فصل: سنة خمس عشرة وسبع مائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان وتقليب أحوال الإنسان وتاريخ موت بعض المشهورين من الأعيان **


 سنة خمس عشرة وسبع مائة

في أولها سار نائب دمشق بجيوش الشام إلى ملطية فافتتحها وسبيت ذراري النساء وعمد من المسلمات وعم النهب وأحرقوا في نواحيها وفارقوها بعد ثلاث وقتل بملطية عدة من النصارى ودرس بالأتابكية قاضي القضاة ابن صصري وبالظاهرية ابن الزملكاني وقتل أحمد الرويس الأقناعي لاستحلاله المحارم وتعرضه للنبوة وقوله‏:‏ أتاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدثني‏.‏

وفيها مات سلطان الهند علاء الدين محمود أو في السنة الماضية وتسلطن بعده نائبه غياث الدين‏.‏

وفيها مات بالموصل السيد ركن الدين الحسن بن محمد العلوي الحسيني وكان صاحب التصانيف وكان لا يحفظ القرآن ولا بعضه ومع هذا كانت جامكيته في الشهر ألفاً وست سنة ست عشرة وسبع مائة فيها ولي قضاء الحنابلة بدمشق شمس الدين ابن سلم بفتح السين واللام وتشديدها‏.‏

وفيها مات العلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوي الحنبلي النسفي الشاعر صاحب شرح الروضة كان على بدعته كثير العلم عاقلاً متديناً مات ببلد الخليل كهلاً‏.‏

وفيها ماتت مسندة الوقت ست الوزراء بنت عمر بن أسعد التنوخية في شعبان فجاءة عن اثنتين وتسعين سنة‏.‏

روت عن أبيها القاضي شمس الدين وابن الزبيدي وحدثت بالصحيح ومسند الشافعي بدمشق ومصر مرات وكانت على خير‏.‏

وفيها مات سلطان التتار غياث الدين خربنده ابن أرغون هلك بمراغة في آخر رمضان ولم يتكهل وكانت دولته ثلاث عشرة سنة وتملك ابنه بعده أبو سعيد‏.‏

وفيها توفي المعمر المقرئ السيد صدر الدين أبو الفداء إسماعيل بن يوسف بن مكتوم القيسي الدمشقي سمع جماعة منهم مكرم وابن الشيرازي والسخاوي وقرأ عليه بثلاث روايات وكان فقيهاً مقرياً وتفرد بأجزاء‏.‏

وفيها ماتت بحماة أم أحمد فاطمة بنت النفيس محمد بن الحسين بن رواحة‏.‏

روت أجزاءاً وفيها توفي الشيخ العلامة ذو الفنون صدر الدين محمد ابن الوكيل خطيب دمشق‏.‏

وفيها توفي زين الدين عمر بن مكي بن المرحل الشافعي بمصر عن إحدى وخمسين سنة وأشهر ولد بدمياط ونشأ بدمشق وسمع من ابن غيلان والقاسم الإربلي وأفتى عن اثنتين وعشرين وحفظ المقامات في خمسين يوماً وتخرج به الأصحاب وكان أحد الأذكياء النجاب وله نظم رائق ومزاح عفا الله عنه‏.‏وفيها مات بسبتة عالمها النحوي ذو العلوم أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الغافقي الإشبيلي سمع التفسير وبحث كتاب سيبويه وتلا بالسبع له تصانيف وجلالة وتلامذة‏.‏

وفيها توفي الإمام العلامة المدرس المفتي الشافعي‏.‏

أحمد بن أحمد بن مهدي المدلجي الكناني المعروف بعز الدين النسائي كان من أورع أهل زمانه درس وأفتى بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة واشتغل للطلبة وانتفعوا به وتوفي بمكة - رحمه الله تعالى - في ذي القعدة ودفن بالمعلى‏.‏

 سنة سبع عشرة وسبع مائة

فيها حدثت الزياة العظمى ببعلبك فغرق في البلد مائة وبضع وأربعون نسمة وجرف السيل سورها الحجارة مساحة أربعين ذراعاً ثم تزلزل بعد مكانه مسيرة خمس مائة ذراع وكان وفيها قدم السلطان إلى غزة وإلى الكرك ثم رجع‏.‏

وفيها ظهر جبلي وادعى أنه المهدي بجبلة وثار معه خلق من النصيرية والجهلة وبلغوا ثلاثة آلاف فقال‏:‏ أنا محمد المصطفى ومرة قال‏:‏ أنا علي وتارة قال‏:‏ أنا محمد بن الحسن المنتظر فزعم أن الناس كفرة وأن دين النصيرية هو الحق‏.‏

وأن الناصر صاحب مصر قد مات وعاثوا في السواحل واستباحوا جبلة ورفعوا أصواتهم يقولون‏:‏ لا إله إلا علي ولا حجاب إلا محمد ولا باب إلا سلمان‏.‏

ولعنوا الشيخين وخربوا المساجد وكانوا يحضرون المسلم إلى طاغيتهم ويقولون‏:‏ اسجد لإلهك فسار إليهم عسكر طرابلس وقتل الطاغية وجماعة ومزقوا‏.‏

وفيها مات المحدث الإمام الشيخ علي بن محمد الحسيني الصوفي في المحرم عن سبع وأربعين سنة روى عن الفخر علي وتاج الدين الفزاري‏.‏

كان تقياً ديناً مؤثراً كثير المحاسن‏.‏ وفيها مات بدمشق قاضي المالكية المعمر جمال الدين محمد بن سليمان الزواوي وبقي قاضيها ثلاثين سنة‏.‏

 سنة ثمان عشرة وسبع مائة

فيها كان القحط المفرط بالجزيرة وديار بكر كلت الميتة وبيعت الأولاد ومات بعض الناس من وجاءت بأرض طرابلس زوبعة أهلكت جماعة وحملت الجمال في الجو وأمسك السلطان جماعة أمراء‏.‏

وفيها مات بزاويته الإمام القدوة بركة الوقت الشيخ محمد بن عمر ابن الشيخ الكبير أبي بكر بن قوام النابلسي عن سبع وستين سنة روى عن إسحاق ابن طبرزد وكان محمود الطريقة متين الديانة‏.‏

وفيها مات بدمشق الإمام الكبير أبو الوليد محمد بن أبي القاسم القرطبي إمام محراب المالكية‏.‏وفيها مات مسند الوقت الصالح أبو بكر بن المنذر بن زين الدين أحمد بن عبد الدائم المقدسي‏.‏

وفيها مات العلامة المفتي كمال الدين أحمد ابن الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد الشريشي‏.‏وفيها مات شيخ القراء والنحاة مجد الدين أبو بكر محمد بن قاسم المرسي التونسي الشافعي تخرج به الفضلاء وكان ديناً صيناً ذكياً قال الذهبي‏:‏ حدثنا عن الفخر علي‏.‏

وفيها ماتت بالصالحية زينب بنت عبد الله بن الرضي عن نيف وثمانين سنة‏.‏

روت عن وفيها مات العلامة قاضي المالكية بدمشق فخر الدين أحمد بن سلامة القضاعي‏.‏

وكان حميد السيرة بصيراً بالعلم محتشماً‏.‏

 سنة تسع عشرة وسبع مائة

فيها حج السلطان الملك الناصر من مصر وفيها كانت الملحمة العظمى بالأندلس بظاهر غرناطة فقتل فيها من الفرنج أزيد من ستين ألفاً ولم يقتل من عرف من عسكر المسلمين سوى ثلاثة عشر نفساً والحمد لله على نصر دين الإسلام وعلى سائر أفضاله والأنعام‏.‏وفيها مات مسند الوقت الشرف عيسى بن عبد الرحمن الصالحي المعظم‏.‏

وفيها مات بمالقة شيخها العلامة أبو عبد الله محمد بن يحيى القرطبي عن ثلاث وتسعين سنة تفرد بالسماع عن الكبار‏.‏

 سنة عشرين وسبع مائة

فيها حج مع السلطان الأمير عماد الدين الأتوني سلطنة السلطان بحماة ولقب بالملك المؤيد وقتل بمصر إسماعيل المقرئ على الزندقة وسب الأنبياء وقتل بدمشق عبد الله الرومي الأزرق مملوك الناجي ادعى النبوة وأصر وعمل عقد السلطان على أخت إزبك التي قدمت في البحر وخلع على الكريم وابن جماعة وكاتب السر وغيرهم وغضب السلطان على آل فضل وأحيط على أقطاعهم بعد أن أعطاهم قناطير من الذهب بحيث أنه أعطاهم في عام أول ألف ألف وخمس مائة ألف درهم وغزا الجيش بلاد سيس لكن غرق في نهر خان منهم خلق كثير وحبس بقلعة دمشق ابن تيمية لإفتائه في الطلاق مخالفاً لجماهير أهل السنة وأمسك نائب غزة الحاوي وجاء بالسلطانية برد كبار ووزنت منه واحدة ثمانية عشر درهماً فاستغاث الخلق وبكوا فأبطلت الفاحشة والخمور أجمع بمهمة عليشاه الوزير وزوج من العواهر خمسة آلاف في نهار واحد وشقق ألوف من الظروف وابتنى الجامع الكبير الكريمي بالضبات وسيق إليه مال كثير وحج الرحبيون منهم القاضي فخر الدين المصري وجماعة من العلماء ووجوه الناس‏.‏

وفيها مات المعمر المقرئ الرحلة أبو علي الحسن بن عمر بن عيسى الكردي‏.‏وفيها قتل صاحب مكة حميضة بن أبي نمي الحسني وكان قد نزع عن طاعة السلطان الملك الناصر وتولى أخوه عطيفة فقتله جندي التقى به بالبرية غيلة وهو نائم ثم قتله السلطان لغدره‏.‏قلت‏:‏ ويقال‏:‏ إن ذلك من تحت مكيدة السلطان جاء إليه الجندي في صورة هارب من ورأيت قبيل قتله في المنام‏.‏

كان القمر في السماء قد احترق بالنار وأظن أني رأيته سقط إلى الأرض وكان قبل ذلك بأيام قد جاء بجيش يريد أخذ مكة وقتل جماعة فيها من الفقهاء والمجاورين على ما قيل وقد كان مخرجاً منها‏.‏

ومن جملة المذكورين القاضي الجليل الإمام الحفيل نجم الدين الطبري جاءني وهو خائف يقول‏:‏ أين أذهب وعندي بنات‏.‏

يعني لا أستطيع الذهاب عنهن فرأيت في المنام في ضحى ثاني ذلك اليوم الذي قال فيه‏:‏ ذلك المقال كأني شاهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبلت قدمه الشريفة وقلت‏:‏ يا رسول الله نجم الدين فتبسم صلى الله عليه وآله وسلم وقال لي‏:‏ ‏"‏ ما يصيبه شر ‏"‏ فقلت له‏:‏ أهل مكة فانقبض عليه السلام ولم يجبني بجواب فأعدت عليه ذلك فلم يجبني ثم أعدت عليه ثالثاً فقال‏:‏ ‏"‏ ما عليهم إلا خير ‏"‏ يقول ذلك بغير بشاشة منه ثم أقبل بالجيش عقب هذا المنام إلى أن بلغ بطن مر فخرج إليه أخوته عطيفة وعطاف وآخر من أخوته مع عسكر ضعيف فنصرهم الله عليه وكسروه فانهزم ولم يكن قبل ذلك يكسر بل كانت العربان تهابه هيبة عظيمة وكانت له سطوة وإقبال وسعادة عاجلة وكان يقول‏:‏ كان لأبي نمي خمس فضائل الشجاعة والكرم والحلم والشعر والسعادة قال‏:‏ فورثت هذه الخمس خمسة من أولاده فالشجاعة لعطيفة والكرم لأبي الغيث والحلم لرميثة والشعر لسليمة والسعادة لي حتى لو قصدت جبلاً لدهكته ثم قتل بعد كسرته المذكورة بعد أيام يسيرة‏.‏سنة إحدى وعشرين وسبع مائة فيها أطلق ابن تيمية بعد الحبس بخمسة أشهر وأقبلت الحرامية في جمع كثير فنهبوا في بغداد علانية سوق الثلاثاء فانتدب لهم عسكر فقتلوا فيهم مقتلة نحو المائة وأسروا جماعة‏.‏

ووقع الحريق الكثير بالقاهرة ودام أياماً وذهبت الأموال ثم ظهر فاعلوه وهم جماعة من النصارى يعملون قوارير ينقدح ما فيها ويحرق فقتل جماعة وكان أمراً مزعجاً قيل‏:‏ فعلوه لإخراب كنيسة لهم وأخرب ببغداد مواضع الفاحشة وارتفعت الخمور وأخربت كنيسة اليهود وحج تائب دمشق وفي صحبته خطيب البلد القاضي جلال الدين القزويني وجماعة من العلماء والأكابر‏.‏

وفيها مات شيخ الشيعة وفاضلهم الشمس محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمداني ثم الدمشقي‏.‏وفيها مات بالفيوم خطيبها الرئيس الأكمل المحتشم مجد الدين أحمد بن المعين الهمداني وفيها توفي بمكة الشيخ الكبير العالم بالله الشهير بدر المعارف ومعدن الكرامات واللطائف ذو المواهب السنية والمقامات العلية وأنفاس الصادقة والأحوال الخارقة شيخ عصره وعلم دهره نجم الدين عبد الله بن محمد بن محمد الأصبهاني الشافعي تلميذ الشيخ الكبير أبي العباس المرسي الشاذلي عن ثمان وسبعين سنة‏.‏جاور بمكة سنين كثيرة ومناقبه كثيرة باهرة وآياته شهيرة ظاهرة وأيامه منيرة زاهرة ولو ذهبت أعدد ما اشتهر عنه من الفضائل المشتملة على العجب العجاب لخرجت بذلك عن الاختصار المقصود بهذا الكتاب ولكني أذكر شيئاً لطيفاً تلويحاً بفضله وتعريفاً فمن ذلك أنه رأى في صغره كأنه خلع عليه إحدى عشر علماً فعرض ذلك على عمه وكان من الأكابر أولى البصائر فقال‏:‏ يتبعك أحد عشر ولياً‏.‏وقال له‏:‏ الفقيه الإمام العارف بالله رفيع المقام علي بن إبراهيم اليمني البجلي في بعض حجاته تركت ولدي مريضاً لعلك تراه في بعض أحوالك فتخبرني كيف هو فرمق الشيخ نجم الدين في الحال قال‏:‏ ها هو قد تعافى وهو الآن لستاك على سرير وكتبه حوله ومن صفته وخلقته كذا وكذا وما كان رآه قبل ذلك وطلع يوماً في جنازة بعض الأولياء فلما جلس الملقن عند قبره يلقنه‏.‏

ضحك الشيخ نجم الدين فسأله تلميذ له عن ضحكه إذ لم يكن الضحك له عادة فزجره ثم أخبره بعد ذلك أنه سمع صاحب القبر يقول ألا تعجبون من ميت يلقن حياً ومن كراماته أيضاً أني رأيته في منامي يكلم شيخاً من المجاورين الصالحين سراً مقبلاً عليه في وقت كنت مضروراً فيه لحاجة فلما انتبهت من منامي أردت أن أبشر ذلك الشيخ بإقباله عليه وإذا به قد جاءني وقضى لي تلك الحاجة التي تعسرت علي ففهمت أنه ما كان يكلمه إلا من شأني وكنت قد أدركته في حجتي الأولى وهو صحيح الجسم يعتمر في الجمعة مرتين ويطوف بالبيت أسابيع كثيرة أظنها سبعة بعد الصبح وأسبوعا بعد المغرب وأسبوعاً بعد العشاء‏.‏

سمعته يقرأ فيه‏:‏ ‏"‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ‏"‏ ‏"‏ الإسراء‏:‏ ا ‏"‏ سورة بني إسرائيل وأسبوعاً قبل الفجر وسمعت شيئاً من كلامه خلف المقام وأحرمت بالعمرة معه في وقت وأدركته في الحجة الثانية وهو متخلف في بيت لوجع في رجله وكان ذا صورة جميلة ولحية طويلة وهيبة عظيمة وكان قد اشتغل بعلوم كثيرة وحصل منها محصولاً طائلاً وكان كتابه في الفقه الوجيز وقيل له‏:‏ هل تزوجت امرأة قط فقال‏:‏ ولا كلت طعاما طبخته امرأة‏.‏

وقال له شيخ في بلاد العجم‏:‏ ستلقى القطب في الديار المصرية فخرج في طلبه فمر في طريقه بحرامية فأمسكوه وكتفوه وظنوه جاسوساً وقال بعضهم‏:‏ نقتله قال‏:‏ فبت مكتوفاً فنظمت أبياتاً ضمنتها قول امرء القيس من ذلك‏:‏ وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب قال‏:‏ فما استتمت الإنشاد حتى انقض علي شيخ كانقضاض البازي على الفريسة وحل أكتافي وقال‏:‏ قم يا عبد الله فأنا مطلوبك فذهبت حتى وصلت إلى الديار المصرية فما عرفت من مطلوبي ولا أين هو فلما كان ذات يوم قيل‏:‏ قدم الشيخ أبو العباس المرسي فقال الفقراء‏:‏ اذهبوا بنا نسلم عليه فلما رأيته تحققت أنه الشيخ الذي حل كتافي ثم قال‏:‏ في أثناء كلام له‏:‏ الحقني يا عبد الله فما جئت إلا بسببك ثم خرج من المجلس والحاضرون لا يدرون من يعني فتبعته وصحبته إلى أن توفي‏.‏ووقع له عجائب يطول ذكرها ثم توجه بعد وفاته للحج فمر في طريقه على قبر شيخ شيخه شيخ زمانه أبي الحسن الشاذلي فكلمه من قبره وقال له‏:‏ اذهب إلى مكة وانحبس بها‏.‏

قلت‏:‏ وأخبرني بعض الشيوخ الكبار وهو ذو الكرامات الشهيرة الخارجة عن الانحصار الذي بإرشاده الضال يهتدي الشيخ محمد المرشدي أن الشيخ نجم الدين لما سافر للحج لم يطعم شيئاً حتى بلغ قبر شيخ شيخه أبي الحسن المذكور الذي هو فيه مقبور ولما بلغ طرف الحرم الشريف سمع هاتفاً يقول له‏:‏ قدمت إلى خير بلد وشر أهل أو نحو ذلك من الكلام ثم لم يزل بمكة ذا جد واجتهاد مواصلة بين الأوراد‏.‏مكثراً من الطواف والاعتماد‏.‏

مشاراً إليه بالأنوار والأسرار ويجتمع به من ورد من الشيوخ الكبار إلى أن توفى فدفن قريباً من قبر السيد الجليل الذي بجواره بلوغ الأغراض أبي علي الفضيل بن عياض - قدس الله روحهما - ولم ير في الظاهر خارجاً من مكة إلى مكان أبعد من عرفة وأما في الباطن فالعلم بذلك راجع إلى علماء الباطن‏.‏

قد أخبرني بعض الأولياء وهو الشيخ محمد البغدادي الذي كان ساكناً في بلاد مراغة قال‏:‏ لما رجعت من زيارة النبي عليه السلام متوجهاً إلى مكة‏.‏

أفكرت في الشيخ نجم الدين المذكور وعتبت عليه في قلبي في كونه لا يقصد المدينة الشريفة ويزور قال‏:‏ ثم رفعت رأسي فإذا به في الهوى ماراً إلى جهة المدينة وناداني‏:‏ يا محمد كذا وكذا وذكر كلاماً نسيته‏.‏

وبلغني أنه قال له بعض أصحابه‏:‏ يا سيدي الناس ينكرون عليك ترك زيارة النبي عليه السلام فقال‏:‏ لا ينكر ذلك إلا أحد رجلين إما مشرع وإما محقق‏.‏

فأما المشرع‏.‏فقل له‏:‏ هل يجوز للعبد أن يسافر بغير إذن سيده وأما المحقق فقل له‏:‏ من هو معك في كل حين حاضر هل لطلبه تسافر‏.‏

وقال الشيخ عبد الملك ابن الشيخ الكبير العارف بالله الشهير أبو محمد المرجاني المغربي - قدس روحه - استأذنت الشيخ نجم الدين في زيارة قبر النبي عليه السلام فقال‏:‏ مالك طريق إلى ذلك في هذا الوقت قال‏:‏ فخالفته وسافرت مع جماعة فلما صرنا بين الروضة والهمة مشينا ليلتنا فغوينا فأصبحنا حيث أوينا ثم مشينا فغوينا كذلك ثلاثة أيام فعرفت أن سبب غوايتنا مخالفتي للشيخ نجم الدين فقلت للجماعة‏:‏ سافروا فما السبب المعوق لكم إلا أنا ثم رجعت إلى مكة وسافروا فلما كان بعد مدة استأذنت الشيخ نجم الدين في السفر فقال لي‏:‏ سافر فتسهلت لي الطريق وارتفع التعويق‏.‏

هذا يعني كلامه وإن اختلفت العبارة فلما وصل المدينة الشريفة وجد بعض المجاورين قد توفي وأوصى له بثياب فلبسها‏.‏

قلت‏:‏ وقد اقتصرت في ترجمة الشيخ نجم الدين الأصبهاني على هذه النبذة من فضائله وهذه القطرة من بحر لا يوصل إلى ساحله

وأما ترجمة الذهبي فغاضة من قدره بل طامسة لنور بدره حيث يقول في ترجمته‏:‏ بهذه الألفاظ بعينها ومات بمكة في جمادى الآخرة العارف الكبير نجم الدين عبد الله بن محمد الأصبهاني الشافعي تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي عن ثمان وسبعين سنة‏.‏

جاور بمكة مدة وما زار النبي عليه السلام فيها وانتقد عليه الشيخ علي الزاهد رحمهما الله تعالى‏.‏

هذه جميع ترجمته المقصرة في وصفه المنسوب إليه المنكرة في ترك الزيارة عليه وقد قدمت التنبيه على أعظم من هذا التمويه في إنكاره على شيخ شيخه أبي الحسن الشاذلي في ترجمته وإنزاله إلى الحضيض النازل من رفيع مرتبته فطالع ما تقدم في ترجمته المذكورة ترى العجب وفي السنة المذكورة توفي صاحب اليمن شيخ القراءات ومعدن البركات مقرئ حرم الله تعالى ومحقق قراءة كتاب الله عز وجل‏.‏

الشيخ الكبير السيد الشهير أبو محمد عبد الله لمعروف بالدلاوي - رضي الله تعالى عنه - ونفع به‏.‏

كان من ذوي الكرامات العديدات والمناقب الحميدات‏.‏

يقال‏:‏ إنه ممن سمع رد السلام من سيد الأنام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ورأيته يطوف في ضحى كل يوم أسبوعاً بعد فراغ الطلبة من القراءة عليه وكان قد انحنى انحناء كثيراً فإذا جاء إلى الحجر الأسود زال ذلك الإنحناء وقبله وكان يعد ذلك من كراماته‏.‏

ومنها أنه كان عنده طفل غابت أمه عنه فبكى فدر ثديه باللبن فأرضع ذلك الطفل حتى سكت وله كرامات أخرى كثيرة شهيرة‏.‏

وفي السنة المذكورة توفي صاحب اليمن الملك المؤيد عزيز الدين داود ابن الملك المظفر يوسف بن عمر وكانت دولته بضعاً وعشرين سنة‏.‏

قال بعض المؤرخين‏:‏ وكان عالماً فاضلاً سائساً شجاعاً وعنده كتب عظيمة نحو مائة ألف مجلد وكان يحفظ التنبيه وغير ذلك‏.‏

انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وأبوه الملك المظفر وابنه الملك المجاهد كلاهما في العلوم أكثر من مشاركة فرعاً وأصلاً وأذكى قريحة وأشهر فضلاً وأحسن ملحاً وأظرف وأحلى من ذلك أنه كتب بعض الناس إلى الملك المظفر قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏إنما المؤمنون أخوة‏}‏ ‏"‏ الحجرات‏:‏ 10 ‏"‏ وأنا أخوك فلان أطلب منك نصيبي من بيت مال المسلمين فأرسل إليه الملك المظفر بدرهم وقال للرسول قل له‏:‏ ‏"‏ إذا فرقنا بيت مال المسلمين عليهم لم يحصل لك أكثر من هذا أو قال‏:‏ لعله لا يحصل لك هذا‏.‏

وله أربعون حديثاً خرجها منتقاة عوالي رويناها عن شيخنا رضي الدين الطبري يحق روايته لها عن الإمام محب الدين الطبري بروايته لها عن الملك المظفر المذكور‏.‏

وأما الملك المجاهد فله أشياء بديعة نظماً ونثراً وديوان شعره ومعرفة بعلم الفلك والنجوم والرمل وبعض العلوم الشرعية من الفقه وغيره‏.‏

وفيها مات بمصر المحدث الرحال تقي الدين محمد بن عبد المجيد الهمداني المصري الصوفي عن نيفٍ وسبعين سنة سمع من جماعة منهم المري وابن الخير‏.‏

كذا ذكره الذهبي‏.‏

وفيها مات حافظ المغرب الإمام العلامة أبو عبد الله بن رشيد الفهري بفاس‏.‏