فصل: باب لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب الْغَيْرَةِ

وَقَالَ وَرَّادٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب الغيرة‏)‏ بفتح المعجمة وسكون التحتانية بعدها راء، قال عياض وغيره‏:‏ هي مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين‏.‏

هذا في حق الآدمي، وأما في حق الله فقال الخطابي‏:‏ أحسن ما يفسر به ما فسر به في حديث أبي هريرة، يعني الآتي في هذا الباب وهو قوله ‏"‏ وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه ‏"‏ قال عياض‏:‏ ويحتمل أن تكون الغيرة في حق الله الإشارة إلى تغير حال فاعل ذلك، وقيل الغيرة في الأصل الحمية والأنفة، وهو تفسير بلازم التغير فيرجع إلى الغضب، وقد نسب سبحانه وتعالى إلى نفسه في كتابه الغضب والرضا‏.‏

وقال ابن العربي‏:‏ التغير محال على الله بالدلالة القطعية فيجب تأويله بلازمه كالوعيد أو إيقاع العقوبة بالفاعل ونحو ذلك ا هـ‏.‏

وقد تقدم في كتاب الكسوف شيء من هذا ينبغي استحضاره هنا‏.‏

ثم قال‏:‏ ومن أشرف وجوه غيرته تعالى اختصاصه قوما بعصمته، يعني فمن ادعى شيئا من ذلك لنفسه عاقبه، قال وأشد الآدميين غيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان يغار لله ولدينه، ولهذا كان لا ينتقم لنفسه ا هـ‏.‏

وأورد المصنف في الباب تسعة أحاديث‏:‏ الحديث الأول‏.‏

قوله ‏(‏وقال وراد‏)‏ بفتح الواو وتشديد الراء هو كاتب المغيرة بن شعبة ومولاه، وحديثه هذا المعلق عن المغيرة سيأتي موصولا في كتاب الحدود من طريق عبد الملك بن عمير عنه بلفظه لكن فيه ‏"‏ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ واختصرها هنا، ويأتي أيضا في كتاب التوحيد من هذا الوجه أتم سياقا، وأغفل المزي التنبيه على هذا التعليق في النكاح‏.‏

قوله ‏(‏قال سعد بن عبادة‏)‏ هو سيد الخزرج وأحد نقبائهم‏.‏

قوله ‏(‏لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته‏)‏ عند مسلم من حديث أبي هريرة ولفظه ‏"‏ قال سعد‏:‏ يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء‏؟‏ قال‏:‏ نعم ‏"‏ وزاد في رواية من هذا الوجه ‏"‏ قال كلا والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك ‏"‏ وفي حديث ابن عباس عند أحمد واللفظ له وأبي داود والحاكم ‏"‏ لما نزلت هذه الآية ‏(‏والذين يرمون المحصنات‏)‏ الآية، قال سعد بن عبادة‏:‏ أهكذا أنزلت‏؟‏ فلو وجدت لكاع متفخذها رجل لم يكن لي أن أحركه ولا أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء‏؟‏ فوالله لا آتي بأربعة شهداء حتى يقضي حاجته‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم‏؟‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا عذراء، ولا طلق امرأة فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد‏:‏ والله إني لأعلم يا رسول الله أنها لحق وأنها من عند الله، ولكني عجبت‏.‏

قوله ‏(‏غير مصفح‏)‏ قال عياض‏:‏ هو بكسر الفاء وسكون الصاد المهملة، قال‏:‏ ورويناه أيضا بفتح الفاء، فمن فتح جعله وصفا للسيف وحالا منه، ومن كسر جعله وصفا للضارب وحالا منه ا هـ‏.‏

وزعم ابن التين أنه وقع في سائر الأمهات بتشديد الفاء وهو من صفح السيف أي عرضه وحده، ويقال له غرار بالغين المعجمة، وللسيف صفحان وحدان، وأراد أنه يضربه بحده لا بعرضه، والذي يضرب بالحد يقصد إلى القتل بخلاف الذي يضرب بالصفح فإنه يقصد التأديب‏.‏

ووقع عند مسلم من رواية أبي عوانة ‏"‏ غير مصفح عنه ‏"‏ وهذه يترجح فيها كسر الفاء ويجوز الفتح أيضا على البناء للمجهول، وقد أنكرها ابن الجوزي وقال‏:‏ ظن الراوي أنه من الصفح الذي هو بمعنى العفو، وليس كذلك إنما هو من صفح السيف، قلت‏:‏ ويمكن توجيهها على المعنى الأول، والصفح والصفحة بمعنى‏.‏

وقد أورده مسلم من طريق زائدة عن عبد الملك بن عمير وبين أنه ليس في روايته لفظه ‏"‏ عنه ‏"‏ وكذا سائر من رواه عن أبي عوانة في البخاري وغيره لم يذكروها‏.‏

قوله ‏(‏أتعجبون من غيرة سعد‏)‏ تمسك بهذا التقرير من أجاز فعل ما قال سعد وقال‏:‏ إن وقع ذلك ذهب دم المقتول هدرا، نقل ذلك عن ابن المواز من المالكية، وسيأتي بسط ذلك وبيانه في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَمَا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏شقيق‏)‏ هو أبو وائل الأسدي وعبد الله هو ابن مسعود‏.‏

قوله ‏(‏ما من أحد أغير من الله‏)‏ ‏"‏ من ‏"‏ زائدة بدليل الحديث الذي بعده، ويجوز في ‏"‏ أغير ‏"‏ الرفع والنصب على اللغتين الحجازية والتميمية في ‏"‏ ما ‏"‏ ويجوز في النصب أن يكون ‏"‏ أغير ‏"‏ في موضع خفض على النعت لأحد، وفي الرفع أن يكون صفة لأحد، والخبر محذوف في الحالين تقديره موجود ونحوه، والكلام على غيره الله ذكر في الذي قبله، وبقية شرح الحديث يأتي في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع عند الإسماعيلي قبل حديث ابن مسعود ترجمة صورتها ‏"‏ في الغيرة والمدح ‏"‏ وما رأيت ذلك في شيء من نسخ البخاري‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا

الشرح‏:‏

حديث عائشة‏.‏

قوله ‏(‏يا أمة محمد، ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو أمته تزني‏)‏ كذا وقع عنده هنا عن عبد الله بن سلمة وهو القعنبي عن مالك، ووقع في سائر الروايات عن مالك ‏"‏ أو تزني أمته ‏"‏ على وزان الذي قبله، وقد تقدم في كتاب الكسوف عن عبد الله بن مسلمة هذا بهذا الإسناد كالجماعة، فيظهر أنه من سبق القلم هنا، ولعل لفظة ‏"‏ تزني ‏"‏ سقطت غلطا من الأصل ثم ألحقت فأخرها الناسخ عن محلها‏.‏

وهذا القدر الذي أورده المصنف من هذا الحديث هو طرف من الخطبة المذكورة في كتاب الكسوف، وقد تقدم شرحه مستوفى هناك بحمد الله تعالى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ أَسْمَاءَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا شَيْءَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن يحيى‏)‏ هو ابن أبي كثير‏.‏

قوله ‏(‏عن أبي سلمة‏)‏ هو ابن عبد الرحمن‏.‏

قوله ‏(‏أن عروة‏)‏ في رواية حجاج بن أبي عثمان عن يحيى بن أبي كثير عند مسلم ‏"‏ حدثني عروة ‏"‏ ورواية أبي سلمة عن عروة من رواية القرين عن القرين لأنهما متقاربان في السن واللقاء، وإن كان عروة أسن من أبي سلمة قليلا‏.‏

قوله ‏(‏عن أمه أسماء‏)‏ هي بنت أبي بكر، ووقع في رواية مسلم المذكورة ‏"‏ أن أسماء بنت أبي بكر الصديق حدثته‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏لا شيء أغير من الله‏)‏ في رواية حجاج المذكورة ‏"‏ ليس شيء أغير من الله ‏"‏ وهما بمعنى‏.‏

الحديث‏:‏

وَعَنْ يَحْيَى أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏وعن يحيى أن أبا سلمة حدثه أن أبا هريرة حدثه‏)‏ هكذا أورده، وهو معطوف على السند الذي قبله فهو موصول، ولم يسق البخاري المتن من رواية همام بل تحول إلى رواية شيبان فساقه على روايته، والذي يظهر أن لفظهما واحد، وقد وقع في رواية حجاج بن أبي عثمان عند مسلم بتقديم حديث أبي سلمة عن عروة على حديثه عن أبي هريرة عكس ما وقع في رواية همام عند البخاري، وأورده مسلم أيضا من رواية حرب بن شداد عن يحيى بحديث أبي هريرة فقط مثل ما أورده البخاري من رواية شيبان عن يحيى، ثم أورده مسلم من رواية هشام الدستوائي عن يحيى بحديث أسماء فقط، فكأن يحيى كان يجمعهما تارة ويفرد أخرى، وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية الأوزاعي عن يحيى بحديث أسماء فقط وزاد في أوله ‏"‏ على المنبر‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏إن الله يغار‏)‏ زاد في رواية حجاج عند مسلم ‏"‏ وإن المؤمن يغار‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله‏)‏ كذا للأكثر وكذا هو عند مسلم لكن بلفظ ‏"‏ ما حرم عليه ‏"‏ على البناء للفاعل وزيادة ‏"‏ عليه ‏"‏ والضمير للمؤمن، ووقع في رواية أبي ذر ‏"‏ وغيرة الله أن لا يأتي ‏"‏ بزيادة ‏"‏ لا ‏"‏ وكذا رأيتها ثابتة في رواية النسفي، وأفرط الصغاني فقال‏:‏ كذا للجميع والصواب حذف ‏"‏ لا‏"‏، كذا قال وما أدري ما أراد بالجميع، بل أكثر رواة البخاري على حذفها وفاقا لمن رواه غير البخاري كمسلم والترمذي وغيرهما، وقد وجهها الكرماني وغيره بما حاصله‏:‏ أن غيرة الله ليست هي الإتيان ولا عدمه، فلا بد من تقدير مثل لأن لا يأتي أي غيرة الله على النهي عن الإتيان أو نحو ذلك‏.‏

وقال الطيبي‏:‏ التقدير غيرة الله ثابتة لأجل أن لا يأتي‏.‏

قال الكرماني‏:‏ وعلى تقدير أن لا يستقيم المعنى بإثبات ‏"‏ لا ‏"‏ فذلك دليل على زيادتها وقد عهدت زيادتها في الكلام كثيرا مثل قوله ‏(‏ما منعك أن لا تسجد - لئلا يعلم أهل الكتاب‏)‏ وغير ذلك‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثني محمود‏)‏ هو ابن غيلان المروزي‏.‏

قوله ‏(‏أخبرني أبي عن أسماء‏)‏ هي أمه المقدم ذكرها قبل‏.‏

قوله ‏(‏تزوجني الزبير‏)‏ أي ابن العوام ‏(‏وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه‏)‏ أما عطف المملوك على المال فعلى أن المراد بالمال الإبل أو الأراضي التي تزرع، وهو استعمال معروف للعرب يطلقون المال على كل من ذلك، والمراد بالمملوك على هذا الرقيق من العبيد والإماء، وقولها بعد ذلك ‏"‏ ولا شيء ‏"‏ من عطف العام على الخاص يشمل كل ما يتملك أو يتمول لكن الظاهر أنها لم ترد إدخال ما لا بد له منه من مسكن وملبس ومطعم ورأس مال تجارة، ودل سياقها على أن الأرض التي يأتي ذكرها لم تكن مملوكة للزبير وإنما كانت إقطاعا، فهو يمللك منفعتها لا رقبتها، ولذلك لم تستثنها كما استثنت الفرس والناضح، وفي استثنائها الناضح والفرس نظر استشكله الداودي، لأن تزويجها كان بمكة قبل الهجرة، وهاجرت وهي حامل بعبد الله بن الزبير كما تقدم ذلك صريحا في كتاب الهجرة، والناضح وهو الجمل الذي يسقى عليه الماء إنما حصل له بسبب الأرض التي أقطعها، قال الداودي‏:‏ ولم يكن له بمكة فرس ولا ناضح، والجواب منع هذا النفي وأنه لا مانع أن يكون الفرس والجمل كانا له بمكة قبل أن يهاجر، فقد ثبت أنه كان في يوم بدر على فرس ولم يكن قبل بدر غزوة حصلت لهم منها غنيمة، والجمل يحتمل أن يكون كان له بمكة ولما قدم به المدينة وأقطع الأرض المذكورة أعده لسقيها وكان ينتفع به قبل ذلك في غير السقي فلا إشكال‏.‏

قوله ‏(‏فكنت أعلف فرسه‏)‏ زاد مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة ‏"‏ وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناصحه وأعلفه ‏"‏ ولمسلم أيضا من طريق ابن أبي مليكة عن أسماء ‏"‏ كنت أخدم الزبير خدمة البيت وكان له فرس وكنت أسوسه فلم يكن من خدمته شيء أشد علي من سياسة الفرس كنت أحش له وأقوم عليه‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وأستقي الماء‏)‏ كذا للأكثر، وللسرخسي ‏"‏ وأسقي ‏"‏ بغير مثناة وهو على حذف المفعول أي وأسقي الفرس أو الناضح الماء، والأول أشمل معنى وأكثر فائدة‏.‏

قوله ‏(‏وأخرز‏)‏ بخاء معجمة ثم راء ثم زاي ‏(‏غربه‏)‏ بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة هو الدلو‏.‏

قوله ‏(‏وأعجن‏)‏ أي الدقيق وهو يؤيد ما حملنا عليه المال، إذ لو كان المراد نفي أنواع المال لانتفى الدقيق الذي يعجن، لكن ليس ذلك مرادها، وقد تقدم في حديث الهجرة أن الزبير لاقى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر راجعا من الشام بتجارة وأنه كساهما ثيابا‏.‏

قوله ‏(‏ولم أكن أحسن أخبز فكان يخبز جارات لي‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ فكان يخبز لي ‏"‏ وهذا محمول على أن في كلامها شيئا محذوفا تقديره تزوجني الزبير بمكة وهو بالصفة المذكورة، واستمر على ذلك حتى قدمنا المدينة، وكنت أصنع كذا إلخ، لأن النسوة من الأنصار إنما جاورنها بعد قدومها المدينة قطعا، وكذلك ما سيأتي من حكاية نقلها النوى من أرض الزبير‏.‏

قوله ‏(‏وكن نسوة صدق‏)‏ أضافتهن إلى الصدق مبالغة في تلبسهن به في حسن العشرة والوفاء بالعهد‏.‏

قوله ‏(‏وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ تقدم في كتاب فرض الخمس بيان حال الأرض المذكورة وأنها كانت مما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير، وكان ذلك في أوائل قدومه المدينة كما تقدم بيان ذلك هناك‏.‏

قوله ‏(‏وهي مني‏)‏ أي من مكان سكناها‏.‏

قوله ‏(‏فدعاني ثم قال إخ إخ‏)‏ بكسر الهمزة وسكون الخاء، كلمة تقال للبعير لمن أراد أن ينيخه‏.‏

قوله ‏(‏ليحملني خلفه‏)‏ كأنها فهمت ذلك من قرينة الحال، وإلا فيحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد أن يركبها وما معها ويركب هو شيئا آخر غير ذلك‏.‏

قوله ‏(‏فاستحييت أن أسير مع الرجال‏)‏ هذا بنته على ما فهمته من الارتداف، وإلا فعلى الاحتمال الآخر ما تتعين المرافقة‏.‏

قوله ‏(‏وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس‏)‏ هو بالنسبة إلى من علمته، أي أرادت تفضيله على أبناء جنسه في ذلك، أو ‏"‏ من ‏"‏ مرادة، ثم رأيتها ثابتة في رواية الإسماعيلي ولفظه ‏"‏ وكان من أغير الناس‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏والله لحملك النوى على رأسك كان أشد علي من ركوبك معه‏)‏ كذا للأكثر‏.‏

وفي رواية السرخسي كان أشد عليك وسقطت هذه اللفظة من رواية مسلم، ووجه المفاضلة التي أشار إليها الزبير أن ركوبها مع النبي صلى الله عليه وسلم لا ينشأ منه كبير أمر من الغيرة لأنها أخت امرأته، فهي في تلك الحالة لا يحل له تزويجها أن لو كانت خلية من الزوج، وجواز أن يقع لها ما وقع لزينب بنت جحش بعيد جدا لأنه يزيد عليه لزوم فراقه لأختها، فما بقي إلا احتمال أن يقع لها من بعض الرجال مزاحمة بغير قصد، وأن ينكشف منها حالة السير ما لا تريد انكشافه ونحو ذلك، وهذا كله أخف مما تحقق من تبذلها بحمل النوى على رأسها من مكان بعيد لأنه قد يتوهم خسة النفس ودناءة الهمة وقلة الغيرة ولكن كان السبب الحامل على الصبر على ذلك شغل زوجها وأبيها بالجهاد وغيره مما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويقيمهم فيه، وكانوا لا يتفرغون للقيام بأمور البيت بأن يتعاطوا ذلك بأنفسهم، ولضيق ما بأيديهم على استخدام من يقوم بذلك عنهم، فانحصر الأمر في نسائهم فكن يكفينهم مؤنة المنزل ومن فيه ليتوفروا هم على ما هم فيه من نصر الإسلام مع ما ينضم إلى ذلك من العادة المانعة من تسمية ذلك عارا محضا‏.‏

قوله ‏(‏حتى أرسل إلي أبو بكر بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني‏)‏ في رواية مسلم ‏"‏ فكفتني ‏"‏ وهي أوجه، لأن الأولى تقتضي أنه أرسلها لذلك خاصة، بخلاف رواية مسلم وقد وقع عنده في رواية ابن أبي مليكة ‏"‏ جاء النبي صلى الله عليه وسلم سبى فأعطاها خادما، قالت كفتني سياسة الفرس فألقت عني مؤنته ‏"‏ ويجمع بين الروايتين بأن السبي لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا بكر منه خادما ليرسله إلى ابنته أسماء فصدق أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المعطي، ولكن وصل ذلك إليها بواسطة‏.‏

ووقع عنده في هذه الرواية أنها باعتها بعد ذلك وتصدقت بثمنها، وهو محمول على أنها استغنت عنها بغيرها‏.‏

واستدل بهذه القصة على أن على المرأة القيام بجميع ما يحتاج إليه زوجها من الخدمة، وإليه ذهب أبو ثور، وحمله الباقون على أنها تطوعت بذلك ولم يكن لازما، أشار إليه المهلب وغيره‏.‏

والذي يظهر أن هذه الواقعة وأمثالها كانت في حال ضرورة كما تقدم فلا يطرد الحكم في غيرها ممن لم يكن في مثل حالهم، وقد تقدم أن فاطمة سيدة نساء العالمين شكت ما تلقى يداها من الرحى وسألت أباها خادما فدلها على خير من ذلك وهو ذكر الله تعالى، والذي يترجح حمل الأمر في ذلك على عوائد البلاد فإنها مختلفة في هذا الباب، قال المهلب‏:‏ وفيه أن المرأة الشريفة إذا تطوعت بخدمة زوجها بشيء لا يلزمها لم ينكر عليها ذلك أب ولا سلطان، وتعقب بأنه بناه على ما أصله من أن ذلك كان تطوعا، ولخصمه أن يعكس فيقول لو لم يكن لازما ما سكت أبوها مثلا على ذلك مع ما فيه من المشقة عليه وعليها، ولا أقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع عظمة الصديق عنده؛ قال‏:‏ وفيه جواز ارتداف المرأة خلف الرجل في موكب الرجال، قال‏:‏ وليس في الحديث أنها استترت ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك، فيؤخذ منه أن الحجاب إنما هو في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ا هـ‏.‏

والذي يظهر أن القصة كانت قبل نزول الحجاب ومشروعيته، وقد قالت عائشة كما تقدم في تفسير سورة النور ‏"‏ لما نزلت ‏(‏وليضربن بخمرهن على جيوبهن‏)‏ أخذن أزرهن من قبل الحواشي فشققنهن فاختمرن بها ‏"‏ ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب، والذي ذكر عياض أن الذي اختص به أمهات المؤمنين ستر شخوصهن زيادة على ستر أجسامهن، وقد ذكرت البحث معه في ذلك في غير هذا الموضع‏.‏

قال المهلب‏:‏ وفيه غيرة الرجل عند ابتذال أهله فيما يشق من الخدمة وأنفة نفسه من ذلك لا سيما إذا كانت ذات حسب انتهى‏.‏

وفيه منقبة لأسماء وللزبير ولأبي بكر ولنساء الأنصار‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا علي‏)‏ هو ابن المديني، وابن علية اسمه إسماعيل‏.‏

وقوله عن أنس تقدم في المظالم بيان من صرح عن حميد بسماعه له من أنس، وكذا تسمية المرأتين المذكورتين، وأن التي كانت في بيتها هي عائشة وأن التي هي أرسلت الطعام زينب بنت جحش وقيل غير ذلك‏.‏

قوله ‏(‏غارت أمكم‏)‏ الخطاب لمن حضر، والمراد بالأم هي التي كسرت الصحفة وهي من أمهات المؤمنين كما تقدم بيانه، وأغرب الداودي فقال‏:‏ المراد بقوله ‏"‏ أمكم ‏"‏ سارة، وكأن معنى الكلام عنده لا تتعجبوا مما وقع من هذه من الغيرة فقد غارت قبل ذلك أمكم حتى أخرج إبراهيم ولده إسماعيل وهو طفل مع أمه إلى واد غير ذي زرع، وهذا وإن كان له بعض توجيه لكن المراد خلافه وأن المراد كاسرة الصحفة وعلى هذا حمله جميع من شرح هذا الحديث وقالوا‏:‏ فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة‏.‏

وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعا ‏"‏ أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه ‏"‏ قاله في قصة‏.‏

وعن ابن مسعود رفعه ‏"‏ إن الله كتب الغيرة على النساء، فمن صبر منهن كان لها أجر شهيد ‏"‏ أخرجه البزار وأشار إلى صحته ورجاله ثقات، لكن اختلف في عبيد بن الصباح منهم‏.‏

وفي إطلاق الداودي على سارة أنها أم المخاطبين نظر أيضا، فإنهم إن كانوا من بني إسماعيل فأمهم هاجر لا سارة، ويبعد أن يكونوا من بني إسرائيل حتى يصح أن أمهم سارة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ أَوْ أَتَيْتُ الْجَنَّةَ فَأَبْصَرْتُ قَصْرًا فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَلَمْ يَمْنَعْنِي إِلَّا عِلْمِي بِغَيْرَتِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَعَلَيْكَ أَغَارُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏معتمر‏)‏ هو ابن سليمان التيمي وعبيد الله هو ابن عمر العمري، وقد تقدم الحديث عن جابر مطولا في مناقب عمر مع شرحه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا قَالُوا هَذَا لِعُمَرَ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى عُمَرُ وَهُوَ فِي الْمَجْلِسِ ثُمَّ قَالَ أَوَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغَارُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏بينما أنا نائم رأيتني في الجنة‏)‏ هذا يعين أحد الاحتمالين في الحديث الذي قبله حيث قال فيه ‏"‏ دخلت الجنة أو أتيت الجنة ‏"‏ وأنه يحتمل أن ذلك كان في اليقظة أو في النوم فبين هذا الحديث أن ذلك كان في النوم‏.‏

قوله ‏(‏فإذا امرأة تتوضأ‏)‏ تقدم النقل عن الخطابي في زعمه أن هذه اللفظة تصحيف وأن القرطبي عزا هذا الكلام لابن قتيبة، وهو كذلك أورده في ‏"‏ غريب الحديث ‏"‏ من طريق أخرى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وتلقاه عنه الخطابي فذكره في شرح البخاري وارتضاه ابن بطال فقال يشبه أن تكون هذه الرواية الصواب‏.‏

وتتوضأ تصحيف، لأن الحور طاهرات لا وضوء عليهن، وكذا كل من دخل الجنة لا تلزمه طهارة، وقد قدمت البحث مع الخطابي في هذا في مناقب عمر بما أغنى عن إعادته، وقد استدل الداودي بهذا الحديث على أن الحور في الجنة يتوضئان ويصلين قلت‏:‏ ولا يلزم من كون الجنة لا تكليف فيها بالعبادة أن لا يصدر من أحد من العباد باختياره ما شاء من أنواع العبادة‏.‏

ثم قال ابن بطال‏:‏ يؤخذ من الحديث أن من علم من صاحبه خلقا لا ينبغي أن يتعرض لما ينافره ا هـ‏.‏

وفيه أن من نسب إلى من اتصف بصفة صلاح ما يغاير ذلك ينكر عليه‏.‏

وفيه أن الجنة موجودة وكذلك الحور، وقد تقدم تقرير ذلك في بدء الخلق، وسائر فوائده تقدمت في مناقب عمر‏.‏

*3*باب غَيْرَةِ النِّسَاءِ وَوَجْدِهِنَّ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب غيرة النساء ووجدهن‏)‏ هذه الترجمة أخص من التي قبلها، والوجد بفتح الواو الغضب، ولم يبت المصنف حكم الترجمة لأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وأصل الغيرة غير مكتسب للنساء، لكن إذا أفرطت في ذلك بقدر زائد عليه تلام، وضابط ذلك ما ورد في الحديث الآخر عن جابر بن عتيك الأنصاري رفعه ‏"‏ أن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله‏:‏ فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض فالغيرة في غير ريبة ‏"‏ وهذا التفصيل يتمحض في حق الرجال لضرورة امتناع اجتماع زوجين للمرأة بطريق الحل، وأما المرأة فحيث غارت من زوجها في ارتكاب محرم إما بالزنا مثلا وإما بنقص حقها وجوره عليها لضرتها وإيثارها عليها، فإذا تحققت ذلك أو ظهرت القرائن فيه فهي غيرة مشروعة، فلو وقع ذلك بمجرد التوهم عن غير دليل فهي الغيرة في غير ريبة، وأما إذا كان الزوج مقسطا عادلا وأدى لكل من الضرتين حقها فالغيرة منهما إن كانت لما في الطباع البشرية التي لم يسلم منها أحد من النساء فتعذر فيها ما لم تتجاوز إلى ما يحرم عليها من قول أو فعل، وعلى هذا يحمل ما جاء عن السلف الصالح من النساء في ذلك‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب حديثين عن عائشة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا عبيد‏)‏ في رواية أبي ذر ‏"‏ حدثني ‏"‏ بالإفراد‏.‏

قوله ‏(‏إني لأعلم إذا كنت عني راضية إلخ‏)‏ يؤخذ منه استقراء الرجل حال المرأة من فعلها وقولها فيما يتعلق بالميل إليه وعدمه، والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه وسكوتها، فبنى على تغير الحالتين من الذكر والسكوت تغير الحالتين من الرضا والغضب، ويحتمل أن يكون انضم إلى ذلك شيء آخر أصرح منه لكن لم ينقل وقول عائشة ‏"‏ أجل يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك ‏"‏ قال الطيبي‏:‏ هذا الحصر لطيف جدا لأنها أخبرت أنها إذا كانت في حال الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا تتغير عن المحبة المستقرة فهو كما قيل‏:‏ إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل وقال ابن المنير‏:‏ مرادها أنها كانت تترك التسمية اللفظية ولا يترك قلبها التعلق بذاته الكريمة مودة ومحبة ا هـ‏.‏

وفي اختيار عائشة ذكر إبراهيم عليه السلام دون غيره من الأنبياء دلالة على مزيد فطنتها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس به كما نص عليه القرآن، فلما لم يكن لها بد من هجر الاسم الشريف أبدلته بمن هو منه بسبيل حتى لا تخرج عن دائرة التعلق في الجملة‏.‏

وقال المهلب‏:‏ يستدل بقول عائشة على أن الاسم غير المسمى إذ لو كان الاسم عين المسمى لكانت بهجره تهجر ذاته وليس كذلك‏.‏

ثم أطال في تقرير هذه المسألة ومحل البحث فيها كتاب التوحيد حيث ذكرها المصنف، أعان الله تعالى على الوصول إلى ذلك بحوله وقوته‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا وَقَدْ أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ لَهَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثني أحمد بن أبي رجاء‏)‏ هو أبو الوليد الهروي، واسم أبي رجاء عبد الله بن أيوب‏.‏

قوله ‏(‏ما غرت على امرأة‏)‏ بينت سبب ذلك وأنه كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، وهي وإن لم تكن موجودة وقد أمنت مشاركتها لها فيه لكن ذلك يقتضي ترجيحها عنده، فهو الذي هيج الغضب الذي يثير الغيرة بحيث قالت ما تقدم في مناقب خديجة ‏"‏ أبدلك الله خيرا منها‏.‏

فقال‏:‏ ما أبدلني الله خيرا منها ‏"‏ ومع ذلك فلم ينقل أنه واخذ عائشة لصيام معذرتها بالغيرة التي جبل عليها النساء، وقد تقدمت مباحث الحديث من كتاب المناقب مستوفاة‏.‏

*3*باب ذَبِّ الرَّجُلِ عَنْ ابْنَتِهِ فِي الْغَيْرَةِ وَالْإِنْصَافِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف‏)‏ أي في دفع الغيرة عنها وطلب الإنصاف لها‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا هَكَذَا قَالَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن ابن أبي مليكة عن المسور‏)‏ كذا رواه الليث وتابعه عمرو بن دينار وغير واحد، وخالفهم أيوب فقال ‏"‏ عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير ‏"‏ أخرجه الترمذي وقال حسن، وذكر الاختلاف فيه ثم قال‏:‏ يحتمل أن يكون ابن أبي مليكة حمله عنهما جميعا ا هـ‏.‏

والذي يظهر ترجيح رواية الليث لكونه توبع ولكون الحديث قد جاء عن المسور من غير رواية ابن أبي مليكة، فقد تقدم في فرض الخمس وفي المناقب من طريق الزهري عن علي بن الحسين بن علي عن المسور وزاد فيه في الخمس قصة سيف النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك سبب تحديث المسور لعلي بن الحسين بهذا الحديث، وقد ذكرت ما يتعلق بقصة السيف عنه هناك، ولا أزال أتعجب من المسور كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين حتى قال‏:‏ إنه لو أودع عنده السيف لا يمكن أحدا منه حتى تزهق روحه، رعاية لكونه ابن ابن فاطمة محتجا بحديث الباب، ولم يراع خاطره في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على علي بن الحسين لما فيه من إيهام غض من جده علي بن أبي طالب حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة حتى اقتضى أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من الإنكار ما وقع، بل أتعجب من المسور تعجبا آخر أبلغ من ذلك وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة، وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه أعني الحسين والد علي الذي وقعت له معه القصة حتى قتل بأيدي ظلمة الولاة، لكن يحتمل أن يكون عذره أن الحسين لما خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يئول إلى ما آل إليه والله أعلم‏.‏

وقد تقدم في فرض الخمس وجه المناسبة بين قصة السيف وقصة الخطبة بما يغني عن إعادته‏.‏

قوله ‏(‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر‏)‏ في رواية الزهري عن علي بن حسين عن المسور الماضية في فرض الخمس ‏"‏ يخطب الناس على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم ‏"‏ قال ابن سيد الناس‏:‏ هذا غلط‏.‏

والصواب ما وقع عند الإسماعيلي بلفظ ‏"‏ كالمحتلم ‏"‏ أخرجه من طريق يحيى بن معين عن يعقوب بن إبراهيم بسنده المذكور إلى علي بن الحسين قال‏:‏ والمسور لم يحتلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ولد بعد ابن الزبير، فيكون عمره عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثماني سنين‏.‏

قلت‏:‏ كذا جزم به، وفيه نظر، فإن الصحيح أن ابن الزبير ولد في السنة الأولى فيكون عمره عند الوفاة النبوية تسع سنين فيجوز أن يكون احتلم في أول سني الإمكان، أو يحمل قوله محتلم على المبالغة والمراد التشبيه فتلتئم الروايتان، وإلا فابن ثمان سنين لا يقال له محتلم ولا كالمحتلم إلا أن يريد بالتشبيه أنه كان كالمحتلم في الحذق والفهم والحفظ، والله أعلم‏.‏

قوله ‏(‏أن بني هشام بن المغيرة‏)‏ وقع في رواية مسلم هاشم بن المغيرة والصواب هشام لأنه جد المخطوبة‏.‏

قوله ‏(‏استأذنوا‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ استأذنوني ‏"‏ ‏(‏في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب‏)‏ هكذا في رواية ابن أبي مليكة أن سبب الخطبة استئذان بني هشام بن المغيرة‏.‏

وفي رواية الزهري عن علي بن الحسين بسبب آخر ولفظه ‏"‏ أن عليا خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن قومك يتحدثون ‏"‏ كذا في رواية شعيب‏.‏

وفي رواية عبد الله بن أبي زياد عنه في صحيح ابن حبان ‏"‏ فبلغ ذلك فاطمة فقالت‏:‏ إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا على ناكح بنت أبي جهل ‏"‏ هكذا أطلقت عليه اسم فاعل مجازا لكونه أراد ذلك وصمم عليه فنزلته منزلة من فعله، ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد ‏"‏ خطب ‏"‏ ولا إشكال فيها، قال المسور‏:‏ فقام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حنظلة ‏"‏ أن عليا خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها‏:‏ لا نزوجك على فاطمة‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ فكأن ذلك كان سبب استئذانهم‏.‏

وجاء أيضا أن عليا استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة - وهو أحد المخضرمين ممن أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقه‏.‏

قال ‏"‏خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أعن حسبها تسألني‏؟‏ فقال‏:‏ لا ولكن أتأمرني بها‏؟‏ قال‏:‏ لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا أنها تحزن أو تجزع، فقال علي لا آتي شيئا تكرهه ‏"‏ ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بما خطب ولم يحضر على الخطبة المذكورة فاستشار، فلما قال له ‏"‏ لا ‏"‏ لم يتعرض بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء آخر حديث شعيب عن الزهري ‏"‏ فترك علي الخطبة ‏"‏ وهي بكسر الخاء المعجمة، ووقع عند ابن أبي داود من طريق معمر عن الزهري عن عروة ‏"‏ فسكت علي عن ذلك النكاح‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن‏)‏ كرر ذلك تأكيدا، وفيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن وكأنه أراد رفع المجاز لاحتمال أن يحمل النفي على مدة بعينها فقال ثم لا آذن ‏"‏ أي ولو مضت المدة المفروضة تقديرا لا آذن بعدها ثم كذلك أبدا، وفيه إشارة إلى ما في حديث الزهري من أن بني هشام بن المغيرة استأذنوا، وبنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل لأنه أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة وقد أسلم أخواه الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح وحسن إسلامهما، ويؤيد ذلك جوابهما المتقدم لعلي‏.‏

وممن يدخل في إطلاق بني هشام بن المغيرة عكرمة بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلم أيضا وحسن إسلامه، واسم المخطوبة تقدم بيانه في ‏"‏ باب ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من كتاب المناقب وأنه تزوجها عتاب بن أسيد بن أبي العيص لما تركها علي وتقدم هناك زيادة في رواية الزهري في ذكر أبي العاص بن الربيع والكلام على قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حدثني فصدقني، ووعدني ووفى لي ‏"‏ وتوجيه ما وقع من علي في هذه القصة أغنى عن إعادته‏.‏

قوله ‏(‏إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم‏)‏ هذا محمول على أن بعض من يبغض عليا وشى به أنه مصمم على ذلك، وإلا فلا يظن به أنه يستمر على الخطبة بعد أن استشار النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه، وسياق سويد بن غفلة يدل على أن ذلك وقع قبل أن تعلم به فاطمة، فكأنه لما قيل لها ذلك وشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعلمه على أنه ترك أنكر عليه ذلك، وزاد في رواية الزهري ‏"‏ وإني لست أحرم حلالا، ولا أحلل حراما، ولكن والله لا تجمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل أبدا ‏"‏ وفي رواية مسلم ‏"‏ مكانا واحدا أبدا ‏"‏ وفي رواية شعيب ‏"‏ عند رجل واحد أبدا ‏"‏ قال ابن التين‏:‏ أصح ما تحمل عليه هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على علي أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل لأنه علل بأن ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله ‏"‏ لا أحرم حلالا ‏"‏ أي هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبي صلى الله عليه وسلم لتأذي فاطمة به فلا، وزعم غيره أن السياق يشعر بأن ذلك مباح لعلي، لكنه منع النبي صلى الله عليه وسلم رعاية لخاطر فاطمة وقبل هو ذلك امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والذي يظهر لي أنه لا يبعد أن يعد في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتزوج على بناته، ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بفاطمة عليها السلام‏.‏

قوله ‏(‏فإنما هي بضعة مني‏)‏ بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة أي قطعة، ووقع في حديث سويد بن غفلة كما تقدم ‏"‏ مضغة ‏"‏ بضم الميم وبغين معجمة، والسبب فيه ما تقدم في المناقب أنها كانت أصيبت بأمها ثم بأخواتها واحدة بعد واحدة فلم يبق لها من تستأنس به ممن يخفف عليها الأمر ممن تفضي إليه بسرها إذا حصلت لها الغيرة‏.‏

قوله ‏(‏يريبني ما أرابها‏)‏ كذا هنا من أراب رباعيا وفي رواية مسلم ‏"‏ ما رابها ‏"‏ من راب ثلاثيا، وزاد في رواية الزهري ‏"‏ وأنا أتخوف أن تفتن في دينها ‏"‏ يعني أنها لا تصير على الغيرة فيقع منها في حق زوجها في حال الغضب ما لا يليق بحالها في الدين‏.‏

وفي رواية شعيب ‏"‏ وأنا أكره أن يسوءها ‏"‏ أي تزويج غيرها عليها‏.‏

وفي رواية مسلم من هذا الوجه ‏"‏ أن يفتنوها ‏"‏ وهي بمعنى أن تفتن‏.‏

قوله ‏(‏ويؤذيني ما آذاها‏)‏ في رواية أبي حنظلة ‏"‏ فمن آذاها فقد آذاني ‏"‏ وفي حديث عبد الله بن الزبير ‏"‏ يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها ‏"‏ وهو بنون ومهملة وموحدة من النصب بفتحتين وهو التعب‏.‏

وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن المسور ‏"‏ يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها ‏"‏ أخرجها الحاكم‏.‏

ويؤخذ من هذا الحديث أن فاطمة لو رضيت بذلك لم يمنع علي من التزويج بها أو بغيرها، وفي الحديث تحريم أذى من يتأذى النبي صلى الله عليه وسلم بتأذيه، لأن أذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام اتفاقا قليله وكثيره، وقد جزم بأنه يؤذيه ما يؤذي فاطمة فكل من وقع منه في حق فاطمة شيء فتأذت به فهو يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة هذا الخبر الصحيح، ولا شيء أعظم في إدخال الأذى عليها من قتل ولدها، ولهذا عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد‏.‏

وفيه حجة لمن يقول بسد الذريعة، لأن تزويج ما زاد على الواحدة حلال للرجال ما لم يجاوز الأربع، ومع ذلك فقد منع من ذلك في الحال لما يترتب عليه من الضرر في المآل‏.‏

وفيه بقاء عار الآباء قي أعقابهم لقوله ‏"‏ بنت عدو الله ‏"‏ فإن فيه إشعارا بأن للوصف تأثيرا في المنع، مع أنها هي كانت مسلمة حسنة الإسلام‏.‏

وقد احتج به من منع كفاءة من مس أباه الرق ثم أعتق بمن لم يمس أباها الرق، ومن مسه الرق بمن لم يمسها هي بل مس أباها فقط‏.‏

وفيه أن الغيراء إذا خشي عليها أن تفتن في دينها كان لوليها أن يسعى في إزالة ذلك كما في حكم الناشز، كذا قيل وفيه نظر، ويمكن أن يزاد فيه شرط أن لا يكون عندها من تتسلى به ويخفف عنها الحملة كما تقدم، ومن هنا يؤخذ جواب من استشكل اختصاص فاطمة بذلك مع أن الغيرة على النبي صلى الله عليه وسلم أقرب إلى خشية الافتتان في الدين ومع ذلك فكان صلى الله عليه وسلم يستكثر من الزوجات وتوجد منهن الغيرة كما في هذه الأحاديث، ومع ذلك ما راعى ذلك صلى الله عليه وسلم في حقهن كما رعاه في حق فاطمة‏.‏

ومحصل الجواب أن فاطمة كانت إذ ذاك كما تقدم فاقدة من تركن إليه من يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك وزيادة عليه وهو زوجهن صلى الله عليه وسلم لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخواطر بحيث أن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خلقه وجميل خلقه بجميع ما يصدر منه بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب، وقيل‏:‏ فيه حجة لمن منع الجمع بين الحرة والأمة‏.‏

ويؤخذ من الحديث إكرام من ينتسب إلى الخير أو الشرف أو الديانة‏.‏

*3*باب يَقِلُّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرُ النِّسَاءُ

وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَى الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب يقل الرجال ويكثر النساء‏)‏ أي في آخر الزمان‏.‏

قوله ‏(‏وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون نسوة‏)‏ في رواية الكشميهني امرأة ‏"‏ والأول على حذف الموصوف، وقوله ‏"‏يلذن به ‏"‏ قيل لكونهن نساءه وسراريه أو لكونهن قراباته أو من الجميع‏.‏

وروى علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من حديث حذيفة قال‏:‏ إذا عمت الفتنة ميز الله أولياءه، حتى يتبع الرجل خمسون امرأة تقول‏:‏ يا عبد الله استرني يا عبد الله آوني ‏"‏ وقد تقدم حديث أبي موسى موصولا في ‏"‏ باب الصدقة قبل الرد ‏"‏ من كتاب الزكاة في حديث أوله ‏"‏ ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة ‏"‏ الحديث‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ وَيَكْثُرَ الزِّنَا وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا هشام‏)‏ هو الدستوائي كذا للأكثر، ووقع في رواية أبي أحمد الجرجاني ‏"‏ همام ‏"‏ والأول أولى، وهمام وهشام كلاهما من شيوخ حفص بن عمر المذكور وهو الحوضي، وسيأتي في الأشربة عن مسلم بن إبراهيم عن هشام‏.‏

قوله ‏(‏إن من أشراط الساعة‏)‏ الحديث تقدم في كتاب العلم من رواية شعبة عن قتادة كذلك‏.‏

قوله ‏(‏حتى يكون لخمسين امرأة‏)‏ هذا لا ينافي الذي قبله لأن الأربعين داخلة في الخمسين، ولعل العدد بعينه غير مراد بل أريد المبالغة في كثرة النساء بالنسبة للرجال، ويحتمل أن يجمع بينهما بأن الأربعين عدد من يلذن به والخمسين عدد من يتبعه وهو أعم من أنهن يلذن به فلا منافاة‏.‏

قوله ‏(‏القيم الواحد‏)‏ أي الذي يقوم بأمورهن، ويحتمل أن يكنى به عن اتباعهن له لطلب النكاح حلالا أو حراما‏.‏

وفي الحديث الإخبار بما سيقع فوقع كما أخبر، والصحيح من ذلك ما ورد مطلقا، وأما ما ورد مقدرا بوقت معين فقال أحمد لا يصح منه شيء، وقد تقدم كثير من مباحث هذا الحديث في كتاب العلم‏.‏

*3*باب لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ وَالدُّخُولُ عَلَى الْمُغِيبَةِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة‏)‏ يجوز في لام ‏"‏ الدخول ‏"‏ الخفض والرفع‏.‏

وأحد ركني الترجمة أورده المصنف صريحا في الباب، والثاني يؤخذ بطريق الاستنباط من أحاديث الباب، وقد ورد في حديث مرفوع صريحا أخرجه الترمذي من حديث جابر رفعه ‏"‏ لا تدخلوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ‏"‏ ورجاله موثقون، لكن مجالد بن سعيد مختلف فيه‏.‏

ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ‏"‏ لا يدخل رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان ‏"‏ ذكره في أثناء حديث، والمغيبة بضم الميم ثم غين معجمة مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة‏:‏ من غاب عنها زوجها، يقال أغابت المرأة إذا غاب زوجها‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب حديثين‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن يزيد بن أبي حبيب‏)‏ في رواية مسلم من طريق ابن وهب عن الليث وعمرو بن الحارث وحيوة وغيرهم ‏"‏ أن يزيد بن أبي حبيب حدثهم‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏عن أبي الخير‏)‏ هو مرثد بن عبد الله اليزني‏.‏

قوله ‏(‏عقبة بن عامر‏)‏ في رواية ابن وهب عند أبي نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏‏:‏ سمعت عقبة بن عامر‏.‏

قوله ‏(‏إياكم والدخول‏)‏ بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليحترز عنه كما قيل إياك والأسد، وقوله ‏"‏إياكم ‏"‏ مفعول بفعل مضمر تقديره اتقوا، وتقدير الكلام اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء والنساء أن يدخلن عليكم‏.‏

ووقع في رواية ابن وهب بلفظ لا تدخلوا على النساء، وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى‏.‏

قوله ‏(‏فقال رجل من الأنصار‏)‏ لم أقف على تسميته‏.‏

قوله ‏(‏أفرأيت الحمو‏)‏ زاد ابن وهب في روايته عند مسلم ‏"‏ سمعت الليث يقول الحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه ‏"‏ ووقع عند الترمذي بعد تخريج الحديث ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ يقال هو أخو الزوج، كره له أن يخلو بها‏.‏

قال‏:‏ ومعنى الحديث على نحو ما روي لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان ا هـ‏.‏

وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه أحمد من حديث عامر بن ربيعة وقال النووي‏:‏ اتفق أهل العلم باللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، وأن الأختان أقارب زوجة الرجل، وأن الأصهار تقع على النوعين ا هـ‏.‏

وقد اقتصر أبو عبيد وتبعه ابن فارس والداودي على أن الحمو أبو الزوجة، زاد ابن فارس‏:‏ وأبو الزوج، يعني أن والد الزوج حمو المرأة ووالد الزوجة حمو الرجل، وهذا الذي عليه عرف الناس اليوم‏.‏

وقال الأصمعي وتبعه الطبري والخطابي ما نقله النووي، وكذا نقل عن الخليل، ويؤيده قول عائشة ‏"‏ ما كان بيني وبين علي إلا ما كان بين المرأة وأحمائها ‏"‏ وقد قال النووي‏:‏ المراد في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه، لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت‏.‏

قال وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابن العم وابن الأخت ونحوهم مما يحل لها تزويجه لو لم تكن متزوجة، وجرت العادة بالتساهل فيه فيخلو الأخ بامرأة أخيه فشبهه بالموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي ا هـ‏.‏

وقد جزم الترمذي وغيره كما تقدم وتبعه المازري بأن الحمو أبو الزوج، وأشار المازري إلى أنه ذكر للتنبيه على منع غيره بطريق الأولى، وتبعه ابن الأثير في ‏"‏ النهاية ‏"‏ ورده النووي فقال‏:‏ هذا كلام فاسد مردود لا يجوز حمل الحديث عليه ا هـ‏.‏

وسيظهر في كلام الأئمة في تفسير المراد بقوله ‏"‏ الحمو الموت ‏"‏ ما تبين منه أن كلام المازري ليس بفاسد، واختلف في ضبط الحمو فصرح القرطبي بأن الذي وقع في هذا الحديث حمء بالهمز، وأما الخطابي فضبطه بواو بغير همز لأنه قال وزن دلو، وهو الذي اقتصر عليه أبو عبيد الهروي وابن الأثير وغيرهما، وهو الذي ثبت عندنا في روايات البخاري، وفيه لغتان أخريان إحداهما حم بوزن أخ والأخرى حمى بوزن عصا، ويخرج من ضبط المهموز بتحريك الميم لغة أخرى خامسة حكاها صاحب ‏"‏ المحكم‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏الحمو الموت‏)‏ قيل المراد أن الخلوة بالحمو قد تؤدي إلى هلاك الدين إن وقعت المعصية، أو إلى الموت إن وقعت المعصية ووجب الرجم، أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها إذا حملته الغيرة على تطليقها، أشار إلى ذلك كله القرطبي‏.‏

وقال الطبري‏:‏ المعنى أن خلوة الرجل بامرأة أخيه أو ابن أخيه تنزل منزلة الموت، والعرب تصف الشيء المكروه بالموت، قال ابن الأعرابي، هي كلمة تقولها العرب مثلا كما تقول الأسد الموت أي لقاؤه فيه الموت، والمعنى احذروه كما تحذرون الموت‏.‏

وقال صاحب ‏"‏ مجمع الغرائب ‏"‏‏:‏ يحتمل أن يكون المراد أن المرأة إذا خلت فهي محل الآفة ولا يؤمن عليها أحد فليكن حموها الموت، أي لا يجوز لأحد أن يخلو بها إلا الموت كما قيل نعم الصهر القبر، وهذا لائق بكمال الغيرة والحمية‏.‏

وقال أبو عبيد‏:‏ معنى قوله الحمو الموت أي فليمت ولا يفعل هذا‏.‏

وتعقبه النووي فقال‏:‏ هذا كلام فاسد وإنما المراد أن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره والشر يتوقع منه أكثر من غيره والفتنة به أمكن لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكير عليه بخلاف الأجنبي‏.‏

وقال عياض‏:‏ معناه أن الخلوة بالأحماء مؤدية إلى الفتنة والهلاك في الدين فجعله كهلاك الموت وأورد الكلام مورد التغليظ‏.‏

وقال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏‏:‏ المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي فهو محرم معلوم التحريم، وإنما بالغ في الزجر عنه وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم بذلك حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة فخرج هذا مخرج قول العرب‏:‏ الأسد الموت، والحرب الموت، أي لقاؤه يفضي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى موت الدين أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج أو إلى الرجم إن وقعت الفاحشة‏.‏

وقال ابن الأثير في النهاية‏:‏ المعنى أن خلوة المحرم بها أشد من خلوة غيره من الأجانب، لأنه ربما حسن لها أشياء وحملها على أمور تثقل على الزوج من التماس ما ليس في وسعه، فتسوء العشرة بين الزوجين بذلك، ولأن الزوج قد لا يؤثر أن يطلع والد زوجته أو أخوها على باطن حاله ولا على ما اشتمل عليه ا هـ، فكأنه قال الحمو الموت أي لا بد منه ولا يمكن حجبه عنها، كما أنه لا بد من الموت، وأشار إلى هذا الأخير الشيخ تقي الدين في شرح العمدة‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ محرم المرأة من حرم عليه نكاحها على التأبيد إلا أم الموطوءة بشبهة والملاعنة فإنهما حرامان على التأبيد ولا محرمية هناك، وكذا أمهات المؤمنين، وأخرجهن بعضهم بقوله في التعريف بسبب مباح لا لحرمتها‏.‏

وخرج بقيد التأبيد أخت المرأة وعمتها وخالتها وبنتها إذا عقد على الأم ولم يدخل بها‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏سفيان‏)‏ هو ابن عيينة، وقوله ‏"‏حدثنا عمرو ‏"‏ هو ابن دينار‏.‏

وقد وقع في الجهاد بعض هذا الحديث عن أبي نعيم عن سفيان عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، وسفيان المذكور هو الثوري لا ابن عيينة، وقد تقدمت مباحث الحديث المذكور مستوفاة في أواخر كتاب الحج، وسياقه هناك أتم، والله أعلم‏.‏

*3*باب مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ عِنْدَ النَّاسِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس‏)‏ أي لا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم بل بحيث لا يسمعون كلامهما إذا كان بما يخافت به كالشيء الذي تستحي المرأة من ذكره بين الناس‏.‏

وأخذ المصنف قوله في الترجمة ‏"‏ عند الناس ‏"‏ من قوله في بعض طرق الحديث ‏"‏ فخلا بها في بعض الطرق أو في بعض السكك ‏"‏ وهي الطرق المسلوكة التي لا تنفك عن مرور الناس غالبا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ هِشَامٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَلَا بِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ إِنَّكُنَّ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عن هشام‏)‏ هو ابن زيد بن أنس، وقد تقدم في ‏"‏ فضائل الأبصار ‏"‏ من طريق بهز بن أسد عن شعبة ‏"‏ أخبرني هشام بن زيد ‏"‏ وكذا وقع في رواية مسلم‏.‏

قوله ‏(‏جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ زاد في رواية بهز بن أسد ‏"‏ ومعها صبي لها فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فخلا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي في بعض الطرق، قال المهلب‏:‏ لم يرد أنس أنه خلا بها بحيث غاب عن أبصار من كان معه، وإنما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله ولم ينقل ما دار بينهما لأنه لم يسمعه ا هـ‏.‏

ووقع عند مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ‏"‏ أن امرأة كان في عقلها شيء قالت‏:‏ يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال‏:‏ يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك ‏"‏ وأخرج أبو داود نحو هذا السياق من طريق حميد عن أنس لكن ليس فيه أنه كان في عقلها شيء‏.‏

قوله ‏(‏فقال والله إنكم لأحب الناس إلي‏)‏ زاد في رواية بهز ‏"‏ مرتين ‏"‏ وأخرجه في الأيمان والنذور من طريق وهب بن جرير عن شعبة بلفظ ‏"‏ ثلاث مرات ‏"‏ وفي الحديث منقبة للأنصار، وقد تقدم في فضائل الأنصار توجيه قوله ‏"‏ أنتم أحب الناس إلي‏"‏‏.‏

وقد تقدم فيه حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس مثل هذا اللفظ أيضا في حديث آخر، وفيه سعة حلمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم وصبره على قضاء حوائج الصغير والكبير، وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرا لا يقدح في الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة ‏"‏ وأيكم يملك أربه كما كان صلى الله عليه وسلم يملك أربه‏"‏‏.‏