فصل: باب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح الباري شرح صحيح البخاري **


*3*باب الْقِرَاءَةِ عَلَى الدَّابَّةِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب القراءة على الدابة‏)‏ أي لراكبها، وكأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك، وقد نقله ابن أبي داود عن بعض السلف، وتقدم البحث في كتاب الطهارة في قراءة القرآن في الحمام وغيرها‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ إنما أراد بهذه الترجمة أن في القراءة على الدابة سنة موجودة، وأصل هذه السنة قوله تعالى ‏(‏لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه‏)‏ الآية‏.‏

ثم ذكر المصنف حديث عبد الله بن مغفل مختصرا، وقد تقدم بتمامه في تفسير سورة الفتح، ويأتي بعد أبواب

*3*باب تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ الْقُرْآنَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب تعليم الصبيان القرآن‏)‏ كأنه أشار إلى الرد على من كره ذلك، وقد جاءت كراهية ذلك عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وأسنده ابن أبي داود عنهما، ولفظ إبراهيم ‏"‏ كانوا يكرهون أن يعلموا الغلام القرآن حتى يعقل ‏"‏ وكلام سعيد بن جبير يدل على أن كراهة ذلك من جهة حصول الملال له، ولفظه عند ابن أبي داود أيضا ‏"‏ كانوا يحبون أن يكون يقرأ الصبي بعد حين ‏"‏ وأخرج بإسناد صحيح عن الأشعث بن قيس أنه قدم غلاما صغيرا، فعابوا عليه فقال‏:‏ ما قدمته، ولكن قدمه القرآن‏.‏

وحجة من أجاز ذلك أنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عنده، كما يقال التعلم في الصغر كالنقش في الحجر‏.‏

وكلام سعيد بن جبير يدل على أنه يستحب أن يترك الصبي أولا مرفها ثم يؤخذ بالجد على التدريج، والحق أن ذلك يختلف بالأشخاص والله أعلم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سعيد بن جبير قال‏:‏ إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم، قال وقال ابن عباس‏:‏ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم‏)‏ كذا فيه تفسير المفصل بالمحكم من كلام سعيد بن جبير، وهو دال على أن الضمير في قوله في الرواية الأخرى ‏"‏ فقلت له وما المحكم ‏"‏ لسعيد بن جبير، وفاعل قلت هو أبو بشر بخلاف ما يتبادر أن الضمير لابن عباس وفاعل قلت سعيد بن جبير، ويحتمل أن يكون كل منهما سأل شيخه عن ذلك، والمراد بالمحكم الذي ليس فيه‏.‏

منسوخ، ويطلق المحكم على ضد المتشابه، وهو اصطلاح أهل الأصول والمراد بالمفصل السور التي كثرت فصولها وهي من الحجرات إلى آخر القرآن على الصحيح، ولعل المصنف أشار في الترجمة إلى قول ابن عباس ‏"‏ سلوني عن التفسير فإني حفظت القرآن وأنا صغير ‏"‏ أخرجه ابن سعيد وغيره بإسناد صحيح عنه‏.‏

وقد استشكل عياض قول ابن عباس ‏"‏ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين ‏"‏ بما تقدم في الصلاة من وجه آخر عن ابن عباس أنه كان في حجة الوداع ناهز الاحتلام، وسيأتي في الاستئذان من وجه آخر ‏"‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم مات وأنا ختين ‏"‏ وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك، وعنه أيضا أنه كان عند موت النبي صلى الله عليه وسلم ابن خمس عشرة سنة‏.‏

وسبق إلى استشكال ذلك الإسماعيلي فقال‏:‏ حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس - يعني الذي مضى في الصلاة - يخالف هذا‏.‏

وبالغ الداودي فقال‏:‏ حديث أبي بشر - يعني الذي في هذا الباب - وهم، وأجاب عياض بأنه يحتمل أن يكون قوله ‏"‏ وأنا ابن عشر سنين ‏"‏ راجع إلى حفظ القرآن لا إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون تقدير الكلام‏:‏ توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقد جمعت المحكم وأنا ابن عشر سنين ففيه تقديم وتأخير، وقد قال عمرو بن علي الفلاس‏:‏ الصحيح عندنا أن ابن عباس كان له عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة قد استكملها‏.‏

ونحوه لأبي عبيد‏.‏

وأسند البيهقي عن مصعب الزبيري أنه كان ابن أربع عشرة وبه جزم الشافعي في ‏"‏ الأم ‏"‏ ثم حكى أنه قيل ست عشرة وحكى قول ثلاث عشرة وهو المشهور، وأورد البيهقي عن أبي العالية عن ابن عباس ‏"‏ قرأت المحكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثنتي عشرة ‏"‏ فهذه ستة أقوال، ولو ورد إحدى عشرة لكانت سبعة لأنها من عشر إلى ست عشرة‏.‏

قلت‏:‏ والأصل فيه قول الزبير بن بكار وغيره من أهل النسب أن ولادة ابن عباس كانت قبل الهجرة بثلاث سنين وبنو هاشم في الشعب، وذلك قبل وفاة أبي طالب‏.‏

ونحوه لأبي عبيد‏.‏

ويمكن الجمع بين مختلف الروايات إلا ست عشرة وثنتي عشرة فإن كلا منهما لم يثبت سنده، والأشهر بأن يكون ناهز الاحتلام لما قارب ثلاث عشرة ثم بلغ لما استكملها ودخل في التي بعدها؛ فإطلاق خمس عشرة بالنظر إلى جبر الكسرين، وإطلاق العشر والثلاث عشرة بالنظر إلى إلغاء الكسر، وإطلاق أربع عشرة بجبر أحدهما، وسيأتي مزيد لهذا في ‏"‏ باب الختان بعد الكبر ‏"‏ من كتاب الاستئذان إن شاء الله تعالى‏.‏

واختلف في أول المفصل مع الاتفاق على أنه آخر جزء من القرآن على عشرة أقوال ذكرتها في ‏"‏ باب الجهر بالقراءة في المغرب ‏"‏ وذكرت قولا شاذا أنه جميع القرآن

*3*باب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ

وَهَلْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب نسيان القرآن، وهل يقول نسيت آية كذا وكذا‏)‏ ‏؟‏ كأنه يريد أن النهي عن قول نسيت آية كذا وكذا ليس للزجر عن هذا اللفظ، بل للزجر عن تعاطي أسباب النسيان المقتضية لقول هذا اللفظ، ويحتمل أن ينزل المنع والإباحة على حالتين‏:‏ فمن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر ديني كالجهاد لم يمتنع عليه قول ذلك لأن النسيان لم ينشأ عن إهمال ديني، وعلى ذلك يحمل ما ورد من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من نسبة النسيان إلى نفسه‏.‏

ومن نشأ نسيانه عن اشتغاله بأمر دنيوي - ولا سيما إن كان محظورا - امتنع عليه لتعاطيه أسباب النسيان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقول الله تعالى ‏(‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏)‏ هو مصير منه إلى اختيار ما عليه الأكثر أن ‏"‏ لا ‏"‏ في قوله‏:‏ ‏(‏فلا تنسى‏)‏ نافية، وأن الله أخبره أنه لا ينسى ما أقرأه إياه، وقد قيل إن ‏"‏ لا ‏"‏ ناهية، وإنما وقع الإشباع في السين لتناسب رءوس الآي، والأول أكثر‏.‏

واختلف في الاستثناء فقال الفراء‏:‏ هو للتبرك وليس هناك شيء استثنى، وعن الحسن وقتادة ‏(‏إلا ما شاء الله‏)‏ أي قضى أن ترفع تلاوته‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ إلا ما أراد الله أن ينسيكه لتسن، وقيل لما جبلت عليه من الطباع البشرية لكن سنذكره بعد، وقيل المعنى ‏(‏فلا تنسى‏)‏ أي لا تترك العمل به إلا ما أراد الله أن ينسخه فتترك العمل به‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا زَائِدَةُ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا عِيسَى عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا‏)‏ أي صوت رجل، وقد تقدم بيان اسمه في كتاب الشهادات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا‏)‏ لم أقف على تعيين الآيات المذكورة، وأغرب من زعم أن المراد بذلك إحدى وعشرون آية، لأن ابن عبد الحكم قال فيمن أقر أن عليه كذا وكذا درهما أنه يلزمه أحد وعشرون درهما‏.‏

وقال الداودي‏:‏ يكون مقرأ بدرهمين لأنه أقل ما يقع عليه ذلك‏.‏

قال‏:‏ فإن قال له علي كذا درهما كان مقرا بدرهم واحد‏.‏

قوله في الطريق الثانية ‏(‏حدثنا عيسى‏)‏ هو ابن يونس بن أبي إسحاق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن هشام وقال أسقطتهن‏)‏ يعني عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بالمتن المذكور وزاد فيه هذه اللفظة وهي ‏"‏ أسقطتهن وقد تقدم في الشهادات من هذا الوجه بلفظ ‏"‏ فقال‏:‏ رحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تابعه علي بن مسهر وعبدة عن هشام‏)‏ كذا للأكثر، ولأبي ذر عن الكشميهني ‏"‏ تابعه علي بن مسهر عن عبدة ‏"‏ وهو غلط، فإن عبدة رفيق علي بن مسهر لا شيخه‏.‏

وقد أخرج المصنف طريق علي بن مسهر في آخر الباب الذي يلي هذا بلفظ ‏"‏ أسقطتها ‏"‏ وأخرج طريق عبدة وهو ابن سليمان في الدعوات ولفظه مثل لفظ علي بن مسهر سواء‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا

الشرح‏:‏

قوله في الرواية الثالثة ‏(‏كنت أنسيتها‏)‏ هي مفسرة لقوله ‏"‏ أسقطتها ‏"‏ فكأنه قال أسقطتها نسيانا لا عمدا‏.‏

وفي رواية معمر عن هشام عند الإسماعيلي ‏"‏ كنت نسيتها ‏"‏ بفتح النون ليس قبلها همزة قال الإسماعيلي‏:‏ النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم لشيء من القرآن يكون على قسمين‏:‏ أحدهما نسيانه الذي يتذكره عن قرب، وذلك قائم بالطباع البشرية، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود في السهو ‏"‏ إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ‏"‏ والثاني أن يرفعه الله عن قلبه على إرادة نسخ تلاوته، وهو المشار إليه بالاستثناء في قوله تعالى ‏(‏سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله‏)‏ قال‏:‏ فإما القسم الأول فعارض سريع الزوال لظاهر قوله تعالى ‏(‏إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏)‏ وأما الثاني فداخل في قوله تعالى ‏(‏ما ننسخ من آية أو ننسها‏)‏ على قراءة من قرأ بضم أوله من غير همزة‏.‏

قلت‏:‏ وقد تقدم توجيه هذه القراءة وبيان من قرأ بها في تفسير البقرة‏.‏

وفي الحديث حجة لمن أجاز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم فيما ليس طريقه البلاغ مطلقا، وكذا فيما طريقه البلاغ لكن بشرطين‏:‏ أحدهما أنه بعدما يقع منه تبليغه، والآخر أنه لا يستمر على نسيانه بل يحصل له تذكره إما بنفسه وإما بغيره‏.‏

وهل يشترط في هذا الفور‏؟‏ قولان، فأما قبل تبليغه فلا يجوز عليه فيه النسيان أصلا‏.‏

وزعم بعض الأصولين وبعض الصوفية أنه لا يقع منه نسيان أصلا وإنما يقع منه صورته ليسن، قال عياض‏:‏ لم يقل به من الأصوليين أحد إلا أبا المظفر الأسفرايني، وهو قول ضعيف‏.‏

وفي الحديث أيضا جواز رفع الصوت بالقراءة في الليل وفي المسجد والدعاء لمن حصل له من جهته خير وإن لم يقصد المحصول منه ذلك، واختلف السلف في نسيان القرآن فمنهم من جعل ذلك من الكبائر‏.‏

وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفا قال‏:‏ ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه، لأن الله يقول ‏(‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم‏)‏ ونسيان القرآن من أعظم المصائب واحتجوا أيضا بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس مرفوعا ‏"‏ عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها ‏"‏ في إسناده ضعف‏.‏

وقد أخرج ابن أبي داود من وجه آخر مرسل نحوه ولفظه ‏"‏ أعظم من حامل القرآن وتاركه ‏"‏ ومن طريق أبي العالية موقوفا ‏"‏ كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه ‏"‏ وإسناده جيد‏.‏

ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه ويقولون فيه قولا شديدا ولأبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعا ‏"‏ من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجذم ‏"‏ وفي إسناده أيضا مقال، وقد قال به من الشافعية أبو المكارم والروياني واحتج بأن الإعراض عن التلاوة يتسبب عنه نسيان القرآن، ونسيانه يدل على عدم الاعتناء به والتهاون بأمره‏.‏

وقال القرطبي‏:‏ من حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخل بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد‏.‏

وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ

الشرح‏:‏

ثم ذكر حديث عبد الله وهو ابن مسعود ‏"‏ بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت ‏"‏ وقد تقدم شرحه قريبا‏.‏

وسفيان في السند هو الثوري‏.‏

واختلف في معنى ‏"‏ أجذم ‏"‏ فقيل مقطوع اليد، وقيل مقطوع الحجة، وقيل مقطوع السبب من الخير وقيل خالي اليد من الخير، وهي متقاربة‏.‏

وقيل يحشر مجذوما حقيقة‏.‏

ويؤيده أن في رواية زائدة بن قدامة عند عبد بن حميد ‏"‏ أتى الله يوم القيامة وهو مجذوم ‏"‏ وفيه جواز قول المرء أسقطت آية كذا من سورة كذا إذا وقع ذلك منه‏.‏

وقد أخرج ابن أبي داود من طريق أبي عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ لا تقل أسقطت كذا؛ بل قل أغفلت‏.‏

وهو أدب حسن وليس واجبا

*3*باب مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ كَذَا وَكَذَا

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا‏)‏ أشار بذلك إلى الرد على من كره ذلك وقال‏:‏ لا يقال إلا السورة التي يذكر فيها كذا، وقد تقدم في الحج من طريق الأعمش أنه سمع الحجاج بن يوسف على المنبر يقول‏:‏ السورة التي يذكر فيها كذا، وأنه رد عليه بحديث أبي مسعود، قال عياض‏:‏ حديث أبي مسعود حجة في جواز قول سورة البقرة ونحوها، وقد اختلف في هذا فأجازه بعضهم وكرهه بعضهم وقال‏:‏ تقول السورة التي تذكر فيها البقرة‏.‏

قلت‏:‏ وقد تقدم في أبواب الرمي من كتاب الحج أن إبراهيم النخعي أنكر قول الحجاج لا تقولوا سورة البقرة‏.‏

وفي رواية مسلم أنها سنة، وأورد حديث أبي مسعود، وأقوى من هذا في الحجة ما أورد المصنف من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، قال النووي في ‏"‏ الأذكار ‏"‏‏:‏ يجوز أن يقول سورة البقرة - إلى أن قال - وسورة العنكبوت وكذلك الباقي ولا كراهة في ذلك‏.‏

وقال بعض السلف‏:‏ يكره ذلك، والصواب الأول، وهو قول الجماهير، والأحاديث فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم‏.‏

قلت‏:‏ وقد جاء فيما يوافق ما ذهب إليه حديث المشار إليه حديث مرفوع عن أنس رفعه ‏"‏ لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذلك القرآن كله ‏"‏ أخرجه ‏"‏ أبو الحسين بن قانع في فوائده ‏"‏ والطبراني ‏"‏ الأوسط‏"‏، وفي سنده عبيس بن ميمون العطار وهو ضعيف‏.‏

وأورد ابن الجوزي في ‏"‏ الموضوعات ‏"‏ ونقل عن أحمد أنه قال‏:‏ هو حديث منكر‏.‏

قلت‏:‏ وقد تقدم في ‏"‏ باب تأليف القرآن ‏"‏ حديث يزيد الفارسي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا ‏"‏ قال ابن كثير في تفسيره‏:‏ ولا شك أن ذلك أحوط، ولكن استقر الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير قلت‏:‏ وقد تمسك بالاحتياط المذكور جماعة من المفسرين منهم أبو محمد بن أبي حاتم ومن المتقدمين الكلبي وعبد الرزاق، ونقله القرطبي في تفسيره عن الحكيم الترمذي أن من حرمة القرآن أن لا يقال سورة كذا كقولك سورة البقرة وسورة النحل وسورة النساء، وإنما يقال السورة التي يذكر فيها كذا‏.‏

وتعقبه القرطبي بأن حديث أبي مسعود يعارضه، ويمكن أن يقال لا معارضة مع إمكان، فيكون حديث أبي مسعود ومن وافقه دالا على الجواز، وحديث أنس إن ثبت محمود على أنه خلاف الأولى والله أعلم‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث تشهد لما ترجم له‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ

الشرح‏:‏

أحدها حديث أبي مسعود في الآيتين من آخر سورة البقرة، وقد تقدم شرحه قريبا‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ فَلَبَبْتُهُ فَقُلْتُ مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ قَالَ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ كَذَبْتَ فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقُودُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا وَإِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ فَقَالَ يَا هِشَامُ اقْرَأْهَا فَقَرَأَهَا الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ يَا عُمَرُ فَقَرَأْتُهَا الَّتِي أَقْرَأَنِيهَا

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ

الشرح‏:‏

الثاني حديث عمر ‏"‏ سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان ‏"‏ وقد تقدم شرحه في ‏"‏ باب أنزل القرآن على سبعة أحرف‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِئًا يَقْرَأُ مِنْ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا

الشرح‏:‏

الثالث حديث عائشة المذكور في الباب قبله، وقد تقدم التنبيه عليه

*3*باب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وَقَوْلِهِ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ فِيهَا يُفْرَقُ يُفَصَّلُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَقْنَاهُ فَصَّلْنَاهُ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الترتيل في القراءة‏)‏ أي تبيين حروفها والتأني في أدائها ليكون أدعى إلى فهم معانيها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا‏)‏ كأنه يشير إلى ما ورد عن السلف في تفسيرها، فعند الطبري بسند صحيح عن مجاهد في قوله تعالى ‏(‏ورتل القرآن‏)‏ قال‏:‏ بعضه إثر بعض على تؤدة‏.‏

وعن قتادة قال‏:‏ بينه بيانا‏.‏

والأمر بذلك إن لم يكن للوجوب يكون مستحبا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقوله تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث‏)‏ سيأتي توجيهه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وما يكره أن يهذ كهذ الشعر‏)‏ كأنه يشير إلى أن استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنما الذي يكره الهذ وهو الإسراع المفرط بحيث يخفى كثير من الحروف أو لا تخرج من مخارجها‏.‏

وقد ذكر في الباب إنكار ابن مسعود على من يهذ القراءة كهذ الشعر، ودليل جواز الإسراع ما تقدم في أحاديث الأنبياء من حديث أبي هريرة رفعه ‏"‏ خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيفرغ من القرآن قبل أن تسرج‏"‏‏.‏

قوله فيها ‏(‏يفرق يفصل‏)‏ هو تفسير أبي عبيدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال ابن عباس فرقناه فصلناه‏)‏ وصله ابن جريج من طريق، علي بن أبي طلحة عنه، وعند أبي عبيد من طريق مجاهد أن رجلا سأله عن رجل قرأ البقرة وآل عمران ورجل قرأ البقرة فقط قيامهما واحد ركوعهما واحد وسجودهما واحد، فقال‏:‏ الذي قرأ البقرة فقط أفضل‏.‏

ثم تلا ‏(‏وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث‏)‏ ومن طريق أبي حمزة ‏"‏ قلت لابن عباس إني سريع القراءة، وإني لأقرأ القرآن في ثلاث فقال‏:‏ لأن أقرأ البقرة أرتلها فأتدبرها خير من أن أقرأ كما تقول ‏"‏ وعند ابن أبي داود من طريق أخرى عن أبي حمزة ‏"‏ قلت لابن عباس‏:‏ إني رجل سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ليلة‏.‏

فقال ابن عباس‏:‏ لأن أقرأ سورة أحب إلي‏.‏

إن كنت لا بد فاعلا فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك ويوعها قلبك ‏"‏ والتحقيق أن لكل من الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن يكون المسرع لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر وأن يستويا، فإن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات، وقد يكون بالعكس‏.‏

ثم ذكر المصنف في الباب حديثين‏:‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ رَجُلٌ قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ فَقَالَ هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا واصل‏)‏ هو ابن حيان بمهملة وتحتانية ثقيلة الأحدب الكوفي، ووقع صريحا عند الإسماعيلي، وزعم خلف في ‏"‏ الأطراف ‏"‏ أنه واصل مولى أبي عينة بن المهلب، وغلطوه في ذلك فإن مولى أبي عيينة بصري وروايته عن البصريين، وليست له رواية عن الكوفيين وأبو وائل شيخ واصل هذا كوفي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي وائل عن عبد الله قال‏:‏ غدونا على عبد الله‏)‏ أي ابن مسعود ‏(‏فقال رجل‏:‏ قرأت المفصل‏)‏ كذا أورده مختصرا، وقد أخرجه مسلم من الوجه الذي أخرجه معه البخاري فزاد في أوله ‏"‏ غدونا على عبد الله بن مسعود يوما بعدما صلينا الغداة، فسلمنا بالباب فأذن لنا، فمكثنا بالباب هنيهة، فخرجت الجارية فقالت‏:‏ ألا تدخلون‏؟‏ فدخلنا، فإذا هو جالس يسبح فقال‏:‏ ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم‏؟‏ قلنا‏:‏ ظننا أن بعض أهل البيت نائم، قال‏:‏ ظننتم بآل أم عبد غفلة‏.‏

فقال رجل من القوم‏:‏ قرأت المفصل البارحة كله، فقال عبد الله‏:‏ هذا كهذ الشعر ‏"‏ ولأحمد من طريق الأسود بن يزيد ‏"‏ عن عبد الله بن مسعود أن رجلا أتاه فقال‏:‏ قرأت المفصل في ركعة، فقال‏:‏ بل هذذت كهذ الشعر وكنثر الدقل ‏"‏ وهذا الرجل هو نهيك بن سنان كما أخرجه مسلم من طريق منصور عن أبي وائل في هذا الحديث‏.‏

وقوله ‏"‏هذا ‏"‏ بفتح الهاء وبالذال المعجمة المنوبة قال الحطابي معناه سرعة القراءة بغير تأمل كما ينشد الشعر، وأصل الهذ سرعة الدفع‏.‏

وعند سعيد بن منصور من طريق يسار عن أبي وائل عن عبد الله أنه قال في هذه القصة ‏"‏ إنما فصل لتفصلوه‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثماني عشرة‏)‏ تقدم في ‏"‏ باب تأليف القرآن ‏"‏ من طريق الأعمش عن شقيق فقال فيه ‏"‏ عشرين سورة من أول المفصل ‏"‏ والجمع بينهما أن الثمان عشرة غير سورة الدخان والتي معها، وإطلاق المفصل على الجميع تغليبا، وإلا فالدخان ليست من المفصل على المرجح، لكن يحتمل أن يكون تأليف ابن مسعود على خلاف تأليف غيره، فإن في آخر رواية الأعمش على تأليف ابن مسعود آخر من حم الدخان وعم، فعلى هذا لا تغليب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من آل حاميم‏)‏ أي السورة التي أولها حم، وقيل‏:‏ يريد حم نفسها كما في حديث أبي موسى ‏"‏ أنه أوتى مزمارا من مزامير آل داود ‏"‏ يعني داود نفسه، قال الخطابي‏:‏ قوله ‏"‏ آل داود ‏"‏ يريد به داود نفسه، وهو كقوله تعالى ‏(‏أدخلوا آل فرعون أشد العذاب‏)‏ وتعقبه ابن التين بأن دليله يخالف تأويله، قال‏:‏ وإنما يتم مراده لو كان الذي يدخل أشد العذاب فرعون وحده‏.‏

وقال الكرماني‏:‏ لولا أن هذا الحرف ورد في الكتابة منفصلا يعني ‏"‏ آل ‏"‏ وحدها و ‏"‏ حم ‏"‏ وحدها لجاز أن تكون الألف واللام التي لتعريف الجنس، والتقدير‏:‏ وسورتين من الحواميم‏.‏

قلت‏:‏ لكن الرواية أيضا ليست فيها واو، نعم في رواية الأعمش المذكورة ‏"‏ آخرهن من الحواميم ‏"‏ وهو يؤيد الاحتمال المذكور والله أعلم‏.‏

وأغرب الداودي فقال‏:‏ قوله ‏"‏ من آل حاميم ‏"‏ من كلام أبي وائل، وإلا فإن أول المفصل عند ابن مسعود من أول الجاثية ا هـ، وهذا إنما يرد لو كان ترتيب مصحف ابن مسعود كترتيب المصحف العثماني، والأمر بخلاف ذلك فإن ترتيب السور في مصحف ابن مسعود يغاير الترتيب في المصحف العثماني، فلعل هذا منها ويكون أول المفصل عنده أول الجاثية والدخان متأخرة في ترتيبه عن الجاثية لا مانع من ذلك‏.‏

وقد أجاب النووي على طريق التنزل بأن المراد بقوله عشرين من أول المفصل أي معظم العشرين‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَكَانَ يُعْرَفُ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ الَّتِي فِي لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ فَإِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ فَاسْتَمِعْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ قَالَ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ قَالَ وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ

الشرح‏:‏

حديث ابن عباس في نزول قوله تعالى ‏(‏لا تحرك به لسانك لتعجل به‏)‏ وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير القيامة، وجرير المذكور في إسناده هو ابن عبد الحميد بخلاف الذي في الباب بعده، وقوله فيه ‏"‏ وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه ‏"‏ كذا للأكثر وتقدم توجيهه في بدء الوحي، ووقع عند المستملي هنا ‏"‏ وكان ممن يحرك ‏"‏ ويتعين أن يكون ‏"‏ من ‏"‏ فيه للتبعيض و ‏"‏ من ‏"‏ موصولة والله أعلم‏.‏

وشاهد الترجمة منه النهي عن تعجيله بالتلاوة، فإنه يقتضي استحباب التأني فيه وهو المناسب للترتيل‏.‏

وفي الباب حديث حفصة أم المؤمنين أخرجه مسلم في أثناء حديث وفيه ‏"‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها ‏"‏ وقد تقدم في أواخر المغازي حديث علقمة أنه قرأ على ابن مسعود فقال ‏"‏ رتل فداك أبي وأمي فإنه زينة القرآن ‏"‏ وأن هذه الزيادة وقعت عند أبي نعيم في ‏"‏ المستخرج ‏"‏ وأخرجها ابن أبي داود أيضا‏.‏

والله أعلم

*3*باب مَدِّ الْقِرَاءَةِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب مد القراءة‏)‏ المد عند القراءة على ضربين‏:‏ أصلي وهو إشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة‏.‏

وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة والمنفصل ما كان بكلمة أخرى، فالأول يؤتى فيه بالألف والواو والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف‏.‏

والواو والياء زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمده أولا وقد يزاد على ذلك قليلا، وما أفرط فهو غير محمود، والمراد من الترجمة الضرب الأول‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ الْأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَانَ يَمُدُّ مَدًّا

الشرح‏:‏

وقوله في الرواية الأولى كأن يمد مدا بين في الرواية الثانية المراد بقوله ‏"‏ يمد ‏"‏ بسم الله إلخ يمد اللام التي قبل الهاء من الجلالة، والميم التي قبل النون من الرحمن، والحاء من الرحيم‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كَانَتْ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ

الشرح‏:‏

قوله في الرواية الثانية ‏(‏حدثنا عمرو بن عاصم‏)‏ وقع في بعض النسخ عمرو بن حفص وهو غلط ظاهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سئل أنس‏)‏ ظهر من الرواية الأولى أن قتادة الراوي هو السائل، وقوله الرواية الثانية ‏"‏ كانت مدا ‏"‏ أي كانت ذات مد، ووقع عند أبي نعيم من طريق أبي النعمان عن جرير بن حازم في هذه الرواية ‏"‏ كان يمد صوته مدا ‏"‏ وكذا أخرجه الإسماعيلي من ثلاثة طرق أخرى عن جرير بن حازم، وكذا أخرجه ابن أبي داود من وجه آخر عن جرير‏.‏

وفي رواية له ‏"‏ كان يمد قراءته ‏"‏ وأفاد أنه لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا جرير بن حازم وهمام بن يحيى، وقوله في الثانية ‏"‏ يمد ببسم الله ‏"‏ كذا وقع بموحدة قبل الموحدة التي في بسم الله، كأنه حكى لفظ بسم الله كما حكى لفظ الرحمن في قوله ‏"‏ ويمد بالرحمن ‏"‏ أو جعله كالكلمة الواحدة علما لذلك‏.‏

ووقع عند أبي نعيم من طريق الحسن الحلواني عن عمرو بن عاصم شيخ البخاري فيه ‏"‏ يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم ‏"‏ من غير موحدة في الثلاثة وأخرجه ابن أبي داود عن يعقوب بن إسحاق عن عمرو بن عاصم عن همام وجرير جميعا عن قتادة بلفظ ‏"‏ يمد ببسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏ بإثبات الموحدة في أوله أيضا، وزاد في الإسناد جريرا مع همام في رواية عمرو بن عاصم‏.‏

وأخرج ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك ‏"‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر ق فمر بهذا الحرف ‏(‏لها طلع نضد‏)‏ فمد نضيد ‏"‏ وهو شاهد جيد لحديث أنس، وأصله عند مسلم والترمذي والنسائي من حديث قطبة نفسه‏.‏

‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ استدل بعضهم بهذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، ورام بذلك معارضة حديث أنس أيضا المخرج في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يقرؤها في الصلاة، وفي الاستدلال لذلك بحديث الباب نظر، وقد أوضحته فيما كتبته من النكت على علوم الحديث لابن الصلاح، وحاصله أنه لا يلزم من وصفه بأنه كان إذا قرأ البسملة يمد فيها أن يكون قرأ البسملة في أول الفاتحة في كل ركعة، ولأنه إنما ورد بصورة المثال فلا تتعين البسملة، والعلم عند الله تعالى

*3*باب التَّرْجِيعِ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏باب الترجيع‏)‏ هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره كما سيأتي في حديث عبد الله بن مغفل المذكور في هذا الباب في كتاب التوحيد بقوله ‏"‏ أ ا أ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى ‏"‏ ثم قالوا‏:‏ يحتمل أمرين‏:‏ أحدهما أن ذلك حدث من هز الناقة، والآخر أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك، وهذا الثاني أشبه بالسياق فإن في بعض طرقه ‏"‏ لولا أن يجتمع الناس لقرأت لكم بذلك اللحن ‏"‏ أي النغم‏.‏

وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع، فأخرج الترمذي في ‏"‏ الشمائل ‏"‏ والنسائي وابن ماجه وابن أبي داود واللفظ له من حديث أم هانئ ‏"‏ كنت أسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجع القرآن ‏"‏ والذي يظهر أن في الترجيع قدرا زائدا على الترتيل، فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال ‏"‏ بت مع عبد الله بن مسعود في داره، فنام ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه لا يرفع صوته ويسمع من حوله، ويرتل ولا يرجع ‏"‏ وقال الشيخ أبو محمد بن أبي، جمرة‏:‏ معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة‏.‏

قال‏:‏ وفي الحديث ملازمته صلى الله عليه وسلم للعبادة لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع أفضل من الإسرار، وهو عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك

*3*باب حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ

الشرح‏:‏

وله ‏(‏باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن‏)‏ كذا لأبي ذر، وسقط قوله ‏"‏ للقرآن ‏"‏ لغيره‏.‏

وقد تقدم في ‏"‏ باب من لم يتغن بالقرآن ‏"‏ نقل الإجماع على استحباب سماع القرآن من ذي الصوت الحسن‏.‏

وأخرج ابن أبي داود من طريق ابن أبي مسجعة قال ‏"‏ كان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم‏"‏‏.‏

الحديث‏:‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ

الشرح‏:‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن خلف أبو بكر‏)‏ هو الحدادي بالمهملات وفتح أوله والتثقيل، بغدادي مقرئ من صغار شيوخ البخاري، وعاش بعد البخاري خمس سنين‏.‏

وأبو يحيى الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفي وهو والد يحيى بن عبد الحميد الكوفي الحافظ صاحب المسند‏.‏

وليس لمحمد ابن خلف ولا لشيخه أبي يحيى في البخاري إلا هذا الموضع، وقد أدرك البخاري أبا يحيى بالسن، لكنه لم يلقه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثني بريد‏)‏ في رواية الكشميهني ‏"‏ سمعت بريد بن عبد الله ‏"‏ قوله‏:‏ ‏(‏يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود‏)‏ كذا وقع عنده مختصرا من طريق بريد، وأخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة بلفظ ‏"‏ لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة ‏"‏ الحديث‏.‏

وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة مرا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما مضيا‏.‏

فلما أصبح لقي أبو موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا أبا موسى، مررت بك ‏"‏ فذكر الحديث فقال ‏"‏ أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا ‏"‏ ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم ‏"‏ أن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم صوته - وكان حلو الصوت - فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له، فقال‏:‏ لو علمت لحبرته لهن تحبيرا ‏"‏ وللروياني من طريق مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه نحو سياق سعيد بن أبي بردة وقال فيه ‏"‏ لو علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع قراءتي لحبرتها تحبيرا ‏"‏ وأصلها عند أحمد، وعند الدارمي من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لأبي موسى - وكان حسن الصوت بالقرآن - لقد أوتي هذا من مزامير آل داود ‏"‏ فكأن المصنف أشار إلى هذه الطريق في الترجمة، وأصل هذا الحديث عند النسائي من طريق عمرو بن الحارث عن الزهري موصولا بذكر أبي هريرة فيه ولفظه ‏"‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قراءة أبي موسى فقال‏:‏ لقد أوتي من مزامير آل داود ‏"‏ وقد اختلف فيه على الزهري، فقال معمر وسفيان ‏"‏ عن الزهري عن عروة عن عائشة ‏"‏ أخرجه النسائي‏.‏

وقال الليث ‏"‏ عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب ‏"‏ مرسلا، ولأبي يعلى من طريق عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء ‏"‏ سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى فقال‏:‏ كأن صوت هذا من مزامير آل داود ‏"‏ وأخرج ابن أبي داود من طريق، أبي عثمان النهدي قال ‏"‏ دخلت دار أبي موسى الأشعري فما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا ناي أحسن من صوته ‏"‏ سنده صحيح وهو في ‏"‏ الحلية لأبي نعيم ‏"‏ والصنج بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم هو آلة تتخذ من نحاس كالطبقين يضرب أحدهما بالآخر، والبربط بالموحدتين بينهما راء ساكنة ثم طاء مهملة بوزن جعفر هو آلة تشبه العود فارسي معرب، والناي بنون بغير همز هو المزمار‏.‏

قال الخطابي‏:‏ قوله ‏"‏ آل داود ‏"‏ يريد داود نفسه، لأنه لم ينقل أن أحدا من أولاد داود ولا من أقاربه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي‏.‏

قلت‏:‏ ويؤيده ما أورده من الطريق الأخرى، وقد تقدم في ‏"‏ باب من لم يتغن بالقرآن ‏"‏ ما نقل عن السلف في صفة صوت داود، والمراد بالمزمار الصوت الحسن، وأصله الآلة أطلق اسمه على الصوت للمشابهة‏.‏

وفي الحديث دلالة بينة على أن القراءة غير المقروء وسيأتي مزيد بحث في ذلك في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى