فصل: باب فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*2*كِتَاب الْإِكْرَاهِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الإكراه‏)‏ هو إلزام الغير بما لا يريده‏.‏

وشروط الإكراه أربعة‏:‏ الأول أن يكون فاعله قادرا على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزا عن الدفع لو بالفرار‏.‏

الثاني أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك‏.‏

الثالث أن يكون ما هدده به فوريا، فلو قال إن لم تفعل كذا ضربتك

غدا لا يعد مكرها ويستثنى ما إذا ذكر زمنا قريبا جدا أو جرت العادة بأنه لا يخلف الرابع أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره كمن أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع ويقول أنزلت فيتمادى حتى ينزل، وكمن قيل له طلق ثلاثا فطلق واحدة وكذا عكسه، ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق، واختلف في المكره هل يكلف بترك فعل ما أكره عليه أو لا‏؟‏ فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي‏:‏ انعقد الإجماع على أن المكره على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه وأنه يأثم إن قتل من أكره على قتله، وذلك يدل أنه مكلف حالة الإكراه، وكذا وقع في كلام الغزالي وغيره، ومقتضى كلامهم تخصيص الخلاف بما إذا وافق داعية الإكراه داعية الشرع كالإكراه على قتل الكافر وإكراهه على الإسلام، أما ما خالف فيه داعية الإكراه داعية الشرع كالإكراه على القتل فلا خلاف في جواز التكليف به، وإنما جرى الخلاف في تكليف الملجأ وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل كمن ألقي من شاهق وعلقه ثابت فسقط على شخص فقتل فإن لا مندوحة له عن السقوط ولا اختيار له في عدمه وإنما هو آلة محضة، ولا نزاع في أنه غير مكلف إلا ما أشار إليه الآمدي من التفريع على تكليف ما لا يطاق، وقد جرى الخلاف في تكليف الغافل كالنائم والناسي وهو أبعد من الملجأ لأن لا شعور له أصلا وإنما قال الفقهاء بتكليفه على معنى ثبوت الفعل في ذمته أو من جهة ربط الأحكام بالأسباب‏.‏

وقال القفال‏:‏ إنما شرع سجود السهو ووجبت الكفارة على المخطئ لكون الفعل في نفسه متهيئا من حيث هو لا أن الغافل نهى عنه حالة الغفلة إذ لا يمكنه التحفظ عنه، واختلف فيما يهدد به فاتفقوا على القتل وإتلاف العضو والضرب الشديد والحبس الطويل، واختلفوا في يسير الضرب والحبس كيوم أو يومين‏.‏

الحديث‏:‏

*3*وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ

وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَقَالَ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَهِيَ تَقِيَّةٌ وَقَالَ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ عَفُوًّا غَفُورًا وَقَالَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا فَعَذَرَ اللَّهُ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَالْمُكْرَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَضْعَفًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ فَيُطَلِّقُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏وقوله الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان‏)‏ وساق إلى ‏(‏عظيم‏)‏ ‏.‏

وهو وعيد شديد لمن ارتد مختارا، وأما من أكره على ذلك فهو معذور بالآية، لأن الاستثناء من الإثبات نفي فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد، والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر كما جاء من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال ‏"‏ أخذ المشركون عمارا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له‏:‏ كيف تجد قلبك‏؟‏ قال‏:‏ مطمئنا بالإيمان، قال فإن عادوا فعد ‏"‏ وهو مرسل ورجاله ثقات أخرجه الطبري وقبله عبد الرزاق وعنه عبد بن حميد، وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في السند فقال ‏"‏ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه ‏"‏ وهو مرسل أيضا‏.‏

وأخرج الطبري أيضا من طريق عطية العوفي عن ابن عباس نحوه مطولا وفي سنده ضعف‏.‏

وفيه أن المشركين عذبوا عمارا وأباه وأمه وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما مولى أبي حذيفة، فمات ياسر وامرأته في العذاب وصبر الآخرون‏.‏

وفي رواية مجاهد عن ابن عباس عند ابن المنذر أن الصحابة لما هاجروا إلى المدينة أخذ المشركون خبابا وبلالا وعمارا، فأطاعهم عمارا وأبى الآخران فعذبوهما، وأخرجه الفاكهي من مرسل زيد بن أسلم وأن ذلك وقع من عمار عند بيعة الأنصار في العقبة وأن الكفار أخذوا عمارا فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فجحدهم خبره فأرادوا أن يعذبوه فقال هو يكفر بمحمد وبما جاء به فأعجبهم وأطلقوه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وفي سنده ضعف أيضا‏.‏

وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن سيرين ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عمار بن ياسر وهو يبكي فجعل يمسح الدموع عنه ويقول أخذك المشركون فغطوك في الماء حتى قلت لهم كذا، إن عادوا فعد ‏"‏ ورجاله ثقات مع إرساله أيضا وهذه المراسيل تقوى بعضها ببعض، وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مسلم الأعور - وهو ضعيف - عن مجاهد عن ابن عباس قال ‏"‏ عذب المشركون عمارا حتى قال لهم كلاما تقية فاشتد عليه ‏"‏ الحديث وقد أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ‏(‏إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان‏)‏ قال‏:‏ ‏"‏ أخبر الله أن من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله، وأما من أكره بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه فلا حرج عليه، إن شاء الله إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وعلى هذا فالاستثناء مقدم من قوله فعليهم غضب كأنه قيل فعليهم غضب من الله إلا من أكره، لأن الكفر يكون بالقول والفعل من غير اعتقاد وقد يكون باعتقاد فاستثنى الأول وهو المكره‏.‏

قوله ‏(‏وقال إلا أن تتقوا منهم تقاة وهي تقية‏)‏ أخذه من كلام أبي عبيدة قال‏:‏ تقاة وتقية واحد‏.‏

قلت‏:‏ وقد تقدم ذلك في تفسير آل عمران ومعنى الآية‏:‏ لا يتخذ المؤمن الكافر وليا في الباطن ولا في الظاهر إلا للتقية في الظاهر فيجوز أن يواليه إذا خافه ويعاديه باطنا‏.‏

قيل الحكمة في العدول عن الخطاب أن موالاة الكفار لما كانت مستقبحة لم يواجه الله المؤمنين بالخطاب‏.‏

قلت‏:‏ ويظهر لي أن الحكمة فيه إنه لما تقدم الخطاب في قوله ‏(‏لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم‏)‏ كأنهم أخذوا بعمومه حتى أنكروا على من كان له عذر في ذلك فنزلت هذه الآية رخصة في ذلك، وهو كالآيات الصريحة في الزجر عن الكفر بعد الإيمان، ثم رخص فيه لمن أكره على ذلك‏.‏

قوله ‏(‏وقال‏:‏ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ كنا مستضعفين في الأرض - إلى قوله - عفوا غفورا‏)‏ - وقال ‏(‏والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا‏)‏ هكذا في رواية أبي ذر وهو صواب، وإنما أوردته بلفظه لتنبيه على ما وقع من الاختلاف عند الشراح، ووقع في رواية كريمة والأصيلي والقابسي أن الذين توفاهم فساق إلى قوله ‏(‏في الأرض‏)‏ وقال بعدها إلى قوله ‏(‏واجعل لنا من لدنك نصيرا‏)‏ وفيه تغيير، ووقع في رواية النسفي ‏(‏إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم‏)‏ الآيات قال ‏(‏وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله - إلى قوله - نصيرا‏)‏ وهو صواب وإن كانت الآيات الأولى متراخية في السورة عن الآية الأخيرة فليس فيه شيء من التغيير، وإنما صدر بالآيات المتراخية للإشارة إلى ما روي عن مجاهد أنها نزلت في ناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم من المدينة فإنا لا نراكم منا إلا أن هاجرتم، فخرجوا فأدركهم أهلهم بالطريق ففتنوهم حتى كفروا مكرهين، واقتصر ابن بطال على هذا الأخير وعزاه للمفسرين وقال ابن بطال‏:‏ ‏(‏إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم‏)‏ إلى ‏(‏أن يعفو عنهم‏)‏ وقال ‏(‏إلا المستضعفين‏)‏ إلى ‏(‏الظالم أهلها‏)‏ قلت‏:‏ وليس فيه تغيير من التلاوة إلا أن فيه تصرفا فيما ساقه المصنف‏.‏

وقال ابن التين بعد أن تكلم على قصة عمار إلى أن قال ‏(‏ولكن من شرح بالكفر صدرا‏)‏ أي من فتح صدره لقبوله‏.‏

وقوله ‏(‏الذين توفاهم الملائكة‏)‏ إلى قوله ‏(‏واجعل لنا من لدنك نصيرا‏)‏ ليس التلاوة كذلك لأن قوله ‏(‏اجعل لنا من لدنك نصيرا‏)‏ قبل هذا قال‏:‏ ووقع في بعض النسخ إلى قوله ‏(‏غفورا رحيما‏)‏ وفي بعضها ‏(‏فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم‏)‏ وقال ‏(‏إلا المستضعفين من الرجال‏)‏ إلى قوله ‏(‏من لدنك نصيرا‏)‏ وهذا على نسق التنزيل، كذا قال فأخطأ، فالآية التي أخرها نصيرا في أولها ‏(‏والمستضعفين‏)‏ بالواو لا بلفظ ‏"‏ إلا ‏"‏ وما نقله عن بعض النسخ إلى قوله ‏(‏غفورا رحيما‏)‏ محتمل لأن آخر الآية التي أولها ‏(‏إن الذين توفاهم الملائكة‏)‏ قوله ‏(‏وساءت مصيرا‏)‏ وآخر التي بعدها ‏(‏سبيلا‏)‏ وآخر التي بعدها ‏(‏عفوا غفورا‏)‏ وآخر التي بعدها ‏(‏غفورا رحيما‏)‏ فكأنه أراد سياق أربع آيات‏.‏

قوله ‏(‏فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به‏)‏ يعني إلا إذا غلبوا‏.‏

قال والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمره به أي ما يأمره به من له قدرة على إيقاع الشر به، أي لأنه لا يقدر على الامتناع من الترك كما لا يقدر المكره على الامتناع من الفعل فهو في حكم المكره‏.‏

قوله ‏(‏وقال الحسن‏)‏ أي البصري ‏(‏التقية إلى يوم القيامة‏)‏ وصله عبد بن حميد وابن أبي شيبة من رواية عوف الأعرابي ‏"‏ عن الحسن البصري قال التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية ‏"‏ ولفظ عبد بن حميد إلا في قتل النفس التي حرم الله يعني لا يعذر من أكره على قتل غيره لكونه يؤثر نفسه على نفس غيره‏.‏

قلت‏:‏ ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، وأصله وقية بوزن حمزة فعلة من الوقاية‏.‏

وأخرج البيهقي من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال ‏"‏ التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان ولا يبسط يده للقتل‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق ليس بشيء، وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن‏)‏ أما قول ابن عباس فوصله ابن أبي شيبة من طريق عكرمة أنه سئل عن رجل أكرهه اللصوص حتى طلق امرأته فقال‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ ليس بشيء، أي لا يقع عليه الطلاق‏.‏

وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا، وأما قول ابن عمر وابن الزبير فأخرجهما الحميدي في جامعه والبيهقي من طريقه قال ‏"‏ حدثنا سفيان سمعت عمرا يعني ابن دينار حدثني ثابت الأعرج قال‏:‏ تزوجت أم ولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فدعاني ابنه ودعا غلامين له فربطوني وضربوني بالسياط وقال لتطلقها أو لأفعلن وأفعلن فطلقتها، ثم سألت ابن عمر وابن الزبير فلم يرياه شيئا ‏"‏ وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن ثابت الأعرج نحوه‏.‏

وأما قول الشعبي فوصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه قال‏:‏ إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق وإن أكرهه السلطان وقع‏.‏

ونقل عن ابن عيينة توجيهه وهو أن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله‏.‏

وأما قول الحسن فقال سعيد بن منصور ‏"‏ حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا وهذا سند صحيح أبي الحسن ‏"‏ قال ابن بطال تبعا لابن المنذر‏:‏ أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته، إلا محمد بن الحسن فقال‏:‏ إذا أظهر الكفر صار مرتدا وبانت منه امرأته ولو كان في الباطن مسلما‏.‏

قال‏:‏ وهذا قول تغني حكايته عن الرد عليه لمخالفته النصوص‏.‏

وقال قوم‏:‏ محل الرخصة في القول دون الفعل كأن يسجد للصنم أو يقتل مسلما أو يأكل الخنزير أو يزني، وهو قول الأوزاعي وسحنون‏.‏

وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن الحسن أنه لا يجعل التقية في قتل النفس المحرمة‏.‏

وقالت طائفة الإكراه في القول والفعل سواء‏.‏

واختلف في حد الإكراه فأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عمر قال ‏"‏ ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذب ‏"‏ ومن طريق شريح نحوه وزيادة ولفظه ‏"‏ أربع كلهن كره‏:‏ السجن والضرب والوعيد والقيد ‏"‏ وعن ابن مسعود قال ‏"‏ ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به ‏"‏ وهو قول الجمهور، وعند الكوفيين فيه تفصيل، واختلفوا في طلاق المكره فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع، ونقل فيه ابن بطال إجماع الصحابة، وعن الكوفيين يقع ونقل مثله عن الزهري وقتادة وأبي قلابة، وفيه قول ثالث تقدم عن الشعبي‏.‏

قوله ‏(‏وقال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنية‏)‏ هذا طرف من حديث وصله المصنف في كتاب الأيمان بفتح الهمزة ولفظه ‏"‏ الأعمال بالنية ‏"‏ هكذا وقع فيه بدون ‏"‏ إنما ‏"‏ في أوله وإفراد النية، وقد تقدم شرحه مستوفي في أول حديث في الصحيح، ويأتي ما يتعلق بالإكراه في أول ترك الحيل قريبا، وكأن البخاري أشار بإيراده هنا إلى الرد على من فرق في الإكراه بين القول والفعل لأن العمل فعل، وإذا كان لا يعتبر إلا بالنية كما دل عليه الحديث فالمكره لا نية له بل نيته عدم الفعل الذي أكره عليه‏.‏

واحتج بعض المالكية بأن التفصيل يشبه ما نزل في القرآن لأن الذين أكرهوا إنما هو على الكلام فيما بينهم وبين ربهم، فلما لم يكونوا معتقدين له جعل كأنه لم يكن ولم يؤثر لا في بدن ولا مال، بخلاف الفعل فإنه يؤثر في البدن والمال، هذا معنى ما حكاه ابن بطال عن إسماعيل القاضي، وتعقبه ابن المنير بأنهم أكرهوا على النطق بالكفر وعلى مخالطة المشركين ومعاونتهم وترك ما يخالف ذلك‏.‏

والتروك أفعال على الصحيح ولم يؤاخذوا بشيء، من ذلك، واستثنى المعظم قتل النفس فلا يسقط القصاص عن القاتل ولو أكره لأنه آثر نفسه على نفس المقتول ولا يجوز لأحد أن ينجي نفسه من القتل بأن يقتل غيره‏.‏

حديث أبي هريرة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة ‏"‏ تقدم في تفسير سورة النساء من وجه آخر عن أبي سلمة بمثل هذا الحديث وزاد أنها صلاة العشاء، وفي كتاب الصلاة من طريق شعيب عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة ‏"‏ أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ قال أبو هريرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم ‏"‏ فذكر مثل حديث الباب وزاد ‏"‏ وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له ‏"‏ وفي الأدب من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال ‏"‏ لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع قال ‏"‏ فذكره وقد تقدم بيان المستضعفين في سورة النساء والتعريف بالثلاثة المذكورين هنا في تفسر آل عمران وما يتعلق بمشروعية القنوت في النازلة ومحله في كتاب الوتر ولله الحمد‏.‏

وقوله ‏"‏والمستضعفين ‏"‏ هو من ذكر العام بعد الخاص وتعلق الحديث بالإكراه لأنهم كانوا مكرهين على الإقامة مع المشركين لأن المستضعف لا يكون إلا مكرها كما تقدم، ويستفاد منه أن الإكراه على الكفر لو كان كفرا لما دعا لهم وسماهم مؤمنين‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ

الشرح‏:‏

حديث أبي هريرة ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة ‏"‏ تقدم في تفسير سورة النساء من وجه آخر عن أبي سلمة بمثل هذا الحديث وزاد أنها صلاة العشاء، وفي كتاب الصلاة من طريق شعيب عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة ‏"‏ أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة ‏"‏ الحديث وفيه ‏"‏ قال أبو هريرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم ‏"‏ فذكر مثل حديث الباب وزاد ‏"‏ وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له ‏"‏ وفي الأدب من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال ‏"‏ لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع قال ‏"‏ فذكره وقد تقدم بيان المستضعفين في سورة النساء والتعريف بالثلاثة المذكورين هنا في تفسر آل عمران وما يتعلق بمشروعية القنوت في النازلة ومحله في كتاب الوتر ولله الحمد‏.‏

وقوله ‏"‏والمستضعفين ‏"‏ هو من ذكر العام بعد الخاص وتعلق الحديث بالإكراه لأنهم كانوا مكرهين على الإقامة مع المشركين لأن المستضعف لا يكون إلا مكرها كما تقدم، ويستفاد منه أن الإكراه على الكفر لو كان كفرا لما دعا لهم وسماهم مؤمنين‏.‏

*3*باب مَنْ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر‏)‏ تقدمت الإشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله وأن بلالا كان ممن اختار الضرب والهوان على التلفظ بالكفر وكذلك خباب المذكور في هذا الباب ومن ذكر معه وأن والدي عمار ماتا تحت العذاب، ولما لم يكن ذلك على شرط الصحة اكتفى المصنف بما يدل عليه، وذكر فيه ثلاثة أحاديث‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ

الشرح‏:‏

الحديث الأول حديث ‏"‏ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ‏"‏ الحديث وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان في أوائل الصحيح، ووجه أخذ الترجمة منه أنه سوى بين كراهية الكفر وكراهية دخول النار، والقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار فيكون أسهل من الكفر إن اختار الأخذ بالشدة، ذكره ابن بطال وقال أيضا‏:‏ فيه حجة لأصحاب مالك، وتعقبه ابن التين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر، وإنما يكون حجة على من يقول إن التلفظ بالكفر أولى من الصبر على القتل، ونقل عن المهلب أن قوما منعوا من ذلك واحتجوا بقوله تعالى ‏(‏ولا تقتلوا أنفسكم‏)‏ الآية، ولا حجة فيه لأنه قال تلو الآية المذكورة ‏(‏ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما‏)‏ فقيده بذلك، وليس من أهلك نفسه في طاعة الله ظالما ولا معتديا‏.‏

وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد انتهى، وهذا يقدح في نقل ابن التين الاتفاق المذكور وأن ثم من قال بأولوية التلفظ على بذل النفس للقتل، وإن كان قائل ذلك يعمم فليس بشيء، وإن قيده بما لو عرض ما يرجح المفضول كما لو عرض على من إذا تلفظ به نفع متعد ظاهرا فيتجه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ سَمِعْتُ قَيْسًا سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَوْ انْقَضَّ أُحُدٌ مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمَانَ كَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏عباد‏)‏ هو ابن أبي العوام فيما جزم به أبو مسعود، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم، وسعيد بن زيد أي ابن عمرو بن نفيل وهو ابن ابن عم عمر بن الخطاب بن تفيل وقد تقدم حديثه في ‏"‏ باب إسلام سعيد بن زيد ‏"‏ من السيرة النبوية، وهو ظاهر فيما ترجم له لأن سعيدا وزوجته أخت عمر اختارا الهوان على الكفر، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة‏.‏

وقال الكرماني‏:‏ هي مأخوذة من كون عثمان اختار القتل على ما يرضى قاتليه فيكون اختياره القتل على الكفر بطريق الأولى، واسم زوجته فاطمة بنت الخطاب وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة فيما يقال، وقيل سبقتها أم الفضل زوج العباس‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏يحيى‏)‏ هو القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد، وقيس هو ابن أبي حازم أيضا، وخباب بفتح الخاء المعجمة وموحدتين الأولى مشددة بينهما ألف وقد تقدم شرحه مستوفي في ‏"‏ باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين بمكة ‏"‏ من السيرة النبوية، ودخوله في الترجمة من جهة أن طلب خباب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على الكفار دال على أنهم كانوا قد اعتدوا عليهم بالأذى ظلما وعدوانا، قال ابن بطال‏:‏ إنما لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم سؤال خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى ‏(‏ادعوني أستجب لكم‏)‏ وقوله ‏(‏فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا‏)‏ لأنه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها كما جرت به عادة الله تعالى في من اتبع الأنبياء فصيروا على الشدة في ذات الله، ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر، قال‏:‏ فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم انتهى ملخصا‏.‏

وليس في الحديث تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدع لهم بل يحتمل أنه دعا، وإنما قال ‏"‏ قد كان من قبلكم يؤخذ إلخ ‏"‏ تسلية لهم وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث ‏"‏ ولكنكم تستعجلون‏"‏‏.‏

وقوله في الحديث ‏"‏ بالمنشار ‏"‏ بنون ساكنة ثم شين معجمة معروف، وفي نسخة بياء مثناة من تحت بغير همزة بدل النون وهي لغة فيه، وقوله ‏"‏من دون لحمه وعظمه ‏"‏ وللأكثر ‏"‏ ما ‏"‏ بدل ‏"‏ من ‏"‏ وقوله ‏"‏ هو الأمر ‏"‏ أي الإسلام، وتقدم المراد بصنعاء في شرح الحديث، قال ابن بطال‏:‏ أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة، وأما غير الكفر فإن أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلا فالفعل أولى‏.‏

وقال بعض المالكية‏:‏ بل يأثم إن منع من أكل غيرها فإنه يصير كالمضطر على أكل الميتة إذا خاف على نفسه الموت فلم يأكل‏.‏

*3*باب فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ فِي الْحَقِّ وَغَيْرِهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره‏)‏ قال الخطابي‏:‏ استدل أبو عبد الله يعني البخاري بحديث أبي هريرة يعني المذكور في الباب على جواز بيع المكره والحديث ببيع المضطر أشبه، فإن المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشيء شاء أو أبى، واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يلزموا بذلك ولكنهم شحوا على أموالهم فاختاروا بيعها فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزا ولو أكره عليه لم يجز‏.‏

قلت‏:‏ لم يقتصر البخاري في الترجمة على المكره وإنما قال ‏"‏ بيع المكره ونحوه في الحق ‏"‏ فيدخل في ترجمته المضطر، وكأنه أشار إلى الرد على من لا يصحح بيع المضطر، وقوله في آخر كلامه ‏"‏ ولو أكره عليه لم يجز ‏"‏ مردود لأنه إكراه بحق، كذا تعقبه الكرماني وتوجيه كلام الخطابي أنه فرص كلامه في المضطر من حيث هو ولم يرد خصوص قصة اليهود‏.‏

وقال ابن المنير‏:‏ ترجم بالحق وغيره ولم يذكر إلا الشق الأول، ويجاب بأن مراده بالحق الدين وبغيره ما عداه مما يكون بيعه لازما، لأن اليهود أكرهوا على بيع أموالهم لا لدين عليهم وأجاب الكرماني بأن المراد بالحق الجلاء وبقوله وغيره الجنايات، والمراد بقوله الحق الماليات وبقوله غيره الجلاء‏.‏

قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله ‏"‏ وغيره ‏"‏ الدين فيكون من الخاص بعد العام، وإذا صح البيع في الصورة المذكورة وهو سبب غير مالي فالبيع في الدين وهو سبب مالي أولى‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَقَالُوا قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ ذَلِكَ أُرِيدُ ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ فَقَالُوا قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ اعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ

الشرح‏:‏

ذكر حديث أبي هريرة في إخراج اليهود من المدينة، وقد تقدم في الجزية في ‏"‏ باب إخراج اليهود من جزيرة العرب ‏"‏ وبينت فيه أن اليهود المذكورين لم يسموا ولم ينسبوا، وقد أورد مسلم حديث ابن عمر في إجلاء بني النضير ثم عقبه بحديث أبي هريرة فأوهم أن اليهود المذكورين في حديث أبي هريرة هم بنو النضير، وفيه نظر لأن أبا هريرة إنما جاء بعد فتح خيبر وكان فتحها بعد إجلاء بني النضير وبني قينقاع وقيل بني قريظة، وقد تقدمت قصة بني النضير في المغازي قبل قصة بدر وتقدم قول ابن إسحاق أنها كانت بعد بئر معونة، وعلى الحالين فهي قبل مجيء أبي هريرة، وسياق إخراجهم مخالف لسياق هذه القصة فإنهم لم يكونوا داخل المدينة ولا جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا ليستعين بهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية من حلفائهم فأرادوا الغدر به فرجع إلى المدينة وأرسل إليهم يخيرهم بين الإسلام وبين الخروج فأبوا فحاصرهم فرضوا بالجلاء، وفيهم نزل أول سورة الحشر، فيحتمل أن يكون من ذكر في حديث أبي هريرة بقية منهم أو من بني قريظة كانوا سكانا داخل المدينة فاستمروا فيها على حكم أهل الذمة حتى أجلاهم بعد فتح خيبر، ويحتمل أن يكونوا من أهل خيبر لأنها لما فتحت أقر أهلها على أن يزرعوا فيها ويعملوا فيها ببعض ما يخرج منها فاستمروا بها حتى أجلاهم عمر من خيبر كما تقدم بيانه في المغازي، فيحتمل أن يكون هؤلاء طائفة منهم كانوا يسكنون بالمدينة فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى عند موته أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب ففعل ذلك عمر‏.‏

قوله ‏(‏بيت المدراس‏)‏ بكسر الميم وآخره مهملة مفعال من الدرس والمراد به كبير اليهود ونسب البيت إليه لأنه هو الذي كان صاحب دراسة كتبهم أي قراءتها، ووقع في بعض الطرق ‏"‏ حتى إذا أتى المدينة المدارس ‏"‏ ففسره في المطالع بالبيت الذي تقرأ فيه التوراة ووجهه الكرماني بأن إضافة البيت إليه من إضافة العام إلى الخاص مثل شجر أراك‏.‏

وقال في النهاية‏:‏ مفعال غريب في المكان والمعروف أنه من صيغ المبالغة للرجل‏.‏

قلت‏:‏ والصواب أنه على حذف الموصوف والمراد الرجل، وقد وقع في الرواية الماضية في الجزية ‏"‏ حتى جئنا بيت المدارس ‏"‏ بتأخير الراء عن الألف بصيغة المفاعل وهو من يدرس الكتاب ويعلمه غيره، وفي حديث الرجم ‏"‏ فوضع مدارسها الذي يدرسها يده على آية الرجم ‏"‏ وفسر هناك بأنه ابن صوريا، فيحتمل أن يكون هو المراد هنا‏.‏

قوله ‏(‏فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ فنادى‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ذلك أريد‏)‏ أي بقولي أسلموا أي إن اعترفتم أنني بلغتكم سقط عني الحرج‏.‏

قوله ‏(‏اعلموا أن الأرض‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ إنما الأرض ‏"‏ في الموضعين وقوله لله ورسوله قال الداودي لله افتتاح كلام ولرسوله حقيقة لأنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، كذا قال والظاهر ما قال غيره أن المراد أن الحكم لله في ذلك ولرسوله لكونه المبلغ عنه القائم بتنفيذ أوامره‏.‏

قوله ‏(‏أجليكم‏)‏ بضم أوله وسكون الجيم أي أخرجكم وزنه ومعناه‏.‏

قوله ‏(‏لمن وجد‏)‏ كذا هنا بلفظ الفعل الماضي بماله شيئا الباء متعلقة بشيء محذوف أو ضمن وجد معنى نحل فعداه بالباء، أو وجد من الوجدان والباء سببية أي فمن وجد بما له شيئا من المحبة‏.‏

وقال الكرماني‏:‏ الباء هنا للمقابلة فجعل وجد من الوجدان‏.‏