فصل: باب الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفْ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ

كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة‏)‏ أشار إلى قول أبي حنيفة ومن وافقه‏.‏

أن للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق الناس وليس له أن يقضي بعلمه في حقوق الله كالحدود لأنها مبنية على المسامحة، وله في حقوق الناس تفصيل، قال‏:‏ إن كان ما علمه قبل ولايته لم يحكم لأنه بمنزلة ما سمعه من الشهود وهو غير حاكم، بخلاف ما علمه في ولايته‏.‏

وأما قوله ‏"‏ إذا لم يخف الظنون والتهمة ‏"‏ فقيد به قول من أجاز للقاضي أن يقضي بعلمه لأن الذين منعوا ذلك مطلقا اعتلوا بأنه غير معصوم فيجوز أن تلحقه التهمة إذا قضى بعلمه أن يكون حكم لصديقه على عدوه فحسمت المادة فجعل المصنف محل الجواز ما إذا لم يخف الحاكم الظنون والتهمة، وأشار إلى أنه يلزم من المنع من أجل حسم المادة أن يسمع مثلا رجلا طلق امرأته طلاقا بائنا‏.‏

ثم رفعته إليه فأنكر فإذا حلفه فحلف لزم أن يديمه على فرج حرام فيفسق به فلم يكن له بد من أن لا يقبل قوله ويحكم عليه بعلمه، فإن خشي التهمة فله أن يدفعه ويقيم شهادته عليه عند حاكم آخر، وسيأتي مزيد لذلك في ‏"‏ باب الشهادة تكون عند الحاكم ‏"‏ وقال الكرابيسي‏:‏ الذي عندي أن شرط جواز الحكم بالعلم أن يكون الحاكم مشهورا بالصلاح والعفاف والصدق ولم يعرف بكبير زلة ولم يؤخذ عليه خربة بحديث تكون أسباب التقى فيه موجودة وأسباب التهم فيه مفقودة فهذا الذي يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقا‏.‏

قلت‏:‏ وكأن البخاري أخذ ذلك عنه فإنه من مشايخه‏.‏

قوله ‏(‏كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند‏.‏

خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف‏)‏ هذا اللفظ وصله المؤلف في النفقات من طريق هشام بن عروة عن أبيه، وقد ساق القصة في هذا الباب بغير هذا اللفظ من طريق الزهري عن عروة وقوله ‏"‏ وذلك إذا كان أمرا مشهورا ‏"‏ هذا تفسير قول من قال يقضي بعلمه مطلقا، ويحتمل أن يكون المراد بالمشهور الشيء المأمور بأخذه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ ثُمَّ قَالَتْ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ لَهَا لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلخ‏)‏ تقدم في السيرة النبوية في المناقب والكلام عليه، وتقدم شرح ما تضمنه الحديث المذكور في ‏"‏ كتاب النفقات ‏"‏ وفيه بيان استدلال من استدل به على جواز حكم الحاكم بعلمه ورد قول المستدل به على الحكم على الغائب‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ احتج من أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه بحديث الباب فإنه صلى الله عليه وسلم قضى لها بوجوب النفقة لها ولولدها لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة، ومن حيث النظر أن علمه أقوى من الشهادة لأنه يتيقن ما علمه، والشهادة قد تكون كذبا، وحجة من منع قوله حديث أم سلمة ‏"‏ إنما أقضي له بما أسمع ‏"‏ ولم يقل بما أعلم‏.‏

وقال للحضرمي ‏"‏ شاهداك أو يمينه ‏"‏ وفيه ‏"‏ وليس لك إلا ذلك ‏"‏ ولما يخشى من قضاة السوء أن يحكم أحدهم بما شاء ويحيل على علمه احتج من منع مطلقا بالتهمة، واحتج من فصل بأن الذي علمه الحاكم قبل القضاء كان على طريق الشهادة فلو حكم به لحكم بشهادة نفسه فصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره، وأيضا فيكون كالحاكم يشاهد واحد، وقد تقدم له تعليل آخر وأما في حال القضاء ففي حديث أم سلمة ‏"‏ فإنما أقضي له على نحو ما أسمع ‏"‏ ولم يفرق بين سماعه من شاهد أو مدع، وسيأتي تفصيل المذاهب في الحكم بالعلم في ‏"‏ باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء ‏"‏ وقال ابن المنير‏:‏ لم يتعرض ابن بطال المقصود الباب، وذلك أن البخاري احتج لجواز الحكم بالعلم بقصة هند، فكان ينبغي للشارح أن يتعقب ذلك بأن لا دليل فيه لأنه خرج مخرج الفتيا وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة إنهاء المستفتي، فكأنه قال‏:‏ إن ثبت أنه يمنعك حقك جاز لك استيفاؤه مع الإمكان‏.‏

قال‏:‏ وقد أجاب بعضهم بأن الأغلب من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم الحكم والإلزام، فيجب تنزيل لفظه ‏"‏ عليه ‏"‏ لكن يرد عليه أنه صلى الله عليه وسلم ما ذكر في قصة هند أنه يعلم صدقها، بل ظاهر الأمر أنه لم يسمع هذه القصة إلا منها فكيف يصح الاستدلال به على حكم الحاكم بعلمه‏؟‏ ‏.‏

قلت‏:‏ وما ادعى نفيه بعيد، فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالأخذ؛ واطلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون من سواه فلا بد من سبق علم، ويؤيد اطلاعه على حالها من قبل أن تذكر ما ذكرت من المصاهرة، ولأنه قبل قولها إنها زوجة أبي سفيان بغير بينة واكتفي فيه بالعلم، ولأنه لو كانت فتيا لقال مثلا تأخذ، فلما أتي بصيغة الأمر بقوله ‏"‏ خذي ‏"‏ دل على الحكم، وسيأتي لهذا مزيد في ‏"‏ باب القضاء على الغائب ‏"‏ ثم قال ابن المنير أيضا‏:‏ لو كان حكما لاستدعى معرفة المحكوم به، والواقع أن المحكوم به غير معين، كذا قال والله أعلم‏.‏

*3*باب الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ الْمَخْتُومِ وَمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ

وَمَا يَضِيقُ عَلَيْهِمْ وَكِتَابِ الْحَاكِمِ إِلَى عَامِلِهِ وَالْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ كِتَابُ الْحَاكِمِ جَائِزٌ إِلَّا فِي الْحُدُودِ ثُمَّ قَالَ إِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ هَذَا مَالٌ بِزَعْمِهِ وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ فَالْخَطَأُ وَالْعَمْدُ وَاحِدٌ وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَامِلِهِ فِي الْجَارُودِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي جَائِزٌ إِذَا عَرَفَ الْكِتَابَ وَالْخَاتَمَ وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يُجِيزُ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْقَاضِي وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الثَّقَفِيُّ شَهِدْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى قَاضِيَ الْبَصْرَةِ وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْحَسَنَ وَثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وَبِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ وَعَامِرَ بْنَ عَبِيدَةَ وَعَبَّادَ بْنَ مَنْصُورٍ يُجِيزُونَ كُتُبَ الْقُضَاةِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ فَإِنْ قَالَ الَّذِي جِيءَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ إِنَّهُ زُورٌ قِيلَ لَهُ اذْهَبْ فَالْتَمِسْ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحْرِزٍ جِئْتُ بِكِتَابٍ مِنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لِي عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ وَجِئْتُ بِهِ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَجَازَهُ وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ فِيهَا جَوْرًا وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ إِنْ عَرَفْتَهَا فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَلَا تَشْهَدْ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب الشهادة على الخط المختوم‏)‏ كذا للأكثر بمعجمة ثم مثناة‏.‏

وفي رواية الكشميهني ‏"‏ المحكوم ‏"‏ بمهملة ثم كاف أي المحكوم به، وسقطت هذه اللفظة لابن بطال، ومراده هل تصح الشهادة على الخط أي بأنه خط فلان، وقيد بالمختوم لأنه أقرب إلى عدم التزوير على الخط‏.‏

قوله ‏(‏وما يجوز من ذلك وما يضيق عليه‏)‏ يريد أن القول بذلك لا يكون على التعميم إثباتا ونفيا، بل لا يمنع ذلك مطلقا فتضيع الحقوق، ولا يعمل بذلك مطلقا فلا يؤمن فيه التزوير فيكون جائزا بشروط‏.‏

قوله ‏(‏وكتاب الحاكم إلى عامله والقاضي إلى القاضي‏)‏ يشير إلى الرد على من أجاز الشهادة على الخط ولم يجزها في ‏"‏ كتاب القاضي ‏"‏ و ‏"‏ كتاب الحاكم ‏"‏ وسيأتي بيان من قاله والبحث معه فيه‏.‏

قوله ‏(‏وقال بعض الناس‏:‏ كتاب الحاكم جائز إلا في الحدود؛ ثم قال‏:‏ إن كان القتل خطأ فهو جائز لأن هذا مال بزعمه، وإنما صار ما لا بعد أن ثبت القتل‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ حجة البخاري على من قال ذلك من الحنفية واضحة لأنه إذا لم يجز الكتاب بالقتل فلا فرق بين الخطأ والعمد في أول الأمر، وإنما يصير مالا بعد الثبوت عند الحاكم، والعمد أيضا ربما آل إلى المال فاقتضى النظر التسوية‏.‏

قوله ‏(‏وقد كتب عمر إلى عامله في الحدود‏)‏ في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني ‏"‏ في الجارود ‏"‏ بجيم خفيفة وبعد الألف راء مضمومة وهو ابن المعلى ويقال ابن عمرو بن المعلي العبدي، ويقال كان اسمه بشرا والجارود لقبه، وكان الجارود المذكور قد أسلم وصحب ثم رجع إلى البحرين فكان بها، وله قصة مع قدامة بن مظعون عامل عمر على البحرين أخرجها عبد الرزاق من طريق عبد الله بن عامر بن ربيعة قال استعمل عمر قدامة ابن مظعون فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر فقال إن قدامة شرب فسكر فكتب عمر إلى قدامة في ذلك، فذكر القصة بطولها في قدوم قدامة وشهادة الجارود وأبي هريرة عليه، وفي احتجاج قدامة بآية المائدة وفي رد عمر عليه وجلده الحد وسندها صحيح، وقد تقدم في آخر الحدود، ونزول الجارود البصرة بعد ذلك واستشهد في خلافة عمر سنة عشرين‏.‏

قوله ‏(‏وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت‏)‏ وصله أبو بكر الخلال في ‏"‏ كتاب القصاص والديات من طريق عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق عن أبيه قال ‏"‏ كتب إلى عمر بن عبد العزيز كتابا أجاز فيه شهادة رجل على سن كسرت‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وقال إبراهيم‏:‏ كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم‏)‏ وصله ابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عبيدة عن إبراهيم‏.‏

قوله ‏(‏وكان الشعبي يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القاضي‏)‏ وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عيسى ابن أبي عزة قال ‏"‏ كان عامر يعني الشعبي يجيز الكتاب المختوم يجيئه من القاضي ‏"‏ وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن الشعبي قال ‏"‏ لا يشهد ولو عرف الكتاب والخاتم حتى يذكر ‏"‏ ويجمع بينهما بأن الأول إذا كان من القاضي إلى القاضي والثاني، في حق الشاهد‏.‏

قوله ‏(‏ويروي عن ابن عمر نحوه‏)‏ قلت‏:‏ لم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن‏.‏

قوله ‏(‏وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي‏)‏ هو المعروف بالضال بضاد معجمة ولام ثقيلة، سمى بذلك لأنه ضل في طريق مكة، قاله عبد الغني بن سعيد المصري، ووثقه أحمد وابن معين وأبو داود والنسائي، ومات سنة ثمانين ومائة، وكان معمرا أدرك أبا رجاء العطاردي، وقد وصل أثره هذا وكيع في مصنفه عنه‏.‏

قوله ‏(‏شهدت‏)‏ أي حضرت ‏(‏عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة‏)‏ هو الليثي تابعي ثقة، وكان يزيد ابن هبيرة ولاه قضاء البصرة لما ولى إمارتها من قبل يزيد بن عبد الملك بن مروان، ذكر ذلك عمر بن شبة في أخبار البصرة وقال‏:‏ إنه مات وهو على القضاء، وأرخه ابن حبان في الثقات سنة مائة فوهم، وذكر ابن سعد أنه كان قاضيا قبل الحسن ومات في خلافة عمر بن عبد العزيز، والصواب بعد الحسن، وقول عمر بن شبة هو المعتمد وأن ابن هبيرة هو الذي ولاه ومات على القضاء بعد ذلك بعد المائة بسنتين أو ثلاث، ويقال بل عاش إلى خلافة هشام بن عبد الملك فعزله خالد بن عبد الله القسري وولى ثمامة بن عبد الله بن أنس‏.‏

قوله ‏(‏وإياس بن معاوية‏)‏ بكسر الهمزة وتخفيف التحتانية هو المزني المعروف بالذكاء وكان قد ولى قضاء البصرة في خلافة عمر بن عبد العزيز ولاه عدي بن أرطاة عامل عمر عليها بعد امتناعه منه، وله في ذلك أخبار، منها ما ذكره الكرابيسي في ‏"‏ أدب القضاء ‏"‏ قال‏:‏ حدثنا عبيد الله بن عائشة حدثنا عبد الله بن عمر القيسي قال‏:‏ قالوا لإياس لما امتنع من الولاية يا أبا واثلة اختر لنا، قال‏:‏ لا أتقلد ذلك، قيل له لو وجدت رجلا ترضاه أكنت تشير به‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل وترضى له أن يلي إذا كان رضا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قيل له فإنك خيار، رضا، فلم يزالوا به حتى ولى‏.‏

قلت‏:‏ ثم وقع بينهما فركب إياس إلى عمر بن عبد العزيز، فبادر عدي فولى الحسن البصري القضاء، فكتب عمر ينكر على عدي ما ذكره عنه إياس ويوفق صنعه في تولية الحسن القضاء، ذكر ذلك عمر بن شبة، ومات إياس سنة اثنتين وعشرين ومائة، وهو ثقة عند الجميع‏.‏

قوله ‏(‏والحسن‏)‏ هو ابن أبي الحسن البصري الإمام المشهور، وكان ولى قضاء البصرة مدة لطيفة ولاه عدي أميرها لما ذكرنا، ومات الحسن سنة عشر ومائة‏.‏

قوله ‏(‏وثمامة بن عبد الله بن أنس‏)‏ هو الراوي المشهور، وكان تابعيا ثقة، ناب في القضاء بالبصرة عن أبي بردة، ثم ولى قضاء البصرة أيضا في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك ولاه خالد القسري سنة ست ومائة وعزله سنة عشر وقيل سنة تسع، وولى بلال بن أبي بردة، ومات ثمامة بعد ذلك‏.‏

قوله ‏(‏وبلال بن أبي بردة‏)‏ أي ابن أبي موسى الأشعري، وكان صديق خالد بن عبد الله القسري فولاه قضاء البصرة لما ولى إمرتها من قبل هشام بن عبد الملك، وضم إليه الشرطة، فكان أميرا قاضيا، ولم يزل قاضيا إلى أن قتله يوسف بن عمر الثقفي‏.‏

لما ولى الإمرة بعد خالد، وعذب خالدا وعماله ومنهم بلال، وذلك في سنة عشرين ومائة، ويقال إنه مات في حبس يوسف، وقد أخرج له الترمذي حديثا واحدا، ولم يكن محمودا في أحكامه، ويقال إنه كان يقول أن الرجلين ليختصمان إلي فأجد أحدهما أخف على قلبي فاقضي له، ذكر ذلك أبو العباس المبرد في الكامل‏.‏

قوله ‏(‏وعبد الله بن بريدة الأسلمي‏)‏ هو التابعي المشهور، وكان ولى قضاء مرو بعد أخيه سليمان سنة خمس عشرة ومائة إلى أن مات وهو على قضائها سنة خمس عشرة ومائة، وذلك في ولاية أسد بن عبد الله القسري على خراسان وهو أخو خالد القسري، وحديث عبد الله بن بريدة بن الخصيب هذا في الكتب الستة‏.‏

قوله ‏(‏وعامر بن عبدة‏)‏ هو بفتح الموحدة وقيل بسكونها ذكره ابن ماكولا بالوجهين، وقيل فيه أيضا عبيدة بكسر الموحدة وزيادة ياء، وجميع من في البخاري بالسكون إلا بجالة بن عبدة المقدم ذكره في ‏"‏ كتاب الجزية ‏"‏ فإنه بالتحريك، وعامر هو البجلي أبو إياس الكوفي ووثقه ابن معين وغيره، وهو من قدماء التابعين له رواية عن ابن مسعود، وروي عنه المسيب بن رافع وأبو إسحاق، وحديثه عند النسائي، وكان ولي القضاء بالكوفة مرة وعمر‏.‏

قوله ‏(‏وعباد بن منصور‏)‏ أي الناجي بالنون والجيم يكني أبا سلمة بصري، قال أبو داود‏:‏ ولي قضاء البصرة خمس مرات ‏"‏ وذكر عمر بن شبة أنه أول ما ولى سنة سبع وعشرين ولاه يزيد بن عمر بن هبيرة ‏"‏ فلما غزل وولى مسلم بن قتيبة عزله وولى معاوية بن عمرو، ثم استعفى فأعفاه مسلم، وأعاد عباد بن منصور، وكان عباد يرمي بالقدر ويدلس فضعفوه بسبب ذلك، ويقال إنه تغير، وحديثه في السنن الأربعة، وعلق له البخاري شيئا، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة‏.‏

قوله ‏(‏يجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود إلخ‏)‏ يعني قوله ‏"‏ فالتمس المخرج ‏"‏ وهو بفتح الميم وسكون المعجمة وآخره جيم أطلب الخروج من عهدة ذلك إما بالقدح في البينة بما يقبل فتبطل الشهادة، وإما بما يدل على البراءة من المشهود به‏.‏

قوله ‏(‏وأول من سأل علي ‏"‏ كتاب القاضي ‏"‏ البينة ابن أبي ليلى‏)‏ هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة وإمامها، وليها في زمن يوسف بن عمر الثقفي في خلافة الوليد بن يزيد ومات سنة ثمان وأربعين ومائة وهو صدوق، اتفقوا على ضعف حديثه من قبل سوء حفظه‏.‏

وقال الساجي‏:‏ كان يمدح في قضائه، فإما في الحديث فليس بحجة‏.‏

وقال أحمد‏:‏ فقه ابن أبي ليلى أحب إلي من حديثه، وحديثه في السنن الأربعة، وأغفل المزي أن يعلم له في ‏"‏ التهذيب ‏"‏ علامة تعليق البخاري، كما أغفل أن يترجم لسوار بن عبد الله المذكور بعده أصلا مع أنه أعلم لكل من ذكره معاوية بن عبد الكريم هنا ممن لم يخرج له شيئا موصولا‏.‏

قوله ‏(‏وسوار بن عبد الله‏)‏ بفتح المهملة وتشديد الواو وهو العنبري نسبة إلى بني العنبر من بني تميم، قال ابن حبان في الثقات‏:‏ كان فقيها‏:‏ ولاه المنصور قضاء البصرة سنة ثمان وثلاثين ومائة فبقى على قضائها إلى أن مات في ذي القعدة سنة ست وخمسين، وحفيده سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله ولي قضاء الرصافة ببغداد والجانب الشرقي، وحديثه في السنن الثلاثة، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين‏.‏

قوله ‏(‏وقال لنا أبو نعيم‏)‏ هو الفضل بن دكين‏.‏

قوله ‏(‏حدثنا عبيد الله‏)‏ بالتصغير ‏(‏ابن محرز‏)‏ بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي هو كوفي، ما رأيت له راويا غير أبي نعيم، وما له في البخاري سوى هذا الأثر، ولم يزد المزي في ترجمته على ما تضمنه هذا الأثر‏.‏

قوله ‏(‏جئت بكتاب من موسى بن أنس قاضي البصرة‏)‏ أي ابن مالك التابعي المشهور، وكان ولي قضاء البصرة في ولاية الحكم بن أيوب الثقفي، وهو ثقة حديثه في الكتب الستة‏.‏

وقال ابن حبان في الثقات‏:‏ مات بعد أخيه النضر بالبصرة، وكانت وفاة النضر قبل وفاة الحسن البصري سنة ثمان أو تسع ومائة‏.‏

قوله ‏(‏فجئت به القاسم بن عبد الرحمن‏)‏ أي ابن عبد الله بن مسعود المسعودي يكنى أبا عبد الرحمن‏.‏

وقال العجلي‏:‏ ثقة وكان على قضاء الكوفة زمن عمر بن عبد العزيز، ‏"‏ وكان لا يأخذ على القضاء أجرا، وكان ثقة صالحا ‏"‏ وهو تابعي‏.‏

قال ابن المديني‏:‏ لم يلق من الصحابة إلا جابر بن سمرة، ويقال إنه مات سنة ست عشرة ومائة‏.‏

قوله ‏(‏فأجازه‏)‏ بجيم وزاي أي أمضاه وعمل به‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع في المغني لابن قدامة‏:‏ يشترط في قول أئمة الفتوى أن يشهد ‏"‏ بكتاب القاضي إلى القاضي ‏"‏ شاهدان عدلان ولا تكفي معرفة خط القاضي وختمه، وحكى عن الحسن وسوار والحسن العنبري أنهم قالوا‏:‏ إذا كان يعرف خطه وختمه قبله، وهو قول أبي ثور‏.‏

قلت‏:‏ وهو خلاف ما نقله البخاري عن سوار أنه أول من سأل البينة، وينضم إلى من ذكرهم ابن قدامة سائر من ذكرهم البخاري من قضاة الأمصار من التابعين فمن بعدهم‏.‏

قوله ‏(‏وكره الحسن‏)‏ هو البصري، وأبو قلابة هو الجرمي بفتح الجيم وسكون الراء‏.‏

قوله ‏(‏أن يشهد‏)‏ بفتح أوله والفاعل محذوف أي الشاهد‏.‏

قوله ‏(‏على وصية حتى يعلم ما فيها‏)‏ أما أثر الحسن فوصله الدارمي من رواية هشام بن حسان عنه قال‏:‏ لا تشهد على وصية حتى تقرأ عليك، ولا تشهد على من لا تعرف، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق يونس بن عبيد عن الحسن نحوه‏.‏

وأما أثر أبي قلابة فوصله ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان جميعا من طريق حماد بن زيد عن أيوب قال‏:‏ قال أبو قلابة في الرجل يقول اشهدوا على ما في هذه الصحيفة، قال‏:‏ لا حتى يعلم ما فيها زاد يعقوب وقال‏:‏ لعل فيها جورا‏.‏

وفي هذه الزيادة بيان السبب في المنع المذكور‏.‏

وقد وافق الداودي من المالكية هذا القول فقال‏:‏ هذا هو الصواب أنه لا يشهد على وصية حتى يعرف ما فيها‏.‏

وتعقبه ابن التين بأنها إذا كان فيها جور لم يمنع التحمل، لأن الحاكم قادر على رده إذا أوجب حكم الشرع رده، وما عداه يعمل به فليس خشية الجور فيها مانعا من التحمل، وإنما المانع الجهل بما يشهد به‏.‏

قال‏:‏ ووجه الجور أن كثيرا من الناس يرغب في إخفاء أمره لاحتمال أن لا يموت فيحتاط بالإشهاد ويكون حاله مستمرا على الإخفاء‏.‏

قوله ‏(‏وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل خيبر إلخ‏)‏ هذا طرف من حديث سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة وقتل عبد الله بن سهل بخيبر؛ وقد تقدم شرحه مستوفى في الديات في ‏"‏ باب القسامة ‏"‏ ويأتي بهذا اللفظ في ‏"‏ باب كتابة الحاكم إلى عماله ‏"‏ بعد أحد وعشرين بابا‏.‏

قوله ‏(‏وقال الزهري في الشهادة على المرأة من الستر‏)‏ أي من ورائه‏.‏

قوله ‏(‏إن عرفتها فاشهد‏)‏ وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق جعفر بن برقان عن الزهري بنحوه، ومقتضاه أنه لا يشترط أن يراها حالة الإشهاد بل يكفي أن يعرفها بأي طريق فرض، وفي ذلك خلاف أشير إليه في ‏"‏ كتاب الشهادات‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قَالُوا إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِهِ وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم‏)‏ كان ذلك في سنة ست كما تقدم بيانه في شرح حديث أبي سفيان الطويل المذكور في بدء الوحي‏.‏

قوله ‏(‏قالوا إنهم لا يقرءون كتابا إلا مختوما‏)‏ لم أعرف اسم القائل بعينه‏.‏

قوله ‏(‏فاتخذ خاتما إلخ‏)‏ تقدم شرحه مستوفى في أواخر اللباس، وجملة ما تضمنته هذه الترجمة بآثارها ثلاثة أحكام‏:‏ الشهادة على الخط، ‏"‏ وكتاب القاضي إلى القاضي ‏"‏ والشهادة على الإقرار بما في الكتاب‏.‏

وظاهر صنيع البخاري جواز جميع ذلك، فأما الحكم الأول فقال ابن بطال‏:‏ اتفق العلماء على أن الشهادة لا تجوز للشاهد إذا رأى خطه إلا إذا تذكر تلك الشهادة، فإن كان لا يحفظها فلا يشهد، فإنه من شاء انتقش خاتما ومن شاء كتب كتابا، وقد فعل مثله في أيام عثمان في قصة مذكورة في سبب قتله، وقد قال الله تعالى ‏(‏إلا من شهد بالحق وهم يعلمون‏)‏ وأجاز مالك الشهادة على الخط، ونقل ابن شعبان عن ابن وهب أنه قال‏:‏ لا آخذ بقول مالك في ذلك‏.‏

وقال الطحاوي‏:‏ خالف مالكا جميع الفقهاء في ذلك وعدوا قوله في ذلك شذوذا، لأن الخط قد يشبه الخط، وليست شهادة على قول منه ولا معاينة‏.‏

وقال محمد بن الحارث‏:‏ الشهادة على الخط خطأ، فقد قال مالك في رجل قال‏:‏ سمعت فلانا يقول رأيت فلانا قتل فلانا أو طلق امرأته أو قذف‏:‏ لا يشهد على شهادته إلا أن أشهده‏.‏

قال‏:‏ فالخط أبعد من هذا وأضعف، قال‏:‏ والشهادة على الخط في الحقيقة استشهاد الموتى‏.‏

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم‏:‏ لا يقضي في دهرنا بالشهادة على الخط، لأن الناس قد أحدثوا ضروبا من الفجور‏.‏

وقد قال مالك‏:‏ يحدث للناس أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور‏.‏

وقد كان الناس فيما مضى يجيزون الشهادة على خاتم القاضي ثم رأى مالك أن ذلك لا يجوز فهذه أقوال الجماعة من أئمة المالكية توافق الجمهور‏.‏

وقال أبو علي الكرابيسي في ‏"‏ كتاب أدب القضاء ‏"‏ له أجاز الشهادة على الخط قوم لا نظر لهم، فإن الكتاب يشبهون الخط بالخط حتى يشكل ذلك على أعلمهم انتهى، وإذا كان هذا في ذلك العصر فكيف بمن جاء بعدهم وهم أكثر مسارعة إلى الشر ممن مضى وأدق نظرا فيه وأكثر هجوما عليه، وأما الحكم الثاني فقال ابن بطال‏:‏ اختلفوا في ‏"‏ كتب القضاة ‏"‏ فذهب الجمهور إلى الجواز، واستثنى الحنفية الحدود، وهو قول الشافعي، والذي احتج به البخاري على الحنفية قوي لأنه لم يصر مالا إلا بعد ثبوت القتل قال‏:‏ وما ذكره عن القضاة من التابعين من إجازة ذلك حجتهم فيه ظاهرة من الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى الملوك ولم ينقل أنه أشهد أحدا على كتابه‏.‏

قال‏:‏ ثم أجمع فقهاء الأمصار على ما ذهب إليه سوار وابن أبي ليلى من اشتراط الشهود لما دخل الناس من الفساد فاحتيط للدماء والأموال‏.‏

وقد روى عبد الله بن نافع عن مالك قال‏:‏ كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتيم حتى أن القاضي ليكتب للرجل الكتاب، فما يزيد على ختمه فيعمل به‏.‏

حتى اتهموا فصار لا يقبل إلا بشاهدين‏.‏

وأما الحكم الثالث فقال ابن بطال‏:‏ اختلفوا إذا أشهد القاضي شاهدين على ما كتبه ولم يقرأه عليهما ولا عرفهما بما فيه، فقال مالك‏:‏ يجوز ذلك‏.‏

وقال أبو حنيفة والشافعي‏:‏ لا يجوز لقوله تعالى ‏(‏وما شهدنا إلا بما علمنا‏)‏ قال‏:‏ وحجة مالك أن الحاكم إذا أقر أنه كتابه فالغرض من الشهادة عليه أن يعلم القاضي المكتوب إليه أن هذا ‏"‏ كتاب القاضي ‏"‏ إليه، وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يجب أن يعلمه كل أحد كالوصية إذا ذكر الموصي ما فرط فيه مثلا‏.‏

قال‏:‏ وقد أجاز مالك أيضا أن يشهدا على الوصية المختومة وعلى الكتاب المطوي، ويقولان للحاكم نشهد على إقراره بما في هذا الكتاب، والحجة في ذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عماله من غير أن يقرأها على من حملها؛ وهي مشتملة على الأحكام والسنن‏.‏

وقال الطحاوي‏:‏ يستفاد من حديث أنس أن الكتاب إذا لم يكن مختوما فالحجة بما فيه قائمة لكونه صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب إليهم، وإنما اتخذ الخاتم لقولهم إنهم لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختوما، فدل على أن ‏"‏ كتاب القاضي ‏"‏ حجة مختوما كان أو غير مختوم‏.‏

واختلف في الحكم بالخط المجرد كأن يرى القاضي خطه بالحكم فيطلب منه المحكوم له العمل به، فالأكثر ليس له أن يحكم حتى يتذكر الواقعة كما في الشاهد وهو قول الشافعي؛ وقيل‏:‏ إن كان المكتوب في حرز الحاكم أو الشاهد منذ حكم فيه أو تحمل إلى أن طلب منه الحكم أو الشهادة جاز ولو لم يتذكر وإلا فلا، وقيل‏:‏ إذا تيقن أنه خطه ساغ له الحكم والشهادة وإن لم يتذكر، والأوسط أعدل المذاهب وهو قول أبي يوسف ومحمد ورواية عن أحمد رجحها كثير من أتباعه، والأول قول مالك ورواية عن أحمد‏.‏

قال ابن المنير‏:‏ لم يتعرض الشارح لمقصود الباب لأن البخاري استدل على الخط بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الروم ولقائل أن يقول‏:‏ إن مضمون ‏"‏ الكتاب ‏"‏ دعاؤهم إلى الإسلام وذلك أمر قد اشتهر لثبوت المعجزة والقطع بصدقه فيما دعا إليه، فلم يلزمهم بمجرد الخط فإنه عند القائل به إنما يفيد ظنا والإسلام لا يكتفي فيه بالظن إجماعا فدل على أن العلم حصل بمضمون الخط مقرونا بالتواتر السابق على الكتاب، فكان الكتاب كالتذكرة والتوكيد في الإنذار، مع أن حامل الكتاب قد يحتمل أن يكون اطلع على ما فيه وأمر بتبليغه‏.‏

والحق أن العمدة على أمره المعلوم مع قرائن الحال المصاحبة لحامل الكتاب، ومسألة الشهادة على الخط مفروضة في الاكتفاء بمجرد الخط، قال‏:‏ والفرق بين الشهادة على الخط وبين ‏"‏ كتاب القاضي إلى القاضي ‏"‏ في أن القائل بالأول أقل من القائل بالثاني تطرق الاحتمال في الأول وندوره في الثاني لبعد احتمال التزوير على القاضي ولا سيما حيث تمكن المراجعة، ولذلك شاع العمل به فيما بين القضاة ونوابهم والله أعلم‏.‏

*3*باب مَتَى يَسْتَوْجِبُ الرَّجُلُ الْقَضَاءَ

وَقَالَ الْحَسَنُ أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَتَّبِعُوا الْهَوَى وَلَا يَخْشَوْا النَّاسَ وَلَا يَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ثُمَّ قَرَأَ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ وَقَرَأَ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ بِمَا اسْتُحْفِظُوا اسْتُوْدِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَقَرَأَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا فَحَمِدَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلُمْ دَاوُدَ وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ هَذَيْنِ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْقُضَاةَ هَلَكُوا فَإِنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا بِعِلْمِهِ وَعَذَرَ هَذَا بِاجْتِهَادِهِ وَقَالَ مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَمْسٌ إِذَا أَخْطَأَ الْقَاضِي مِنْهُنَّ خَصْلَةً كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ أَنْ يَكُونَ فَهِمًا حَلِيمًا عَفِيفًا صَلِيبًا عَالِمًا سَئُولًا عَنْ الْعِلْمِ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب متى يستوجب الرجل القضاء‏)‏ ‏؟‏ أي متى يستحق أن يكون قاضيا‏.‏

قال أبو علي الكرابيسي صاحب الشافعي في ‏"‏ كتاب آداب القضاء ‏"‏ له‏:‏ لا أعلم بين العلماء ممن سلف خلافا أن أحق الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، قارئا لكتاب الله، عالما بأكثر أحكامه، عالما بسنن رسول الله حافظا لأكثرها، وكذا أقوال الصحابة، عالما بالوفاق والخلاف وأقوال فقهاء التابعين يعرف الصحيح من السقيم يتبع في النوازل الكتاب فإن لم يجد فالسنن فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر الصحابة عمل به؛ ويكون كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة لهم مع فضل وورع، ويكون حافظا للسانه وبطنه وفوجه، فهما بكلام الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلا مائلا عن الهوى ثم قال‏:‏ وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان أكملهم وأفضلهم‏.‏

وقال المهلب‏:‏ لا يكفي في استحباب القضاء أن يرى نفسه أهلا لذلك بل أن يراه الناس أهلا لذلك‏.‏

وقال ابن حبيب عن مالك ‏"‏ لا بد أن يكون القاضي عالما عاقلا‏"‏‏.‏

قال ابن حبيب فإن لم يكن علم فعقل وورع، لأنه بالورع يقف وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم وجده وإذا طلب العقل لم يجده‏.‏

قال ابن العربي‏:‏ واتفقوا على أنه لا يشترط أن يكون غنيا، والأصل قوله تعالى ‏(‏ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم‏)‏ الآية‏.‏

قال‏:‏ والقاضي لا يكون في حكم الشرع إلا غنيا لأن غناه في بيت المال فإذا منع من بيت المال واحتاج كان تولية من يكون غنيا أولى من تولية من يكون فقيرا، لأنه يصير في مظنة من يتعرض لتناول ما لا يجوز تناوله قلت‏:‏ وهذا قاله بالنسبة إلى الزمان الذي كان فيه ولم يدرك زمانه هذا الذي صار من يطلب القضاء فيه يصرح بأن سبب طلبه الاحتياج إلى ما يقوم بأوده، مع العلم بأنه لا يحصل له شيء من بيت المال‏.‏

واتفقوا على اشتراط الذكورية في القاضي إلا عن الحنفية، واستثنوا الحدود، وأطلق ابن جرير، وحجة الجمهور الحديث الصحيح ‏"‏ ما أفلح قوم ولوا أمورهم امرأة ‏"‏ وقد تقدم؛ ولأن القاضي يحتاج إلى كمال الرأي ورأي المرأة ناقص ولا سيما في محافل الرجال‏.‏

قوله ‏(‏وقال الحسن‏)‏ هو البصري‏.‏

قوله ‏(‏أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى ولا يخشوا الناس‏)‏ ولا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ثم قرأ ‏(‏يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض - إلى - يوم الحساب‏)‏ وقرأ ‏(‏إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور - إلى قوله - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏)‏ قلت‏:‏ فأراد من آية ‏(‏يا داود‏)‏ قوله ‏(‏ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله‏)‏ وأراد من آية المائدة بقية ما ذكر وأطلق على هذه المناهي أمرا إشارة إلى أن النهي عن الشيء أمر بضده، ففي النهي عن الهوى أمر بالحكم بالحق، وفي النهي عن خشية الناس أمر بخشية الله، ومن لازم خشية الله الحكم بالحق، وفي النهي عن بيع آياته الأمر باتباع ما دلت عليه، وإنما وصف الثمن بالقلة إشارة إلى أنه وصف لازم له بالنسبة للعوض فإنه أغلى من جميع ما حوته الدنيا‏.‏

قوله ‏(‏بما استحفظوا‏:‏ استودعوا من كتاب الله الآية‏)‏ ثبت هذا للمستملي، وهو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى ‏(‏بما استحفظوا من كتاب الله‏)‏ أي بما استودعوا، استحفظته كذا استودعته إياه‏.‏

قوله ‏(‏وقرأ‏)‏ أي الحسن البصري المذكور ‏"‏ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى آخرها ‏"‏ رويناه موصلا في ‏"‏ حلية الأولياء لأبي نعيم ‏"‏ من رواية محمد بن إبراهيم الحافظ المعروف بمربع بموحدة ومهملة وزن محمد، قال حدثنا سعيد هو ابن سليمان الواسطي حدثنا أبو العوام هو عمران القطان عن قتادة عن الحسن وهو ابن أبي الحسن البصري فذكره، ومعنى أخذ الله على الحكام عهد إليهم‏.‏

قوله ‏(‏فحمد سليمان ولم يلم داود، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين‏)‏ يعني داود وسليمان، وقوله ‏"‏لرأيت ‏"‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ لرويت أن القضاة هلكوا ‏"‏ يعني لما تضمنته الآيتان الماضيتان أن من لم يحكم بما أنزل الله كافر، فدخل في عمومه العامد والمخطئ، وكذا قوله تعالى ‏(‏إن الذين يضلون عن سبيل الله‏)‏ يشمل العامد والمخطئ، فاستدل بالآية الأخرى في قصة الحرث أن الوعيد خاص بالعامد، فأشار إلى ذلك بقوله ‏"‏ فإنه أثنى على هذا بعلمه ‏"‏ أي بسب علمه أي معرفته وفهمه وجه الحكم والحكم به، وعذر بفتح الذال المعجمة هذا باجتهاده‏.‏

وروينا بعضه في تفسير ابن أبي حاتم وفي المجالسة لأبي بكر الدينوري وفي أمالي الصولي جميعا يزيد بعضهم على بعض من طريق حماد بن سلمة عن حميد الطويل قال‏:‏ دخلنا مع الحسن على إياس ابن معاوية حين استقضى قال فبكى إياس وقال‏:‏ يا أبا سعيد - يعني الحسن البصري المذكور يقولون‏:‏ القضاة ثلاثة‏:‏ رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال مع الهوى فهو في النار؛ ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة فقال الحسن‏:‏ إن فيما قص الله عليك من نبأ سليمان ما يرد على من قال هذا وقرأ ‏(‏وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث - إلى قوله - شاهدين‏)‏ قال‏:‏ فحمد سليمان لصوابه ولم يذم داود لخطئه‏.‏

ثم قال‏:‏ إن الله أخذ على الحكام عهدا بأن لا يشتروا به ثمنا ولا يتبعوا فيه الهوى ولا يخشوا فيه أحدا، ثم تلا ‏(‏يا داود إنا جعلناك خليفة‏)‏ إلى آخر الآية‏.‏

قلت‏:‏ والحديث الذي أشار إليه إياس أخرجه أصحاب السنن من حديث بريدة، ولكن عندهم الثالث قضى بغير علم، وقد جمعت طرقه في جزء مفرد، وليس في شيء منها أنه اجتهد فأخطأ، وسيأتي حكم من اجتهد فأخطأ بعد أبواب، واستدل بهذه القصة على أن للنبي أن يجتهد في الأحكام ولا ينتظر نزول الوحي، لأن داود عليه السلام على ما ورد اجتهد في المسألة المذكورة قطعا، لأنه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله سليمان بفهمها دونه‏.‏

وقد اختلف من أجاز للنبي أن يجتهد هل يجوز عليه الخطأ في اجتهاده‏؟‏ فاستدل من أجاز ذلك بهذه القصة‏.‏

وقد اتفق الفريقان على أنه لو أخطأ في اجتهاده لم يقر على الخطأ ‏"‏ وأجاب من منع الاجتهاد أنه ليس في الآية دليل على أن داود اجتهد ولا أخطأ، وإنما ظاهرها أن الواقعة اتفقت فعرضت على داود وسليمان فقضى فيها سليمان لأن الله فهمه حكمها، ولم يقض فيها داود بشيء، ويرد على من تمسك بذلك بما ذكره أهل النقل في صورة هذه الواقعة‏.‏

وقد تضمن أثر الحسن المذكور أنهما جميعا حكما‏.‏

وقد تعقب ابن المنير قول الحسن البصري، ولم يذم داود بأن فيه نقصا لحق، داود، وذلك أن الله تعالى قد قال ‏(‏وكلا آتينا حكما وعلما‏)‏ فجمعهما في الحكم والعلم، وميز سليمان بالفهم، وهو علم خاص زاد على العام بفصل الخصومة‏.‏

قال‏:‏ والأصح في الواقعة أن داود أصاب الحكم وسليمان أرشد إلى الصلح، ولا يخلو قوله تعالى ‏(‏وكلا آتينا حكما وعلما‏)‏ أن يكون عاما أو في واقعة الحرث فقط ‏"‏ وعلى التقديرين يكون أثنى على داود فيها بالحكم والعلم فلا يكون من قبيل عذر المجتهد إذا أخطأ، لأن الخطأ ليس حكما ولا علما وإنما هو ظن غير مصيب ‏"‏ وإن كان في غير الواقعة فلا يكون تعالى أخبر في هذه الواقعة بخصوصها عن داود بإصابة ولا خطأ، وغايته أنه أخبر بتفهيم سليمان ومفهومه لقب والاحتجاج به ضعيف فلا يقال فهمها سليمان دون داود، وإنما خص سليمان بالتفهيم لصغر سنه فيستغرب ما يأتي به‏.‏

قلت‏:‏ ومن تأمل ما نقل في القصة ظهر له أن الاختلاف بين الحكمين كان في الأولوية لا في العمد والخطأ، ويكون معنى قول الحسن ‏"‏ حمد سليمان ‏"‏ أي لموافقته الطري الأرجح ‏"‏ ولم يذم داود ‏"‏ لاقتصاره على الطريق، الراجح وقد وقع لعمر رضي الله عنه قريب مما وقع لسليمان، وذلك أن بعض الصحابة مات وخلف مالا له نماء وديونا، فأراد أصحاب الديون بيع المال في وفاء الدين لهم فاسترضاهم عمر بأن يؤخروا التقاضي حتى يقبضوا ديونهم من النماء ويتوفر لأيتام المتوفي أصل المال؛ فاستحسن ذلك من نظره‏.‏

ولو أن الخصوم امتنعوا لما منعهم من البيع‏.‏

وعلى هذا التفصيل يمكن تنزيل قصة أصحاب الحرث والغنم والله أعلم‏.‏

وتقدم في أحاديث الأنبياء شرح القصة التي وقعت لداود وسليمان في المرأتين اللتين أخذ الذئب ابن إحداهما واختلاف حكم داود وسليمان في ذلك، وتوجيه حكم داود بما يقرب مما ذكر هنا في هذه القصة ووقعت لهما قصة ثالثة في التفرقة بين الشهود في قصة المرأة التي اتهمت بأنها تحمل على نفسها فشهد عليها أربعة بذلك، فأمر داود برجمها، فعمد سليمان وهو غلام فصور مثل قصتها بين الغلمان ثم فرق بين الشهود وامتحنهم فتخالفوا فدرأ عنها، ووقعت لهما رابعة في قصة المرأة التي صب في دبرها ماء البيض وهي نائمة، وقيل إنها زنت فأمر داود برجمها، فقال سليمان‏:‏ يشوي ذلك الماء فإن اجتمع فهو بيض، وإلا فهو مني، فشوى فاجتمع‏.‏

وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن مسروق قال‏:‏ كان حرثهم عنبا نفشت فيه الغنم أي رعت ليلا، فقضى داود بالغنم لهم، فمروا على سليمان فأخبروه الخبر فقال سليمان‏:‏ لا، ولكن أقضي بينهم أن يأخذوا الغنم فيكون لهم لبنها وصوفها ومنفعتها ويقوم هؤلاء على حرثهم، حتى إذا عاد كان ردوا عليهم غنمهم‏.‏

وأخرجه الطبري من وجه آخر لين فقال‏:‏ فيه عن مسروق عن ابن مسعود وأخرجه ابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن ابن مسعود وسنده حسن، وعن معمر عن قتادة‏:‏ قضى داود أن يأخذوا الغنم، ففهمها الله سليمان فقال‏:‏ خذوا الغنم فلكم ما خرج من رسلها وأولادها وصوفها إلى الحول‏.‏

وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‏:‏ أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث، فحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لأهل الحرث وعليهم رعايتها ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئة يوم أكل، ثم يدفع لأهله ويأخذون غنمهم‏.‏

وأخرج الطبري القصة من طريق علي بن زيد عن خليفة عن ابن عباس نحوه، ومن طريق قتادة قال‏:‏ ذكر لنا فذكر نحوه‏.‏

ومن طريق العوفي عن عطية عن ابن عباس ولكن قال فيها‏:‏ قال سليمان إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وصوفها حتى يستوفي ثمن حرثه، فقال داود‏:‏ قد أصبت وأخرج ابن مردويه من طريق الحسن عن الأحنف بن قيس نحو الأول‏.‏

قال ابن التين‏:‏ قيل علم سليمان أن قيمة ما أفسدت الغنم مثل ما يصير إليهم من لبنها وصوفها‏.‏

وقال أيضا‏:‏ ورد في قصة ناقة البراء التي أفسدت في حائط أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وإن الذي أفسدت المواشي بالليل ضمانه على أهلها أي ضمان قيمته، هذا خلاف شرع سليمان قال‏:‏ فلو تراضيا بالدفع ‏"‏ عن قيمة ما أفسدت فالمشهور أنه لا يجوز حتى يعرفا القيمة ‏"‏ قلت‏:‏ ورواية العوفي إن كانت محفوظة ترفع الإشكال، وإلا فالجواب ما نقل ابن التين أولا، ولا يكون بين الشرعين مخالفة‏.‏

قوله ‏(‏وقال مزاحم‏)‏ بضم الميم وتخفيف الزاي وبعد الألف حاء مهملة ‏(‏ابن زفر‏)‏ بزاي وفاء وزن عمر‏.‏

هو الكوفي، ويقال مزاحم بن أبي مزاحم ثقة أخرج له مسلم‏.‏

قوله ‏(‏قال لنا عمر بن عبد العزيز‏)‏ أي الخليفة المشهور العادل‏.‏

قوله ‏(‏خمس إذا أخطأ القاضي منهن خصلة‏)‏ بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء، كذا لأبي ذر عن غير الكشميهني، وله عنه ‏"‏ خصلة ‏"‏ بفتح أوله وسكون الصاد المهملة، وكذا في رواية الباقين وهما بمعنى‏.‏

قوله ‏(‏وصمة‏)‏ بفتح الواو وسكون الصاد المهملة أي عيبا‏.‏

قوله ‏(‏أن يكون‏)‏ تفسير لحال القاضي المذكور‏.‏

قوله ‏(‏فهما‏)‏ بفتح الفاء وكسر الهاء وهو من صيغ المبالغة، ويجوز تسكين الهاء أيضا، ووقع في رواية المستملي ‏"‏ فقيها ‏"‏ والأول أولى لأن خصلة الفقه داخلة في خصلة العلم وهي مذكورة بعد‏.‏

قوله ‏(‏حليما‏)‏ أي يغضي على من يؤذيه ولا يبادر إلى الانتقام ولا ينافي ذلك قوله بعد ذلك ‏"‏ صليبا ‏"‏ لأن الأول في حق نفسه والثاني في حق غيره‏.‏

قوله ‏(‏عفيفا‏)‏ أي يعف عن الحرام فإنه إذ كان عالما ولم يكن عفيفا كان ضرره أشد من ضرر الجاهل‏.‏

قوله ‏(‏صليبا‏)‏ بصاد مهملة وباء موحدة من الصلابة بوزن عظيم، أي قويا شديدا يقف عند الحق ولا يميل مع الهوى، ويستخلص حق المحق من المبطل ولا يجابيه‏.‏

قوله ‏(‏عالما سئولا عن العلم‏)‏ هي خصلة واحدة أي يكون مع ما يستحضره من العلم مذاكرا له غيره، لاحتمال أن يظهر له ما هو أقوى مما عنده‏.‏

وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور في السنن عن عباد بن عباد ومحمد بن سعد في الطبقات عن عفان كلاهما قال ‏"‏ حدثنا مزاحم بن زفر قال قدمنا على عمر بن عبد العزيز في خلافته وفد من أهل الكوفة، فسألنا عن بلادنا وقاضينا وأمره‏.‏

وقال‏:‏ خمس إذا أخطأ ‏"‏ ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن عبد العزيز بلفظ آخر أخرجه أيضا محمد بن سعد في الطبقات عن محمد ابن عبد الله الأسدي هو أحمد الزبيري عن سفيان هو الثوري عن يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز قال‏:‏ لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى يكون فيه خمس خصال‏:‏ ‏"‏ عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الرأي، لا يبالي، بملامة الناس ‏"‏ وجاء في استحباب الاستشارة آثار جياد‏.‏

وأخرج يعقوب بن سفيان بسند جيد عن الشعبي قال‏:‏ من سره أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير‏.‏

*3*باب رِزْقِ الْحُكَّامِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا

وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَأْكُلُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏باب رزق الحاكم والعاملين عليها‏)‏ هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين وقال المطرزي‏:‏ الرزق ما يخرجه الإمام شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يخرجه عام ويحتمل أن يكون قوله ‏"‏ والعاملين عليها ‏"‏ عطفا على الحاكم أي ورزق العاملين عليها أي على الحكومات، ويحتمل أن يكون أورد الجملة على الحكاية يريد الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات وهم من جملة المستحقين لها لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله ‏(‏إنما الصدقات‏)‏ قال الطبري‏:‏ ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ولم يحرموه مع ذلك‏.‏

وقال أبو علي الكرابيسي‏:‏ لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار لا أعلم بينهما اختلافا، وقد كره ذلك قوم منهم مسروق ولا أعلم أحدا منهم حرمه‏.‏

وقال المهلب‏:‏ وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى لنبيه ‏(‏قل لا أسألكم عليه أجرا‏)‏ فأرادوا أن يجري الأمر فيه على الأصل الذي وضعه الله لنبيه، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقه فيتحيل على أموال الناس‏.‏

وقال غيره‏:‏ أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائزا إجماعا، ومن تركه إنما تركه تورعا، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى الترك جزما، ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختلف إذا كان الغالب حراما‏:‏ وأما من غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطا لا بد منها، وقد جر القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفشا ذلك في هذه الأعصار بحيث تعذر إزالة ذلك والله المستعان‏.‏

قوله ‏(‏وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرا‏)‏ هو شريح بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة، ولاه عمر ثم قضى لمن بعده بالكوفة دهرا طويلا، وله مع علي أخبار في ذلك‏.‏

وهو ثقة مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام ويقال إن له صحبة، مات قبل الثمانين وقد جاوز المائة‏.‏

وهذا الأثر وصله عبد الرزاق وسعيد ابن منصور من طريق مجالد عن الشعبي بلفظ ‏"‏ كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجرا، وكان شريح يأخذ‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏وقالت عائشة يأكل الوصي بقدر عمالته‏)‏ قلت‏:‏ وصله ابن أبي شيبة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قوله تعالى ‏(‏ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف‏)‏ قالت أنزل الله ذلك في والي مال اليتيم يقوم عليه بما يصلحه إن كان محتاجا أن يأكل منه‏.‏

قوله ‏(‏وأكل أبو بكر وعمر‏)‏ أما أثر أبي بكر فوصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت ‏"‏ لما استخلف أبو بكر قال‏:‏ قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وقد شغلت بأمر المسلمين ‏"‏ الحديث وفيه قصة عمر وقد أسنده البخاري في البيوع من هذا الوجه، وبقيته ‏"‏ فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين فيه ‏"‏ وفيه ‏"‏ أن عمر لما ولى أكل هو وأهله من المال، واحترف في مال نفسه‏"‏‏.‏

وأما أثر عمر فوصله ابن أبي شيبة وابن سعد من طريق حارثة بن مضرب بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء بعدها موحدة قال‏:‏ قال عمر ‏"‏ إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف ‏"‏ وسنده صحيح‏.‏

وأخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الأحنف قال ‏"‏ كنا بباب عمر - فذكر قصة وفيها - فقال عمر‏:‏ أنا أخبركم بما أستحل‏:‏ ما أحج عليه وأعتمر، وحلتي الشتاء والقيظ، وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم ‏"‏ ورخص الشافعي وأكثر أهل العلم، وعن أحمد‏:‏ لا يعجبني، وإن كان فبقدر عمله مثل ولي اليتيم، واتفقوا على أنه لا يجوز الاستئجار عليه‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ نَمِرٍ أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِيَ مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعُمَالَةَ كَرِهْتَهَا فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ عُمَرُ فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ قُلْتُ إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِخَيْرٍ وَأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ عُمَرُ لَا تَفْعَلْ فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَإِلَّا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا فَقُلْتُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَالَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ

الشرح‏:‏

قوله ‏(‏ابن أخت نمر‏)‏ بفتح النون وكسر الميم بعدها راء، هو الصحابي المشهور، تقدم ذكره مرارا من أقربها في الحدود، وأدرك من زمان النبي صلى الله عليه وسلم ست سنين وحفظ عنه، وهو من أواخر الصحابة موتا، وآخر من مات منهم بالمدينة، وقيل محمود بن الربيع، وقيل محمود بن لبيد‏.‏

قوله ‏(‏إن حويطب بن عبد العزى‏)‏ أي ابن أبي قيس بن عبد شمس القرشي العامري، كان من أعيان قريش‏.‏

وأسلم في الفتح، وكان حميد الإسلام، وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وخمسين من الهجرة وهو ابن مائة وعشرين سنة؛ وهو ممن أطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهلية وستين في الإسلام تجوزا، ولا يتم ذلك تحقيقا لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة فيكون عاش فيها سبعا وستين، أو الهجرة فيكون عاش فيه أربعا وخمسين، أو زمن إسلامه هو فيكون ستا وأربعين، والأول أقرب إلى الإطلاق على طريقة جبر الكسر تارة وإلغائه أخرى‏.‏

قوله ‏(‏أن عبد الله بن السعدي‏)‏ هو عبد الله بن وقدان بن عبد شمس، ويقال اسم أبيه عمر ووقدان جده ‏"‏ ويقال قدامة بدل وقدان، وعبد شمس هو ابن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ‏"‏ وهو أيضا من بني عامر بن لؤي من قريش، وإنما قيل له ابن السعدي لأن أباه كان مسترضعا في بني سعد ‏"‏ ومات عبد الله بالمدينة سنة سبع وخمسين بعد حويطب الراوي عنه بثلاث سنين، ويقال بل مات في خلافة عمر والأول أقوى ‏"‏ وليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد ووقع عند مسلم في رواية الليث عن بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد عن ابن الساعدي، وخالفه عمرو بن الحارث عن بكير فقال ‏"‏ عن ابن السعدي ‏"‏ وهو المحفوظ‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ أخرج مسلم أيضا هذا الحديث من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري عن السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي عن عمر، فلم يسق لفظه بل أحال على سياق رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وسقط من السند حويطب بن عبد العزى بين السائب وابن السعدي، ووهم المزي في ‏"‏ الأطراف ‏"‏ تبعا لخلف فأثبت حويطب بن عبد العزى في السند في رواية مسلم، وزعم أنه وقع في روايته ‏"‏ ابن الساعدي ‏"‏ بزيادة ألف ‏"‏ وليس ذلك في شيء من نسخ صحيح مسلم لا إثبات حويطب ولا الألف في الساعدي ‏"‏ وقد نبه على سقوط حويطب من سند مسلم أبو علي الجياني والمازري وعياض وغيرهم، ولكنه ثابت في رواية عمرو ابن الحارث في غير كتاب مسلم أخرجه أبو نعيم في المستخرج، ووقع عند ابن خزيمة من طريق سلامة عن عقيل عن ابن شهاب ‏"‏ حدثني السائب أن حويطبا أخبره أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخبره ‏"‏ فذكره، وهو وهم من سلامة قاله الرهاوي‏.‏

قوله ‏(‏أنه قدم على عمر في خلافته فقال له عمر‏:‏ ألم أحدث‏)‏ بضم أوله وفتح المهملة وتشديد الدال‏.‏

قوله ‏(‏أنك تلي من أعمال الناس‏)‏ أي الولايات من إمرة أو قضاء، ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم ‏"‏ استعملني عمر على الصدقة ‏"‏ فعين الولاية‏.‏

قوله ‏(‏العمالة‏)‏ بضم المهملة وتخفيف الميم أي أجرة العمل، وأما العمالة بفتح العين فهي نفس العمل‏.‏

قوله ‏(‏ما تريد إلى ذلك‏)‏ أي ما غاية قصدك بهذا الرد‏.‏

وقد فسره بقوله ‏"‏ وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فقلت‏:‏ أن لي أفراسا‏)‏ بفاء ومهملة جمع فرس‏.‏

قوله ‏(‏وأعبدا‏)‏ للأكثر بضم الموحدة، وللكشميهني بمثناة بدل الموحدة جمع عتيد وهو المال المدخر، وقد تقدم تفسيره في ‏"‏ كتاب الزكاة‏"‏‏.‏

ووقع عند ابن حبان في صحيحه من طريق قبيصة بن ذؤيب أن عمر أعطى ابن السعدي ألف دينار، فذكر بقية الحديث نحو الذي هنا، ورويناه الجزء الثالث من ‏"‏ فوائد أبي بكر النيسابوري ‏"‏ الزيادات من طريق عطاء الخراساني عن عبد الله بن السعدي قال ‏"‏ قدمت على عمر فأرسل إلي ألف دينار، فرددتها وقلت أنا عنها غني ‏"‏ فذكره أيضا بنحوه، واستفيد منه قدر العمالة المذكورة‏.‏

قوله ‏(‏فإني كنت أردت الذي أردت‏)‏ بالفتح على الخطاب‏.‏

قوله ‏(‏يعطيني العطاء‏)‏ أي المال الذي يقسمه الإمام في المصالح، ووقع في رواية بسر بن سعيد عند مسلم ‏"‏ فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عملي فقلت مثل قولك‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏فأقول أعطه أفقر إليه مني‏)‏ في رواية سالم ‏"‏ فأقول يا رسول الله ‏"‏ والباقي سواء‏.‏

قال الكرماني‏:‏ جاز الفصل بين أفعل التفضيل وبين كلمة ‏"‏ من ‏"‏ لأن الفاصل ليس أجنبيا بل هو ألصق به من الصلة لأنه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ، والصلة محتاج إليها بحسب الصيغة‏.‏

قوله ‏(‏فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ خذه فتموله وتصدق به‏)‏ في رواية سالم بن عبد الله ‏"‏ أو تصدق به ‏"‏ بلفظ ‏"‏ أو ‏"‏ بدل الواو، وهو أمر إرشاد على الصحيح‏.‏

قال ابن بطال‏:‏ أشار صلى الله عليه وسلم على عمر بالأفضل، لأنه وإن كان مأجورا بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه فإن أخذه للعطاء ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدل على عظيم فضل الصدقة بعد التمول لما في النفوس من الشح على المال‏.‏

قوله ‏(‏غير مشرف‏)‏ بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الراء بعدها فاء أي متطلع إليه، يقال أشرف الشيء علاه، وقد تقدم بيانه في ‏"‏ كتاب الزكاة ‏"‏ في ‏"‏ باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة‏"‏‏.‏

قوله ‏(‏ولا سائل‏)‏ أي طالب، قال النووي‏:‏ فيه النهي عن السؤال، وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة، واختلف في مسألة القادر على الكسب والأصح التحريم، وقيل يباح بثلاث شروط‏:‏ أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد شرط من هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق‏.‏

قوله ‏(‏فخذه وإلا فلا تتبعه نفسك‏)‏ أي إن لم يجيء إليك فلا تطلبه بل اتركه وليس المراد منعه من الإيثار، بل لأن أخذه ثم مباشرته الصدقة بنفسه أعظم لأجره كما تقدم‏.‏

قال النووي‏:‏ هذا الحديث منقبة لعمر وبيان فضله وزهده وإيثاره‏.‏

قلت‏:‏ وكذا لابن السعد فقد طابق فعله فعل عمر سواء، وفي سند الزهري عن السائب أربعة من الصحابة في نسق السائب وحويطب وابن السعدي وعمر، وقد أشرت إلى ذلك في الباب المذكور من ‏"‏ كتاب الزكاة ‏"‏ وذكرت أن مسلما أخرجه من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري، وأوهم كلام المزي في ‏"‏ الأطراف ‏"‏ أن رواية شعيب وعمرو بن الحارث متفقتان، وليس كذلك فإن حويطب بن عبد العزى سقط من رواية عمرو بن الحارث عند مسلم، وقد وقعت المقارضة لمسلم والبخاري في هذين الحديثين الرباعيين، فأورد مسلم الرباعي الذي في سنده أربع نسوة بتمام الأربع، وأورده البخاري بنقصان واحدة تقدم في أوائل ‏"‏ كتاب الفتن ‏"‏ وأورد البخاري الرباعي الذي في سنده أربعة رجال بتمام الأربعة، وأورده مسلم بنقصان رجل، وهذا من لطائف ما اتفق‏.‏

وقد وافق شعيبا على زيادة حويطب في السند الزبيدي عند النسائي وسفيان بن عيينة عنده ومعمر عند الحميدي في مسنده ثلاثتهم عن الزهري، وقد جزم النسائي وأبو علي بن السكن بأن السائب لم يسمعه من ابن السعدي، قال النووي‏:‏ روينا عن الحافظ عبد القادر الرهاوي في كتابه الرباعيات أن الزبيدي وشعيب بن حمزة وعقيل بن خالد ويونس بن يزيد وعمرو ابن الحارث رووه عن الزهري بذكر حويطب، ثم ذكر طوقهم بأسانيد مطولة‏.‏

قال‏:‏ ورواه النعمان بن راشد عن الزهري فأسقط ذكر حويطب، واختلف على معمر فرواه ابن المبارك عنه كالنعمان، ورواه سفيان بن عيينة وموسى بن أعين عنه كالجماعة، ورواه عبد الرزاق عن معمر فأسقط اثنين جعله عن السائب عن عمر، قال‏:‏ والصحيح الأول‏.‏

قلت‏:‏ ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وهما منه أو من شيخه، وإلا فذكره ثابت من رواية غيره كما تقدم والله أعلم‏.‏

وقد نظم بعضهم السند المذكور في بيتين فقال‏:‏ وفي العمالة إسناد بأربعة من الصحابة فيه عنهم ظهرا السائب بن زيد عن حويطب عبد الله حدثه بذلك عن عمرا قوله ‏(‏وعن الزهري قال حدثني سالم‏)‏ هو موصول بالسند المذكور أولا إلى الزهري، وقد أخرج النسائي عن عمرو بن منصور عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه الحديثين المذكورين بالسندين المذكورين إلى عمر، وأما مسلم فإنه لما أخرجه من طريق يونس عن ابن شهاب ساقه على رواية سالم عن أبيه ثم عقبه برواية ابن شهاب عن السائب بن يزيد فقال مثل ذلك، وليس بين السياقين تفاوت إلا في قصة ابن السعدي عن عمر فلم يسقها مسلم وإلا ما بينته، وزاد سالم ‏"‏ فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه ‏"‏ قلت‏:‏ وهذا بعمومه ظاهر في أنه كان لا يرد ما فيه شبهة، وقد ثبت أنه كان يقبل هدايا المختار بن أبي عبيد الثقفي وهو أخو صفية زوج ابن عمر بنت أبي عبيد، وكان المختار غلب على الكوفة وطرد عمال عبد الله ابن الزبير وأقام أميرا عليها مدة في غير طاعة خليفة وتصرف فيما يتحصل منها من المال على ما يراه، ومع ذلك فكان ابن عمر يقبل هداياه وكان مستنده أن له حقا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية وصل إليه، أو كان يرى أن التبعة في ذلك على الآخذ الأول، أو أن للمعطى المذكور مالا آخر في الجملة وحقا ما في المال المذكور، فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله ‏"‏ ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه ‏"‏ فرأى أنه لا يستثني من ذلك إلا ما علمه حراما محضا قال الطبري‏:‏ في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الفيء وعمال الصدقة وشبههم، لإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله، وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء، واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها، وحكى الطبري عن العلماء هل الأمر في قوله في هذا الحديث ‏"‏ خذه وتموله ‏"‏ للوجوب أو للندب، ثالثها إن كانت العطية من السلطان فهي حرام أو مكروهة أو مباحة، وإن كانت من غيره فمستحبة‏.‏

قال النووي‏:‏ والصحيح أنه إن غلب الحرام حرمت، وكذا إن كان مع عدم الاستحقاق وإن لم يغلب الحرام وكان الآخذ مستحقا فيباح، وقيل يندب في عطية السلطان دون غيره والله أعلم‏.‏

وقال ابن المنذر‏:‏ وحديث ابن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة من وجوهها‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ في الحديث أن أخذ ما جاء من المال عن غير سؤال أفضل من تركه لأنه يقع في إضاعة المال، وقد ثبت النهي عن ذلك‏.‏

وتعقبه ابن المنير بأنه ليس من الإضاعة في شيء لأن الإضاعة التبذير بغير وجه صحيح، وأما الترك توفيرا على المعطى تنزيها عن الدنيا وتحرجا أن لا يكون قائما بالوظيفة على وجهها فليس من الإضاعة‏.‏

ثم قال‏:‏ والوجه في تعليل الأفضلية أن الآخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك، لأنه إن لم يأخذ كان عند نفسه متطوعا بالعمل فقد لا يجد جد من أخذ ركونا إلى أنه غير ملتزم بخلاف الذي يأخذ فإنه يكون مستشعرا بأن العمل واجب عليه فيجد جد فيها وقال ابن التين‏:‏ وفي هذا الحديث كراهة أخذ الرزق على القضاء مع الاستغناء وأن المال طيبا، كذا قال‏:‏ قال وفيه جواز الصدقة بما لم يقبض إذا كان للمتصدق واجبا، ولكن قوله ‏"‏ خذه فتموله وتصدق به ‏"‏ يدل على أن التصدق به إنما يكون بعد القبض، لأن المال إذا ملكه الإنسان وتصدق به طيبة به نفسه كان أفضل من تصدقه به قبل قبضه، لأن الذي يحصل بيده هو أحرص عليه مما لم يدخل في يده، فإن استوت عند أحد الحالان فمرتبته أعلى، ولذلك أمره بأخذه وبين له جواز تموله إن أحب أو التصدق به، قال‏:‏ وذهب بعض الصوفية إلى أن المال إذا جاء بغير سؤال فلم يقبله فإن الراد له يعاقب بحرمان العطاء‏.‏

وقال القرطبي في ‏"‏ المفهم ‏"‏ فيه ذم التطلع إلى ما في أيدي الأغنياء والتشوف إلى فضوله وأخذه منهم، وهي حالة مذمومة تدل على شدة الرغبة في الدنيا والركون إلى التوسع فيها، فنهى الشارع عن الأخذ على هذه الصورة المذمومة قمعا للنفس ومخالفة لها في هواها انتهى‏.‏

وتقدمت سائر مباحثه وفوائده في الباب المذكور من ‏"‏ كتاب الزكاة ‏"‏ ولله الحمد‏.‏