فصل: باب قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ

أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ غَفُورٌ حَلِيمٌ أَوْ أَكْنَنْتُمْ أَضْمَرْتُمْ وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ وَأَضْمَرْتَهُ فَهُوَ مَكْنُونٌ وَقَالَ لِي طَلْقٌ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ يَقُولُ إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ وَلَوَدِدْتُ أَنَّهُ تَيَسَّرَ لِي امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ وَقَالَ الْقَاسِمُ يَقُولُ إِنَّكِ عَلَيَّ كَرِيمَةٌ وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا أَوْ نَحْوَ هَذَا وَقَالَ عَطَاءٌ يُعَرِّضُ وَلَا يَبُوحُ يَقُولُ إِنَّ لِي حَاجَةً وَأَبْشِرِي وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللَّهِ نَافِقَةٌ وَتَقُولُ هِيَ قَدْ أَسْمَعُ مَا تَقُولُ وَلَا تَعِدُ شَيْئًا وَلَا يُوَاعِدُ وَلِيُّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهَا وَإِنْ وَاعَدَتْ رَجُلًا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ نَكَحَهَا بَعْدُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا وَقَالَ الْحَسَنُ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا الزِّنَا وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب قول الله عز وجل‏:‏ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم، علم الله الآية إلى قوله - غفور حليم‏)‏ كذا للأكثر، وحذف ما بعد ‏"‏ أكننتم ‏"‏ من رواية أبي ذر، ووقع في شرح ابن بطال سياق الآية والتي بعدها إلى قوله ‏"‏ أجله ‏"‏ الآية‏.‏

قال ابن التين‏:‏ تضمنت الآية أربعة أحكام‏:‏ اثنان مباحان التعريض والإكنان، واثنان ممنوعان النكاح في العدة والمواعدة فيها‏.‏

قوله ‏(‏أضمرتم في أنفسكم، وكل شيء صنته وأضمرته فهو مكنون‏)‏ كذا للجميع، وعند أبي ذر بعده إلى آخر الآية‏.‏

والتفسير المذكور لأبي عبيدة‏.‏

قوله ‏(‏وقال لي طلق‏)‏ هو ابن غنام بفتح المعجمة وتشديد النون‏.‏

قوله ‏(‏عن ابن عباس فيما عرضتم‏)‏ أي أنه قال في تفسير هذه الآية‏.‏

قوله ‏(‏يقول إني أريد التزويج إلخ‏)‏ وهو تفسير للتعريض المذكور في الآية، قال الزمخشري‏:‏ التعريض أن يذكر المتكلم شيئا يدل به على شيء لم يذكره‏.‏

وتعقب بأن هذا التعريف لا يخرج المجاز، وأجاب سعد الدين بأنه لم يقصد التعريف، ثم حقق التعريض بأنه ذكر شيء مقصود بلفظ حقيقي أو مجازي أو كنائي ليدل به على شيء آخر لم يذكر في الكلام، مثل أن يذكر المجيء للتسليم ومراده التقاضي، فالسلام مقصوده والتقاضي عرض، أي أميل إليه الكلام عن عرض أي جانب‏.‏

وامتاز عن الكناية فلم يشتمل على جميع أقسامها‏.‏

والحاصل أنهما يجتمعان ويفترقان، فمثل جئت لأسلم عليك كناية وتعريض، ومثل طويل النجاد كناية لا تعريض، ومثل آذيتني فستعرف خطابا لغير المؤذى تعريض بتهديد المؤذى لا كناية انتهى ملخصا‏.‏

وهو تحقيق بالغ‏.‏

قوله ‏(‏ولوددت أنه ييسر‏)‏ بضم التحتانية وفتح أخرى مثلها بعدها وفتح المهملة‏.‏

وفي رواية الكشميهني ‏"‏ يسر ‏"‏ بتحتانية واحدة وكسر المهملة، وهكذا اقتصر المصنف في هذا الباب على حديث ابن عباس الموقوف‏.‏

وفي الباب حديث صحيح مرفوع وهو قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس ‏"‏ إذا حللت فآذنيني ‏"‏ وهو عند مسلم، وفي لفظ ‏"‏ لا تفوتينا بنفسك ‏"‏ أخرجه أبو داود‏.‏

واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم من مات عنها زوجها، واختلفوا في المعتدة من الطلاق البائن، وكذا من وقف نكاحها، وأما الرجعية فقال الشافعي‏:‏ لا يجوز لأحد أن يعرض لها بالخطبة فيها‏.‏

والحاصل أن التسريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات والتعريض مباح للأولى، حرام في الأخيرة، مختلف فيه في البائن‏.‏

قوله ‏(‏وقال القاسم‏)‏ يعني ابن محمد ‏(‏إنك على كريمة‏)‏ أي يقول ذلك، وهو تفسير آخر للتعريض، وكلها أمثلة، ولهذا قال في آخره أو نحو وهذا الأثر وصله مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه كان يقول قول الله عز وجل ‏(‏ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء‏)‏ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها‏:‏ إن إلى آخره‏.‏

وقوله في الأمثلة إني فيك لراغب يدل على أن تصريحه بالرغبة فيها لا يمتنع ولا يكون صريحا في خطبتها حتى يصرح بمتعلق الرغبة كأن يقول‏:‏ إنى في نكاحك لراغب، وقد نص الشافعي على أن ذلك من صور التعريض أعنى ما ذكره القاسم، وأما ما مثلت به فحكى الروياني فيه وجها، وعبر النووي في الروضة بقوله رب راغب فيك، فأوهم أنه لا يصرح بالرغبة مطلقا، وليس كذلك‏.‏

وأخرج البيهقي من طريق مجاهد من صور التصريح‏:‏ لا تسبقيني بنفسك فإني ناكحك، ولو لم يقل فإني ناكحك فهو من صور التعريض لحديث فاطمة بنت قيس كما بينته قريبا‏.‏

وقد ذكر الرافعي من صور التصريح لا تفوتي على نفسك وتعقبوه‏.‏

وروى الدار قطني من طريق عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عمته سكينة قالت‏:‏ استأذن على أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال‏:‏ قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على وموضعي في العرب فقلت‏:‏ غفر الله لك يا أبا جعفر، أنت رجل يؤخذ عنك تخطبني في عدتي‏؟‏ قال‏:‏ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على‏.‏

قوله ‏(‏وقال عطاء يعرض ولا يبوح‏)‏ أي لا يصرح ‏(‏يقول إن لي حاجة وأبشري‏)‏ ‏.‏

قوله ‏(‏نافقة‏)‏ بنون وفاء وقاف أي رائجة بالتحتانية والجيم‏.‏

قوله ‏(‏ولا تعد شيئا‏)‏ بكسر المهملة وتخفيف الدال، وأثر عطاء هذا وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه مفرقا، وأخرجه الطبري من طريق ابن المبارك عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء كيف يقول الخاطب‏؟‏ قال يعرض تعريضا ولا يبوح بشيء، فذكر مثله إلى قوله ولا تعد شيئا‏.‏

قوله ‏(‏وإن واعدت رجلا في عدتها ثم نكحها‏)‏ أي تزوجها ‏(‏بعد‏)‏ أي عند انقضاء العدة ‏(‏لم يفرق بينهما‏)‏ أي لم يقدح ذلك في صحة النكاح وإن وقع الإثم‏.‏

وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عقب أثر عطاء قال‏:‏ وبلغني عن ابن عباس قال خير لك أن تفارقها‏.‏

واختلف فيمن صرح بالخطبة في العدة لكن لم يعقد إلا بعد انقضائها ‏"‏ فقال مالك‏:‏ يفارقها دخل بها أو لم يدخل‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ صح العقد وإن ارتكب النهي بالتصريح المذكور لاختلاف الجهة‏.‏

وقال المهلب‏:‏ علة المنع من التصريح في العدة أن ذلك ذريعة إلى الموافقة في العدة التي هي محبوسة فيها على ماء الميت أو المطلق ا هـ‏.‏

وتعقب بأن هذه العلة تصلح أن تكون لمنع العقد لا لمجرد التصريح، إلا أن يقال التصريح ذريعة إلى العقد والعقد ذريعة إلى الوقاع‏.‏

وقد اختلفوا لو وقع العقد في العدة ودخل فاتفقوا على أنه يفرق بينهما‏.‏

وقال مالك والليث والأوزاعي‏:‏ لا يحل له نكاحها بعد‏.‏

وقال الباقون بل يحل له إذا انقضت العدة أن يتزوجها إذا شاء‏.‏

قوله ‏(‏وقال الحسن لا تواعدوهن سرا الزنا‏)‏ وصله عبد بن حميد من طريق عمران بن حدير عنه بلفظه، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن قال‏:‏ هو الفاحشة‏.‏

قال قتادة قوله ‏"‏ سرا ‏"‏ أي لا تأخذ عهدها في عدتها أن لا تتزوج غيره‏.‏

وأخرجه إسماعيل القاضي في ‏"‏ الأحكام ‏"‏ وقال‏:‏ هذا أحسن من قول من فسره بالزنا، لأن ما قبل الكلام وما بعده لا يدل عليه، ويجوز في اللغة أن يسمى الجماع سرا فلذلك ويجوز إطلاقه على العقد، ولا شك أن المواعدة على ذلك تزيد على التعريض المأذون فيه، واستدل بالآية على أن التعريض في القذف لا يوجب الحد لأن خطة المعتدة حرام، وفرق فيها بين التصريح والتعريض فمنع التصريح وأجيز التعريض، مع أن المقصود مفهوم منهما، فكذلك فرق في إيجاب حد القذف بين التصريح والتعريض‏.‏

واعترض ابن بطال فقال‏:‏ يلزم الشافعية على هذا أن يقولوا بإباحة التعريض بالقذف، وهذا ليس بلازم لأن المراد أن التعريض دون التصريح في الإفهام فلا يلتحق به في إيجاب الحد، لأن للذي يعرض أن يقول لم أرد القذف بخلاف المصرح‏.‏

قوله ‏(‏ويذكر عن ابن عباس حتى يبلغ الكتاب أجله انقضاء العدة‏)‏ وصله الطبري من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى ‏(‏ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله‏)‏ يقول‏:‏ حتى تنقضي العدة

*3*باب النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب النظر إلى المرأة قبل التزويج‏)‏ استنبط البخاري جواز ذلك من حديثي الباب، لكون التصريح الوارد في ذلك ليس على شرطه، وقد ورد ذلك في أحاديث أصحها حديث أبي هريرة ‏"‏ قال رجل إنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنظرت إليها‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا ‏"‏ أخرجه مسلم والنسائي‏.‏

وفي لفظ له صحيح ‏"‏ أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة ‏"‏ فذكره قال الغزالي في ‏"‏ الإحياء ‏"‏‏:‏ اختلف في المراد بقوله شيئا فقيل عمش وقيل صغر‏.‏

قلت‏:‏ الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه فهو المعتمد وهذا الرجل يحتمل أن يكون المغيرة، فقد أخرج الترمذي والنسائي من حديثه أنه ‏"‏ خطب امرأة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ انظر إليها، فإنه أحرى أن يدوم بينكما ‏"‏ وصححه ابن حبان‏.‏

وأخرج أبو داود والحاكم من حديث جابر مرفوعا ‏"‏ إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ‏"‏ وسنده حسن، وله شاهد من حديث محمد بن مسلمة، وصححه ابن حبان والحاكم، وأخرجه أحمد وابن ماجه‏.‏

ومن حديث أبي حميد أخرجه أحمد والبزار‏.‏

ثم ذكر المصنف فيه حديثين‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْتُكِ فِي الْمَنَامِ يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَقَالَ لِي هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ فَإِذَا أَنْتِ هِيَ فَقُلْتُ إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ

الشرح‏:‏

حديث عائشة‏.‏

قوله ‏(‏أريتك‏)‏ بضم الهمزة ‏(‏في المنام‏)‏ زاد في رواية أبي أسامة في أوائل النكاح ‏"‏ مرتين‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏يجيء بك الملك‏)‏ وقع في رواية أبي أسامة ‏"‏ إذا رجل يحملك ‏"‏ فكأن الملك تمثل له حينئذ رجلا‏.‏

ووقع في رواية ابن حبان من طريق أخرى عن عائشة ‏"‏ جاء بي جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏في سرقة من حرير‏)‏ السرقة بفتح المهملة والراء والقاف هي القطعة، ووقع في رواية ابن حبان ‏"‏ في خرقة حرير ‏"‏ وقال الداودي‏:‏ السرقة الثوب، فإن أراد تفسيره هنا فصحيح، وإلا فالسرقة أعم‏.‏

وأغرب المهلب فقال‏:‏ السرقة كالكلة أو كالبرقع‏.‏

وعند الآجري من وجه آخر عن عائشة ‏"‏ لقد نزل جبريل بصورتي في راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني ‏"‏ ويجمع بين هذا وبين ما قبله بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة والخرقة في راحته، ويحتمل أن يكون نزل بالكيفيتين لقولها في نفس الخبر ‏"‏ نزل مرتين ‏"‏ قوله ‏(‏فكشفت عن وجهك الثوب‏)‏ في رواية أبي أسامة ‏"‏ فأكشفها ‏"‏ فعبر بلفظ المضارع استحضارا لصورة الحال‏.‏

قال ابن المنير‏:‏ يحتمل أن يكون رأى منها ما يجوز للخاطب أن يراه، ويكون الضمير في ‏"‏ أكشفها ‏"‏ للسرقة أي أكشفها عن الوجه، وكأنه حمله على ذلك أن رؤيا الأنبياء وحي، وأن عصمتهم في المنام كاليقظة، وسيأتي في اللباس في الكلام على تحريم التصوير ما يتعلق بشيء من هذا‏:‏ وقال أيضا‏:‏ في الاحتجاج بهذا الحديث للترجمة نظر، لأن عائشة كانت إذ ذاك في سن الطفولية فلا عورة فيها البتة، ولكن يستأنس به في الجملة في أن النظر إلى المرأة قبل العقد فيه مصلحة ترجع إلى العقد‏.‏

قوله ‏(‏فإذا أنت هي‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فإذا هي أنت ‏"‏ وكذا تقدم من رواية أبي أسامة‏.‏

قوله ‏(‏يمضه‏)‏ بضم أوله، قال عياض‏:‏ يحتمل أن يكون ذلك قبل البعثة فلا إشكال فيه، وإن كان بعدها ففيه ثلاث احتمالات‏:‏ أحدها التردد هل هي زوجته في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط، ثانيها أنه لفظ شك لا يراد به ظاهره وهو أبلغ في التحقق، ويسمى في البلاغة مزج الشك باليقين، ثالثها وجه التردد هل هي رؤيا وحي على ظاهرها وحقيقتها أو هي رؤيا وحي لها تعبير‏؟‏ وكلا الأمرين جائز في حق الأنبياء‏.‏

قلت‏:‏ الأخير هو المعتمد، وبه جزم السهيلي عن ابن العربي، ثم قال‏:‏ وتفسيره باحتمال غيرها لا أرضاه، والأول يرده أن السياق يقتضي أنها كانت قد وجدت فإن ظاهر قوله ‏"‏ فإذا هي أنت ‏"‏ مشعر بأنه كان قد رآها وعرفها قبل ذلك، والواقع أنها ولدت بعد البعثة‏.‏

ويرد أول الاحتمالات الثلاث رواية ابن حبان في آخر حديث الباب ‏"‏ هي زوجتك في الدنيا والآخرة ‏"‏ والثاني بعيد، والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَالَ انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا قَالَ أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ

الشرح‏:‏

حديث سهل في قصة الواهبة، والشاهد منه للترجمة قوله فيه ‏"‏ فصعد النظر إليها وصوبه ‏"‏ وسيأتي شرحه في ‏"‏ باب التزويج على القرآن وبغير صداق‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ثم طأطأ رأسه‏)‏ وذكر الحديث كله، كذا في رواية أبي ذر عن السرخسي، وساق الباقون الحديث بطوله، قال الجمهور‏:‏ لا بأس أن ينظر الخاطب إلى المخطوبة‏.‏

قالوا‏:‏ ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها‏.‏

وقال الأوزاعي‏:‏ يجتهد وينظر إلى ما يريد منها إلا العورة‏.‏

وقال ابن حزم‏.‏

ينظر إلى ما أقبل وما أدبر منها‏.‏

وعن أحمد ثلاث روايات‏:‏ الأولى كالجمهور، والثانية ينظر إلى ما يظهر غالبا، والثالثة ينظر إليها متجردة وقال الجمهور أيضا‏:‏ يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها‏.‏

وعن مالك رواية يشترط إذنها‏.‏

ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال لأنها حينئذ أجنبية، ورد عليهم بالأحاديث المذكورة

*3*باب مَنْ قَالَ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ فَدَخَلَ فِيهِ الثَّيِّبُ وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ وَقَالَ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَقَالَ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب من قال لا نكاح إلا بولي‏)‏ استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها، لكون الحديث الوارد بلفظ الترجمة على غير شرطه، والمشهور فيه حديث أبي موسى مرفوعا بلفظه أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم، لكن قال الترمذي بعد أن ذكر الاختلاف فيه‏:‏ وأن من جملة من وصله إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه، ومن جملة من أرسله شعبة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة ليس فيه أبو موسى رواية، ومن رواه موصولا أصح لأنهم سمعوه في أوقات مختلفة، وشعبة وسفيان وإن كان أحفظ وأثبت من جميع من رواه عن أبي إسحاق لكنهما سمعاه في وقت واحد‏.‏

ثم ساق من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة قال ‏"‏ سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي‏؟‏ قال نعم ‏"‏ قال‏:‏ وإسرائيل ثبت في أبي إسحاق‏.‏

ثم ساق من طريق ابن مهدى قال‏:‏ ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتي به أتم‏.‏

وأخرج ابن عدي عن عبد الرحمن بن مهدي قال‏:‏ إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة وسفيان‏.‏

وأسند الحاكم من طريق علي بن المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم أنهم صححوا حديث إسرائيل‏.‏

ومن تأمل ما ذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا ذلك إني كونه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل الذي وصله على غيره، وسأشير إلى بقية طرق هذا الحديث بعد ثلاثة أبواب‏.‏

على أن في الاستدلال بهذه الصيغة في منع النكاح بغير ولي نظرا، لأنها تحتاج إلى تقدير‏:‏ فمن قدره نفي الصحة استقام له، ومن قدره نفي الكمال عكر عليه، فيحتاج إلى تأييد الاحتمال الأول بالأدلة المذكورة في الباب وما بعده‏.‏

قوله ‏(‏لقول الله تعالى‏:‏ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن‏)‏ أي لا تمنعوهن‏.‏

وسيأتي في حديث معقل آخر أحاديث الباب بيان سبب نزول هذه الآية، ووجه الاحتجاج منها للترجمة‏.‏

قوله ‏(‏فدخل فيه الثيب وكذلك البكر‏)‏ ثبت هذا في رواية الكشميهني وعليه شرح ابن بطال، وهو ظاهر لعموم لفظ النساء‏.‏

قوله ‏(‏وقال‏:‏ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا‏)‏ ووجه الاحتجاج من الآية والتي بعدها أنه تعالى خاطب بإنكاح الرجال ولم يخاطب به النساء، فكأنه قال‏:‏ لا تنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين‏.‏

قوله ‏(‏وقال وأنكحوا الأيامى منكم‏)‏ والأيامى جمع أيم، وسيأتي القول فيه بعد ثلاثة أبواب‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث‏.‏

الحديث‏:‏

قَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ح و حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمْ الْقَافَةَ ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ

الشرح‏:‏

حديث عائشة ذكره من طريق ابن وهب ومن طريق عنبسة بن خالد جميعا عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري، وقوله ‏"‏وقال، يحيى بن سليمان ‏"‏ هو الجعفي من شيوخ البخاري، وقد ساقه المصنف على لفظ عنبسة‏.‏

وأما لفظ ابن وهب فلم أره من رواية يحيى بن سليمان إلى الآن لكن أخرجه الدار قطني من طريق أصبغ وأبو نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب والإسماعيلي والجوزقي من طريق عثمان بن صالح ثلاثتهم عن ابن وهب‏.‏

قوله ‏(‏على أربعة أنحاء‏)‏ جمع نحو أي ضرب وزنا ومعنى، ويطلق النحو أيضا على الجهة والنوع، وعلى العلم المعروف اصطلاحا‏.‏

قوله ‏(‏أربعة‏)‏ قال الداودي وغيره بقي عليها أنحاء لم تذكرها‏:‏ الأول نكاح الخدن وهو في قوله تعالى ‏(‏ولا متخذات أخدان‏)‏ كانوا يقولون‏:‏ ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم‏.‏

الثاني نكاح المتعة وقد تقدم بيانه‏.‏

الثالث نكاح البدل، وقد أخرج الدار قطني من حديث أبي هريرة ‏"‏ كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل أنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك ‏"‏ ولكن إسناده ضعيف جدا‏.‏

قلت والأول لا يرد لأنها أرادت ذكر بيان نكاح من لا زوج لها أو من أذن لها زوجها في ذلك، والثاني يحتمل أن لا يرد لأن الممنوع منه كونه مقدرا بوقت لا أن عدم الولي فيه شرط وعدم ورود الثالث أظهر من الجميع‏.‏

قوله ‏(‏وليته أو ابنته‏)‏ هو للتنويع لا للشك‏.‏

قوله ‏(‏فيصدقها‏)‏ بضم أوله ‏(‏ثم ينكحها‏)‏ أي يعين صداقها ويسمى مقداره ثم يعقد عليها‏.‏

قوله ‏(‏ونكاح الآخر‏)‏ كذا لأبي ذر بالإضافة أي ونكاح المصنف الآخر، وهو من إضافة الشيء لنفسه على رأي الكوفيين‏.‏

ووقع في رواية الباقين ‏"‏ ونكاح آخر ‏"‏ بالتنوين بغير لام وهو الأشهر في الاستعمال‏.‏

قوله ‏(‏إذا طهرت من طمثها‏)‏ بفتح المهملة وسكون الميم بعدها مثلثة أي حيضها، وكأن السر في ذلك أن يسرع علوقها منه‏.‏

قوله ‏(‏فاستبضعي منه‏)‏ بموحدة بعدها ضاد معجمة أي اطلبي منه المباضعة وهو الجماع‏.‏

ووقع في رواية أصبغ عند الدار قطني استرضعي ‏"‏ براء بدل الموحدة‏.‏

قال راوية محمد بن إسحاق الصغاني‏:‏ الأول هو الصواب يعني بالموحدة، والمعنى اطلبي منه الجماع لتحملي منه، والمباضعة المجامعة مشتقة من البضع وهو الفرج‏.‏

قوله ‏(‏وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد‏)‏ أي اكتسابا من ماء الفحل لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة أو الكرم أو غير ذلك‏.‏

قوله ‏(‏فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع‏)‏ بالنصب والتقدير يسمى وبالرفع أي هو‏.‏

قوله ‏(‏ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة‏)‏ تقدم تفسير الرهط في أوائل الكتاب، ولما كان هذا النكاح يجتمع عليه أكثر من واحد كان لا بد من ضبط العدد الزائد لئلا ينتشر‏.‏

قوله ‏(‏كلهم يصيبها‏)‏ أي يطؤها، والظاهر أن ذلك إنما يكون عن رضا منها وتواطؤ بينهم وبينها‏.‏

قوله ‏(‏ومر ليال‏)‏ كذا لأبي ذر‏.‏

وفي رواية غيره ‏"‏ ومر عليها ليال‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏قد عرفتم‏)‏ كذا للأكثر بصيغة الجمع‏.‏

وفي رواية الكشميهني ‏"‏ عرفت ‏"‏ على خطاب الواحد‏.‏

قوله ‏(‏وقد ولدت‏)‏ بالضم لأنه كلامها‏.‏

قوله ‏(‏فهو ابنك‏)‏ أي إن كان ذكرا، فلو كانت أنثى لقالت هي ابنتك، لكن يحتمل أن يكون لا تفعل ذلك إلا إذا كان ذكرا لما عرف من كراهتهم في البنت، وقد كان منهم من يقتل بنته التي يتحقق أنها بنت فضلا عمن تجيء بهذه الصفة‏.‏

قوله ‏(‏فيلحق به ولدها‏)‏ كذا لأبي ذر، ولغيره ‏"‏ فيلتحق ‏"‏ بزيادة مثناة‏.‏

قوله ‏(‏لا يستطيع أن يمتنع به‏)‏ في رواية الكشميهني منه‏.‏

قوله ‏(‏ونكاح الرابع‏)‏ تقدم توجيهه‏.‏

قوله ‏(‏لا تمنع من جاءها‏)‏ وللأكثر لا تمتنع ممن جاءها‏.‏

قوله ‏(‏وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما‏)‏ بفتح اللام أي علامة‏.‏

وأخرج الفاكهي من طريق ابن أبي مليكة قال ‏"‏ تبرز عمر بأجياد، فدعا بماء، فأتته أم مهزول - وهي من البغايا التسع اللاتي كن في الجاهلية - فقالت‏:‏ هذا ماء ولكنه في إناء لم يدبغ، فقال‏:‏ هلم فإن الله جعل الماء طهورا ‏"‏ ومن طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر ‏"‏ أن امرأة كانت يقال لها أم مهزول تسافح في الجاهلية، فأراد بعض الصحابة أن يتزوجها فنزلت‏:‏ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ‏"‏ ومن طريق مجاهد في هذه الآية قال ‏"‏ هن بغايا، كن في الجاهلية معلومات لهن رايات يعرفن بها ‏"‏ ومن طريق عاصم بن المنذر عن عروة بن الزبير مثله وزاد ‏"‏ كرايات البيطار ‏"‏ وقد ساق هشام بن الكلبي في ‏"‏ كتاب المثالب ‏"‏ أسامي صواحبات الرايات في الجاهلية فسمى منهن أكثر من عشر نسوة مشهورات تركت ذكرهن اختيارا‏.‏

قوله ‏(‏لمن أرادهن‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فمن أرادهن‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏القافة‏)‏ جمع قائف بقاف ثم فاء وهو الذي يعرف شبه الولد بالوالد بالآثار الخفية‏.‏

قوله ‏(‏فالتاطته‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فالتاط ‏"‏ بغير مثناة أي استلحقته به، وأصل اللوط بفتح اللام اللصوق‏.‏

قوله ‏(‏هدم نكاح الجاهلية‏)‏ في رواية الدار قطني ‏"‏ نكاح أهل الجاهلية‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏كله‏)‏ دخل فيه ما ذكرت وما استدرك عليها‏.‏

قوله ‏(‏إلا نكاح الناس اليوم‏)‏ أي الذي بدأت بذكره، وهو أن يخطب الرجل إلى الرجل فيزوجه‏.‏

احتج بهذا على اشتراط الولي، وتعقب بأن عائشة وهي التي روت هذا الحديث كانت تجيز النكاح بغير ولي، كما روى مالك أنها زوجت بنت عبد الرحمن أخيها وهو غائب فلما قدم قال‏:‏ مثلي يفتات عليه في بناته‏؟‏ وأجيب بأنه لم يرد في الخبر التصريح بأنها باشرت العقد، فقد يحتمل أن تكون البنت المذكورة ثيبا ودعت إلى كفء وأبوها غائب فانتقلت الولاية إلا الولي الأبعد أو إلى السلطان‏.‏

وقد صح عن عائشة أنها ‏"‏ أنكحت رجلا من بني أخيها فضربت بينهم بستر ثم تكلمت حتى إذا لم يبق إلا العقد أمرت رجلا فأنكح ثم قالت‏:‏ ليس إلى النساء نكاح ‏"‏ أخرجه عبد الرزاق‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قَالَتْ هَذَا فِي الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ شَرِيكَتَهُ فِي مَالِهِ وَهُوَ أَوْلَى بِهَا فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَنْكِحَهَا فَيَعْضُلَهَا لِمَالِهَا وَلَا يُنْكِحَهَا غَيْرَهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَشْرَكَهُ أَحَدٌ فِي مَالِهَا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا يحيى‏)‏ هو ابن موسى أو ابن جعفر كما بينته في المقدمة، وساق الحديث عن عائشة مختصرا وقد تقدم شرحه في كتاب التفسير‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ ابْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ عُمَرُ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ فَقَالَ سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي فَقَالَ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا قَالَ عُمَرُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ

الشرح‏:‏

حديث ابن عمر ‏"‏ تأيمت حفصة ‏"‏ تقدم شرحه قريبا ووجه الدلالة منه اعتبار الولي في الجملة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ قَالَ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ فَقُلْتُ الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ

الشرح‏:‏

حديث معقل بن يسار‏.‏

قوله ‏(‏حدثنا أحمد بن أبي عمرو‏)‏ وهو النيسابوري قاضيها يكنى أبا علي، واسم أبي عمرو حفص بن عبد الله بن راشد‏.‏

قوله ‏(‏حدثني إبراهيم‏)‏ هو ابن طهمان‏:‏ ويونس هو ابن عبيد، والحسن هو البصري‏.‏

قوله ‏(‏فلا تعضلوهن‏)‏ أي في تفسير هذه الآية‏.‏

ووقع في تفسير الطبري من حديث ابن عباس أنها نزلت في ولي النكاح أن يضار وليته فيمنعها من النكاح‏.‏

قوله ‏(‏حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه‏)‏ هذا صريح في رفع هذا الحديث ووصله، وقد تقدم في تفسير البقرة معلقا لإبراهيم بن طهمان، وموصولا أيضا لعباد بن راشد عن الحسن، وبصورة الإرسال من طريق عبد الوارث بن سعيد عن يونس، وقويت رواية إبراهيم بن طهمان بوصله بمتابعة عباد بن راشد على تصريح الحسن بقوله ‏"‏ حدثني معقل بن يسار‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏زوجت أختا لي‏)‏ اسمها جميل بالجيم مصغر بنت يسار، وقع في تفسير الطبري من طريق ابن جريج وبه جزم ابن ماكولا، وسماها ابن فتحون كذلك لكن بغير تصغير وسيأتي مستنده، وقيل اسمها ليلى حكاه السهيلي في ‏"‏ مبهمات القرآن ‏"‏ وتبعه البدري، وقيل فاطمة وقع ذلك عند ابن إسحاق، ويحتمل التعدد بأن يكون لها اسمان ولقب أو لقبان واسم‏.‏

قوله ‏(‏من رجل‏)‏ قيل هو أبو البداح بن عاصم الأنصاري، هكذا وقع في ‏"‏ أحكام القرآن لإسماعيلي القاضي ‏"‏ من طريق ابن جريج ‏"‏ أخبرني عبد الله بن معقل أن جميل بنت يسار أخت معقل كانت تحت أبي البداح بن عاصم فطلقها فانقضت عدتها‏.‏

فخطبها ‏"‏ وذكر ذلك أبو موسى في ‏"‏ ذيل الصحابة ‏"‏ وذكره أيضا الثعلبي ولفظه ‏"‏ نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل وكانت تحت أبي البداح بن عاصم بن عدي بن العجلان ‏"‏ واستشكله الذهلي بأن البداح تابعي على الصواب، فيحتمل أن يكون صحابيا آخر‏.‏

وجزم بعض المتأخرين بأنه البداح بن عاصم وكنيته أبو عمرو فإن كان محفوظا فهو أخو البداح التابعي‏.‏

ووقع لنا في ‏"‏ كتاب المجاز ‏"‏ للشيخ عز الدين بن عبد السلام أن اسم زوجها عبد الله بن رواحة، ووقع في رواية عباد بن راشد عن الحسن عن البزار والدار قطني ‏"‏ فأتاني ابن عم لي فخطبها مع الخطاب ‏"‏ وفي هذا نظر لأن معقل بن يسار مزني وأبو البداح أنصاري فيحتمل أنه ابن عمه لأمه أو من الرضاعة‏.‏

قوله ‏(‏حتى إذا انقضت عدتها‏)‏ في رواية عباد بن راشد ‏"‏ فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا له رجعة ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها‏.‏

قوله ‏(‏فجاء يخطبها‏)‏ أي من وليها وهو أخوها كما قال أولا ‏"‏ زوجت أختا لي من رجل‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وأفرشتك‏)‏ أي جعلتها لك فراشا، في رواية الثعلبي ‏"‏ وأفرشتك كريمتي وآثرتك بها على قومي‏"‏‏.‏

وهذا مما يبعد أنه ابن عمه‏.‏

قوله ‏(‏لا والله لا تعود إليك أبدا‏)‏ في رواية عباد بن راشد ‏"‏ لا أزوجك أبدا ‏"‏ زاد الثعلبي وحمزة ‏"‏ آنفا ‏"‏ وهو بفتح الهمزة والنون والفاء‏.‏

قوله ‏(‏وكان رجلا لا بأس به‏)‏ في رواية الثعلبي ‏"‏ وكان رجل صدق ‏"‏ قال ابن التين‏:‏ أي كان جيدا‏.‏

وهذا مما غيرته العامة فكنوا به عمن لا خير فيه كذا قال‏.‏

ووقع في رواية مبارك بن فضالة عن الحسن عند أبي مسلم الكجي ‏"‏ قال الحسن علم الله حاجة الرجل إلى امرأته وحاجة المرأة إلى زوجها، فأنزل الله هذه الآية‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فأنزل الله هذه الآية‏:‏ فلا تعضلوهن‏)‏ هذا صريح في نزول هذه الآية في هذه القصة، ولا يمنع ذلك كون ظاهر الخطاب في السياق للأزواج حيث وقع فيها ‏(‏وإذا طلقتم النساء‏)‏ ، لكن قوله في بقيتها ‏(‏أن ينكحن أزواجهن‏)‏ ظاهر في أن العضل يتعلق بالأولياء، وقد تقدم التفسير بيان العضل الذي يتعلق بالأولياء في قوله تعالى ‏(‏لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن‏)‏ فيستدل في كل مكان بما يليق به‏.‏

قوله ‏(‏فقلت الآن أفعل يا رسول الله‏.‏

قال فزوجها إياه‏)‏ أي أعادها إليه بعقد جديد‏.‏

وفي رواية أبي نعيم في المستخرج ‏"‏ فقلت الآن أقبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ وفي رواية أبي مسلم الكجي من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن ‏"‏ فسمع ذلك معقل بن يسار فقال‏:‏ سمعا لربي وطاعة، فدعا زوجها فزوجها إياه ‏"‏ ومن رواية الثعلبي ‏"‏ فإني أومن بالله ‏"‏ فأنكحها إياه وكفر عن يمينه ‏"‏ وفي رواية عباد بن راشد ‏"‏ فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه ‏"‏ قال الثعلبي‏:‏ ثم هذا قول أكثر المفسرين‏.‏

وعن السدي‏:‏ نزلت في جابر بن عبد الله زوج بنت عمه فطلقها زوجها تطليقة وانقضت عدتها ثم أراد تزويجها، وكانت المرأة تريده فأبي جابر، فنزلت، قال ابن بطال‏:‏ اختلفوا في الولي فقال الجمهور ومنهم مالك والثوري والليث والشافعي وغيرهم‏:‏ الأولياء في النكاح هم العصبة، وليس للخال ولا والد الأم ولا الإخوة من الأم ونحو هؤلاء ولاية‏.‏

وعن الحنفية هم من الأولياء، واحتج الأبهري بأن الذي يرث الولاء هم العصبة دون ذوي الأرحام قال‏:‏ فذلك عقدة النكاح‏.‏

واختلفوا فيما إذا مات الأب فأوصى رجلا على أولاده هل يكون أولى من الولي القريب في عقدة النكاح أو مثله أو لا ولاية له‏؟‏ فقال ربيعة وأبو حنيفة ومالك‏:‏ الوصي أولى، واحتج لهم بأن الأب لو جعل ذلك لرجل بعينه في حياته لم يكن لأحد من الأولياء أن يعترض عليه، فكذلك بعد موته‏.‏

وتعقب بأن الولاية انتقلت بالموت فلا يقاس بحال الحياة وقد اختلف العلماء اشتراط الولي في النكاح فذهب الجمهور إلى ذلك وقالوا‏:‏ لا تزوج المرأة نفسها أصلا، واحتجوا بالأحاديث المذكورة، ومن أقواها هذا السبب المذكور في نزول الآية المذكورة، وهي أصرح دليل على اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمره إليه لا يقال إن غيره منعه منه‏.‏

وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، وعن مالك رواية أنها إن كانت غيره شريفة زوجت نفسها‏.‏

وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط الولي أصلا، ويجوز أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤا، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة وخص بهذا القيام عمومها، وهو عمل سائغ في الأصول، وهو جواز تخصيص العموم بالقياس، لكن حديث معقل المذكور رفع هذا القياس، ويدل على اشتراط الولي في النكاح دون غيره ليندفع عن موليته العار باختيار الكفء، وانفصل بعضهم عن هذا الإيراد بالتزامهم اشتراط الولي ولكن لا يمنع ذلك تزويجها نفسها، ويتوقف ذلك إجازة الولي كما قالوا لما في البيع، وهو مذهب الأوزاعي‏.‏

وقال أبو ثور نحوه لكن قال‏:‏ يشترط إذن الولي لها في تزويج نفسها‏.‏

وتعقب بأن إذن الولي لا يصح إلا لمن ينوب عنه والمرأة لا تنوب عنه في ذلك لأن الحق لها، ولو أذن لها في إنكاح نفسها صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها ولا يصح‏.‏

وفي حديث معقل أن الولي إذا عضل لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصر زوج عليه الحاكم، والله أعلم‏.‏

*3*باب إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْخَاطِبَ

وَخَطَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ امْرَأَةً هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ قَدْ زَوَّجْتُكِ وَقَالَ عَطَاءٌ لِيُشْهِدْ أَنِّي قَدْ نَكَحْتُكِ أَوْ لِيَأْمُرْ رَجُلًا مِنْ عَشِيرَتِهَا وَقَالَ سَهْلٌ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب إذا كان الولي‏)‏ أي النكاح ‏(‏هو الخاطب‏)‏ أي هل يزوج نفسه، أو يحتاج إلى ولي آخر‏؟‏ قال ابن المنير‏:‏ ذكر في الترجمة ما يدل على الجواز والمنع معا ليكل الأمر ذلك إلى نظر المجتهد‏.‏

كذا قال، وكأنه أخذه من تركه الجزم بالحكم، لكن الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز، فإن الآثار التي فيها أمر الولي غيره أن يزوجه ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه‏.‏

وقد أورد في الترجمة أثر عطاء الدال على الجواز، وإن كان الأولى عنده أن لا يتولى أحد طرفي العقد‏.‏

وقد اختلف السلف في ذلك، فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة أكثر أصحابه والليث‏:‏ يزوج الولي نفسه، ووافقهم أبو ثور‏.‏

وعن مالك لو قالت الثيب لوليها زوجني بمن رأيت فزوجها من نفسه أو ممن اختار لزمها ذلك ولو لم تعلم عين الزوج‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ يزوجهما السلطان أو ولي آخر مثله أو أقعد منه‏.‏

ووافقه زفر وداود‏.‏

وحجتهم أن الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح منكحا كما لا يبيع من نفسه‏.‏

قوله ‏(‏وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أولى الناس بها فأمر رجلا فزوجه‏)‏ هذا الأثر وصله وكيع في مصنفه والبيهقي من طريقه عن الثوري عن عبد الملك بن عمير ‏"‏ أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة وهو وليها، فجعل أمرها إلى رجل المغيرة أولى منه فزوجه ‏"‏ وأخرجه عبد الرزاق عن الثوري وقال فيه ‏"‏ فأمر أبعد منه فزوجه ‏"‏ وأخرجه سعيد بن منصور من طريق الشعبي ولفظه ‏"‏ إن المغيرة خطب بنت عمه عروة بن مسعود، فأرسل إلى عبد الله بن أبي عقيل فقال‏:‏ زوجنيها، فقال‏:‏ ما كنت لأفعل، أنت أمير البلد وابن عمها، فأرسل المغيرة إلى عثمان بن أبي العاص فزوجها منه ‏"‏ انتهى‏.‏

والمغيرة هو ابن شعبة بن مسعود بن معتب من ولد عوف بن ثقيف فهي بنت عمه لحا‏.‏

وعبد الله بن أبي عقيل هو ابن عمهما معا أيضا لأن جده هو مسعود المذكور‏.‏

وأما عثمان بن أبي العاص فهو وإن كان ثقفيا أيضا لكنه لا يجتمع معهم إلا في جدهم الأعلى ثقيف لأنه من ولد جشم بن ثقيف، فوضح المراد بقوله هو أولى الناس، وعرف اسم الرجل المبهم في الأثر المعلق‏.‏

قوله ‏(‏وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ‏:‏ أتجعلين أمرك إلى‏؟‏ قالت‏:‏ نعم فقال‏:‏ فقد تزوجتك‏)‏ وصله ابن سعد من طريق ابن أبي ذئب ‏"‏ عن سعيد بن خالد أن أم حكيم بنت قارظ قالت لعبد الرحمن بن عوف‏:‏ إنه قد خطبني غير واحد، فزوجني أيهم رأيت‏.‏

قال‏:‏ وتجعلين ذلك إلي‏؟‏ فقالت‏:‏ نعم‏.‏

قال قد تزوجتك ‏"‏ قال ابن أبي ذئب‏:‏ فجاز نكاحه‏.‏

وقد ذكر ابن سعد أم حكيم في النساء اللواتي لم يروين عن النبي صلى الله عليه وسلم وروين عن أزواجه، ولم يزد في التعريف بها على ما في هذا الخبر، وذكرها في تسمية أزواج عبد الرحمن بن عوف ترجمته فنسبها فقال‏:‏ أم حكيم بنت قارظ بن خالد بن عبيد حليف بني زهرة‏.‏

قوله ‏(‏وقال عطاء‏:‏ ليشهد أني قد نكحتك، أو ليأمر رجلا من عشيرتها‏)‏ وصله عبد الرزاق عن ابن جريج قال ‏"‏ قلت لعطاء‏:‏ امرأة خطبها ابن عم لها لا رجل لها غيره، قال‏:‏ فلتشهد أن فلانا حطبها وإني أشهدكم أني قد نكحته، أو لتأمر رجلا من عشيرتها‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وقال سهل‏:‏ قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم أهب لك نفسي، فقال رجل‏:‏ يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها‏)‏ هذا طرف من حديث الواهية، وقد تقدم موصولا في ‏"‏ باب تزويج المعسر ‏"‏ وفي ‏"‏ باب النظر إلى المرأة قبل التزويج ‏"‏ وغيرها، ووصله في الباب بلفظ آخبر، وأقربها إلى لفظ هذا التعليق رواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم بلفظ ‏"‏ إن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي وفيه - فقام رجل من أصحابه فقال‏:‏ أي رسول الله ‏"‏ مثله‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَتْ هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ

الشرح‏:‏

ذكر المصنف حديث عائشة في قوله تعالى ‏(‏ويستفتونك في النساء‏)‏ أورده مختصرا، وقد تقدم شرحه مستوفى في التفسير، ووجه الدلالة منه أن قوله ‏"‏ فرغب عنها أن يتزوجها ‏"‏ أعم من أن يتولى ذلك بنفسه أو يأمر غيره فيزوجه، وبه احتج محمد بن الحسن على الجواز، لأن الله لما عاتب الأولياء في تزويج من كانت من أهل المال والجمال بدون سنتها من الصداق وعاتبهم على ترك تزويج من كانت قليلة المال والجمال دل على أن الولي يصح منه‏.‏

تزويجها من نفسه، إذ لا يعاتب أحد على ترك ما هو حرام عليه، ودل ذلك أيضا على أنه يتزوجها ولو كانت صغيرة لأنه أمر أن يقسط لها في الصداق، ولو كانت بالغا لما منع أن يتزوجها بما تراضيا عليه، فعلم أن المراد من لا أمر لها في نفسها‏.‏

وقد أجيب باحتمال أن يكون المراد بذلك السفيهة فلا أثر لرضاها بدون مهر مثلها كالبكر‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسًا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَخَفَّضَ فِيهَا النَّظَرَ وَرَفَعَهُ فَلَمْ يُرِدْهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَعِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْفَ وَآخُذُ النِّصْفَ قَالَ لَا هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ

الشرح‏:‏

ذكر المصنف حديث سهل بن سعد في الواهبة، وسيأتي شرحه قريبا، ووجه الأخذ منه الإطلاق أيضا، لكن انفصل من منع ذلك بأنه معدود من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن يزوج نفسه وبغير ولي ولا شهود‏.‏

ولا استئذان وبلفظ الهبة كما يأتي تقريره، وقوله فيه ‏"‏ فلم يردها ‏"‏ بسكون الدال من الإرادة، وحكى بعض الشراح تشديد الدال وفتح أوله وهو محتمل

*3*باب إِنْكَاحِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ الصِّغَارَ

لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فَجَعَلَ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ الْبُلُوغِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب إنكاح الرجل ولده الصغار‏)‏ ضبط ولده بضم الواو وسكون اللام على الجمع وهو واضح، وبفتحهما على أنه اسم جنس، وهو أعم من الذكور والإناث‏.‏

قوله ‏(‏لقول الله تعالى‏:‏ واللائي لم يحضن، فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ‏)‏ أي فدل على أن نكاحها قبل البلوغ جائز، وهو استنباط حسن، لكن ليس في الآية تخصيص ذلك بالوالد ولا بالبكر‏.‏

ويمكن أن يقال الأصل في الإيضاع التحريم إلا ما دل عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها وهي دون البلوغ فبقي ما عداه على الأصل، ولهذا السر أورد حديث عائشة، قال المهلب‏:‏ أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقا أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه، ومقابله وتجويز الحسن والنخعي للأب إجبار بنته كبيرة كانت أو صغيرة بكرا كانت أو ثيبا‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في حديث عائشة من هذا الوجه إدراج يظهر من الطريق التي في الباب الذي بعده

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب إنكاح الرجل ولده الصغار‏)‏ ضبط ولده بضم الواو وسكون اللام على الجمع وهو واضح، وبفتحهما على أنه اسم جنس، وهو أعم من الذكور والإناث‏.‏

قوله ‏(‏لقول الله تعالى‏:‏ واللائي لم يحضن، فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ‏)‏ أي فدل على أن نكاحها قبل البلوغ جائز، وهو استنباط حسن، لكن ليس في الآية تخصيص ذلك بالوالد ولا بالبكر‏.‏

ويمكن أن يقال الأصل في الإيضاع التحريم إلا ما دل عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها وهي دون البلوغ فبقي ما عداه على الأصل، ولهذا السر أورد حديث عائشة، قال المهلب‏:‏ أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شبرمة مطلقا أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين كان من خصائصه، ومقابله وتجويز الحسن والنخعي للأب إجبار بنته كبيرة كانت أو صغيرة بكرا كانت أو ثيبا‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في حديث عائشة من هذا الوجه إدراج يظهر من الطريق التي في الباب الذي بعده

*3*باب تَزْوِيجِ الْأَبِ ابْنَتَهُ مِنْ الْإِمَامِ

وَقَالَ عُمَرُ خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ حَفْصَةَ فَأَنْكَحْتُهُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب تزويج الأب ابنته من الإمام‏)‏ في هذه الترجمة إشارة إلى أن الولي الخاص يقدم على الولي العام، وقد اختلف فيه عن المالكية‏.‏

قوله ‏(‏وقال عمر إلخ‏)‏ هو طرف من حديثه الذي تقدم موصولا قريبا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ قَالَ هِشَامٌ وَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ

الشرح‏:‏

ذكر حديث عائشة وقوله فيه ‏"‏ قال هشام ‏"‏ يعني ابن عروة، وهو موصول بالإسناد المذكور‏.‏

وقوله وأنبئت إلخ لم يسم من أنبأه بذلك، ويشبه أن يكون حمله عن امرأته فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء، قال ابن بطال‏:‏ دل حديث الباب على أن الأب أولى في تزويج ابنته من الإمام، وأن السلطان ولى من لا ولي لها، وأن الولي من شروط النكاح‏.‏

قلت‏:‏ ولا دلالة في الحديثين على اشتراط شيء من ذلك، وإنما فيهما وقوع ذلك، ولا يلزم منه منع ما عداه، وإنما يؤخذ ذلك من أدلة أخرى‏.‏

وقال‏:‏ وفيه أن النهي عن إنكاح البكر حتى تستأذن مخصوص بالبالغ حتى يتصور منها الإذن، وأما الصغرة فلا إذن لها، وسيأتي الكلام على ذلك في باب مفرد

*3*باب السُّلْطَانُ وَلِيٌّ

لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب السلطان ولي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ زوجناكها بما معك من القرآن‏)‏ ثم ساق حديث سهل بن سعد في الواهبة من طريق مالك بلفظ ‏"‏ زوجتكها ‏"‏ بالإفراد، وقد وقع في رواية أبي ذر من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ زوجناكها ‏"‏ بنون التعظيم، وقد ورد التصريح بأن السلطان ولي في حديث عائشة المرفوع ‏"‏ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ‏"‏ الحديث، وفيه ‏"‏ والسلطان ولي من لا ولي لها ‏"‏ أخرجه أبو داود والترمذي حسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، لكنه لما لم يكن على شرطه استنبطه من قصه الواهبة‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنِّي وَهَبْتُ مِنْ نَفْسِي فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ قَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا قَالَ مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي فَقَالَ إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ فَالْتَمِسْ شَيْئًا فَقَالَ مَا أَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَلَمْ يَجِدْ فَقَالَ أَمَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُوَرٍ سَمَّاهَا فَقَالَ قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ

الشرح‏:‏

حديث سهل بن سعد في الواهبة من طريق مالك بلفظ ‏"‏ زوجتكها ‏"‏ بالإفراد، وقد وقع في رواية أبي ذر من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ زوجناكها ‏"‏ بنون التعظيم، وقد ورد التصريح بأن السلطان ولي في حديث عائشة المرفوع ‏"‏ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ‏"‏ الحديث، وفيه ‏"‏ والسلطان ولي من لا ولي لها ‏"‏ أخرجه أبو داود والترمذي حسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، لكنه لما لم يكن على شرطه استنبطه من قصه الواهبة‏.‏

وعند الطبراني من حديث ابن عباس رفعه ‏"‏ لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له ‏"‏ وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وفيه مقال، وأخرجه سفيان في جامعه ومن طريقه الطبراني في ‏"‏ الأوسط ‏"‏ بإسناد آخر حسن عن ابن عباس بلفظ ‏"‏ لا نكاح إلا بولي مرشد أو سلطان‏"‏

*3*باب لَا يُنْكِحُ الْأَبُ وَغَيْرُهُ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ إِلَّا بِرِضَاهَا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما‏)‏ في هذه الترجمة أربع صور‏:‏ تزويج الأب البكر، وتزويج الأب الثيب، وتزويج غير الأب البكر، وتزويج غير الأب الثيب‏.‏

وإذا اعتبرت الكبر والصغر زادت الصور، فالثيب البالغ لا يزوجها الأب ولا غيره إلا برضاها اتفاقا إلا من شذ كما تقدم، والبكر الصغيرة يزوجها أبوها اتفاقا إلا من شذ كما تقدم، والثيب غير البالغ اختلف فيها فقال مالك وأبو حنيفة‏:‏ يزوجها أبوها كما يزوج البكر‏.‏

وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد‏:‏ لا يزوجها إذا زالت البكارة بالوطء لا بغيره، والعلة عندهم أن إزالة البكارة تزيل الحياء الذي في البكر، والبكر البالغ يزوجها أبوها وكذا غيره من الأولياء، واختلف في استئمارها والحديث دال على أنه لا إجبار للأب عليها إذا امتنعت، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم‏.‏

وسأذكر مزيد بحث فيه‏.‏

وقد ألحق الشافعي الجد بالأب‏.‏

وقال أبو حنيفة والأوزاعي في الثيب الصغيرة يزوجها كل ولي، فإذا بلغت ثبت الخيار‏.‏

وقال أحمد‏:‏ إذا بلغت تسعا جاز للأولياء غير الأب نكاحها، وكأنه أقام المظنة مقام المئنة، وعن مالك يلتحق بالأب في ذلك وصى الأب دون بقية الأولياء لأنه إقامة مقامه كما تقدمت الإشارة إليه‏.‏

ثم إن الترجمة معقودة لاشتراط رضا المزوجة بكرا كانت أو ثيبا صغيرة كانت أو كبيرة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، لكن تستثنى الصغيرة من حيث المعنى لأنها لا عبارة لها‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ أَنْ تَسْكُتَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا هشام‏)‏ هو الدستوائي، ويحيى هو ابن أبي كثير‏.‏

قوله ‏(‏عن أبي سلمة‏)‏ في رواية مسلم من طريق خالد بن الحارث عن هشام عن يحيى ‏"‏ حدثنا أبو سلمة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏لا تنكح‏)‏ بكسر الحاء للنهي، وبرفعها للخبر وهو أبلغ في المنع، وتقدم تفسير الأيم في ‏"‏ باب عرض الإنسان ابنته ‏"‏ وظاهر هذا الحدث أن الأيم هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في الأيم، ومنه قولهم ‏"‏ الغزو مأيمة ‏"‏ أي يقتل الرجال فتصير النساء أيامى، وقد تطلق على من لا زوج لها أصلا، ونقله عياض عن إبراهيم الحربي وإسماعيل القاضي وغيرهما أنه يطلق على كل من لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة بكرا كانت أو ثيبا، وحكى الماوردي القولين لأهل اللغة‏.‏

وقد وقع في رواية الأوزاعي عن يحيى في هذا الحديث عند ابن المنذر والدارمي والدار قطني ‏"‏ لا تنكح الثيب ‏"‏ ووقع عند ابن المنذر في رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه في هذا الحديث الثيب تشاور‏.‏

قوله ‏(‏حتى تستأمر‏)‏ أصل الاستئمار طلب الأمر، فالمعنى لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها، ويؤخذ من قوله تستأمر أنه لا يعقد إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الولي في حقها، بل فيه إشعار باشتراطه‏.‏

قوله ‏(‏ولا تنكح البكر حتى تستأذن‏)‏ كذا وقع في هذه الرواية التفرقة بين الثيب والبكر، فعبر للثيب بالاستئمار وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدل على تأكيد المشاورة وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرحت بمنعه امتنع اتفاقا والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف الأمر فإنه صريح في القول وإنما جعل السكوت إذنا في حق البكر لأنها قد تستحي أن تفصح‏.‏

قوله ‏(‏قالوا يا رسول الله‏)‏ في رواية عمر بن أبي سلمة ‏"‏ قلنا ‏"‏ وحديث عائشة صريح في أنها هي السائلة عن ذلك‏.‏

قوله ‏(‏كيف إذنها‏)‏ في حديث عائشة ‏"‏ قلت إن البكر تستحي ‏"‏ وستأتي ألفاظه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ قَالَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي قَالَ رِضَاهَا صَمْتُهَا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق‏)‏ أي ابن قرة الهلالي أبو حفص المصري وأصله كوفي سمع من مالك والليث ويحيى بن أيوب وغيرهم، روى عنه القدماء مثل يحيى بن معين وإسحاق الكوسج وأبي عبيد وإبراهيم بن هانئ، وهو من قدماء شيوخ البخاري ولم أر له عنه في الجامع إلا هذا الحديث، وقد وثقه العجلي والدار قطني ومات سننه تسع عشرة ومائتين‏.‏

قوله ‏(‏حدثنا الليث‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ أنبأنا‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏عن أبي عمرو مولى عائشة‏)‏ في رواية ابن جريج ‏"‏ عن ابن أبي مليكة عن ذكوان ‏"‏ وسيأتي في ترك الحيل، ويأتي في الإكراه من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ عن أبي عمرو هو ذكوان‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏أنها قالت‏:‏ يا رسول الله إن البكر تستحي‏)‏ هكذا أورده من طريق الليث مختصرا، ووقع في رواية ابن جريج في ترك الحيل ‏"‏ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ البكر تستأذن، قلت ‏"‏ فذكر مثله‏.‏

وفي الإكراه بلفظ ‏"‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، تستأمر النساء في أبضاعهن‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏

قلت‏:‏ فإن البكر تستأمر فتستحي فتسكت ‏"‏ وفي رواية مسلم من هذا الوجه ‏"‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا‏؟‏ قال‏:‏ نعم تستأمر‏.‏

قلت‏:‏ فإنها تستحي‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏قال رضاها صمتها‏)‏ في رواية ابن جريج ‏"‏ قال سكاتها إذنها ‏"‏ وفي لفظ له ‏"‏ قال إذنها صماتها ‏"‏ وفي رواية مسلم من طريق ابن جريج أيضا ‏"‏ قال فذلك إذنها إذا هي سكتت ‏"‏ ودلت رواية البخاري على أن المراد بالجارية في رواية مسلم البكر دون الثيب‏.‏

وعند مسلم أيضا من حديث ابن عباس والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها ‏"‏ وفي لفظ له ‏"‏ والبكر يستأذنها أبوها في نقسها ‏"‏ قال ابن المنذر‏:‏ يستحب إعلام البكر أن سكوتها إذن، لكن لو قالت بعد العقد ما علمت أن صمتي إذن لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض المالكية‏.‏

وقال ابن شعبان منهم‏:‏ يقال لها ذلك ثلاثا إن رضيت فاسكتي وإن كرهت فانطقي‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ يطال المقام عندها لئلا تخجل فيمنعها ذلك من المسارعة‏.‏

واختلفوا فيما إذا لم تتكلم بل ظهرت منها قرينة السخط أو الرضا بالتبسم مثلا أو البكاء، فعند المالكية إن نفرت أو بكت أو قامت أو ظهر منها ما يدل على الكراهة لم تزوج، وعند الشافعية لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا إن قرنت مع البكاء الصياح ونحوه، وفرق بعضهم بين الدمع فإن كان حارا دل على المنع وإن كان باردا دل على الرضا‏.‏

قال‏:‏ وفي هذا الحديث إشارة إلى أن البكر التي أمر باستئذانها هي البالغ، إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها‏.‏

ونقل ابن عبد البر عن مالك أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها وتفويضها لا يكون رضا منها، بخلاف ما إذا كان بعد تقويضها إلى وليها‏.‏

وخص بعض الشافعية الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجد دون غيرهما، لأنها تستحي منهما أكثر من غيرهما‏.‏

والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء، واختلفوا في الأب يزوج البكر البالغ بغير إذنها فقال الأوزاعي والثوري والحنفية ووافقهم أبو ثور‏:‏ يشترط استئذانها، فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصح‏.‏

وقال الآخرون‏:‏ يجوز للأب أن يزوجها ولو كانت بالغا بغير استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق، ومن حجتهم مفهوم حديث الباب لأنه جعل الثيب أحق بنفسها من وليها، فدل على أن ولي البكر أحق بها منها‏.‏

واحتج بعضهم بحديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعا ‏"‏ تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها ‏"‏ قال فقيد ذلك باليتيمة فيحمل المطلق عليه، وفيه نظر لحديث ابن عباس الذي ذكرته بلفظ ‏"‏ يستأذنها أبوها ‏"‏ فنص على ذكر الأب‏.‏

وأجاب الشافعي بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة النفس، ويؤيده حديث ابن عمر رفعه ‏"‏ وأمروا النساء في بناتهن ‏"‏ أخرجه أبو داود، قال الشافعي‏:‏ لا خلاف أنه ليس للأم أمر، لكنه على معنى استطابة النفس‏.‏

وقال البيهقي‏:‏ زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال الشافعي‏:‏ زادها ابن عيينة في حديثه، وكان ابن عمر والقاسم وسالم يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن؛ قال البيهقي‏:‏ والمحفوظ في حديث ابن عباس ‏"‏ البكر تستأمر ‏"‏ ورواه صالح بن كيسان بلفظ ‏"‏ واليتيمة تستأمر ‏"‏ وكذلك رواه أبو بردة عن أبي موسى ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فدل على أن المراد بالبكر اليتيمة‏.‏

قلت‏.‏

وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائل‏:‏ بل المراد باليتيمة البكر لم يدفع‏.‏

وتستأمر بضم أوله يدخل فيه الأب وغيره فلا تعارض بين الروايات، ويبقى النظر في أن الاستئمار هل هو شرط في صحة العقد أو مستحب على معنى استطابة النفس كما قال الشافعي‏؟‏ كل من الأمرين محتمل، وسيأتي مزيد بحث فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى‏.‏

واستدل به على أن الصغيرة الثيب لا إجبار عليها لعموم كونها أحق بنفسها من وليها، وعلى أن من زالت بكارتها بوطء ولو كان زنا لا إجبار عليها لأب ولا غيره لعموم قوله ‏"‏ الثيب أحق بنفسها ‏"‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ هي كالبكر، وخالفه حتى صاحباه، واحتج له بأن علة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء وهو باق في هذه لأن المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطء لا فيمن اتخذت الزنا ديدنا وعادة وأجيب بأن الحديث نص على أن الحياء يتعلق بالبكر وقابلها بالثيب فدل على أن حكمهما مختلف، وهذه ثيب لغة وشرعا بدليل أنه لو أوصى بعتق كل ثيب في ملكه دخلت إجماعا، وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوع لأنها تستحي من ذكر وقوع الفجور منها، وأما ثبوت الحياء من أصل النكاح فليست فيه كالبكر التي لم تجربه قط، والله أعلم‏.‏

واستدل به لمن قال‏:‏ إن للثيب أن تتزوج بغير ولي، ولكنها لا تزوج نفسها بل تجعل أمرها إلى رجل فيزوجها، حكاه ابن حزم عن داود، وتعقبه بحديث عائشة ‏"‏ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ‏"‏ وهو حديث صحيح كما تقدم، وهو يبين أن معنى قوله ‏"‏ أحق بنفسها من وليها أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها ولا يجبرها، فإذا أرادت أن تتزوج لم يجز لها إلا بإذن وليها واستدل به على أن البكر إذا أعلنت بالمنع لم يجز النكاح، وإلى هذا أشار المصنف في الترجمة، وإن أعلنت بالرضا فيجوز بطريق الأولى، وشذ بعض أهل الظاهر فقال‏:‏ لا يجوز أيضا وقوفا عند ظاهر قوله ‏"‏ وإذنها أن تسكت‏"‏