فصل: هَلْ تُقْسَمُ الزّكَاةُ وَالْفَيْءُ عَلَى الْأَصْنَافِ كُلّهَا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.مَصَارِفُ الْفَيْءِ:

فَأَمّا الزّكَوَاتُ وَالْغَنَائِمُ وَقِسْمَةُ الْمَوَارِيثِ فَإِنّهَا مُعَيّنَةٌ لِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا فَلَمْ يُشْكِلْ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِهَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَيْءِ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا مِنْ النّزَاعِ مَا وَقَعَ فِيهِ وَلَوْلَا إشْكَالٌ أَمْرِهِ عَلَيْهِمْ لَمَا طَلَبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِيرَاثَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ وَظَنّتْ أَنّهُ يُورَثُ عَنْهُ مَا كَانَ مَلِكًا لَهُ كَسَائِرِ الْمَالِكِينَ وَخَفِيَ عَلَيْهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا حَقِيقَةُ الْمَلِكِ الّذِي لَيْسَ مِمّا يُورَثُ عَنْهُ بَلْ هُوَ صَدَقَةٌ بَعْدَهُ وَلَمّا عَلِمَ ذَلِكَ خَلِيفَتُهُ الرّاشِدُ الْبَارّ الصّدّيقُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ لَمْ يَجْعَلُوا مَا خَلّفَهُ مِنْ الْفَيْءِ مِيرَاثًا يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بَلْ دَفَعُوهُ إلَى عَلِيّ وَالْعَبّاسِ يَعْمَلَانِ فِيهِ عَمَلَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى تَنَازَعَا فِيهِ وَتَرَافَعَا إلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَعُمَرَ وَلَمْ يَقْسِمْ أَحَدٌ مِنْهُمَا ذَلِكَ مِيرَاثًا وَلَا مَكّنَا مِنْهُ عَبّاسًا وَعَلِيًّا. وَقَدْ قَالَ اللّهُ تَعَالَى: {مَا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} إلَى قَوْلِهِ: {وَالّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} إلَى آخِرِ الْآيَةِ [الْحَشْرُ 7- 10]. فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّ مَا أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ بِجُمْلَتِهِ لِمَنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَلَمْ يَخُصّ مِنْهُ خُمُسَهُ بِالْمَذْكُورِينَ بَلْ عَمّمَ وَأَطْلَقَ وَاسْتَوْعَبَ. وَيُصْرَفُ عَلَى الْمَصَارِفِ الْخَاصّةِ وَهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ ثُمّ عَلَى الْمَصَارِفِ الْعَامّةِ وَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ إلَى فَاَلّذِي عَمِلَ بِهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ الرّاشِدُونَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مَا أَحَدٌ أَحَقّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ وَمَا أَنَا أَحَقّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ وَاَللّهِ مَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إلّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ إلّا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ وَلَكِنّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللّهِ وَقَسَمِنَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَالرّجُلُ وَبَلَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالرّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالرّجُلُ وَغِنَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالرّجُلُ وَحَاجَتُهُ وَوَاللّهِ لَئِنْ بَقِيَتْ لَهُمْ لَيَأْتِيَنّ الرّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ فَهَؤُلَاءِ الْمُسَمّوْنَ فِي آيَةِ الْفَيْءِ هُمْ الْمُسَمّوْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي آيَةِ الْخُمُسِ لِأَنّهُمْ الْمُسْتَحَقّونَ لِجُمْلَةِ الْفَيْءِ وَأَهْلُ الْخُمُسِ لَهُمْ اسْتِحْقَاقَانِ اسْتِحْقَاقٌ خَاصّ مِنْ الْخُمُسِ وَاسْتِحْقَاقٌ عَامّ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ فَإِنّهُمْ دَاخِلُونَ فِي النّصِيبَيْنِ. وَكَمَا أَنّ قِسْمَتَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ بَيْنَ مَنْ جُعِلَ لَهُ لَيْسَ قِسْمَةَ الْأَمْلَاكِ الّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَالِكُونَ كَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا وَالْأَمْلَاكِ الْمُطْلَقَةِ بَلْ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ وَالنّفْعِ وَالْغِنَاءِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْبَلَاءِ فِيهِ فَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهِ فَإِنّ مَخْرَجَهُمَا وَاحِدٌ فِي كِتَابِ اللّهِ وَالتّنْصِيصُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إدْخَالِهِمْ وَأَنّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ بِحَالٍ وَأَنّ الْخُمُسَ لَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ كَأَصْنَافِ الزّكَاةِ لَا تَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ كَمَا أَنّ الْفَيْءَ الْعَامّ فِي آيَةِ الْحَشْرِ لِلْمَذْكُورِينَ فِيهَا لَا يَتَعَدّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ وَلِهَذَا أَفْتَى أَئِمّةُ الْإِسْلَامِ كَمَالِكٍ وَالْإِمَام أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا أَنّ الرّافِضَةَ لَا حَقّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ لِأَنّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَا مِنْ الّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الّذِي سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ وَعَلَيْهِ يَدُلّ الْقُرْآنُ وَفِعْلُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ.

.هَلْ تُقْسَمُ الزّكَاةُ وَالْفَيْءُ عَلَى الْأَصْنَافِ كُلّهَا:

فَقَالَ الشّافِعِيّ: تَجِبُ قِسْمَةُ الزّكَاةِ وَالْخُمُسِ عَلَى الْأَصْنَافِ كُلّهَا وَيُعْطِي مِنْ كُلّ صِنْفٍ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ. وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللّهُ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: بَلْ يُعْطِي فِي الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا وَلَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ وَلَا تَجِبُ قِسْمَةُ الزّكَاةِ وَلَا الْفَيْءُ فِي جَمِيعِهِمْ. وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ: بِقَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُمْ اللّهُ فِي آيَةِ الزّكَاةِ وَبِقَوْلِ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ فِي آيَةِ الْخُمُسِ. وَمَنْ تَأَمّلَ النّصُوصَ وَعَمَلَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخُلَفَائِهِ وَجَدَهُ يَدُلّ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أَهْلَ الْخُمُسِ هُمْ أَهْلُ الْفَيْءِ وَعَيّنَهُمْ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ وَتَقْدِيمًا لَهُمْ وَلِمَا كَانَتْ الْغَنَائِمُ خَاصّةً بِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ فِيهَا سِوَاهُمْ نَصّ عَلَى خُمُسِهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَلَمّا كَانَ الْفَيْءُ لَا يَخْتَصّ بِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ جَعَلَ جُمْلَتَهُ لَهُمْ وَلِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتَابِعِيهِمْ فَسَوّى بَيْنَ الْخُمُسِ وَبَيْنَ الْفَيْءِ فِي الْمَصْرِفِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَصْرِفُ سَهْمَ اللّهِ وَسَهْمَهُ فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهَا مُقَدّمًا لِلْأَهَمّ فَالْأَهَمّ وَالْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ فَيُزَوّجُ مِنْهُ عُزّابَهُمْ وَيَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُمْ وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ مِنْهُمْ وَيُعْطِي عَزَبَهُمْ حَظّا وَمُتَزَوّجَهُمْ حَظّيْنِ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ يَجْمَعُونَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَأَبْنَاءَ السّبِيلِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَيَقْسِمُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ بَيْنَهُمْ عَلَى السّوِيّةِ وَلَا عَلَى التّفْضِيلِ كَمَا لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الزّكَاةِ فَهَذَا هَدْيُهُ وَسِيرَتُهُ وَهُوَ فَصْلُ الْخُطّابِ وَمَحْضُ الصّوَابِ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ لِعَدُوّهِ وَفِي رُسُلِهِمْ أَنْ لَا يُقْتَلُوا وَلَا يُحْبَسُوا وَفِي النّبْذِ إلَى مَنْ عَاهَدَهُ عَلَى سَوَاءٍ إذَا خَافَ مِنْهُ نَقْضَ الْعَهْدِ:

ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِرَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ لَمّا قَالَا: نَقُولُ إنّهُ رَسُولُ اللّهِ لَوْلَا أَنّ الرّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِأَبِي رَافِعٍ وَقَدْ أَرْسَلَتْهُ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فَأَرَادَ الْمَقَامَ عِنْدَهُ وَأَنّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَقَالَ إنّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ وَلَكِنْ ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الّذِي فِيهَا الْآنَ فَارْجِعْ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ رَدّ إلَيْهِمْ أَبَا جَنْدَلٍ لِلْعَهْدِ الّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَنْ يَرُدّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَرُدّ النّسَاءَ وَجَاءَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيّةُ مُسْلِمَةً فَخَرَجَ زَوْجُهَا فِي طَلَبِهَا فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ} الْآيَةُ [الْمُمْتَحِنَةُ 10] فَاسْتَحْلَفَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا إلّا الرّغْبَةُ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنّهَا لَمْ تَخْرُجْ لِحَدَثٍ أَحْدَثَتْهُ فِي قَوْمِهَا وَلَا بُغْضًا لَزَوْجِهَا فَحَلَفَتْ فَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَوْجَهَا مَهْرَهَا وَلَمْ يَرُدّهَا عَلَيْهِ. فَهَذَا حُكْمُهُ الْمُوَافِقُ لِحُكْمِ اللّهِ وَلَمْ يَجِئْ شَيْءٌ يَنْسَخُهُ الْبَتّةَ. وَمَنْ زَعَمَ أَنّهُ مَنْسُوخٌ فَلَيْسَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِمّا تَخَافَنّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنّ اللّهَ لَا يُحِبّ الْخَائِنِينَ} [الْأَنْفَالُ 58]. وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلّنّ عَقْدًا وَلَا يَشُدّنّهُ حَتّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ قَالَ التّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلَمّا أَسَرَتْ قُرَيْشٌ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَأَبَاهُ أَطْلَقُوهُمَا وَعَاهَدُوهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَاهُمْ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانُوا خَارِجِينَ إلَى بَدْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللّهَ عَلَيْهِمْ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَمَانِ الصّادِرِ مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ:

ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّه أَجَارَ رَجُلَيْنِ أَجَارَتْهُمَا أُمّ هَانِئٍ ابْنَةُ عَمّهِ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ أَجَارَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرّبِيعِ لَمّا أَجَارَتْهُ ابْنَتُهُ زَيْنَبُ ثُمّ قَالَ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ فَهَذِهِ أَرْبَعُ قَضَايَا كُلّيّةٌ أَحَدُهَا: تَكَافُؤُ دِمَائِهِمْ وَهُوَ يَمْنَعُ قَتْلَ مُسْلِمِهِمْ بِكَافِرِهِمْ.
وَالثّانِيَةُ أَنّهُ يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُوَ يُوجِبُ قَبُولَ أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. لَا يَجُوزُ الْأَمَانُ إلّا لِوَالِي الْجَيْشِ أَوْ وَالِي السّرِيّةِ. قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ النّاسِ كُلّهِمْ.
وَالثّالِثَةُ أَنّ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ تَوْلِيَةِ الْكُفّارِ شَيْئًا مِنْ الْوِلَايَاتِ فَإِنّ لِلْوَالِي يَدًا عَلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ.
وَالرّابِعَةُ أَنّهُ يَرُدّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهَذَا يُوجِبُ أَنّ السّرِيّةَ إذَا غَنِمَتْ غَنِيمَةً بِقُوّةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُمْ وَلِلْقَاصِي مِنْ الْجَيْشِ إذْ بِقُوّتِهِ غَنِمُوهَا وَأَنّ مَا صَارَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْفَيْءِ كَانَ لِقَاصِيهِمْ وَدَانِيهِمْ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ دَانِيهِمْ فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ وَغَيْرُهَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كَلِمَاتِهِ الْأَرْبَعَةِ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْجِزْيَةِ وَمِقْدَارِهَا وَمِمّنْ تُقْبَلُ:

.الْأَمْرُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ:

قَدْ تَقَدّمَ أَنّ أَوّلَ مَا بَعَثَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ بِهِ نَبِيّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الدّعْوَةَ إلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا جِزْيَةٍ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِمَكّةَ ثُمّ أُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ لَمّا هَاجَرَ مِنْ أَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ وَالْكَفّ عَمّنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ ثُمّ لَمّا نَزَلَتْ (بَرَاءَةُ) سَنَةَ ثَمَانٍ أَمَرَهُ بِقِتَالِ جَمِيعِ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ الْعَرَبِ: مَنْ قَاتَلَهُ أَوْ كَفّ عَنْ قِتَالِهِ إلّا مَنْ عَاهَدَهُ وَلَمْ يَنْقُصْهُ مِنْ عَهْدِهِ شَيْئًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِعَهْدِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَحَارَبَ الْيَهُودَ مِرَارًا وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ. ثُمّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلّهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَامْتَثَلَ أَمْرَ رَبّهِ فَقَاتَلَهُمْ فَأَسْلَمَ بَعْضُهُمْ وَأَعْطَى بَعْضَهُمْ الْجِزْيَةَ وَاسْتَمَرّ بَعْضُهُمْ عَلَى مُحَارَبَتِهِ فَأَخَذَهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَأَيْلَةَ وَهُمْ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمِنْ أَهْلِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَأَكْثَرُهُمْ عَرَبٌ وَأَخَذَهَا مِنْ الْمَجُوسِ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْيَمَنِ وَكَانُوا يَهُودًا.

.هَلْ تَقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَهَلْ تُقْبَلُ مِنْ الْعَرَبِ:

وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَقَالَ أَحْمَدُ وَالشّافِعِيّ: لَا تُؤْخَذُ إلّا مِنْ الطّوَائِفِ الثّلَاثِ الّتِي أَخَذَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى وَالْمَجُوسُ. وَمَنْ عَدَاهُمْ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلّا الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ فِي الْأُمَمِ كُلّهَا إذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ قُبِلَتْ مِنْهُمْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ بِالْقُرْآنِ وَالْمَجُوسُ بِالسّنّةِ وَمَنْ عَدَاهُمْ مُلْحَقٌ بِهِمْ لِأَنّ الْمَجُوسَ أَهْلُ شِرْكٍ لَا كِتَابَ لَهُمْ فَأَخْذُهَا مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَإِنّمَا لَمْ يَأْخُذْهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ لِأَنّهُمْ أَسْلَمُوا كُلّهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ فَإِنّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ الْعَرَبِ وَاسْتَوْثَقَتْ كُلّهَا لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ الْيَهُودِ الّذِينَ حَارَبُوهُ لِأَنّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ فَلَمّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمِنْ الْمَجُوسِ وَلَوْ بَقِيَ حِينَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ بَذَلَهَا لِقِبَلِهَا مِنْهُ كَمَا قَبِلَهَا مِنْ عَبَدَةِ الصّلْبَانِ وَالنّيرَانِ وَلَا فَرْقَ وَلَا تَأْثِيرَ لِتَغْلِيظِ كُفْرِ بَعْضِ الطّوَائِفِ عَلَى بَعْضٍ ثُمّ إنّ كُفْرَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَيْسَ أَغْلَظَ مِنْ كُفْرِ الْمَجُوسِ وَأَيّ فَرْقٍ بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنّيرَانِ بَلْ كُفْرُ الْمَجُوسِ أَغْلَظُ وَعُبّادُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يُقِرّونَ بِتَوْحِيدِ الرّبُوبِيّةِ وَأَنّهُ لَا خَالِقَ إلّا اللّهُ وَأَنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ آلِهَتَهُمْ لِتَقَرّبِهِمْ إلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَمْ يَكُونُوا يُقِرّونَ بِصَانِعَيْنِ لِلْعَالَمِ أَحَدُهُمَا: خَالِقٌ لِلْخَيْرِ الْمَجُوسُ وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَحِلّونَ نِكَاحَ الْأُمّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَكَانُوا عَلَى بَقَايَا مِنْ دِينِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَأَمّا الْمَجُوسُ فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى كِتَابٍ أَصْلًا وَلَا دَانُوا بِدِينِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَا فِي عَقَائِدِهِمْ وَلَا فِي شَرَائِعِهِمْ وَالْأَثَرُ الّذِي فِيهِ أَنّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ وَرُفِعَتْ شَرِيعَتُهُمْ لَمّا وَقَعَ مَلِكُهُمْ عَلَى ابْنَتِهِ لَا يَصِحّ الْبَتّةَ وَلَوْ صَحّ لَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ وَشَرِيعَتُهُمْ بَطَلَتْ فَلَمْ يَبْقَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا. وَمَعْلُومٌ أَنّ الْعَرَبَ كَانُوا عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَكَانَ لَهُ صُحُفٌ وَشَرِيعَةٌ وَلَيْسَ تَغْيِيرُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لِدِينِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَشَرِيعَتِهِ بِأَعْظَمَ مِنْ تَغْيِيرِ الْمَجُوسِ لِدِينِ نَبِيّهِمْ وَكِتَابِهِمْ لَوْ صَحّ فَإِنّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمْ التّمَسّكُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصّلَوَاتُ وَالسّلَامُ بِخِلَافِ الْعَرَبِ فَكَيْفَ يَجْعَلُ الْمَجُوسُ الّذِينَ دِينُهُمْ أَقْبَحُ الْأَدْيَانِ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحّ فِي الدّلِيلِ كَمَا تَرَى.
وَفَرّقَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ بَيْنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ فَقَالُوا: تُؤْخَذُ مِنْ كُلّ كَافِرٍ إلّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
وَرَابِعَةٌ فَرّقَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا لَا مَعْنًى لَهُ فَإِنّ قُرَيْشًا لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ كَافِرٌ يَحْتَاجُ إلَى قِتَالِهِ وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُ الْبَتّة وَقَدْ كَتَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أَهْلِ هَجَرَ وَإِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى وَإِلَى مُلُوكِ الطّوَائِفِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ وَلَمْ يُفَرّقْ بَيْنَ عَرَبِيّ وَغَيْرِهِ.

.مِقْدَارُ الْجِزْيَةِ:

وَأَمّا حُكْمُهُ فِي قَدْرِهَا فَإِنّهُ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مَعَافِرَ وَهِيَ ثِيَابٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْيَمَنِ. ثُمّ زَادَ فِيهَا عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَجَعَلَهَا أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذّهَبِ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ فِي كُلّ سَنَةٍ فَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِمَ ضَعْفَ أَهْلِ الْيَمَنِ وَعُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلِمَ غِنَى أَهْلِ الشّامِ وَقُوّتَهُمْ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْهُدْنَةِ وَمَا يَنْقُضُهَا:

.مُصَالَحَتُهُ أَهْلَ مَكّةَ:

ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ صَالَحَ أَهْلَ مَكّةَ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ وَدَخَلَ حُلَفَاؤُهُمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ مَعَهُمْ وَحُلَفَاؤُهُ مِنْ خُزَاعَةَ مَعَهُ فَعَدَتْ حُلَفَاءُ قُرَيْشٍ عَلَى حُلَفَائِهِ فَغَدَرُوا بِهِمْ فَرَضِيَتْ قُرَيْشٌ وَلَمْ تُنْكِرْهُ فَجَعَلَهُمْ بِذَلِكَ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ وَاسْتَبَاحَ غَزْوَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذِ عَهْدِهِمْ إلَيْهِمْ لِأَنّهُمْ صَارُوا مُحَارِبِينَ لَهُ نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ بِرِضَاهُمْ وَإِقْرَارِهِمْ لِحُلَفَائِهِمْ عَلَى الْغَدْرِ بِحُلَفَائِهِ وَأَلْحَقَ رِدْأَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمُبَاشِرِهِمْ.

.مُصَالَحَتُهُ الْيَهُودَ:

وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ صَالَحَ الْيَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ لَمّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَغَدَرُوا بِهِ وَنَقَضُوا عَهْدَهُ مِرَارًا وَكُلّ ذَلِكَ يُحَارِبُهُمْ وَيَظْفَرُ بِهِمْ وَآخَرُ مَا صَالَحَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنّ الْأَرْضَ لَهُ وَيُقِرّهُمْ فِيهَا عُمّالًا لَهُ مَا شَاءَ وَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ مِنْهُ فِيهِمْ حُجّةً عَلَى جَوَازِ صُلْحِ الْإِمَامِ لِعَدُوّهِ مَا شَاءَ مِنْ الْمُدّةِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ جَائِزًا لَهُ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ وَهُوَ مُوجِبُ حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِي لَا نَاسِخَ لَهُ.

.فصل مَا كَانَ فِي صُلْحِهِ لِأَهْلِ مَكّةَ مِنْ دُخُولِ بَعْضِهِمْ فِي عَهْدِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم:

وَكَانَ فِي صُلْحِهِ لِأَهْلِ مَكّةَ أَنّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ مُحَمّدٍ، وَعَقْدِهِ دَخَلَ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهِمْ دَخَلَ وَأَنّ مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ لَا يَرُدّونَهُ إلَيْهِ وَمَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ رَدّهُ إلَيْهِمْ وَأَنّهُ يَدْخُلُ الْعَامَ الْقَابِلَ إلَى مَكّةَ فَيُخَلّونَهَا لَهُ ثَلَاثًا وَلَا يَدْخُلُهَا إلّا بِجُلْبَانِ السّلَاحِ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصّةِ وَفِقْهُهَا فِي مَوْضِعِهِ.