فصل: سنة ثلاث وثمانين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان وتقليب أحوال الإنسان وتاريخ موت بعض المشهورين من الأعيان **


 سنة ثلاث وثمانين

فيها في قول غير واحد وقعة دير الجماجم وكان شعار الناس يادبارات الصلاة لأن الحجاج كان يميت الصلاة ويؤخرها حتى يخرج وقتها‏.‏

وقتل مع ابن الأشعث البحتري والطائي مولاهم كان من كبار فقهاء الكوفة وغرق مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه المقري‏.‏

قال ابن سيرين رأيت أصحابهم يعظمونه كانه أمير‏.‏

وتوفي فيها أبو الجوزاء الربعي البصري وقاضي مصر عبد الرحمن الخولاني وكان عبد العزيز بن مروان يرزقه في السنة ألف سنة أربع وثمانين فيها فتحث المصيصة على يد عبدالله بن عبد الملك بن مروان‏.‏

وفيها قتل أيوب بن زيد الهلالي المعروف بابن القرية بكسر القاف وبالراء والمثناة من تحت وتشديدهما في آخرها اسم جدته كان اعرابياً أمياً وهو معدود من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة وكان عامل الحجاج يغدي كل يوم ويعشي فوقف ابن القرية ببابه فرأى الناس يدخلون فقال أين يدخل هؤلاء قالوا‏:‏ الى طعام الأمير فدخل فتغذى وقال‏:‏ اكل يوم صنع الأمير ما أرى فقيل‏:‏ نعم فكان كل يوم يأتيه للغداء والعشاء الى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل وهو عربي غريب لا يدري ما هو فأمر لذلك طعامه فجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغذى فقال ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم فقالوا‏:‏ غم لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب لا يدري ما هو فقال‏:‏ ليريني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء الله تعالى وكان خطيباً لسناً بليغاً فذكر أن للوالي فدعي به فلما قرىء عليه الكتاب عرف الكلام وفسره للوالي حتى عرف جميع ما فيه‏.‏

فالتمس الوالي منه أن يكتب له الجواب فقال‏:‏ لست أقرأ ولا أكتب ولكن أقعد عندي كاتباً يكتب ما أمليه ففعل فكتب جواب الكتاب فلما قرىء الكتاب على الحجاج رأى كلاماً غريباً فعلم أنه ليس من كلام كتاب الخراج فدعى برسائل عامل عين اليمن فنظر فيها فإذا هي ليست ككتاب ابن القرية فكتب الحجاج إلى العامل‏.‏

أما بعد فقد أتاني كتابك بعيداً من جوابك بمنطق غيرك فإذا نظرت في كتابي هذا فلاتضعه من يدك حتى تبعث إلي بالرجل الذي سطر لك الكتاب والسلام‏.‏

فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية فقال له تتوجه نحوه وقال لا بأس عليك وأمر له بكسوة ونفقة وحمله إلى الحجاج فلما دخل عليه قال ما اسمك قال‏:‏ ايوب‏.‏

قال اسم نبي وأظنك أمياً تحاول البلاغة ولا يستصعب عليك المقال وأمر له بنزل ومنزل فلم يزل يزداد به عجباً حتى أوفده على عبد الملك بن مروان‏.‏

فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الطاعة بسجستان وهي واقعة مشهورة بعثه الحجاج إليه فلما دخل عليه قال لتقومن خطيباً ولتخلعن عبد الملك ولتشتمن الحجاج أو لأضربن عنقك‏.‏

قال‏:‏ ايها الأمير إنما أنا رسول‏.‏قال‏:‏ هو ما أقول لك فقام وخطب وخلع عبد الملك وشتم الحجاج وقام هناك فلما انصرف ابن الأشعث منهزماً كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليها يأمرهم أن لا يمر بهم أحد من قيل أو قال من أصحاب ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيراً إليه وأخذ ابن القرية في من أخذ فلما دخل على الحجاج قال أخبرني عما أسألك عنه‏.‏

قال‏:‏ سلني عمن شئت‏.‏

قال أخبرني عن أهل العراق قال‏:‏ اعلم الناس بحق وباطل‏.‏

قال‏:‏ فأهل الحجاز قال‏:‏ اصرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها قال‏:‏ فأهل الشام قال أطوع الناس لخلفائهم‏.‏

قال فأهل مصر قال عبيد من خلب يعني من خدع‏.‏

قال فأهل البحرين قال‏:‏ بسط استعربوا قال‏:‏ فأهل عمان قال‏:‏ عرب استنبطوا قال‏:‏ فأهل الموصل قال‏:‏ اشجع فرسان وأقبل للأقران قال فأهل اليمن قال أهل أهواء أو قال أهواء ونقاء واصبر عند اللقاء‏.‏

قال‏:‏ فأهل اليمامة قال‏:‏ اهل جفاء واختلاف وريف كثير وقرى يسير‏.‏

قال‏:‏ اخبرني عن العرب قال‏:‏ سلني‏.‏

قال‏:‏ قريش قال‏:‏ اعظمها أحلاماً واكرمها مقاماً‏.‏

قال‏:‏ فبنو عامر بن صعصعة قال‏:‏ اطولها رماحاً وأكرمها صباحاً‏.‏

قال‏:‏ فبنو سليم قال‏:‏ اعظمها مجالس وأكرمها محاسن‏.‏

قال‏:‏ فثقيف قال أكرمها جدوداً وأكثرها وفوداً‏.‏

قال‏:‏ فبنو زيد قال ألزمها للرايات وأدركها للثارات‏.‏

قال‏:‏ فقضاعة قال‏:‏ اعظمها أحطاراً رأكرمها نجاراً وأبعدها آثاراً يعني النجار بالنون والجيم والراء بعد الألف الأصل والحسب‏.‏

قال فالأنصار قال أثبتها مقاماً وأحسنها إسلاماً وأكرمها أياماً‏.‏

قال‏:‏ فتميم قال‏:‏ اظهرها جلداً وأثراها عدداً‏.‏

قال‏:‏ فبكر بن وائل قال أثبتها صفوفاً واحدها سيوفاً‏.‏

قال فعبد القيس قال أسبقها إلى الغايات وأصبرها تحت الرايات‏.‏

قال فبنو أسد قال أهل عدد وجلد وعز ونكد‏.‏

قال فلخم قال ملوك وفيهم نوك يعني بالنوك بفتح النون الحمق‏.‏

قال فجذام قال يسعرون الحرب ويوقدونها ويلحقونها ثم يمرونها‏.‏

قال فبنو الحارث قال رعاة للقديم حماة عن الحريم‏.‏

قال فمك قال ليوث جاهدة في قلوب فاسدة قال فثعلب قال يصدقون إذ ألقوا ضرباً ويسعرون الأعداء حرباً‏.‏

قال فغسان قال أكرم العرب أحساباً وأبينها أنساباً‏.‏

قال فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن يضام قال قريش أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها وهضبة لا يرام انتزاؤها في بلدة حمى الله دمارها ومنع جارها‏.‏

قال فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية قال‏:‏ كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك ومذحج أهل الطعان وهمدان أحداس الخيل يعني يفتنونها ويلزمون ظهورها‏.‏

والأزدآسات الناس‏.‏

قال‏:‏ فأخبرني عن الأرضين قال‏:‏ سلني‏.‏

قال‏:‏ الهند قال بحر هادر وجبلها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وأهلها طعام يقطع الحمام او قال للقطع الحمام‏.‏

قال فخراسان قال ماؤها جامد وعدو هنيئاً جاحد‏.‏

قال فعمان قال حرها شديد وصيدها عتيد‏.‏

قال فالبحرين قال كماشة بين المصريين‏.‏

قال فاليمن قال أصل العرب وأهل البيوتات والحسب‏.‏

قال فمكة قال رجالها على علماء جفاة ونساؤها كساة عراة‏.‏

قال والمدينة قال رسخ العلم فيها وظهر منها‏.‏قال فالبصرة قال شتاؤها جليد وحرها شديد وماؤها ملح وحربها صلح‏.‏

قال فالكوفة قال ارتفعت عن حر البحر وسفلت عن برد الشام فطاب ليلها وكثر خيرها‏.‏

قال فواسط قال جنة بين حماة و كنة قال وما حماتها وكنتها‏.‏

قال البصرة والكوفة يحسدانها وما ضراها ودجلة يتجاريان بإفاضة الخير عليها قال فالشام قال عروس بين نسوة جلوس‏.‏

قال‏:‏ ثكلتك أمك يابن القرية لولا اتباعك أهل العراق وكنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من تفاقم‏.‏

ثم دعا بالسيف وأومى إلى السياف أن أمسك فقال ابن القرية ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقف تكن مثلاً بعدي قال‏:‏ هات قال لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة‏.‏

قال الحجاج ليس هذا وقت المزاح يا غلام رحب جرحه فضرب عنقه‏.‏

قيل لما أراد قتله قال له العرب تزعم أن لكل شيء آفة قال‏:‏ صدقت العرب أصلح الله الأمير‏.‏

قال فما آفة الحليم قال الغضب‏.‏

قال‏:‏ فما آفة العقل قال العجب‏.‏

قال فما آفة العلم قال النسيان‏.‏

قال فما آفة السخاء قال المن عند البلاء‏.‏

قال فما آفة الحديث قال الكذب‏.‏

قال فما آفة الكرام قال مجاورة اللئام قال فما آفة الشجاعة قال البغي‏.‏

قال فما آفة العبادة قال العترة‏.‏

قال فما آفة الذهن قال حديث النفس‏.‏

قال فما آفة المال قال سوء التبذير‏.‏

قال فما آفة الكامل من الرجال قال العدم‏.‏

قال فما آفة الحجاج بن يوسف قال أصلح الأمير‏:‏ الآفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكى فرعه قال‏:‏ امتلأت شقاقاً وأظهرت شقاق ثم قال اضربوا عنقه فلما رآه قتيلاً ندم‏.‏

ذكر هذا كله بعض المؤرخين في تاريخه ناقلاً له‏.‏

وفي السنة المذكورة ظفر أصحاب الحجاج بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي وقتلوه بسجستان وطيف برأسه في البلدان‏.‏

وتوفي عبدالله بن الحارث بن نوفل الهاشمي حنكه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ولادته والأسود بن هلال المحاربي‏.‏

وتوفي عمران بن حطان السدوسي المصري أحد رؤوس الخوارج وشاعرهم البليغ‏.‏

وتوفي عتبة بن النذر السلمي روح الجذامي سيد جذام أمير فلسطين وكان منظماًعند عبد الملك لا يكاد يفارقه وكان عنده بمنزلة وزير وكان ذا علم وعقل ورأي ودين‏.‏

 سنة خمس وثمانين

فيها توفي عبد العزيز بن مروان بن الحكم أمير مصر والمغرب عند جماعة وقال بعضهم في السنة التي قبلها وولي مصر عشرين سنة وكان ولي العهد بعد عبد الملك عقد لهما أبوهما كذلك فلما مات عقد عبد الملك من بعده العهد لولده وبعث لي عامله إلى المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي ليبايع له الناس بذلك فامتنع عليه سعيد بن المسيب وصمم فضربه هشام بن إسماعيل بستين سوط وطوف به‏.‏

وفيها توفي واثلة بن الأسقع الليثي أحد فقراء الصفة وله ثمان وتسعون سنة وكان فارساً شجاعاً ممدوحاً فاضلاً شهد غزوة تبوك رضي الله عنه‏.‏

وفيها توفي عمرو بن حريث المخزومي ه صحبة ورواية ومولده في زمن الهجرة‏.‏

وفيها توفي عمرو بن سلمة الجرمي البصري في قول ويقال إن له صحبة وهو الذي صلى بقومه في عهد النبي صلى الله وآله وسلم وعمرو بن سلمة الهمداني وعبدالله بن عامر بن ربيعة العنبري حليف آل عمر بن الخطاب رضي الله عنهم وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً ليس بمتصل خرجه أبو داود له رواية عن الصحابة‏.‏

وفيها توفي خالد بن يزيد بن معاوية بن أي سفيان الأموي قيل كان له معرفة بفنون من العلم منها علم الطب والكيمياء كان متقناً لهما‏:‏ قال ابن خلكان‏:‏ وله رسائل دالة على علمه ومعرفته وبراعته اخذ الصناعة من رجل رومي من الرهبان وله أشعار مطولات ومقاطع دالة على حسن تصرفه ومن شعره‏:‏ تجول خلاخيل النساء ولا أرى لرملة خلخالاً تجول ولا قلبا أحب بني العوام من أجل حبها ومن أجلها أحببت أخوالها من قصيدة له طويلة في زوجته رملة بنت الزبيربن العوام وشكا إلى عبد الملك بن مروان فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ان الوليد بن عبد الملك قد احتقر ابن عمه عبدالله واستصغره يعني أخاه فقال عبد الملك‏:‏ ‏"‏ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ‏"‏ - النمل‏:‏ 34 - فقال خالد‏:‏ ‏"‏ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً ‏"‏ - الإسراء‏:‏ 16 - فقال عبد الملك‏:‏ أفي عبدالله تكلمني والله لقد دخل علي فما أقام لسانه لحناً فقال له خالد‏:‏ افعلى الوليد تقول فقال‏:‏ عبد الملك‏:‏ ان كان يلحن فإن أخاه سليمان يعني أنه كان فصيحاً زكياً كما سيأتي ترجمته فقال خالد‏:‏ ان كان عبدالله يلحن فإن أخاه خالد فقال له الوليد‏:‏ اسكت يا خالد فوالله ما تدعي في العير ولا في النفير فقال خالد‏:‏ ويحك ومن للعير والنفير غيري وجدي أبو سفيان صاحب العير وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير ولكن لو قلت غنيمات والطائف رحم الله عثمان لقلنا صدقت قلت وأشار بذلك إلى العير التي خرج لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ليأخذوها وخرج المشركون من مكة ليقاتلوا دونها وكان في العير أبو سفيان هو المقدم وهو جده من جهة أبيه وفي النفير عتبة بن ربيعة مقدم على القوم وهو جده من جهة الأم فإن ابنته هند أم معاوية‏.‏

وأما الغنيمات‏:‏ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفى الحكم جد الوليد إ لىالطائف وكان يرعى الغنم ولم يزل كذلك إلى أن ولي عثمان بن عفان فرده‏.‏

وروي أن عثمان كان قد شفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رده فأنعم له بذلك وأذن له في رده وفي ذلك تبكيت للوليد لما صدر منه من الاحتقار له ولأخيه والله أعلم‏.‏سنة ست وثمانين فيها ولي قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان وافتتح بلاد صاغان من الترك صلحاً وتوفي أبو إمامة الباهلي رضي الله عنه وله مائة وست وستون سنة‏.‏

وفيها وقيل في سنة ثمان توفي عبدالله بن أبي أوفى الأسلمي رضي الله عنه وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة رضي الله عنهم وآخر من شهد بيعة الرضوان‏.‏

وفيها توفي على الصحيح وقيل سنة ثمان عبدالله بن الحارث بن جزء بفتح الجيم وسكون الزاي مع الهمزة الزبيدي رضي الله عنه اخر من مات بمصر من الصحابة وتوفي قبيصة بن ذويب الخزاعي الفقيه بدمشق روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهم قال‏:‏ مكحول‏:‏ ما رأيت أعلم منه‏.‏وقال الزهري‏:‏ كان من علماء الأمة‏.‏

وفي شوال مات خليفتهم عبد الملك بن مروان وله ستون سنة وكانت ولايته المجمع عليها بعد ابن الزبير ثلاث عشرة سنة وأشهراً وقد عده أبو الزناد في طبقة ابن المسيب وقال نافع رأيت أهل المدينة وما بها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك وولي بعده ابنه الوليد بن عبد الملك‏.‏

ومن المشهور أن عبد الملك المذكور رأى في منامه كأنه بال في المحراب أربع مرات فوجه إلى سعيد بن المسيب من يسأله عن ذلك فقال‏:‏ يملك من ولده لصلبه أربعة وكان كما قال‏:‏ فإنه ولي الوليد وسليمان وهشام ويزيد أولاد عبد الملك‏.‏

وقيل رأى أنه بال في زوايا المسجد الأربع فقال ابن المسيب يلد أربعة أولاد يملكون الأرض‏.‏

فيها استعمل الوليد على المدينة عمربن عبد العزيز وفيها ابتدأ ببناء جامع دمشق ودام العمل والجد والاجتهاد في بنائه وزخرفته أكثر من عشر سنين وكان فيها اثنا عشر ألف صانع‏.‏

وفيها توفي عتبة بن عبد السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وله أربع وتسعون سنة والمقدام بن معد يكرب الكندي الصحابي وهو ابن إحدى وتسعين سنة رضي الله عنهما ‏.‏

 سنة ثمان وثمانين

فيها زحفت الترك وأهل فرغانة والصفد عليهم ابن أخت ملك الصين في جمع عظيم يقال كانوا مائتي ألف فالتقاهم قتيبة بن مسلم وهزمهم وفيها توفي عبدالله بن بسر المازني وهو آخر من مات من الصحابة بحمص قلت هكذا ينبغي أن يقال‏:‏ وأما قول الذهبي أنه أخر من مات من الصحابة مقتصراً على هذا فغير صحيح وكلامه بعد هذا ينقصه توفي سهل بن سعد الساعدي في سنة إحدى وتسعين وأنس بن مالك في سنة ثلاث وتسعين على القول الراجح الذي قطع به هو في مختصر وذكر أيضا أن عبدالله بن بسر المذكور أرخه عبد الصمد بن سعيد في سنة تسع وتسعين‏.‏

قلت وهذا يمكن أن يقال على هذا القول إنه آخر الصحابة موتاً لكن ينبغي النظر في شيء آخر وهو‏:‏ ان الصحابي من هو فعلى أحد الأقوال أنه من رأى النبي صلى اللهء وآله وسلم مسلماً وكذا في حكم الإسلام متى يصح من الإنسان فإن محمود بن الربيع عقل في مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بير في دارهم وهو ابن أربع سنين وموته كان في سنة تسع وتسعين‏.‏

وأبو الطفيل الكناني نقل العلماء أنه آخر من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا يعنون آخرهم موتاً وموته في سنة مائة لكن لا أدري هل رآه مسلماً أم لم يسلم بعد فليبحث عن ذلك‏.‏

وقد علم أيضاً أن الصغيريحكم بإسلامه تبعاً كما هو معروف في كتب الفقه هذا ما أردت من التنبيه على ذلك فليعلم والله تعالى بكل شيء أعلم‏.‏

 سنة تسع وثمانين

فيها توفي على القول الصحيح عبدالله بن ثعلبة العذري مسح النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأسه ودعا له فوعى ذلك وسمع من عمر رضي الله عنهما‏.‏

 سنة تسعين

فيها ولي امرة مصرقرة بن شريك وكان جباراً ظالماً‏.‏

وفيها ظفر قتيبة بأهل الطالقان قتل منهم صبرا مقتلة لم يسمع بمثلها وطلب سماطين طول أربعين فراسخ في نظام واحد‏:‏ يعني طلب تحصيل تسبحين مما يمد عليه السماط لأكل العساكر الممدود عليه‏.‏

وفيها توفي أبو ظبيان جبير بن جندب الجهني الكوفي والد قابوس‏.‏

وفيها توفي على الصحيح خالد بن يزيد بن معاوية وكان موصوفاً بالعلم والدين والعقل وهو الذي تقدم الكلام بينه وبين عبد الملك بن مروان خاله وظهر عليه ببلاغة اللسان‏.‏

وتوفي عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري الفقيه وأبو الخير مرثد بن عبدالله اليزني مفتي أهل مصر في وقته تفقه على عقبة بن عامر‏.‏

 سنة إحدى وتسعين

توفي فيها أبو العباس سهل بن سعد الساعدي الأنصاري وقد قارب المائة وهو آخرمن مات بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم‏.‏

وفيها توفي وقيل في سنة ثمان وثمانين السائب بن يزيد الكندي قال حج بي أبي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه‏.‏

 سنة اثنتين وتسعين

فيها افتتح اقليم الأندلس على يد طارق مولى موسى بن نصير تمم موسى فتحه في سنة ثلاث‏.‏

وتوفي مالك بن أوس بن الحدثان ادرك الجاهلية ورأى أبا بكر رضي الله عنهما‏.‏

وفيها توفي ابراهيم بن يزيد التيمي الكوفي العابد المشهور قتله الحجاج ولم يبلغ أربعين سنة روى عن عمرو بن ميمون الأوثي وجماعة‏.‏

وفيها توفي طويس المغني‏.‏

قال ابن قتيبة في كتاب المعارف‏:‏ طويس مولى أروى بنت كريز وهي أم عثمان بن عفان رضي الله عنه واسمه عبد الملك‏.‏

قال أبو الفرج في كتاب الأغاني‏:‏ اسمه عيسى بن عبدالله وقال الجوهري في الصحاح‏:‏ اسمه طاوس فلما ثخنث أو قال خنث سمي طويس وكان من المبرزين في الغناء المجيدين فيه وممن يضرب به الأمثال وإياه عنى الشاعر بقوله في مدح معبد المغني‏.‏

يغني طويس والشريحي بعده وما قصبات السبق إلآ لمعبد وطويس المذكور هو الذي يضرب به المثل في الشوم فيقال أشأم من طويس لأنه ولد في اليوم النمي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفطم في اليوم الذي مات فيه الصديق رضي الله تعالى عنه وختن في اليوم الذي قتل فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقيل بل بلغ الحلم في ذلك اليوم وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان رضي الله تعالى عنه وولد مولود له في اليوم الذي قتل فيه علي رضي الله تعالى عنه وقيل بل في يوم مات الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما فلذلك تشاءموا به‏.‏

قلت وهذا إن صح من عجائب الاتفاقات وكان مفرطاً في طوله مضطرباً في خلقه أحول العين سكن المدينة ثم انتقل عنها إلى السويداء على مرحلتين من سنة ثلاث وتسعين فيها افتتح قتيبة عدة فتوح وهزم الترك ونازل سمرقند في جيش عظيم ونصب المجانيق فجاءت نجدة الترك فأكمن لهم كميناً فالتقوا في نصف الليل فاقتتلوا قتالاً عظيماً فلم يفلت من الترك إلا اليسير وافتتح سمرقند صلحاً وبنى بها الجامع والمنبر وقيل صالحهم على مائة ألف رأس وعلى بيوت النار وحلية الأصنام فسلبت ثم وضعت قدامه وكانت كالقصر العظيم يعني الأصنام فأمر بتحريقها‏.‏

ثم جمعوا من بقايا ما كان فيها من مسامير الذهب والفضة خمسين ألف مثقال‏.‏

وفيها توفي من سادات الصحابة ذو الفضائل والإنابة خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموهل لذلك السيد الجليل أبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري‏.‏

وقيل توفي سنة تسعين وقيل في سنة إحدى وتسعين وقيل في سنة اثنتين وتسعين قدم النبي صلى عليه وآله وسلم المدينة وهو ابن عشر سنين ومن فضائله‏:‏ دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بالبركة فيما أعطي حتى أنه دفن من أولاده قبل مقدم الحجاج بن يوسف مائة وعشرين وكان نخله يثمر في السنة مرتين‏.‏

وتوفي فيها بلال بن أبي الدرداء روى عن أبيه وقد ولي امرة دمشق‏.‏

وأبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الفقيه بالبصرة‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول أبي الشعثاء وفيها توفي أبو الخطاب عمر بن عبدالله بن أبي ربيعة القرشي المخزومي الشاعر المشهور قيل لم يكن في قريش أشعر منه وهو كثير الغزل والنوادر والوقائع والمجون والخلاعة وله في ذلك حكايات مشهورة وكان يتغزل في شعره بالثريا ابنة علي بن عبدالله ابن الحارث بن أمية بن عبد شمس الأموية‏:‏ قال السهيلي في الروض الأنق‏:‏ وجدتها قتيلة بضم القاف وفتح المثناة من فوق وتسكين المثناة من تحت ابنة النضر بن الحارث التي أنشدت عقب وقعة بدر الأبيات التي من جملتها‏.‏

ظلت يهوف بني أمية يبسة لله أرحام هناك تمزق أمحمد ولأنت نجل نجيبة من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المخنق فالنضر أقرب من تركت وصيلة وأحقهم إن كان عتق يعتق ويروى فالنضر أقرب أن أردت قرابة‏.‏

فقال صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته ‏"‏‏.‏

قلت وهذا مما احتج به للقول الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام وكان النضر المذكور شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان من جملة أسارى بدر فلما توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبلغ الصفراء أمرعلياً وقيل المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه بقتله فقتله صبراً بين يديه وممن قتل معه عدو الله الآخرعتبة بن أبي معيط فقال يا محمد من للصبية فقال صلى عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ النار ‏"‏‏.‏

وكانت الثريا المذكورة موصوفة بالجمال فتزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ونقلها إلى مصر وكان عمر المذكور يضرب المثل في زواجه بالثريا وسهيل النجمين المعروفين في هذين البيتين المشهورين‏.‏

أيها المنكح الثريا سهيلاً عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يمان ومن شعر عمر المذكور‏:‏ أي طيف من الأحبة زارا بعدما صرى الكرى السمارا طارقاً في المنام تحت دجى الليل ضنيناً بأن يزور نهارا قلت ما بالنا خفينا وكنا قبل ذاك الأسماع والأبصارا قال ما كنا عهدنا ولكن شغل الحلي أهل أن يعارا قلت ومن شعره أيضاً‏:‏ ما ذكره الفقهاء في كتب الفقه في قتال المشركين مستشهدين به على كون المرأة لا تقتل اعني قوله‏:‏ إن من أكبر الكبائرعندي قتل بيضاء جوده عيطول وكانت ولادته في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة وكان الحسن البصري رحمه الله يقول‏:‏ اذا ذكرت الليلة التي قتل فيها عمر وولد فيها عمر أي حق رفع وأي باطل وضع وكان جده أبو ربيعة يلقب ذا الرمحين وكان أبوه عبدالله أخا أبي جهل بن هشام المخزومي‏.‏قلت ومما يحكى من ذكائه وخلاعته والله أعلم بكذب ذلك وصحته أنه أتته امرأة وقالت له أن امرأة تريد مسامرتك وكان ذلك بالليل فقام معها فغطت عينيه بشيء شدته عليهما حتى لا يعرف البيت الذي يدخل ولا المرأة التي أرادت أن تسمع كلامه وكانت ذوات المناصب فأخذ حناه وقيل زعفراناً وعجنه وحمله بيده فلما وصلت به إلى باب الدار التي المرأة فيها لطخ خارج الباب بالحناء ثم دخل فبات يتحدث معها وينشدها الأشعار إلى ما شاء الله من الليل ثم خرج فلما أصبح قال لغلامه‏:‏ اذهب وطف بالشوارع وتصفح الأبواب وانظرأي باب فيه حناء أو قال زعفران وطاف الغلام حتى وجد الباب المذكور فأعلمه بذلك الباب وذكروا لمن هو ولكني أكره أن أعين ذلك وكان موته بحرق غزا في البحر فأحرقت السفينة فاحترق وعمره مقدار سبعين وقيل ثمانين سنة وتوفي أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري المقري المفسر وقد دخل علىأبي بكروقرأ القرآن على أبي‏.‏

قال أبو العالية‏:‏ كان ابن عباس يرفعني على السرير وقريش أسفل وقال أبو بكر بن أبي داود‏:‏ ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن من أبي العالية وبعده سعيد بن جبير‏.‏

وفيها توفي زرارة بن أوفى العامري قرأ في الصبح‏:‏ ‏"‏ فإذا نقر في الناقور ‏"‏ - المدثر‏:‏ 8 - فخر ميتاً‏.‏وفيها توفي عبد الرحمن بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني روى عن الصحابة وولي قضاء المدينة وعن الأعرج قال‏:‏ ما رأيت بعد الصحابة أفضل منه‏.‏

 سنة أربع وتسعين

فيها توفي السيد المجمع على جلالته وديانته وإمامته الذي سما كل سيد تابعي بعد السيد العارف بالله أويس القرني أبو محمد سعيد بن المسيب المخزومي المدني مفتي الأنام أحد الأئمة الأعلام وقيل توفي في سنة ثلاث قال مكحول وقتادة والزهري وغيرهم‏:‏ ما رأينا أعلم من ابن المسيب‏.‏

وقال ابن عمر لأصحابه‏:‏ لو رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسره‏.‏

وقال الزهري أخذ سعيد علمه عن زيد بن ثابت وجالس ابن عباس وابن عمر وسعد بن أبي وقاص ودخل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة وأم سلمة وسمع عثمان وعلياً وصهيباً ومحمد بن مسلمة وجل روايته المسند عن أبي هريرة وسمع من أصحاب عمر وعثمان وكان يقال ليس أحد أعلم بكل ما قضى عمروعثمان منه قال القاسم بن محمد‏:‏ هو سيدنا وأعلمنا وقال قتادة‏:‏ ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد من العلماء إلا وجدت له عليه فضلاً غيرأنه كان إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله‏.‏

وقال زين العابدين علي بن الحسين‏:‏ سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار وأفضلهم في روايته وسئل الزهري ومكحول من أفقه من أدركتما فقالا‏:‏ سعيد بن المسيب‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ لما مات العبادلة عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمرو بن العاص ثار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي‏.‏

ففقيه مكة عطاء وفقيه اليمن طاوس وفقيه اليمامة يحيى بن كثير وفقيه البصرة الحسن وفقيه الكوفة ابراهيم النخعي وفقيه الشام مكحول وفقيه خراسان عطاء الخراساني إلا المدينة فإن الله تعالى خصها بقرشي فيه غير مدفع سعيد بن المسيب رضي الله عنهم ذكر هذه النقولات الشيخ أبو إسحاق في الطبقات‏.‏

قلت وهو المتقدم في فقهاء المدينة السبعة جمع بين الحديث والفقه والورع والعبادة وقال ابن عمر فيه‏:‏ وقد أفتي في مسألة ألم أخبركم بأنه أحد العلماء وروي أنه قال‏:‏ حججت أربعين حجة وعنه أيضاً أنه قال‏:‏ ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة وما نظرت إلى قفاء رجل في الصلاة منذ خمسين سنة يعني المحافظة على الصف الأول‏.‏

قيل إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة وكان قد أخذ من أزواج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأكثر روايته عن أبي هريرة وكان زوج ابنته والمسيب بفتح المثناة من تحت مشددة وروي عنه أنه كان يقول بكسرها ويقول إنه سيب الله من يسيب أبي وفضائله كثيرة معروفة شهيرة وقد أورد بعض العلماء في مناقبه مجلداً مستقلاً ومن محاسنه وتواضعه وزهادته في الدنيا ومحبته للفقراء دون الأمراء ما اشتهر عنه أنه خطب ابنته بعض ملوك بني أمية فامتنع من تزويجه بها وزوجها من بعض الفقراء المشتغلين عليه بالعلم فذكر ذلك الفقير ذلك لأمه فقالت له البعيد مجنون سعيد بن المسيب يزوجك وبنته يخطبها الملوك فسكت عنها فلما كان الليل إذا بالباب يدق فقال من هذا قال سعيد فخرج اليه فإذا هو سعيد بن المسيب وبنته تحت ثوبه فقال له‏:‏ خذ إليك أهلك فإني كرهت أن ابنيك عزباً فأخذ زوجته وأدخلها البيت فقالت أمه والله ما تقربها حتى تصلح من شأنها فأعلمت جارتها فاجتمعن وهيأن لها ما يصلح للعروس على حسب ما تيسر في ذلك الوقت‏:‏ ثم زادها أبوها بعد ذلك وبرهما بشيء من الدنيا رضي الله عنه‏.‏

قلت ومما يناسب هذه القصة‏:‏ قصة أبي القواس شاه شجاع الكرماني فإنه لما زاد في الملك زهد في الملك ودخل في طريق القوم خطبت ابنته بعض الملوك فلم يزوجها منه وطاف في المساجد فوجد فقيراً يحسن صلاته فقال له‏:‏ الك زوجة قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فهل لك في زوجة جميلة تقرأ القرآن فقال أنا رجل فقير ما يزوجني أحد‏.‏

قال‏:‏ اما تقدرعلى درهمين قال‏:‏ بلى‏.‏

قال‏:‏ فاشتر بدرهم خبزاً وبدرهم طيباً فقد تم الأمر ففعل فزوجه بابنته فلما دخلت بنته بيت الفقير المذكور رأت قرصاً في البيت رجعت على ورائها فسألها عن رجوعها فذكرت كلاماً معناه أني لا أرضى أبيت على معلوم فأما أخرجه وإلا خرجت فاخرج الرغيف فطابت نفسها فاستقرت عنده‏.‏

هذا مختصر القصة وقد أوضحتها في غير هذا الكتاب رضي الله عنها وعن أبيها وعن سائر الصالحين ونفعنا الله ببركاتهم أجمعين آمين‏.‏

وفي السنة المذكورة توفي أيضاً من الفقهاء السبعة السيد الجليل أبو محمد عروة بن الزبير الجامع بين السيادة والعلم والعبادة كان حافظاً للعم صواماً قواماً حتى روي أنه مات و هوصائم ومما اشتهر عنه أنه قطعت رجله وهو في الصلاة لآكلة وقعت بها ولم تشعر بذلك‏.‏

وقال الإمام الزهري‏:‏ رأيت عروة بحراً لا ينزف ويروى بحراً لا تكدره الدلا وهذه السنة تسمى سنة الفقهاء لأنه مات فيها جماعة منهم وإنما قيل الفقهاء السبعة لأنهم كانوا بالمدينة في عصر واحد‏.‏

ومنهم انتشر العلم والفتيا‏.‏

وقيل لأن الفتوى بعد الصحابة صارت إليهم وشهروا بها وسيأتي ذكر كل واحد منهم في موضعه وقد جمعهم لعض العلماء فى بيتين فقالى‏:‏ ألا كل من لا يقتدى بأئمة فقسمته ضيزى عن الحق خارجه وكان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين مثل سالم بن عبدالله بن عمر وأمثاله ولكن الفتوى لم يكن إلا لهؤلاء السبعة هكذا قال الحافظ السلفي‏.‏

ووالدا عروة كلاهما ذو الجلالة والقدر فأبوه الزبير بن العوام الصحابي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وعروة شقيق أخيه عبدالله الزبير بخلاف أخيهما مصعب فإن أمه أخرى سمع عروة من خالته عائشة رضي الله عنها‏.‏

وروى عنه ابن شهاب الزهري وغيره وكان عالماً صالحاً ولما قطعت رجله من الأكلة لم يشعر الوليد بن عبد الملك بقطعها وهو حاضر عنده لعدم تحركه حتى كويت فوجد رائحة الكي على ما ذكر ابن قتيبة‏.‏

قال‏:‏ ولم يترك ورده تلك الليلة وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين ولما قتل أخوه عبدالله قال لعبد الملك بن مروان‏:‏ اريد أن تعطيني سيف أخي‏.‏

فقال‏:‏ هو بين السيوف ولا أميزه فقال عروة‏:‏ اذا حضرت السيوف فأنا أميزه فأمر عبد الملك باحضارها فلما حضرت أخذ عروة منها سيفاً مقلل الحد وقال‏:‏ هذا سيف أخي‏.‏

فقال عبد الملك‏:‏ كنت تعرفه قبل الآن فقال‏:‏ لا فقال‏:‏ كيف عرفته فقال‏:‏ بقول النابغة الذبياني‏:‏ ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وعروة هو الذي احتفر البير المسماة ببير عروة في المدينة الشريفة وليس فيها بير أعذب ماء منها وكان ولادته سنة اثنتين وقيل سنة ست وعشرين‏.‏

قال ابن خلكان وتوفي في قرية له دون المدينة يقال لها فرع بضم الفاء وسكون الراء من ناحية الربذة بينها وبين المدينة أربع ليال وهي ذات نخل ومياه‏.‏

وذكر العتبي أن المسجد الحرام جمع بين عبدالله بن الزبير وأخويه عروة ومصعب وعبد الملك بن مروان أيام تألفهم بعد موت معاوية فقالوا‏:‏ هلم فلنمنه فقال عبدالله بن الزبير‏:‏ منيتي أن أملك الحرمين ويقال الخلافة وقال مصعب‏:‏ منيتي أن أملك العراقين فأجمع بين جميلتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وقال عبد الملك‏:‏ منيتي أن أملك الأرض كلها وأخلف معاوية‏.‏

فقال عروة‏:‏ ليست في شيء مما أنتم فيه منيتي الزهد في الدنيا والفوز بالجنة في الأخرى وإن أكون ممن يروى عنه العلم فقال‏:‏ فما ماتوا حتى بلغ كل واحد منهم إلى أمله وكان عبد الملك بن مروان لذلك يقول‏:‏ من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير‏.‏

وفيها توفي أيضاً من الفقهاء السبعة أبو بكرعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي الملقب براهب قريش لعبادته وفضله وكان مكفوفاً وأبوه الحارث من جملة الصحابة وهو أخو أبي جهل‏.‏

وفيها توفي زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم‏.‏

روى عن جماعة من السلف إنهم قالوا‏:‏ ما رأينا أورع وبعضهم قالوا أفضل منه منهم سعيد بن المسيب وقال أيضاً‏:‏ بلغني أن علي بن الحسين كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات قال‏:‏ وسمي زين العابدين لعبادته وقال بعضهم كان عبد الملك بن مروان يحبه ويحترمه وكان الحسين يوم قتل والده مريضاً فلم يتعرض له وأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس‏.‏وذكر أبو القاسم الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار‏:‏ ان الصحابة لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيهم ثلاث بنات ليزدجرد فأمر ببيعهن فقال له علي رضي الله عنه إن بنات الملوك لا تعاملهن معاملات غيرهن فقال‏:‏ فكيف الطريق إلى بيعهن فقال‏:‏ تقومهن ومهما بلغ ثمنهن يقوم به من يختارهن فقومهن وأخذهن علي بن أبي طالب فدفع واحدة لعبدالله بن عمر وأخرى لولده الحسين وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم فأولد عبدالله من التي آخذ سالماً وأولد الحسين زين العابدين وأولد محمد ولده القاسم فهؤلاء الثلاثة بنو خالة وأمهاتهم بنات ملك الفرس المذكور‏.‏وحكى المبرد في كتاب الكامل أن رجلاً من قريش لم يسمه قال‏:‏ كنت أجالس سعيد بن المسيب فقال لي يوماً‏:‏ من أخوالك فقلت‏:‏ امي فتاة وكأني نقصت من عينه فأمهلت حتى دخل سالم بن عبدالله بن عمر فلما خرج من عنده قلت يا عم من هذا قال سبحان الله أتجهل مثل هذا من قومك‏!‏ هذا سالم بن عبدالله بن عمر‏.‏

قلت‏:‏ فمن أمه قال‏:‏ فتاة ثم أتاه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق فجلس ثم نهض قلت يا عم من هذا قال أتجهل من أهلك مثله ما أعجب هذا هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قلت فمن أمه قال فتاة‏.‏قال فأمهلت شيئاً حتى جاء علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسلم عليه ثم نهض فقلت‏:‏ يا عم من هذا قال هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله هذا علي بن الحسين بن أبي طالب قلت‏:‏ من أمه‏.‏

قال فتاه قلت يا عم رأيتني نقصت من عينك لما علمت أني لأم ولد فما لي في هؤلاء أسوة قال فجللت في عينه جداً وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ السراري حتى نشأ فيهم هؤلاء الثلاثة وفاقوا أهل المدينة فقهاً وورعاً فرغب الناس في السراري وقيل إن أم زين العابدين يقال لها غزالة وقيل سلامة من بلاد السند والله أعلم‏.‏

وروي أن زين العابدين كان كثير البر بأمه فقيل له إنا نراك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل معها في صحفة فقال أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها‏.‏

وروي أيضاً أنه كان إذا توضأ اصفر لونه وإذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة فقيل له ما لك فقال ما تدرون بين يدي من أقوم وكان إذا هاجت الريح سقط مغشياً عليه وقع حريق في بيت هو فيه وهو ساجد وجعلوا يقولون له‏:‏ يا ابن رسول الله النار فما رفع رأسه‏.‏

فقيل له في ذلك فيما بعد‏:‏ فقال ألهتني عنها النار الأخرى‏.‏

وكان يقول‏:‏ ان قوماً ما عبدوا الله عز وجل رهبة فتلك عبادة العبد وآخرين عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وآخرين عبدوه شكراً فتلك عبادة الأحرار وكان لا يحب أن يعينه على طهوره أحد كان يسقي الماء لطهوره ويخمره قبل أن ينام فإذا قام من الليل بدأ بالسواك ثم يتوضأ ويأخذ في صلاته ويقضي ما فاته من ورد النهار‏.‏

وروي أنه تكلم رجل فيه وافترى عليه فقال له زين العابدين‏:‏ ان كنت كما قلت فاستغفرالله وإن لم تكن كما قلت فغفر الله لك فقام إليه الرجل وقبل رأسه وقال‏:‏ جعلت فداك لست كما قلت فاغفر لي‏.‏

قال غفر الله لك فقال الرجل الله أعلم حيث يجعل رسالته‏.‏

وسيأتي الأبيات التي قالها فيه الفرزدق لما جاء يستلم الحجر الأسود أعني قوله‏:‏ هذا ابن خيرعباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم الأبيات الآتية في سنة عشر ومائة ومناقبه ومحاسنه كثيرة شهيرة اقتصرت منها على هذه النبذة اليسيرة‏.‏

وفيها توفي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد الأئمة الكبار رحمة الله تعالى عليهم أجمعين‏.‏