فصل: ثمان عشرة ومائتين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان وتقليب أحوال الإنسان وتاريخ موت بعض المشهورين من الأعيان **


 سبع عشرة ومائتين

وفيها توفي وقيل في التي قبلها حجاج بن المنهال البصري الأنماطي الحافظ سمع شعبة وطائفة رحمة الله عليهم‏.‏

وفيها توفي سريج بن النعمان البغدادي الحافظ وموسى بن داود الضبي الحافظ هشام بن إسماعيل الخزاعي الدمشقي الزاهد القدوة رحمة الله عليهم‏.‏

 ثمان عشرة ومائتين

فيها‏:‏ امتحن المأمون العلماء بخلق القرآن وكتب إلى نائبه على بغداد وبالغ في ذلك وقام في هذه البدعة قيام متعبد بها فأجاب أكثر العلماء على سبيل الإكراه وتوقف طائفة ثم أجابوا وناظروا فلم يلتفت إلى قولهم وعظمت المصيبة بذلك وتهدد على ذلك بالقتل فلم يقف ولم يثبت من علماء العراق إلا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح قيل‏:‏ وارسلا إلى المأمون وهو بطرسوس فلما بلغوا الرقة جاءهم الفرج بموت المأمون وعهد بالخلافة إلى أخيه المعتصم‏.‏

وفيها‏:‏ دخل كثير من أهل بلاد همدان في دين الخرمية وعسكروا فندب المعتصم لهم أمير بغداد إسحاق بن إبراهيم فالتفاهم بأرض همذان فكسرهم وقتل منهم ستين ألفاً وانهزم من بقي إلى ناحية الروم‏.‏

وفيه‏:‏ توفي أبو محمد عبد الملك بن هشام البصري الحميري الأصل المعافري اليمني النحوي صاحب المغازي الذي هذب السيرة وتخصها وكان أديباً أخبارياً نسابة سكن مصر وبها توفي في شهر رجب‏.‏وفيها توفي بشر المريسي رأس الضلالة الداعي إلى البدعة بالقول بخلق القرآن وغير ذلك من العقائد المخالفة لمذهب أهل الحق‏.‏

قيل‏:‏ وكان مرجئاً وإليه ينسب الطائفة المريسية من المرجئة وكان يناظر الإمام شافعي وهو لا يعرف النحو بل يلحن لحناً فاحشاً وقيل‏:‏ كان أبوه يهودياً صباغاً بالكوفة‏.‏

‏"‏ والمريسي ‏"‏ منسوب إلى مريس قيل‏:‏ قرية من قرى مصر وقيل‏:‏ بين بلاد النوبة والسودان وقيل‏:‏ بل منسوب إلى درب المريس ببغداد حيث كان يسكن‏.‏

وفي السنة المذكورة أيضاً توفي المأمون أبو العباس عبد الله بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور العباسي وله ثمان وأربعون سنة وكأن أبيض ربعة حسن الوجه أعين طويل اللحية ذا رأى وعقل ودهاء وشجاعة وكرم وحلم ومعرفة بعلم الأدب وعلوم أخرى وكان من أذكر العالم وله همة عالية ذا رأي في الجهاد وغيره وكان يقول‏:‏ معاوية لعمرو ‏"‏ بفتح العين المهملة ‏"‏ وعبد الملك لحجاجه وأنا لنفسي وكان في اعتقاده شيعياً استقل بالخلافة عشرين سنة بعد قتل أخيه الأمين لما خلعه‏.‏

ومما يحكى من ذكائه وحسن أدبه أنه كان أبوه الرشيد يميل إليه أكثر من أخيه الأمين وكانت أم الأمين زبيدة تغار من ذلك وتوبخ الرشيد على ميله إلى ولد الجارية فقال لها على طريق الإعتذار سأبين لك فضلهما أو قال‏:‏ فضله على أخيه فاستدعى بالأمين وكانت عنده مساويك فقال له‏:‏ ما هذه يا محمد‏.‏

فقال‏:‏ مساويك فقال‏:‏ اذهب ثم استدعى بالمأمون فلما أحضر قال‏:‏ ما هذه يا عبد الله فقال‏:‏ ضد محاسنك أمير المؤمنين أو كما قال له من العبارة كل ذلك وزبيدة تسمع ليمهد عذره عندها‏.‏

قلت‏:‏ وهذا ما اقتصرت عليه في ترجمته وله ما يكثر ذكره من الفضائل وقد وقع ذكر شيء منها في غير هذا المكان‏.‏

وفيها توفي ناصر السنة محمد بن نوح العجلي المحمول مقيد مع الإمام أحمد مرض ومات في الطريق وكان يثبت أحمد ويشجعه‏.‏

 تسع عشرة ومائتين

فيها‏:‏ وقيل في التي بعدها‏:‏ امتحن المعتصم الإمام أحمد وضرب بين يديه بالسياط حتى غشي عليه فلما صمم ولم يجبهم إلى مرادهم أطلقه وندم على ضربه وقد أوضحت في كتاب ‏"‏ المرهم في الأصول ‏"‏ كيفية ذلك الإمتحان ومن حرض عليه من علمائهم لحق المتولين ذلك من العقوبة‏.‏

وفيها توفي أبو أيوب سليمان بن علي الهاشمي كان إماماً فاضلاً شريفاً روي أن الإمام أحمد بن حنبل أثنى على سليمان بن علي وقال‏:‏ يصلح للخلافة‏.‏

وفيها توفي الإمام أبو نعيم الفضل بن دكين محدث الكوفة الحافظ‏.‏

قال ابن معين‏:‏ ما رأيت أثبت من أبي نعيم وعفان وقال أحمد‏:‏ كان يقظان في الحديث عارفاً وقام في أمر الإمتحان بما لم يقم به غيره وكان أعلم من وكيع بالرجال وأنسابهم ووكيع أفقه منه وقال غيره لما امتحنوه‏:‏ قال‏:‏ والله عنقي أهون من زري هذا ثم قطع زره ورمى به‏.‏

 عشرين ومائتين

فيها عهد المعتصم للأفشين على حرب بابك الخرمي الذي هزم الجيوش وخرب البلاد منذ عشرين سنة فالتقى الأفشين بابك فهزمه وقتل من الخرمية نحو الألف وهرب بابك ثم جرت لهما أمور يطول شرحها وفيها أمر المعتصم بإنشاء مدينة يتخذها داراً للخلافة وسميت سر من رأى‏.‏

وفيها غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه عشرة آلاف دينار‏.‏

وفيها توفي آدم بن أبي إياس الخراساني ثم البغدادي نزيل عسقلان كان صالحاً قانتاً لله ولما احتضر قرأ الختمة ثم قال‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏

وفارق الدنيا ‏"‏ وعبد الله ‏"‏ بن جعفر الرقي الحافظ ‏"‏ وعفان ‏"‏ بن مسلم الحافظ البصري أحد أركان الحديث قال يحيى بن معين‏:‏ أصحاب الحديث خمسة‏:‏ ابن جريج ومالك والثوري وشعبة وعفان‏.‏

قال حنبل‏:‏ كتاب المأمون إلى متولي بغداد يمتحن الناس وكتب‏:‏ إن لم يجب عفان فاقطع رزقه وكان له في الشهر خمسمائة درهم فلم يجبهم وقال‏:‏ وفي السماء رزقكم وما توعدون‏.‏وفيها‏:‏ توفي الإمام قالون قارىء أهل المدينة صاحب نافع‏.‏

وفيها‏:‏ توفي الشريف أبو جعفر محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر أحد الإثني عشر إماماً الذين يدعي الرافضة فيهم العصمة وعمره خمس وعشرون سنة وكان المأمون قد نوه بذكره وزوجه بابنته وسكن بها المدينة وكان المأمون ينفذ إليه في السنة ألف ألف درهم‏.‏

قلت‏:‏ وقد تقدم أن المأمون زوج ابنته من أبيه ‏"‏ علي الرضى ‏"‏ وكان زوج الأب والإبن بنتيه كل واحد بنتاً وقدم الجواد إلى بغداد وافدا على المعتصم ومعه امرأته أم الفضل ابنة المأمون فتوفي فيها وحملت امرأته أم الفضل إلى قصر عمها المعتصم فجعلت مع الحرم وكان الجواد يروي مسنداً عن آبائه إلى علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أنه قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن فقال لي وهو يوصيني‏:‏ يا علي ما جار أو قال‏:‏ ما خاب من استخار ولا ندم من استشار يا علي عليك بالدلجة فإن الأرض تطوي بالليل ما لا تطوي بالنهار يا علي أغد فإن الله بارك لأمتي في بكورها وكان يقول‏:‏ من استفاد أخاً في الله فقد استفاد بيتاً في الجنة‏.‏

ولما توفي دفن عند جده موسى بن جعفر في مقابر قريش وصلى عليه الواثق بن المعتصم‏.‏

 إحدى وعشرين ومائتين

وفيها‏:‏ توفي الإمام الرباني أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي المدني القعنبي الزاهد سكن البصرة ثم مكة وبها توفي وقيل بالبصرة وهو أوثق من روى الموطأ قال أبو زرعة‏:‏ ما كتبت عن أحد أجل في عيني من القعنبي وقال أبو حاتم‏:‏ ثقة لم أر أخشع منه وقال غيرهما من الأئمة هو والله عندي خير من مالك وقال الفلاس‏:‏ كان القعنبي مجاب الدعوة وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء‏:‏ سمعتهم بالبصرة يقولون القعنبي من الإبدال‏.‏

قال عبد الله بن أحمد بن الهيثم‏:‏ سمعت جدي يقول‏:‏ كنا إذا أتينا عبد الله بن مسلمة القعنبي خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم نعوذ بالله منها قلت‏:‏ وقال الشيخ محيي الدين النووي في شرح البخاري‏:‏ روينا عن أبي مرة الحافظ قال‏:‏ قلت للقعنبي‏:‏ حدث ولم يكن يحدث قال‏:‏ رأيت كأن القيامة قد قامت فصيح بأهل العلم فقاموا فقمت معهم فصيح‏.‏

اجلس فقلت‏:‏ إلهي ألم أكن معهم أطلب قال‏:‏ بلى ولكنهم نشروه وأخفيته فحدث قال النووي‏:‏ وروينا عن الإمام مالك أن رجلاً جاءه فقال‏:‏ قدم القعنبي فقال مالك‏:‏ قوموا بنا إلى خير أهل الأرض وقال محيي الدين المذكور‏:‏ سمع مالكاً والليث وحماد بن سلمة وخلائق لا يحصون من الأعلام وغيرهم‏.‏

وروى عنه الذهلي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والخلائق من الأعلام وأجمعوا على جلالته وإتقانه وحفظه وإخلاصه وورعه وزهادته وكانت وفاته يوم اثنتين وعشرين ومائتين فيها التقى الأفشين والخرمية فهزمهم ونجا بابك فلم يزل الأفشين يتحيل عليه حتى أسره وقد عاث هذا الشيطان وأفسد البلاد والعباد وامتدت أيامه نيفاً وعشرين سنة وأراد أن يقيم ملة المجوس واستولي على كثير من البلدان‏.‏

وفي أيامه ظهر المازيار القائم بملة المجوس بطبرستان وبعث المعتصم إلى الأفشين بثلاثين ألف ألف درهم ليتقوى بها وافتتحت مدينة بابك في رمضان بعد حصار شديد فاختفى بابك في غيضة وأسر جميع خواصة وأولاده وبعث إليه المعتصم الأمان فخرق به وسبه وكان قوي النفس شديد البطش صعب المراس فطلع من تلك الغيضة في طريق يعرفها في الجبل وانفلت ووصل إلى جبال أرمينية فنزل عند ‏"‏ البطريق سهل ‏"‏ فأغلق عليه وبعث ليعرف الأفشين فجاء الأفشينية فتسلموه وكان المعتصم قد جعل لمن جاء به حياً ألفي ألف درهم ولمن جاء برأسه ألف ألف درهم وكان يوم دخل ببغداد يوماً مشهوداً‏.‏

وفيها توفي أبو اليمان الحكم بن نافع اليماني الحمصي الحافظ ‏"‏ وأبو عمرو ‏"‏ مسلم بن إبراهيم الفراهيدي مولاهم الحافظ محدث البصرة سمع من ثمانية شيوخ بالبصرة وكان يقول‏:‏ ما أتيت ثلاث وعشرين ومائتين فيها أتي المعتصم ببابك فأمر بقطع رأسه وبصلبه‏.‏

وفيها توفي خالد بن خداش المهلبي البصري المحدث وعبد الله بن صالح الجهني المصري الحافظ وأبو بكر بن أبي الأسود قاضي همدان وكان حافظاً مفتياً وموسى بن إسماعيل البصري الحافظ أحد أركان الحديث رحمة الله عليهم‏.‏

 أربع وعشرين ومائتين

فيها ظهر مازيار ‏"‏ بالزاي ثم الياء المثناة من تحت وفي آخره راء ‏"‏ بطبرستان فسار لحربه عبد الله بن طاهر وجرت له حروب وأمور ثم اختلف عليه جنده وكان قد ظلم وأسف وصادر وخرب أسوار بلدان منها‏:‏ الري وجرجان وغير ذلك وسيأتي ذكر قتله‏.‏

وفيها توفي الأمير إبراهيم بن المهدي العباسي وكان فصيحاً أديباً شاعراً رأساً في معرفة الغناء وأبوابه ولي أمرة دمشق لأخيه الرشيد وبويع بالخلافة ببغداد ولقب بالمبارك عندما جعل المأمون ولي عهده علي بن موسى الرضى وحورب فانكسر مرة بعد أخرى واختفى وبقي مختفياً سبع سنين ثم ظفروا به فعفا عنه المأمون‏.‏

وفيها توفي قاضي مكة أبو أيوب سليمان بن حرب الأزدي الواشجي البصري الحافظ حضر مجلسه المأمون من وراء ستر‏.‏

وأبو الحسن علي بن محمد المدائني البصري الأخباري صاحب التصانيف والمغازي والأنساب وكان يسرد الصوم‏.‏

وفيها توفي العلامة العالم أبو عبيد القاسم بن سلام ‏"‏ بتشديد اللام ‏"‏ البغدادي صاحب التصانيف سمع شريكاً وابن المبارك وطبقتهما وقال إسحاق بن راهويه الحق يحدث الله‏:‏ أبو عبيد أفقه مني وأعلم‏.‏

وقال أحمد‏:‏ أبو عبيد أستاذ ووصفه غيره بالدين والسيرة الجميلة وحسن المذهب والفضل البارع وكان أبوه عبداً رومياً لرجل من أهل هراة اشتغل أبو عبيد بالحديث والفقه والأدب‏.‏

وقال القاضي أحمد بن كامل‏:‏ أبو عبيد فاضل في دينه وعلمه متفنن في أصناف علوم الإسلام من القرآن والفقه والعربية والأخبار وحسن الرواية صحيح النقل لا أعلم أحداً من الناس ظفر عليه في شيء من أمر دينه‏.‏

وقال إبراهيم الحربي‏:‏ كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح يحسن كل شيء ولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة وروى عن أبي زيد الأنصاري والأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والكسائي والفراء وجماعة كثيرة وغيرهم‏.‏

وروى الناس من كتبه المصنفة نيفاً وعشرين كتاباً في القرآن الكريم والحديث وغريبه والفقه وله مصنف ‏"‏ في الغريب ‏"‏ و ‏"‏ كتاب الأمثال ‏"‏ و ‏"‏ معاني الشعر والمقصور والممدود ‏"‏ و ‏"‏ القراءات والمذكر والمؤنث ‏"‏ و ‏"‏ كتاب النسب ‏"‏ و ‏"‏ كتاب الأحداث ‏"‏ و ‏"‏ أدب القاضي ‏"‏ و ‏"‏ عدداي القرآن ‏"‏ و ‏"‏ الأيمان والنذور ‏"‏ و ‏"‏ كتاب الأموال ‏"‏ وغير ذلك من الكتب النافعة ويقال أنه أول من صنف في غريب الحديث ولما وضع كتاب الغريب عرضه على عبد الله بن طاهر فاستحسنه وقال‏:‏ إن عاقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق أن لا يخرج إلى طلب المعاش وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر‏.‏

وقال محمد بن وهب المسعودي‏:‏ سمعت أبا عبيد يقول‏:‏ كنت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة وربما كنت أستفيد الفائده من أفواه الرجال فأضعها في موضعها من الكتاب فأبيت ساهراً فرحاً مني بتلك الفائدة وأحدكم يجيئني فيقيم أربعة أو خمسة أشهر فيقول قد أقمت كثيراً‏.‏

وقال الهلال بن العلاء الرقي‏:‏ من الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم‏:‏ ‏"‏ بالشافعي ‏"‏ تفقه في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ‏"‏ وبالإمام أحمد ‏"‏ ثبت في المحنة ولولا ذلك لكفر الناس أو قال ابتدعوا ‏"‏ ويحيى بن معين ‏"‏ نفى الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسر غريب الحديث ولولا ذلك لإقتحم الناس الخطأ‏.‏وقال أبو بكر الأنباري‏:‏ كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثاً‏:‏ فيصلي ثلثه وينام ثلثه ويضع الكتاب ثلثه‏.‏

وقال أبو الحسن إسحاق بن راهويه‏:‏ أبو عبيد أوسعنا علماً وأكثرنا جمعاً إنا نحتاج إلى أبي عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا‏.‏

وقال ثعلب‏:‏ لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً وكان يخضب بالحناء أحمر الرأس واللحية ذا وقار وهيبة قدم بغداد فسمع الناس منه كتبه ثم حج بمكة سنة اثنتين أو ثلاثاً وعشرين ومائتين وقال البخاري‏:‏ في سنة أربع وعشرين‏.‏

وذكر الإمام ابن الجوزي أنه لما قضى حجته وعزم على الإنصراف اكترى إلى العراق فرأى في الليلة التي عزم على الخروج في صبيحتها في منامه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس وعلى رأسه قوم يحجبونه وأناس يدخلون ويسلمون عليه ويصافحونه‏.‏

قال‏:‏ فكلما دنوت لأدخل منعت فقلت‏:‏ لم لا تخفون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا‏:‏ والله لا تدخل إليه ولا تسلم عليه وأنت خارج غداً إلى العراق فقلت لهم‏:‏ إني لا أخرج إذن فأخذوا عهدي ثم خلوا بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت وسلمت عليه وصافحني وأصبحت ففسخت الكري وسكنت بمكة قال‏:‏ ولم يزل بها إلى أن توفي رحمة الله عليه‏.‏

قال أبو عبيد‏:‏ كنت مستلقياً في المسجد الحرام فجاءتني عائشة المكية وكانت من العارفات فقالت لي‏:‏ يا أبا عبيدة يقال أنك من أهل العلم اسمع مني ما أقوله لك‏:‏ لا تجالسه إلا بالأدب وإلا محاك من ديوان العلماء أو قالت‏:‏ من ديوان الصالحين أو كما قالت رضي الله تعالى عنها‏.‏

 خمس وعشرين ومائتين

فيها توفي الإمام المالكي اصبغ بن الفرج مفتي مصر قال ابن معين‏:‏ كان من أعلم خلق الله يرى برأي مالك أو قال‏:‏ لمذهب مالك يعرفه مسألة مسألة متى قالها مالك ومن خالفه فيها‏.‏

وله تصانيف حسان‏.‏

وفيها توفي أبو عبيد بن فياض اليشكري البصري‏.‏وفيها توفي الأمير أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي صاحب الكرخ أحد الأبطال المذكورين والأجواد المشهورين وهو أحد أمراء المأمون ثم المعتصم وله وقائع مشهورة وصنائع مأثورة أخذ عنه الأدباء الفضلاء وله صنعة في الغناء وله من الكتب ‏"‏ كتاب البزة والصيد ‏"‏ و ‏"‏ كتاب السلاح ‏"‏ و ‏"‏ كتاب سياسة الملوك ‏"‏ وغير ذلك ولقد مدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح وكذلك بكر بن النطاح وفيه يقول‏:‏ يا طالباً للكيمياء وعلمه وابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلا درهم ومدحته لأتاك ذاك الدرهم ويقال أنه أعطاه على هذين البيتين عشرة آلاف درهم فأغفله قليلاً ثم دخل عليه وقد اشترى بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلة فأنشده‏:‏ بك ابتعت في نهر الأبلة قرية عليها قصير بالرماح مشيد إلى جنبها أخت لها يعر ضونها وعندك يا للهبات عقد معقد فقال له‏:‏ وكم ثمن هذه الأخت فقال‏:‏ عشرة آلاف درهم فدفعها له ثم قال‏:‏ تعلم أن نهر الأبلة عظيم وفيه قرى كثيرة وكل أخت إلى جانبها أخرى وإن فتحت هذا الباب اتسع علي الخرق فامتنع بهذه فدعا له وانصرف وكان أبو دلف قد شهد معركة فطعن فيه فارساً فنفذت الطعنة إلى أن وصلت إلى فارس فار آخر وراءه فنفذت فيه السنان فقتلهما وفي ذلك يقول بكر بن النطاخ‏.‏

لا تعجبوا فلو أن طول قناته ميل إذن نظم الفوارس ميلاً وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي صالح مولى بني هاشم أسود سيء الخلق وكان فقيراً فقالت له امرأة‏:‏ يا هذا أن الأدب أراه قد سقط نجمه وطاش سهمه فاعمد إلى سيفك ورمحك وفرسك وادخل مع الناس في غزواتهم عسى الله أن ينفلك من الغنيمة شيئاً فأنشد‏:‏ مالي ومالك قد كلفتني شططاً حمل السلاح وقول الدارعين قف أمن رجال المنايا خلتني رجلاً أمسي وأصبح مشتاقاً إلى التلف تمسي المنايا إلى غيري فأكرهها فكيف أمشي إليها بارز الكتف ظننت أن نزال الناس من خلقي أو أن قلبي في جنبي أبي دلف فبلغ خبره أبا دلف فوتجه إليه ألف دينار وكان أبو دلف بكثرة عطائه قد ركبته الديون واشتهر ذلك عنه فدخل عليه بعضهم وأنشده‏:‏ أيا رب المنائح والعطايا ويا طلق المحيا واليدين لقد خبرت أن عليك دينا فزد في رقم دينك واقض ديني فوصله وقضى دينه ودخل عليه بعض الشعراء فأنشده‏:‏ الله أجرى من الأرزاق أكثرها على يديك العلم يا أبا دلف نادى الرماح فأعطى وهي جارية حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف وقد تقدم أنه حضر أبو دلف بين يدي المأمون فقال‏:‏ يا أبا دلف أنت الذي يقول فيك الشاعر‏:‏ إنما الدنيا أبو دلف بين بادية ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أثره قال‏:‏ لست ذاك يا أمير المؤمنين ولكنني الذي يقول فيه علي بن جبلة‏.‏

أبا دلف ما كذب الناس كلهم سواي فإني في مديحك أكذب فرضي عنه وتعجب من ذكائه واستنشد أبو دلف أبا تمام القصيدة التي رثا بها محمد بن حميد فلما بلغ قوله‏:‏ توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغل عن السفر السفر وما كان إلا مال من قلة ماله وذخر المراثي وليس له زخر تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر كأن بني نبهان يوم وفاته نجوم سماء خر من بينها البدر فبكى أبو دلف وقال‏:‏ وددت أنها في فقال أبو تمام‏:‏ بل سيطيل الله عز وجل الأمير فقال‏:‏ لم يمت من قيل فيه هذا و ‏"‏ السفر ‏"‏ بفتح السين وسكون الفاء جمع سافر مثل صاحب وصحب يقال سفرت آسفر سفوراً أي خرجت إلى السفر فأنا مسافر وسفرت بين القوم أسفر سفاراً أي أصلحت والسفير‏:‏ الرسول قلت‏:‏ ولاشتقاق هذه اللفظه معان كثيرة أوضحتها في ‏"‏ شرح المرسوم بمنهل الفهوم في شرح ألسنة العلوم ‏"‏‏.‏

وحكى جماعة من أرباب التواريخ عن دلف ‏"‏ بضم الدال المهملة وفتح اللام وبعدها فاء ‏"‏ ابن أبي دلف قال‏:‏ رأيت في المنام أتاني آت فقال لي‏:‏ أجب الأمير فقمت معه فأدخلني داراً وحشة ذعرة سوداء الحيطان مقلعة السقوف والأبواب مشوهة البنيان وأصعدني على درج فيها ثم أدخلني غرفة في حيطانها أثر النيران وإذا في أرضها أثر رمال وإذا بأبي وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه كالحزين زماناً فقال لي كالمستفهم‏:‏ دلف‏.‏

قلت‏:‏ دلف فأنشأ يقول‏:‏ أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم ما لقينا في البرزخ الحيات قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا فارحموا وحشتي وما قد ألاقي ثم قال فهمت قلت‏:‏ نعم ثم أنشد‏:‏ فلو كنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء ثم قال‏:‏ أفهمت قلت‏:‏ نعم انتهت الحكاية قلت‏:‏ وإذا كانت بهجة الدنيا عاقبتها هذه العاقبة فتجارتها خاسرة وصفقتها خائبة وأحسن أحوالها أن يصحبها تقوى الله في أقوال النفوس وأفعالها ولما وقفت على هذا المنام وما تضمنه من هذه الأمور الهائلات عن لي إنشاء نظم نقلت هذه العشرة الأبيات‏.‏

تسمع من الأيام تخبرك بالذي ** قضى في جميع الكائنات قديماً

ستبديه شيئاً بعد شيء إلى الورى ** يسوق شقاء نحوهم ونعيماً

فيا سعد ذي عيش يدوم نعيمه ** وخيبة مقطوع يؤول جحيماً

ويا ليت لذات مضت لم تكن ** ويا ضياع كريم كم أتاك كريماً

إذا ضاع من أنفاس عمر جواهر ** به جل خسران يراه مقيماً

وما نفع من أمسى بدنيا مرقعاً ** وما ضر من طوطا بها وعديماً

إذا انعكس الحال القديم فأصبح ** الذميم حميداً والحميد ذميماً

سألتك بالقرآن من رحمة ** مع اللطف يا من لا يزال رحيماً

ووفق لما ترضى بجاه محمد ** وواصل له أزكى الصلاة مديماً

وللشمال أجمع غداً بأحبة ** يداولها نعم النديم نديماً

ومدائح أبي دلف كثيرة وله أيضاً أشعار حسنة وكان أبوه شرع في عمارة مدينة الكرخ ثم أتمها هو وكان بها أهله وأولاده وعشيرته عفا الله عنه وعنا ورحمنا جميعاً وسامحنا‏.‏

وفيها توفي أبو عمرو إسحاق الجرمي العلامة النحوي كان فقيهاً عالماً بالنحو واللغة وهو من البصرة فقدم بغداد وأخذ النحو من الأخفش وغيره ولقي يونس بن خبيب ولم يلق سيبويه أخذ اللغة من أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وطبقتهم وكان ديناً ورعاً حسن المذهب صحيح الإعتقاد وله في النحو كتب جيدة وناظر ببغداد الفراء وروى الحديث وحدث المبرد عنه‏.‏قال‏:‏ قال لي أبو عمرو‏:‏ قرأت ديوان الهذليين على الأصمعي وكان أحفظ له من أبي عبيدة فلما فرغت منه قال لي‏:‏ يا أبا عمرو إذا فات الهذلي أن يكون شاعراً ورامياً أو ساعياً فلا خير فيه وقال المبرد‏:‏ كان الجرمي أثبت القوم في كتاب سيبويه وعليه قرأت الجماعة وكان عالماً باللغة حافظاً لها وله كتب انفرد بها وكان جليلاً في الحديث والأخبار وله كتب في السير عجيب و ‏"‏ كتاب غريب سيبويه ‏"‏ و ‏"‏ كتاب العروض ‏"‏ و ‏"‏ كتاب الأبنية ‏"‏ و ‏"‏ مختصر في النحو ‏"‏‏.‏

والجرمي‏:‏ ‏"‏ بفتح الجيم وسكون الراء ‏"‏ نسبة إلى جرم وفي العرب عدة قبائل كل واحدة منها يقال لها جرم منها من ينتسب إلى جرم بن علقمة بن أنمار ومنهم من ينسب إلى جرم بن