فصل: ذكر حديث نزول المسلمين على حمص:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتوح الشام (نسخة منقحة)



.ذكر حديث نزول المسلمين على حمص:

قال الواقدي: ثم هم أبو عبيدة رضي الله عنه بالرحيل إلى حمص واذ قد ورد عليه صاحب عين الجوز يطلب منه الصلح فصالحه على نصف ما صالحه عليه أهل بعلبك وولى عليهم سالم بن ذؤيب السلمي وأوصاه بمثل ما أوصي به رافع بن عبد الله ورحل الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه يطلب حمص فلما وصل إلى بين الرأس والكفيلة لاقاه صاحب الجوسية ومعه هدية كثيرة فقبلها منه وجدد معه صلحا وسار الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه حتى نزل على حمص.
قال الواقدي: حدثنا حبان بن تميم الثقفي قال كنت فيمن اقام مع رافع بن عبد الله السهمي في جملة أصحابه وذلك اننا نصبنا بيوت الشعر على العمد واقمنا خارج المدينة لا يدخل إليها أحد منا ونحن مع ذلك نشن الغارة على سواحل الروم ونكبس على العرب التي لم تكن في صلحنا وكنا إذا خرجنا في سرية نبيع الغنائم في بعلبك ففرح أهلها ببيعنا وشرائنا ووجدونا قوما ليس فينا كذب ولا خيانة ولانريد ظلم أحد وطابت قلوبهم وربحوا في تلك المدة اليسيرة مالا عظيما فلما نظر البطريق هربيس إلى ما ربح أهل بعلبك منا في تجارتهم ورخص ما يشترونه منا جمعهم إليه في كنيسة المدينة وهي الجامع اليوم وكان ذلك بميعاد وعدهم فيه الاجتماع فلما اجتمعوا عنده اقبل عليهم وقال للتجار والباعة والسوقة لقد علمتم إني قد اجتهدت في أموركم واحرصت على سلامة نفوسكم واهاليكم واولادكم وانتم تعلمون ما ذهب مني من المال وأنا اليوم واحد منكم وقد سلمت مالي وسلاحي وقتل أكثر غلماني ورجالي وبنو عمي وأنتم قوم قد أصبتم مع هؤلاء العرب خيرا كثيرا في هذه التجارات وقد أديت وحدي ربع المال فقالوا: صدقت أيها البطريق وقد عرفنا كل ما وصفت فما الذي تريد الآن فقال: يا قوم انما كنت قبل هذا اليوم بطريقكم وأنا اليوم واحد منكم وأريد أن تردوا علي بعض ما بذلت من المال للعرب فقالوا: أيها البطريق وإني لك بذلك فقال البطريق يا قوم الست أكلفكم أن تخرجوا من أموالكم ولا مما حوته منازلكم شيئا وإنما أريد أن تجعلوا في هذه البيوع والأشربة العشر مما تأخذون وتعطون قال فاضطرب القوم اضطرابا شديدا لذلك وعظم عليهم واقبل بعضهم على بعض وقالوا: يا قوم هذا رجل منا وصاحب ملكنا وقد اجتهد في امورنا وحامى بماله ونفسه عنا وما عسى يصيب منا في مالنا قال فأجابوه إلى ذلك وجعلوا له عليهم العشر فنصب عليهم من قبله عشارا يأخذ منهم أعشارهم ويجمعها ويحملها إليه فأقام على ذلك أربعين يوما فلما نظر هربيس إلى كثرة ما قد اجتمع له من المال العشر قال أنا أعلم أن هذه المدينة في كسب عظيم وتجارة رابحة ما رأى أهل بعلبك مثل هذا أبدا ثم جمعهم في الكنيسة مرة ثانية وقال لهم: يا قوم قد علمتم ما بذلت من المال على صلحكم وهذا الذي تعطوني إياه من العشر ليس يحزنني فإن أردتم أن تردوا علي مالي وتجعلوني كأحدكم فاجعلوا إلى الربع في أموالكم حتى يرجع الي مالي سريعا وإلا فمتى أخلف من هذا العشر مالي وسلاحي وغلماني.
قال الواقدي: فأبى القوم وضجوا عليه واشهروا عددهم ووقفوا في الطريق بغلمانه فقطعوهم اربا اربا وارتفع ضجيجهم فجزع المسلمون لذلك وهم لا يعلمون بالقصة فاجتمعوا إلى أميرهم رافع بن عبد الله السهمي وقالوا: أيها الأمير أما تسمع اصوات هؤلاء القوم في مدينتهم فقال: يا قوم قد سمعت كما سمعتم فما عسى أن أصنع بهم ولا يحل لنا الدخول إليهم وبهذا جرى الشرط بيننا وبينهم ونحن أحق بمن أوفى بعهد الله تعالى فإن هم خرجوا إلينا وأعلمونا بأمرهم صالحنا بينهم ونظرنا في أمورهم.
قال الواقدي: فما استتم الأمير رافع بن عبد الله كلامه حتى خرج أهل بعلبك يهرعون إليه فلما وقفوا بين يديه قالوا: أنا بالله وبك أيها الأمير ثم اعلموه بقصتهم وما فعل البطريق بهم أول مرة وما فعل بهم ثاني مرة قال رافع بن عبد الله أنا لا نمكنه من ذلك فقالوا: أيها الأمير أنا قد قتلناه وجميع غلمانه فصعب ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رافع: فما الذين تريدون فقالوا: نريد أن تدخلوا إلى المدينة فإنا قدأطلقنا لكم الدخول إليها فقال رافع بن عبد الله أنا لا أقدر أن ادخل المدينة إلا باذن الأمير أبي عبيدة لانه ما أذن لي بذلك ثم كتب رافع بن عبد الله إلى الأمير ابي عبيدة يعلمه بالقصة وبحديث البطريق وبحديثهم الذي قالوه فكتب له بالدخول إلى المدينة كما قد أذنوا له فدخل رافع وأصحابه.
قال الواقدي: حدثنا موسى بن عامر قال حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا سالم بن عدي عن جده عبد الرحمن بن مسلم الربيعي وكان ممن حضر فتوح الشام اوله وآخره قال لما فتح الله بعلبك على يد المسلمين وترك أبو عبيدة رافع بن عبد الله وتوجه إلى حمص للحوق بخالد بن الوليد فلما قرب من حمص موضع يقال له الزراعة: وجه على مقدمة جيشه ميسرة بن مسروق العبسي وعقد له راية سوداء معلمة بالبياض وضم إليه خمسة آلاف فارس من المسلمين فلما سار ميسرة حتى وصل إلى حمص خرج خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى لقائه وسلم عليه وعلى من معه من المسلمين ثم بعث أبو عبيدة بعده ضرار بن الأزور في خمسة آلاف فارس وبعث بعده عمرو بن معد يكرب الزبيدي وقدم أبو عبيدة رضي الله عنه ببقية الجيش فلما اشرف أبو عبيدة على حمص قال اللهم عجل علينا فتحها وأخذل من فيها من المشركين واستقبلهم المسلمون فلما استقر به القرار كتب إلى أهل حمص وبطريقها الجديد وهو هربيس كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي عبيدة عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الشام وقائد جيوشه أما بعد فإن الله تعالى قد فتح علينا بلادكم ولا يغرنكم عظم مدينتكم وتشييد بنيانكم وكثرة رجالكم فما مدينتكم عندنا إذا أتاكم الحرب إلا كالبرمة قد نصبناها في وسط عسكرنا والقينا اللحم فيها وجميع العساكر يتوقع الأكل منها وقد داروا بها ينتظرون نضجها واكل ما فيها ونحن ندعوكم إلى دين ارتضاه لنا ربنا عز وجل فإن اجبتم إلى ذلك ارتحلنا عنكم وخلفنا عندكم رجالا منا يعلمونكم أمر دينكم وما فرض الله تعالى عليكم وأن أبيتم الإسلام قررناكم على اداء الجزية وأن أبيتم الإسلام والجزية فهلموا إلى الحرب والقتال حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ثم طوى الكتاب وسلمه إلى رجل من المعاهدين وكان ذلك الرجل يحفظ بالعربية والرومية وقال له: انطلق إلى حمص وائتنا بالجواب فأخذ المعاهد الكتاب وسار حتى وصل إلى.
السور فهم أهل حمص أن يرموه بالسهام والحجارة فقال لهم بالرومية: يا قوم أمسكوا عليكم فأنا رجل معاهد وقد جئتكم بكتاب من هؤلاء العرب.
قال الواقدي: فدلوا له حبلا فربط وسطه به وشالوه إليهم وأتوا به إلى بطريقهم فلما وقف بين يديه خضع له وناوله الكتاب فقال له البطريق: ارجعت عن دينك إلى دين هؤلاء العرب قال: لا ولكن في ذمتهم وعهدتهم أنا واولادي وأهلي ومالي وما رأينا من القوم إلا خيرا والصواب عندي أن لا تقاتلوهم فإن القوم اولو بأس شديد لا يخافون ولا يرهبون الموت قد تمسكوا بدينهم والموت عندهم أفضل من الحياة وقد اقسم بدينهم لا يبرحون عن مدينتكم حتى تسلموها إليهم أو يفتحها الله على أيديهم وحق ديني إنكم أحب الي من العرب وأريد النصر لكم دون القوم ولكني خائف عليكم من بأسهم وسطوتهم فسلموا تسلموا ولا تخالفوا تندموا.
قال الواقدي: فلما سمع البطريق هربيس كلامه غضب غضبا شديدا وقال وحق المسيح والإنجيل الصحيح لولا إنك رسول لامرت بقطع لسانك على جراءتك علينا فلما قرأ الكتاب وعلم ما فيه أمر كاتبه أن يكتب إلى الأمير أبي عبيدة بجواب كتابه فكتب كلمة الكفر ثم قال: يا معاشر العرب إنه وصل إلينا كتابكم وعلمنا ما فيه من التهديد والوعد والوعيد ولسنا كمن لاقيتم من أهل الشام ولم يزل الملك هرقل يستنصر بنا على من عاداه وعلى من قصد إليه من العساكر والآن فلا بد لنا من الحرب والقتال فإن سورنا شديد وأبوابنا حديد وحربنا عتيد والسلام وطوى الكتاب وسلمه إلى المعاهد وأمر غلمانه أن يدلوه بالحبال من السور وسار حتى وصل إلى الأمير أبي عبيدة وسلمه الكتاب ففضه وقرأه فلما سمع المسلمون ما فيه عولوا على الحرب والقتال وقسم الأمير أبو عبيدة عسكر المسلمين أربع فرق فبعث فرقة مع المسيب بن نجية الفزاري فنزل بهم على باب الجبل مما يلي باب الصغير وبعث فرقة أخرى مع المرقال بن هشام بن عقبة بن أبي وقاص فنزل بهم على باب الرستق وبعث فرقة أخرى مع يزيد بن أبي سفيان فنزل على باب الشام ونزل الأمير أبو عبيدة وخالد بن الوليد على باب الصغير وزحف المسلمون إليهم من كل مكان وقاتلوهم بقية يومهم هذا وسهام الروم تصل إليهم فيتلقونها بالحجف ونبال العرب تصل إليهم والى من بأعلى السور فأثرت لاجل ذلك ضرا فانفضوا عند المساء فلما كان الغد جمع خالد بن الوليد كل عبد كان في عسكر المسلمين وأمرهم أن يتقلدوا بالسيوف ويتنكبوا بالحدف ويزحفوا إلى سور حمص ويضربوا السور بأسيافهم ويتلقوا السهام بحجفهم فقال الأمير أبو عبيدة وما عسى أن يغني عنا هذا يا أبا سليمان فقال خالد رضي الله عنه: على رسلك أيها الأمير ولا تخالفني فيما صنعت فاني عزمت أن أقاتلهم بالعبيد ونعلمهم أن ليس لهم عندنا من القدر شيء فما نقاتلهم بأنفسنا إلا أن يخرجوا إلينا فقال أبو عبيدة: رضي الله عنه: افعل ما شئت فالله تعالى يوفقك فعند ذلك أمرهم خالد بن الوليد رضي الله عنه بالزحف على الأسوار وكانوا أربعة آلاف عبد وأمر خالد الفا من العرب أن تترجل معهم ففعلوا ذلك وزحفوا على السور وقد استتروا بالحجف والعرب من ورائهم فرموا بالنبل وضربوا بسيوفهم فمنها ما تثلم ومنها ما إنكسر.
قال الواقدي: واشرف عليهم هربيس صاحب حمص وقد دارت بطارقته وأصحاب الرتب فجعلوا يتأملون إلى أفعالهم فقال هربيس يا معاشر البطارقة وحق المسيح ما ظننت أن العرب بهذه الصفة وإذا هم كلهم سودان فقال له بعض من لحقه بأجنادين وسائر المواطن: لا أيها السيد بل هؤلاء عبيدهم وهذه من بعض مكايد العرب في الحرب وقد قدم هؤلاء السودان والعبيد إلى حربنا وقتالهم معنا وأن ليس لنا عندهم من القدر أن يلقونا بأنفسهم أو نخرج إليهم فقال هربيس وحق المسيح أن هؤلاء أشد من العرب بأسا وأقوى مراسا واعلموا إنه ما لزق قوم بسور مدينتنا ولا دنوا منها إلا وقد هان عليهم أمرها واقترب على ايديهم فتحها.
قال الواقدي: ولقد بلغني أن العبيد قاتلوا يومهم قتالا شديدا وهجموا على الأبواب مرارا ولم يزالوا بقية يومهم حتى اقبل الليل ورجعت الموالي إلى عسكر المسلمين وبعث هربيس من ليلته رسولا إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فأقبل الرسول والظلام معتكر فأحس جيوش المسلمين به فهموا به فقال أنا رسول من البطريق هربيس صاحب حمص وأريد الجواب عن هذا الكتاب فسلم إليهم كتاب هربيس فأخذه أبو عبيدة رضي الله عنه وقرأه فإذا فيه يا معاشر العرب أنا ظننا أن عندكم عقلا تدبرون به الحرب وتستعينون به على الأمور وإذا انتم بخلاف ذلك لانكم في أول حربكم لنا تفرقتم على الأبواب فقلنا هذا اشد ما يكون من الحصار وأعظم ما يقدرون عليه من الأضرار.
فلما كان الغد تأخرتم عن حربنا وبعثتم هؤلاء المساكين إلى حربنا يقطعون أسيافهم ويكسرون سلاحهم فيا ليت شعري هل تصبر سوفهم على فساد سورنا وقد بان لنا عجز رايكم وتدبيركم في القتال وملاقاة الرجال والآن فأنا اشير عليكم بأمر فيه الصلاح لنا ولكم وهو أن تسيروا إلى الملك هرقل وتفتحوا ما بين أيديكم كما فتحتم ما وراءكم وإياكم واللجاج والبغي فانهما قاتلان لمن أتبعهما وراجعان على من بدأ بهما أو نحن نخرج إليكم صبيحة هذه الليلة والله ينصر من يشاء منا ومنكم ممن على الحق قال فلما قرأ الأمير أبو عبيدة كتاب هربيس صاحب حمص استشار المسلمين فيما يصنع وكان قد حضر عنده رجل كبير من أكابر خثعم وسيد من ساداتهم اسمه عطاء بن عمرو الخثعمي وكان كبير السن قديم الهجرة سديد الرأي قد قاد الرجال وولى أمر الجيش وحزم العساكر فلما سمع كتاب هربيس وثب قائما على قدميه وقال للأمير أبي عبيدة رضي الله عنه اقسمت عليك أيها الأمير برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما سمعت مقالي فإن فيه صلاحا للمسلمين فالله وفقني لمقالة أريد المسلمين بها قال أبو عبيدة رضي الله عنه: قل: يا أبا عمرو فأنت عندنا ناصح للمسلمين قال فدنا من الأمير ابي عبيدة وسارره وقال له: اصلح الله الأمير اعلم أن خبرك عند هؤلاء منذ نزلت على هؤلاء اللئام وهذا البطريق اشد منعة واعظم جولة ممن كان قبله وقد علم بفتوح بعلبك وإنك لا بد أن تنزل على حصارها وقد استدعى بالطعام والعلوفة وآلة الحصار وقد شحنا بالرجال وما ترك في رساتيقها وقراها طعاما إلا وقد خزنوه عندهم ما يكفيهم أعواما وأن نحن حاصرناهم يطول الأمر كما طال أمرنا على دمشق والرأي عندي أن تخدعهم بخديعة وتحتال عليهم بحيلة فإن تمت لنا عليهم الحيلة فتحنا المدينة عن قريب أن شاء الله تعالى قال أبو عبيدة رضي الله عنه: وما الحيلة عندك يا ابن عمرو فقال الرأي عندي أن نكتب إلى هولاء القوم أن يجبرونا بالزاد والعلوفة ونضمن لهم أن نرتحل عنهم إلى أن يفتح الله تعالى عليك غير مدينتهم ونرجع إليهم وقد قل: زادهم وانتشروا في سوادهم وتفرقوا في امصارهم وتجاراتهم ونشن عليهم غارة فنملك ما ظهر منهم ويهون عليك أمر من بقي في حمص مع قلة الزاد والعلوفة فقال أبو عبيدة: اصبت بالرأي يا ابن عمرو إني سوف افعل ما ذكرته ونرجوا من الله التوفيق والعون.
ثم دعا أبو عبيدة رضي الله عنه بدواة وبياض وكتب جواب الكتاب يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاني رأيت في قولك صلاحا لنا ولكم ولسنا نريد البغي على أحد من عباد الله عز وجل وقد علمت أن عسكرنا كثير وخيلنا وابلنا كثير فإن أردتم أن نرتحل عنكم فابعثوا لنا ميرة خمسة ايام وانتم تعلمون أن الطريق الذي امامنا بعيد وما نلقي بعدكم إلا كل حصن منيع وابواب حديد فإذا مونتمونا رحلنا عنكم إلى بعض مدائن الشام فإذا فتح الله علينا بعض مدائن الشام رجعنا عنكم كما زعمتم فإن فعلتم ذلك كان صلاحا لكم وطوى الكتاب وسلمه إلى الرسول وسار إلى حمص فلما قرأ هربيس الكتاب فرح بذلك وجمع الرؤساء والرهابين وقال لهم: اعلموا أن العرب قد بعثوا يطلبون منكم الزاد والميرة حتى يرحلوا عنكم فإن العرب مثلهم كمثل السبع إذا وجد فريسته لم يرجع إلى غيرها وهم قد لحقهم الجوع في مدينتكم وإذا اشبعناهم انصرفوا عنا فقالوا: أيها الأمير نخاف من العرب أن يأخذوا الزاد والعلوفة ولا يرحلوا عنا فقال أنا نأخذ لكم عليهم العهود والمواثيق إنكم إذا امرتموهم يرحلون عنكم فقالوا: افعل ما بدا لك واستوثق لنا ولك قال فبعث هربيس واحضر القسوس والرهبان وامرهم أن يخرجوا إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه ويأخذوا عليهم العهود والمواثيق إذا أمرناهم يرحلون عنا.
قال فخرجوا وقد فتح لهم باب الرستن فساروا حتى وصلوا إلى الأمير ابي عبيدةة وأخذوا عليهم ميثاقا وعهدا أن يرحلوا عنهم إذا هم ماروهم ولا يرجع عليهم حتى يفتح الله على يديه مدينة من مدائن الشام شرقا او غربا سهلا كان او جبلا فقال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه قد رضيت بذلك وتم الصلح على ذلك وأخرج لهم أهل حمص مما كانوا قد ادخروه من الزاد والعلوفة شيئا عظيما له ولعسكره ما يكفيهم مدة خمسة أيام فأقبل أبو عبيدة عليهم وقال: يا أهل حمص قبلنا ما حملتموه لنا من الزاد والعلوفة فإذا رأيتم الآن أن تبيعوا من الزاد والعلوفة فقالوا: نحن نفعل ذلك فعندها نادى الأمير أبو عبيدة بشراء الزاد والعلوفة ولتكثروا من ذلك فإن قدامكم طريقا واسعا قليل الزاد والعلوفة فقالوا: أيها الأمير بماذا نشتري الزاد وعلى أي شي نحمله فقال أبو عبيدة: من كان معه شيء من الذي غنمتموه من الروم فليشتر به الزاد والعلوفة قال حسان بن عدي الغطفاني خفف الله عن أبي عبيدة الحساب كما خفف عنا ما كنا نحمله من البسط والطنافس مما كان قد أثقلنا واثقل دوابنا فأخذنا به الزاد والعلوفة من القوم وكانت العرب تسمح لهم في البيع والشراء ويشتري منهم أهل حمص ما يساوي عشرين دينارا بدينارين ورغب أهل حمص في شراء الرخيص ولم يزل أهل حمص كذلك ثلاثة أيام وأهل حمص فرحون برحيل العرب عنهم قال وكان للروم في عسكر العرب جواسيس وعيون يأخذون لهم الأخبار فلما نظرت الجواسيس إلى أهل حمص وقد فتحوا مدينتهم وهم يميرون العرب ظنوا إنهم دخلوا في طاعتهم فسارت الجواسيس إلى انطاكية طالبين وجعلوا كلما اجتازوا ببلد من البلد أو حصن من الحصون يقولون أن أهل حمص قد دخلوا في طاعة العرب وفتحوا مدينتهم صلحا فكان يعظم ذلك على الروم ويزيدهم خوفا ورعبا وكان ذلك توفيقا من الله عز وجل للمسلمين وكانت الجواسيس أربعين رجلا فدخل ثلاثة رجال منهم إلى شيزر فأشاعوا ذلك وأشيع فيها ذلك.