فصل: باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب قول الله تعالى‏:‏ ‏(‏إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا‏)‏ أورد فيه حديث أبي هريرة في السبع الموبقات وفيه ‏"‏ وأكل مال اليتيم ‏"‏ وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى، وكنت قدمت في الشهادات أنني أشرح هذا الحديث هنا، ثم حصل ذهول فاستدركته في الموضع الذي أعاده فيه المصنف من كتاب الحدود، وذكرت الاختلاف في ضابط الكبيرة وفي عددها في أوائل كتاب الأدب‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ

الشرح‏:‏

حديث أبي هريرة في السبع الموبقات وفيه ‏"‏ وأكل مال اليتيم ‏"‏ وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى، وكنت قدمت في الشهادات أنني أشرح هذا الحديث هنا، ثم حصل ذهول فاستدركته في الموضع الذي أعاده فيه المصنف من كتاب الحدود، وذكرت الاختلاف في ضابط الكبيرة وفي عددها في أوائل كتاب الأدب‏.‏

*3*باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ

وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَأَعْنَتَكُمْ لَأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ وَعَنَتِ خَضَعَتْ

وَقَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ مَا رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةً وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَكَانَ طَاوُسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْيَتَامَى قَرَأَ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَقَالَ عَطَاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ يُنْفِقُ الْوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب يسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم‏)‏ ، إلى آخر الآية‏)‏ كذا لأبي ذر، وساق غيره الآية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لأعنتكم لأحرجكم وضيق‏)‏ هو تفسير ابن عباس أخرجه ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وزاد بعد قوله ضيق عليكم ‏"‏ ولكنه وسع ويسر فقال‏:‏ ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ‏"‏ يقول يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته ما لم يسرف أو يبذر، ثم أخرج من طريق سعيد بن جبير قال في قوله‏:‏ ‏"‏ لأعنتكم ‏"‏‏:‏ لأحرجكم اهـ، وقوله‏:‏ أعنتكم فعل ماض من العنت بفتح المهملة والنون بعدها مثناة والهمزة للتعدية أي أوقعكم في العنت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعنت خضعت‏)‏ كذا وقع هنا، واستغرب لأنه لا تعلق له بقوله‏:‏ ‏(‏أعنتكم‏)‏ بل هو فعل ماض من العنو بضم المهملة والنون وتشديد الواو، وليس هو من العنت في شيء لأن التاء في العنت أصلية وفي عنت للتأنيث ولام الفعل منه واو لكنها ذهبت في الوصل، فلعل المصنف ذكر ذلك هنا استطرادا، وتفسير ‏(‏عنت الوجوه‏)‏ بخضعت أخرجه ابن المنذر أيضا من طريق مجاهد وأخرج من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ قوله وعنت الوجوه أي ذلت ‏"‏ ومن طريق أبي عبيدة قال‏:‏ ‏"‏ عنت استأسرت ‏"‏ لأن العاني هو الأسير فكأن من فسره بخضعت فسره بلازمه لأن من لازم الأسر الذلة والخضوع غالبا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال لنا سليمان بن حرب إلخ‏)‏ هو موصول، وسليمان من شيوخ البخاري، وجرت عادة البخاري الإتيان بهذه الصيغة في الموقوفات غالبا وفي المتابعات نادرا، ولم يصب من قال أنه لا يأتي بها إلا في المذاكرة، وأبعد من قال إن ذلك للإجازة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما رد ابن عمر على أحد وصيته‏)‏ يعني أنه كان يقبل وصية من يوصي إليه، قال ابن التين كأنه كان يبتغي الأجر بذلك لحديث ‏"‏ أنا وكافل اليتيم كهاتين ‏"‏ الحديث اهـ‏.‏

وسيأتي في كتاب الأدب مع الكلام عليه، ومحل كراهة الدخول في الوصايا أن يخشى التهمة أو الضعف عن القيام بحقها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه إلخ‏)‏ لم أقف عليه موصولا عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان طاوس إلخ‏)‏ وصله سفيان بن عيينة في تفسيره عن هشام بن حجير بمهملة ثم جيم مصغر عن طاوس أنه ‏"‏ كان إذا سئل عن مال اليتيم يقرأ‏:‏ ‏(‏ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح‏)‏‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال عطاء إلخ‏)‏ وصله ابن أبي شيبة من رواية عبد الملك بن أبي سليمان عنه ‏"‏ أنه سئل عن الرجل يلي أموال أيتام فيهم الصغير والكبير ومالهم جميع لم يقسم، قال‏:‏ ينفق على كل إنسان منهم من ماله على قدره ‏"‏ وقد روى عبد بن حميد من طريق قتادة قال ‏"‏ لما نزلت‏:‏ ‏(‏ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن‏)‏ كانوا لا يخالطونهم في مطعم ولا غيره، فاشتد عليهم، فأنزل الله الرخصة ‏(‏وإن تخالطوهم فإخوانكم، والله يعلم المفسد من المصلح‏)‏ وروى الثوري في تفسيره عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير ‏"‏ أن سبب نزول الآية المذكورة لما نزلت‏:‏ ‏(‏إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما‏)‏ عزلوا أموالهم عن أموالهم، فنزلت‏:‏ ‏(‏قل إصلاح لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم‏)‏ قال فخلطوا أموالهم بأموالهم ‏"‏ وهذا هو المحفوظ مع إرساله، وقد وصله عطاء بن السائب بذكر ابن عباس فبه أخرجه أبو داود والنسائي واللفظ له وصححه الحاكم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏(‏ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن - وإن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما‏)‏ اجتنب الناس مال اليتيم وطعامه فشق ذلك عليهم، فشكوا إلى النبي ذلك فنزلت ‏(‏ويسألونك عن اليتامى‏)‏ الآية ‏"‏ ورواه النسائي من وجه آخر عن عطاء بن السائب موصولا أيضا وزاد فيه ‏"‏ وأحل لهم خلطهم ‏"‏ وروى عبد بن حميد من طريق السدي عمن حدثه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏ المخالطة أن تشرب من لبنه ويشرب من لبنك وتأكل من قصعته ويأكل من قصعتك ‏(‏والله يعلم المفسد من المصلح‏)‏ من يتعمد أكل مال اليتيم ومن يتجنبه ‏"‏ وقال أبو عبيد المراد بالمخالطة أن يكون اليتيم بين عيال المولى عليه فيشق عليه إفراز طعامه، فيأخذ مق مال اليتيم قدر ما يرى أنه كافيه بالتحري فيخلطه بنفقة عياله، ولما كان ذلك قد تقع فيه الزيادة والنقصان خشوا من ذلك، فوسع الله عليهم، وهو نظير النهد حيث وسع عليهم في خلط الأزواد في الأسفار كما تقدم في الشركة‏.‏

والله أعلم‏.‏

*3*باب اسْتِخْدَامِ الْيَتِيمِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ إِذَا كَانَ صَلَاحًا لَهُ وَنَظَرِ الْأُمِّ وَزَوْجِهَا لِلْيَتِيمِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحا له ونظر الأم أو زوجها لليتيم‏)‏ أورد فيه حديث أنس قال‏:‏ ‏"‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي ‏"‏ الحديث، وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى‏:‏ أما صدره ففي الجهاد، وأما بقيته ففي كتاب الأدب‏.‏

وعبد العزيز المذكور في الإسناد هو ابن صهيب، والإسناد كله بصريون‏.‏

وأبو طلحة كان زوج أم سليم والدة أنس فالحديث مطابق لأحد ركني الترجمة، وأما الركن الذي قبله وهو نظر الأم فكأنه استفيد من كون أبي طلحة لم يفعل ذلك إلا بعد رضا أم سليم، أو أشار إلى ما ورد في بعض طرقه ‏"‏ أن أم سليم هي التي أحضرته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة ‏"‏ وأما أبو طلحة فأحضره إليه لما أراد الخروج إلى غزوة خيبر كما سيأتي ذلك صريحا في ‏"‏ باب من غزا بصبي للخدمة ‏"‏ من كتاب الجهاد، ومن طريق عمرو بن أبي عمرو عن أنس، وقد اختلف في حكم ما ترجم به‏:‏ فعن المالكية للأم وغيرها التصرف في مصالح من في كفالتهم من الأيتام وإن لم يكونوا أوصياء، واستشكل بعضهم جواز ذلك فإنه يفضي إلى أن اليتيم يشتغل بالخدمة عن التأديب وهو ضد المطلوب، وجوابه أن انتزاع الحكم المذكور من هذا الخبر يقتضي التقييد بما ورد في الخبر المستدل به وهو أن يكون عند من يؤدبه وينتفع بتأديبه كما وقع لأنس في الخدمة النبوية فإنه استفاد بالمواظبة عليها من الآداب ما فاق غيره ممن أدبه أبوه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَأَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ قَالَ فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا

الشرح‏:‏

حديث أنس قال‏:‏ ‏"‏ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي ‏"‏ الحديث، وسيأتي الكلام على شرحه مستوفى‏:‏ أما صدره ففي الجهاد، وأما بقيته ففي كتاب الأدب‏.‏

وعبد العزيز المذكور في الإسناد هو ابن صهيب، والإسناد كله بصريون‏.‏

وأبو طلحة كان زوج أم سليم والدة أنس فالحديث مطابق لأحد ركني الترجمة، وأما الركن الذي قبله وهو نظر الأم فكأنه استفيد من كون أبي طلحة لم يفعل ذلك إلا بعد رضا أم سليم، أو أشار إلى ما ورد في بعض طرقه ‏"‏ أن أم سليم هي التي أحضرته إلى النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة ‏"‏ وأما أبو طلحة فأحضره إليه لما أراد الخروج إلى غزوة خيبر كما سيأتي ذلك صريحا في ‏"‏ باب من غزا بصبي للخدمة ‏"‏ من كتاب الجهاد، ومن طريق عمرو بن أبي عمرو عن أنس، وقد اختلف في حكم ما ترجم به‏:‏ فعن المالكية للأم وغيرها التصرف في مصالح من في كفالتهم من الأيتام وإن لم يكونوا أوصياء، واستشكل بعضهم جواز ذلك فإنه يفضي إلى أن اليتيم يشتغل بالخدمة عن التأديب وهو ضد المطلوب، وجوابه أن انتزاع الحكم المذكور من هذا الخبر يقتضي التقييد بما ورد في الخبر المستدل به وهو أن يكون عند من يؤدبه وينتفع بتأديبه كما وقع لأنس في الخدمة النبوية فإنه استفاد بالمواظبة عليها من الآداب ما فاق غيره ممن أدبه أبوه‏.‏

*3*باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحُدُودَ فَهُوَ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة‏)‏ كذا أطلق الجواز وهو محمول على ما إذا كان الموقوف أو المتصدق به مشهورا متميزا بحيث يؤمن أن يلتبس بغيره، وإلا فلا بد من التحديد اتفاقا لكن ذكر الغزالي في فتاويه أن من قال‏:‏ اشهدوا على أن جميع أملاكي وقف على كذا وذكر مصرفها ولم يحدد شيئا منها صارت جميعها وقفا، ولا يضر جهل الشهود بالحدود‏.‏

ويحتمل أن يكون مراد البخاري أن الوقف يصح بالصيغة التي لا تحديد فيها بالنسبة إلى اعتقاد الواقف وإرادته لشيء معين في نفسه، وإنما يعتبر التحديد لأجل الإشهاد عليه ليبين حق الغير والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ فَقَالَ بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ رَايِحٌ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏أكثر الأنصار‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ أكثر أنصاري ‏"‏ أي أكثر كل واحد من الأنصار، والإضافة إلى المفرد النكرة عند إرادة التفضيل سائغ‏.‏

قوله ‏(‏مالا من نخل‏)‏ تقدم في رواية عبد العزيز الماجشون عن إسحاق تسمية حدائق أبي طلحة قريبا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها‏)‏ زاد في رواية عبد العزيز ‏"‏ ويستظل فيها‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بيرحاء‏)‏ تقدم شيء من ضبطها في الزكاة، ومنه عند مسلم ‏"‏ بريحاء ‏"‏ بفتح الموحدة وكسر الراء وتقديمها على التحتانية الساكنة ثم حاء مهملة، ورجح هذا صاحب الفائق وقال‏:‏ هي وزن فعيلاء من البراح وهي الأرض الظاهرة المنكشفة، وعند أبي داود باريحاء وهو بإشباع الموحدة والباقي مثله، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة، فإن أريحاء من الأرض المقدسة، ويحتمل أن كان محفوظا أن تكون سميت باسمها قال عياض‏:‏ رواية المغاربة إعراب الراء والقصر في حاء، وخطأ هذا الصوري‏.‏

وقال الباجي‏:‏ أدركت أهل العلم ومنهم أبو ذر يفتحون الراء في كل حال، زاد الصوري وكذلك الباء أي أوله، وقد قدمت في الزكاة أنه انتهى الخلاف في النطق بها إلى عشرة أوجه، ونقل أبو علي الصدفي عن أبي ذر الهروي أنه جزم أنها مركبة من كلمتين بير كلمة وحاء كلمة ثم صارت كلمة واحدة، واختلف في حاء هل هي اسم رجل أو امرأة أو مكان أضيفت إليه البئر أو هي كلمة زجر لإبل وكأن الإبل كانت ترعى هناك وتزجر بهذه اللفظة فأضيفت البئر إلى اللفظة المذكورة‏.‏

قوله ‏(‏بخ‏)‏ بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وقد تنون مع التثقيل والتخفيف بالكسر والرفع والسكون ويجوز التنوين لغات، ولو كررت فالاختيار أن تنون الأولى وتسكن الثانية، وقد يسكنان جميعا كما قال الشاعر‏:‏ بخ بخ لوالده وللمولود ومعناها تفخيم الأمر والإعجاب به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رابح أو رايح شك ابن مسلمة‏)‏ أي القعنبي أي هل هو بالتحتانية أو بالموحدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أفعل‏)‏ بضم اللام على أنه قول أبي طلحة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقسمها أبو طلحة‏)‏ فيه تعيين أحد الاحتمالين في رواية غيره حيث وقع فيها ‏"‏ أفعل فقسمها ‏"‏ فإنه احتمل الأول واحتمل أن يكون أفعل صيغة أمر وفاعل قسمها النبي صلى الله عليه وسلم، وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية‏.‏

وذكر ابن عبد البر أن إسماعيل القاضي رواه عن القعنبي عن مالك فقال في روايته ‏"‏ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقاربه وبني عمه‏"‏، قال وقوله‏:‏ ‏"‏ في أقاربه ‏"‏ أي أقارب أبي طلحة، قلت‏:‏ ووقع في رواية ثابت عن أنس كما تقدم، وكذا في رواية همام عن إسحاق بن أبي طلحة‏:‏ ‏"‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ضعها في قرابتك، فجعلها حدائق بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب ‏"‏ لفظ إسحاق أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه، وحديث ثابت نحوه، قال ابن عبد البر‏:‏ إضافة القسم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان سائغا شائعا في لسان العرب على معنى أنه الآمر به لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال ‏"‏ فقسمها أبو طلحة‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في أقاربه وبني عمه‏)‏ في رواية ثابت المتقدمة ‏"‏ فجعلها لحسان وأبي ‏"‏ وكذا في رواية همام عن إسحاق كما ترى، وكذا في رواية الأنصاري عن أبيه عن ثمامة، وقد تمسك به من قال‏:‏ أقل من يعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان، وفيه نظر لأنه وقع في رواية الماجشون عن إسحاق المتقدمة ‏"‏ فجعلها أبو طلحة في ذي رحمه وكان منهم حسان وأبي بن كعب ‏"‏ فدل على أنه أعطى غيرهما معهما، ثم رأيت في مرسل أبي بكر بن حزم المتقدم ‏"‏ فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأخيه - أو ابن أخيه - شداد بن أوس ونبيط بن جابر فتقاوموه، فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال إسماعيل‏)‏ أي ابن أبي أويس ‏(‏وعبد الله بن يوسف ويحيى بن يحيى عن مالك‏)‏ أي بهذا الإسناد ‏(‏رايح‏)‏ أي بالتحتانية، وقد وصل حديث إسماعيل في التفسير وحديث عبد الله بن يوسف في الزكاة وحديث يحيى بن يحيى في الوكالة، وقد تقدم توجيه الروايتين في كتاب الزكاة‏.‏

وفي قصة أبي طلحة من الفوائد غير ما تقدم أن منقطع الآخر في الوقف يصرف لأقرب الناس إلى الواقف، وأن الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه‏.‏

واستدل به بعض المالكية على صحة الصدقة المطلقة ثم يعينها المتصدق لمن يريد، واستدل به للجمهور في أن من أوصى أن يفرق ثلث ماله حيث أرى الله الوصي صحت وصيته ويفرقه الوصي في سبيل الخير ولا يأكل منه شيئا ولا يعطي منه وارثا للميت، وخالف في ذلك أبو ثور وفاقا للحنفية في الأول دون الثاني‏.‏

وفيه جواز التصدق من الحي في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به وقال لسعد بن أبي وقاص ‏"‏ الثلث كثير ‏"‏ وفيه تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم، وفيه جواز إضافة حب المال إلى الرجل الفاضل العالم ولا نقص عليه في ذلك وقد أخبر تعالى عن الإنسان ‏(‏إنه لحب الخير لشديد‏)‏ والخير هنا المال اتفاقا، وفيه اتخاذ الحوائط والبساتين ودخول أهل الفضل والعلم فيها والاستظلال بظلها والأكل من ثمرها والراحة والتنزه فيها، وقد يكون ذلك مستحبا يترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها للطاعة، وفيه كسب العقار، وإباحة الشرب من دار الصديق ولو لم يكن حاضرا إذا علم طيب نفسه، وفيه إباحة استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض، وفيه التمسك بالعموم لأن أبا طلحة فهم من قوله تعالى‏:‏ ‏(‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏)‏ تناول ذلك بجميع أفراده، فلم يقف حتى يرد عليه البيان عن شيء بعينه بل بدر إلى إنفاق ما يحبه، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك‏.‏

استدل به لما ذهب إليه مالك من أن الصدقة تصح بالقول من قبل القبض، فإن كانت لمعين استحق المطالبة بقبضها، وإن كانت لجهة عامة خرجت عن ملك القائل وكان للإمام صرفه في سبيل الصدقة، وكل هذا ما إذا لم يظهر مراد المتصدق فإن ظهر اتبع‏.‏

وفيه جواز تولي المتصدق قسم صدقته، وفيه جواز أخذ الغني من صدقة التطوع إذا حصل له بغير مسألة، واستدل به على مشروعية الحبس والوقف خلافا لمن منع ذلك وأبطله، ولا حجة فيه لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة تمليكا وهو ظاهر سياق الماجشون عن إسحاق كما تقدم، وفيه زيادة الصدقة في التطوع على قدر نصاب الزكاة خلافا لمن قيدها به، وفيه فضيلة لأبي طلحة لأن الآية تضمنت الحث على الإنفاق من المحبوب فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب فصوب صلى الله عليه وسلم رأيه وشكر عن ربه فعله، ثم أمره أن يخص بها أهله، وكنى عن رضاه بذلك بقوله‏:‏ ‏"‏ بخ‏"‏‏.‏

وفيه أن الوقف يتم بقول الواقف جعلت هذا وقفا، وتقدم البحث فيه قبل أبواب، وأن الصدقة على الجهة العامة لا تحتاج إلى قبول معين بل للإمام قبولها منه ووضعها فيما يراه كما في قصة أبي طلحة‏.‏

وفيه أنه لا يعتبر في القرابة من يجمعه والواقف أب معين لا رابع ولا غيره، لأن أبيا إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السادس، وأنه لا يجب تقديم القريب على القريب الأبعد، لأن حسانا وأخاه أقرب إلى أبي طلحة من أبي ونبيط، ومع ذلك فقد أشرك معهما أبيا ونبيط بن جابر، وفيه أنه لا يجب الاستيعاب لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيرا فضلا عن عمرو بن مالك الذي يجمع أبا طلحة وأبيا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا

الشرح‏:‏

قوله في حديث ابن عباس ‏(‏أن رجلا‏)‏ هو سعد بن عبادة كما تقدم قريبا‏.‏