر عن الإذن، فلا كلام. وإن نفذنا العتق: ففي الولاء قولان مشهوران:
أحدهما: أن الولاء يكون لسيد المكاتب؛ فإن إثباته للمكاتب محال، وهو رقيقٌ بعدُ، وتعليق الولاء ووقفُه إلى أن يَبينَ أمرُه في المستقبل بعيد، وتعرية العتق عن الولاء لا وجه له. وإذا كنا نجعل ولاء المكاتب للمولى إذا عَتق، فلا يبعد أن نجعل ولاءَ معتَقه للمولى أيضاً. هذا قول.
والقول الثاني- أن الولاء موقوف؛ فإنْ عَتَقَ المكاتب، فولاء معتَقه له، وإن رقَّ فالولاء موقوف بعدُ؛ فإنا نرتجي عتقه بعد العجز من أوجه، فإن مات رقيقاًً فيكون الولاء حينئذ لسيده.
وهذا فيه بعضُ النظر، فلا يمتنع أن نقول: إذا رق المكاتب، فولاء معتقه لمولاه من غير أن نرتقب عتقاً آخر، فإنا نتبين إذا رق أن تصرفه على حكم استقلال الكتابة قد انقطع، فإن فُرض عتقه بعد الرق من وجه آخر، لم يتعلق ما تقدم في حال الكتابة بهذا العتق الواقع بعد انفساخ الكتابة. والله أعلم.
وذكر صاحب التقريب في الولاء أنا إذا نفذنا العتق، وقلنا: الولاء للسيد في الحال، فلو عتق المكاتب، فهل ينجر الولاء إليه من سيده؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا ينجر، وهو القياس.
وجرّ الولاء ليس أمراً منقاساً، والواجب اتباعُ موضع الإجماع فيه، ومحل الوفاق جرّ ولاء السراية من موالي الأم إلى موالي الأب، إذا فرض إعتاق الأب، فأما الجر من السيد إلى المكاتب بعد العتق، فليس في معنى ما ذكرنا.
والوجه الثاني- أنا نجر؛ لأنا أثبتنا الولاء للسيد إثباتَ ضرورة؛ من حيث لم نجد بداً من إثباته، ولم نجد من نضيف الولاء إليه غيرَ السيد، فإذا عتق المكاتب، جررنا إليه؛ فإنه المباشر، وقد انتهى إلى حالةٍ يُتَصَّور منه إنشاء الإعتاق فيها، واستحقاق الولاية.
وحقيقةُ الجرِّ صرفُ الولاء إلى جهةٍ قوية بعد ثبوته لجهة دونَها في القوة.
12592- ومما يتعلق بتفصيل القول في ولاء معتِق المكاتَب، أنا إذا حكمنا بكونه موقوفاً، فلو مات معتَق المكاتب قبل عتق المكاتب، ولم يخلّف من يتقدم على المولى، فما حكم ميراثه؟
قال صاحب التقريب: في المسألة وجهان:
أحدهما: أنا نقف إلى أن نتبين أمرَ الولاء.
والثاني: أنا نصرفه إلى بيت المال، وذلك لأن المكاتب لو عَتَق مثلاً، فإنا نُثبت له الولاء الآن، ولا نُسند ثبوتَه إلى ما تقدم، هذا لا شك فيه إذا فُرض عتقه، وإنما يتردد نظر الفقيه إذا مات المكاتب رقيقاً، وأثبتنا الولاء للسيد، فقد يظن الظان أنا نتبين ثبوت الولاء حالة الإعتاق، ويعارضه ألا نقول ذلك مصيراً إلى أن استقلال المكاتب في حالة الكتابة ينافي ثبوت الولاء للمولى، فيجب صرف الولاء إليه من وقت موته رقيقاًً على التفاصيل التي ذكرناها، وهذا فيه احتمال بيّن، وكأن الولاء معلق، وليس على قياس الموقوفات التي يستند الأمر فيها إلى ماضٍ على طريق التبين، وإذا كان كذلك، فالوجه صرف الميراث الناجز إلى بيت المال.
وعن اضطراب القول في الولاء ذهب ذاهبون من الأصحاب إلى قطع القول بأن العتق لا ينفذ من المكاتب قولاً واحداً-وإن أذن المولى-.
ومما نذكره من حكم الولاء أن المكاتب إذا عَتَقَ، فولاؤه لمولاه، لم يختلف الأصحاب فيه.
ولو باع السيد عبدَه من نفسه بمالٍ في الذمة، وصححنا هذه المعاملة، على ما سيأتي شرحها في فروع الكتابة، عند ذكرنا عقودَ العتاقة إن شاء الله، فيعتق العبد إذا قبل البيع، والأصح أن ولاءه لمولاه؛ قياساً على ولاء المكاتب. ومن أصحابنا من قال: لا ولاء عليه، فإنه يملك بالابتياع نفسَه، ويعتق على نفسه، فلو ثبت الولاء، لثبت له. وهذا محال، فالوجه نفي الولاء في هذه المعاملة.
ولا خلاف أن من اشترى من يعتق عليه، فالولاء للمشتري؛ فإن الولاء ترتب على ملكه، وهذا القائل يفرق بين شراء العبد نفسه وبين الكتابة، ويقول: موضوع الكتابة على تحصيل العتق بملك السيد، فكان هو المعتِق في الحقيقة، وليس كذلك بيع العبد من نفسه؛ فإن العوض يقع في الذمة يؤديه بعد الحرية، وسيأتي شرح الكلام في بيع السيد عبدَه من نفسه، وإنما ذَكَرْنا هذا المقدارَ لأجل الولاء.
فرع:
12593- إذا كاتب المكاتب عبداً من عبيده، فهذا من تبرعاته، فيمكن أن يُلحَق بهباته، ويمكن أن يلحق بتنجيز العتق في ترتيب المذهب، ثم إن صححنا منه الكتابة بالإذن، نظرنا، فإن عتق المكاتب الأول، ثم عَتَق الثاني، فولاء المكاتب الثاني للمكاتب الأول، وإن عتق المكاتب الثاني قبل الأول؛ ففي ولائه القولان المذكوران.
فرع:
12594- لا يشتري المكاتب من يعتِق عليه مستقلاً؛ فإن هذا بذل مالٍ في مقابلة ما لا يملك التصرفَ فيه، فإن جرى ذلك بإذن المولى، فهو بمثابة سائر التبرعات.
ولو وُهب للمكاتَب من يعتق عليه، أو أوصي له به، فقبل: نُظر. فإن كان زمِناً غير كسوب، لم يصح انفراده بالقبول، لأنه يستجرّ بهذا القبول مؤناً إلى نفسه، وليس فيما يفعله غرضٌ مالي، وإن كان الموهوب كسوباً، بحيث يفي كسبُه بمؤنه؛ فقد قال الأصحاب: يصح منه القبول؛ فإنه ليس باذلاً مالاً، ولا جارّاً إلى نفسه مؤنةً.
ثم إذا قَبِلَ، فمَرِض المقبولُ في يده، فلابد من الإنفاق عليه من المال الذي في يده؛ إذ لا سبيل إلى قطع ما ألزمناه وحكمنا بثبوته.
وقد حكى الشيخ أبو علي عن أبي إسحاق المروزي أنه جوّز للمكاتب أن يشتريَ أباه بذن مولاه قولاً واحداً إذا كان كسوباً؛ قد يستفيد من كسبه مالاً جماً، وفيه صلة الرحم.
وهذا فاسد لا أصل له.
ثم إذا اتهب المكاتب أباه الكسوب، أو قبل الوصيةَ فيه، وصححناه على التفصيل المقدم، فلا يجوز للمكاتب أن يبيعه.
وحكى الشيخ أبو علي عن ابن أبي هريرة أنه يصح من المكاتب بيع أبيه وولده، وهذا غريب، لم أره إلا للشيخ في شرح الفروع، ولا يجوز الاعتداد بذلك، وفيه هدمُ أصلٍ عظيم في المذهب، وهو تكاتب الولد-على ما تقدم التفصيل فيه- ولو صح هذا للزم على قياسه تجويز بيع الولد الذي تأتي به جاريته منه، فإن طرده كان خارقاً للإجماع، وإن لم يطرده كان ناقضاً لمذهبه.
ومما يتصل بذلك أنه إذا جُوّز للمكاتب بيع أبيه وولده، فينبغي ألا يُمنع الشراء فيهما؛ فإنهما ينزلان منزلة سائر العبيد، وهذا تخليط لا سبيل إلى التزامه.
ولو اتهب نصف ما يعتق عليه، ثم عَتَق المكاتب، فيعتِق عليه ذلك النصفُ الذي ملكه، وهل يسري الآن إلى النصف الثاني؟ قال ابن الحداد: يسري العتق إلى النصف الثاني إن كان المكاتَب موسراً يوم العتق، فإنه يملك نصفه قصداً، فاقتضى ذلك السراية، وقال القفال: لا يسري العتق. فإن السراية لم تثبت ابتداء، فلا تثبت بعدها. قال الشيخ أبو علي: الصحيح ما قاله ابن الحداد، فإن السراية ما تأخرت عن العتق، ولكن العتق حصل يوم العتق للمكاتب.
فرع:
12595- ظهر اختلاف الأصحاب في أن العبد إذا وُهِب له شيء، فقَبِله من غير إذن سيده، فهل يصح منه قبوله؟ فعلى وجهين سبق ذكرهما في مواضع، وإذا صح قبوله، دخل ما قبله في ملك السيد، فلو وُهب للعبد أَبُ سيده، فإن كان السيد فقيراً بحيث لا يلزمه نفقَةُ القريب، فقبِل العبد الهبة-والتفريع على تصحيح قبوله للهبة- فيدخل أب السيد في ملك السيد، ويعتق عليه.
وإن كان السيد موسراً، وكان أبوه القن كسوباً بحيث لا تجب نفقته-والتفريع على صحة قبول الهبة- فيصح، ويدخل في ملك السيد، ويعتِق عليه.
ولو كان الأب زمِناً بحيث لو عَتَق على ابنه الموسر، لاستوجب النفقة بالقرابة.
فإذا قبله العبد منفرداً بالقبول، فلا يصح منه القبول؛ لأن فيه إضراراً بالسيد، ولو قبل العبد نصفَ أبيه وسيدُه موسر والأبُ بحيث لا تلزم نفقتُه، فهل يصح القبول تفريعاً على تصحيح قبول الهبة؟ فعلى وجهين ذكرهما الشيخ أبو علي:
أحدهما: يصح ويعتق على السيد النصفُ، ولا يسري العتق؛ فإنه لم يدخل في ملكه بقصده، فصار كما لو ورث نصفَ أبيه.
والوجه الثاني- أنه لا يصح قبولُ العبد نصفَ أب سيده، فإنه لو صح، لعتق على السيد، ولسرى؛ فإن قبول العبد كقبول السيد. وهذا ضعيف في القياس.
قال الشيخ: تفصيل القول في قبول العبد بعضَ من يعتق على سيده، كتفصيل القول في أن وليَّ الطفل هل يقبل له نصفَ أبيه، والطفلُ موسرٌ، فعلى وجهين:
أحدهما: يقبله، إذا كان لا تجب نفقتُه ولا يسري، والثاني: لا يصح قبوله أصلاً.
فرع:
12596- المكاتب إذا اشترى أبَ سيده، صح ذلك منه؛ فإنه لا ضرار على المكاتب، ولا نقصَ، فلو أنه باعه بابن سيده، ثم عاد المكاتَب رقيقاًً فابن السيد يَعتِق على السيد، لا شك فيه. فلو أنه وجد بابنه عيباً قديماً، فلا يرده، فإنا حكمنا بعتقه عليه، ولكن يثبت له الرجوع بالأرش، والأرش قسط من الثمن، فإذا كان العيب ينقص من قيمة ابنه عُشراً، فله أن يرجع بعشر أبيه، وهو الثمن، ثم إذا رجع بعُشر أبيه أرشاً، فذلك العشر يعتق عليه.
وهل يسري العتق إلى الباقي؟ قال الشيخ: إن كان المكاتَب هو الذي عجّز نفسَه ولم يكن للسيد فيه اختيار، فيعتِق عليه عُشر أبيه أرشاً، ولا يسري العتق أصلاً؛ فإنه لم يوجد من السيد في ذلك قصد، ولو أن السيد عجّز المكاتَبَ، ثم حكمنا بعتق العُشر، فهل يسري؟ فعلى وجهين سبق لهما نظائر.
والذي يتم بيان الفرع به أنه إذا عتق الابن على السيد، وثبت له الرجوع بقسطٍ من أبيه أرشاً-كما قدمنا- فهل ينقلب إليه ذلك الأرش قهراً، أم لابد من اختياره فيه، حتى لو لم يُرِدْه، لم يرجع؟ فعلى وجهين:
أحدهما: أنه ينقلب إليه من غير اختياره ويعتق عليه، وهذا اختيار الشيخ أبي علي.
والثاني: أنه لا ينقلب إليه من غير اختياره. وقد ذكرت طرفاً من ذلك في خروج النجم المقبوض معيباً فيما تقدم من الفصول.
فإن قلنا: ينقلب قسطٌ من الأب من غير اختيارٍ، والسيدُ هو المعجّز، فعلى وجهين. وإن قلنا: لابد من اختياره في استرجاع الأرش، فالظاهر السريان في هذه الحالة.
فرع في بقية تصرفات المكاتب:
12597- اختلف القول في أن المكاتب هل يسافر من غير إذن مولاه؟ فيما حكاه صاحب التقريب والعراقيون: أحد القولين- أنه لا يسافر؛ إذ لو سافر يخرج عن مراقبة السيد، وانسلّ عن حكم ضبطه بالكلية.
وهذا سرفٌ ومجاوزة حد.
والقول الثاني-وهو القياس- أنه يسافر، لِما له من حق الاستقلال، وإذا قلنا: له الانفراد بنفسه ومسكنه في البلد، لم يغادر من الضبط شيئاً؛ فإن العبد المخلّى قد يخرج ويسافر، ثم قال العراقيون: اختلف أصحابنا في محل القولين، فمنهم من خصصهما بالسفر الطويل، وقطع القول بجواز السفر القصير، وهو القاصر عن مسافة القصر، ومنهم من طرد القولين في السفر الطويل والقصير.
فرع:
12598- قد ذكرنا قولين في نفوذ تبرعات المكاتب بإذن المولى، وكان شيخي يقول: لو وهب المكاتب لمولاه شيئاً، صح قولاً واحداً، ولم يخرج على القولين. وذكر العراقيون في ذلك طريقين: إحداهما- ما ذكره شيخي. والأخرى- طرد القولين، وهو القياس.
ويتجه القطع بمسألة لا خلاف فيها، وهي أن المكاتب لو عجّل ديناً مؤجلاً عليه لأجنبي، لكان متبرعاً، فإن استقل، لم يجز، وإن كان بإذن السيد، فقولان، و أما تعجيلُ المكاتب للسيد النجم، فيصح مذهباً واحداً، ولا فرق في ذلك بين النجم الأخير والنجم الأول، وقد ينقدح في ذلك فرق ظاهر، والمسألة على الجملة-أعني الهبة من السيد- محتملة، كما نبهنا عليه.
فصل:
12599- للمكاتب أن يعامل مولاه كما يعامل الأجانب، فيبايعه ويشاريه، ويأخذ الشفعة من مولاه، ويأخذ المولى الشفعة منه، ولو ثبت- له دين على المولى، وثبت للمولى دين عليه، فيتصل هذا الفصل من هذا الموضع بالتقاصّ؛ وقد أحلنا استقصاءه على هذا الكتاب، ونحن نخوض الآن فيه، ونستعين بالله تعالى، وهو خير معين، فنقول:
في غير المكاتب والمولى، إذا ثبت لزيد على عمرو دينٌ، وثبت لعمرو على زيد مثلُه، واتحد الجنس والنوع، وكان الدينان حالّين، ففي التقاصّ أربعة أقوال، نص الشافعي عليها في كتب متفرقة: أحدها: أن التقاص لا يقع، ولو رجعنا به، لم يصح أيضاً؛ فإنه إبدال دين بدين، وهو لو صح على حقائق المعاوضة، وبيع الدين بالدين ممتنع.
والقول الثاني- أن التقاص يصح إذا تراضيا به، ويسقط الدينان، ولا يكون ذلك معاوضة محضة، ولكنه إسقاط دين بإزاء دين، وهو قريب الشبه من الحوالة؛ فإنها ليست معاوضة محضة وإن كان فيها معنى التقابل.
والقول الثالث: أن التقاص يثبت إذا دعا إليه أحدهما، وإن أبى الثاني، وهذا بمثابة ما لو دعا أحد الشريكين إلى قسمة الدار القابلة للقسمة؛ فإن الثاني مجبر على الإجابة، كذلك القول في التقاص.
والقول الرابع- أن الدينين إذا تساويا: قدراً، ونوعاً، وحلولاً، تساقطا من غير احتياج إلى فرض رضاً من أحد الجانبين؛ وذلك لأن أحدهما لو طلب عين ما طلب منه لكان ذلك في حكم العبث الذي لا يجزىء ولا يفيد، والمعاملات الشرعية مبنية على الإفادة.
قال صاحب التقريب: التقاص على الاختلاف الذي ذكرناه يجري في الدراهم والدنانير إذا اتحد النوع، وهل يجري في غيرهما من ذوات الأمثال؟ فعلى وجهين، وسبب الاختلاف أن ما عدا النقدين قد يظهر التفاوت فيه بعضَ الظهور، ولو أجرينا التقاص في ذوات الأمثال-وهو الأصح- فهل يجري التقاص بين عَرْضين موصوفين في الذمة على قضية واحدة؟ هذا أولاً يستند إلى أن التقاص ليس معاوضةً محضة؛ إذ لو كان معاوضة، لامتنع إجراؤه في المسلم فيه، والعَرْضُ إنما يثبت في الذمة مسلماً فيه أو حالاً محله، وقد ذكرنا في الحوالة على السلم والحوالة به تفصيلاً، والتقاص عندي أبعد من المعاوضة من الحوالة، فإن التقاص تساقط ليس فيه إيفاء واستيفاء.
فإذا حصل التنبيه لما ذكرناه ففي التقاص بين العَرْضَين المتساويين نعتاً ووصفاً وجهان، مرتبان على الوجهين في ذوات الأمثال.
ولا تقاص بين مؤجل وحالّ، ولا بين مكسر وصحاح، وإن فرض منهما تسامح، فليس هذا من التقاص في شيء، وإنما يقع تعاوضاً لو وقع، وذلك ممنوع في الدينين.
ولو فرضنا دينين مؤجلين، فهل يجري التقاص بينهما، ولا طلبة في واحد منهما؟ هذا فيه احتمال عندي، والأوجه إجراء ثلاثة أقوال. فأما القول الرابع-وهو التساقط من غير رضاً- فلست أرى له وجهاً، والأجل عتيد والمَهَل كائن، وليس يبعد جريان هذا القول أيضاً.
وقد نجز ما أردناه في حقيقة التقاص.
فصل:
"ولا يكفِّر في شيء من الكفارات إلا بالصوم... إلى آخره".
12600- لا يستقل المكاتب بالتكفير بالمال، كما لا يستقل العبد القن بالتكفير بالمال، وإن ملّكه المولى، وفرّعنا على أن العبد يملك، فلو أذن المولى في التكفير بالإطعام والكُسوة، نفذ ذلك من الرقيق المملَّك على القول القديم، أما المكاتب، فهل يكفِّر بالمال إذا أذن المولى؟ فعلى قولين مبنيين على تبرعاته.
فإن قيل: هلا رأيتم التكفير بالمال ديناً على المكاتب حتى يؤديَه من غير مراجعة؟ قلنا: هو في ماله كالمعسر، ولذلك لا يتبرع-كما قدمناه- مستقلاً بنفسه.
ثم ذكر الصيدلاني طريقةً، فقال: إذا قلنا: العبد لا يملك، فالمكاتَب لا يكفِّر بالمال-وإن أذن المولى- قولاً واحداً، وإن قلنا: العبد يملك؛ فإذا ملّكه المولى، وأذن له في التكفير، كفر، والمكاتَب هل يكفِّر بالإذن؟ فعلى قولين، وهذا فيه فقه؛ من جهة أنا وإن حكمنا للمكاتب بالملك، فهو ملك ضرورة، وكأنه على ترتيب الرقيق فيما يتعلق بالتبرعات، حتى يقالَ: إذا قلنا: الرقيق لا يملك، فالمكاتب لا يتبرع قولاً واحداً، وإذا قلنا: الرقيق يملك، فحينئذ في المكاتب القولان.
وهذه الطريقة غير مرضية؛ فإن القولين في تنفيذ تبرع المكاتب وردّه منصوصان في الجديد، وما ذكره الصيدلاني يقتضي تفرعهما على القديم، فلا وجه إلا أن يقال: المكاتب من أهل الملك على الجملة، بخلاف القن. وفي تبرعاته قولان، سواء قلنا: يملك القن أو قلنا: لا يملك. فإنا وإن منعنا تمليك القن، فلسنا ننكر ثبوت الملك للمكاتب.
ثم في (السواد) مسائل تقدم ذكر جميعها، فلا نعيد منها شيئاً.
فصل:
قال: "وبيع نجومه مفسوخ... إلى آخره".
12601- المنصوص عليه في الجديد أن بيعَ رقبة المكاتَب فاسدٌ، ونص في القديم على جواز بيعه.
توجيه القولين: من منع البيعَ احتج بأن الكتابة لازمة من جهة السيد، فبيعه إياه لا يخلو: إما أن يرفع استحقاق العَتاقة، فإن كان كذلك، فهذا انفراد منه برفع حقٍّ لازم بجهة البيع، ومن أجار إعتاق الراهن، لم يُجز بيعه، وإن بقيت الكتابة، فيجب رد البيع؛ فإن استحقاق العَتاقة يمنع البيع، كحرمة الاستيلاد.
ووجه القول القديم أن المكاتب ينتقل إلى الورثة مملوكاً إرثاً، فلا يمتنع بيعه على هذا النحو. وهذا مدخول؛ فإن الإرث بابه أوسع، وهو يجري فيما لا يصح البيع فيه، إذ طريقه طريقُ الخلافة، وتنزيلُ الوارث منزلةَ الموروث، حتى كأن الحكم مستدام والمستحِق متبدِّل.
التفريع:
12602- إن منعنا البيع، فلا كلام، وإن جوّزناه، فمعناه أنه في حق المشتري بمثابته في حق البائع قبل البيع، فيملك رقبته مكاتباً، ويستحق مطالبتَه، ومعتمد هذا القول حديثُ بريرة، فإنها جاءت إلى عائشة تستعين في كتابتها، فقالت رضي الله عنها: «إن شاء أهلك، صببت لهم ثمنك، وأعتقتك»، فرجعت إلى سادتها، ثم عادت وقالت: إن أهلي أبَوْا أن يبيعوني إلا أن يكون الولاء لهم، فأخبرت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: «اشتري واشترطي لهم الولاء». ثم أصبح خطيباً، فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من شرط شرطاً ليس في كتاب الله، فهو باطل. كتاب الله أحق وشرطه أوثق. والولاء لمن أعتق».
وفي الحديث إشكال إن صح. فإنه عليه السلام قال لعائشة: «اشترطي»، ثم أبان أن لا حكم لشرطها، وهذا يكاد يكون تغريراً، والرسول صلى الله عليه وسلم معصوم عن خائنة الأعين، فضلاً عما يضاهي التلبيس.
ثم المشكل في التفريع على القديم أمر الولاء، فإنا لم نقطع الكتابة، ولم نفسخها، بل شبهنا انتقال الملك في المكاتب إلى المشتري بانتقاله إلى الوارث، ثم إذا عتق المكاتب على حكم الكتابة بعد موت المولى، فالولاء للمولى، وهذا في الشراء متردد مشكل؛ فإن الوارث خلف الموروث في استبقاء الأمر كما كان، والمشتري بخلاف ذلك، وحديث بريرة-إن صح- شاهد على أن الولاء للمشتري، فالأمر في الولاء متردد، والظاهر أنه للمشتري.
ولو كان عقد الكتابة فاسداً، فبيعه مع العلم بفساد الكتابة صحيح، وهو فسخٌ للكتابة.
وإن ظن البائع أن الكتابة صحيحة، فباعه على اعتقاد الصحة أو وصى به على هذا الاعتقاد، فحاصل ما ذكره الأصحاب في البيع والوصية ثلاثةُ أقوال: أحدها: الصحة فيهما؛ فإن الظن لا يغير موجَبَ الحقيقة، والكتابةُ الفاسدة لا تمنع التصرف.
والقول الثاني- أنهما يفسدان، نظراً إلى موجَب العقد، وهذا يقرب من بيع الإنسان مالَ أبيه على ظن بقائه وهو حالةَ البيع ميتٌ في علم الله، والقول الثالث: أن الوصية صحيحة، والبيع مردود؛ فإن الوصايا تثبت مقترنة بالأغرار والأخطار، والبيع لا يحتملها، هذا في بيع المكاتب.
12603- فأما بيع نجوم الكتابة: فقد منعه الأصحاب؛ من جهة أنها ليست لازمة، وللمكاتب أن يسقطها متى شاء، والبيع يستدعي ملكاً ثابتاً، فإذا كان لا يصح بيع المبيع قبل القبض، لبقائه في ضمان البائع، فبيع النجم-وهو غير متصف باللزوم- أولى بالامتناع.
وخرّج ابن سريج قولاً في جواز بيع النجوم إذا جوزنا بيع الديون، وفي بيعها قولان، تقدم شرحهما.
12604- قال الأئمة: الاستبدال عن النجوم يخرج على بيع النجوم، فإن جوزنا بيعها، جوزنا الاستبدال عنها، وإن لم نجوّز بيعها؛ ففي الاستبدال عنها وجهان، والمذهب الذي عليه التعويل منعُ ضمان النجوم، وهذا يؤكد منع الاستبدال، وإنما يترتب الاستبدال على البيع؛ من جهة جواز الاستبدال عن الديون اللازمة قولاً واحداً، مع اختلاف القول في بيعها. وسبب ذلك أن المبيع مقصود ملكاً وتوفية، وما يستبدل عنه، فالمقصود عوضه، وسقوط المستبدل عنه.
فإن جرينا على المذهب، ومنعنا بيع النجوم، فلو قبض المشتري النجومَ بتسليط البائع إياه على قبضها؛ ظاناً أنه يقبضها لنفسه، فهل يَعتِق المكاتب بقبضه إياها؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنه يعتق. لأنه سُلِّط من جهة سيد المكاتب على قبضها، فكان بمثابة الوكيل. والقول الثاني- أنه لا يعتِق؛ لأنه قبضها لنفسه، ولم يقبل الوكالة، بل لم يعمل بها، ونحن إن لم نشترط القبول في الوكالة، اشترطنا العمل بموجبها؛ فإن قلنا: يعتِق المكاتب، انقطعت الطَّلِبةُ عنه، وعلى المشتري رد ما قبض بعينه إلى البائع، وإن قلنا: لا يعتِق المكاتب، فبائع النجوم يطالب المكاتب بالنجوم، وهو يسترد من المشتري ما قبضه منه.
فإن قيل: قد ذكر بعض الفقهاء أن بيع المكاتب إذا صححناه، فمقصوده آيل إلى بيع النجوم، فكيف الوجه في ذلك؟
قلنا: المبيع في القديم رقبة المكاتب. والنجوم ثابتة تبعاً، ولا يرعى بين ثمن العبد وبين نجوم الكتابة تعبدات الربا.