فصل: فصل وُجُوهُ التّرْجِيحِ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فصل وُجُوهُ التّرْجِيحِ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ:

فَحَصَلَ التّرْجِيحُ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ لِوُجُوهٍ عَشَرَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنّهُمْ أَكْثَرُ كَمَا تَقَدّمَ.
الثّانِي: أَنّ طُرُقَ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ تَنَوّعَتْ كَمَا بَيّنّاهُ.
الثّالِثُ أَنّ فِيهِمْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ سَمَاعِهِ وَلَفْظِهِ صَرِيحًا، وَفِيهِمْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ إخْبَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَفِيهِمْ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ لَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجِئْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْإِفْرَادِ.
الرّابِعُ تَصْدِيقُ رِوَايَاتِ مَنْ رَوَى أَنّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ لَهَا.
الْخَامِسُ أَنّهَا صَرِيحَةٌ لَا تَحْتَمِلُ التّأْوِيلَ بِخِلَافِ رِوَايَاتِ الْإِفْرَادِ.
السّادِسُ أَنّهَا مُتَضَمّنَةٌ زِيَادَةً سَكَتَ عَنْهَا أَهْلُ الْإِفْرَادِ أَوْ نَفَوْهَا، وَالذّاكِرُ الزّائِدُ مُقَدّمٌ عَلَى السّاكِتِ وَالْمُثْبِتُ مُقَدّمٌ عَلَى النّافِي.
السّابِعُ أَنّ رُوَاةَ الْإِفْرَادِ أَرْبَعَةٌ عَائِشَةُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عَبّاسٍ، وَالْأَرْبَعَةُ رَوَوْا الْقِرَانَ فَإِنْ صِرْنَا إلَى تَسَاقُطِ رِوَايَاتِهِمْ سَلِمَتْ رِوَايَةُ مَنْ عَدَاهُمْ لِلْقِرَانِ عَنْ مُعَارِضٍ وَإِنْ صِرْنَا إلَى التّرْجِيحِ وَجَبَ الْأَخَذُ بِرِوَايَةِ مَنْ لَمْ تَضْطَرِبْ الرّوَايَةُ عَنْهُ وَلَا اخْتَلَفَتْ كَالْبَرَاءِ، وَأَنَسٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَحَفْصَةَ، وَمَنْ مَعَهُمْ مِمّنْ تَقَدّمَ.
الثّامِنُ أَنّهُ النّسُكُ الّذِي أُمِرَ بِهِ مِنْ رَبّهِ فَلَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ عَنْهُ.
التّاسِعُ أَنّهُ النّسُكُ الّذِي أُمِرَ بِهِ كُلّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهُمْ بِهِ إذَا سَاقُوا الْهَدْيَ ثُمّ يَسُوقُ هُوَ الْهَدْيَ وَيُخَالِفُهُ.
الْعَاشِرُ أَنّهُ النّسُكُ الّذِي أَمَرَ بِهِ آلَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَاخْتَارَهُ لَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ لَهُمْ إلّا مَا اخْتَارَ لِنَفْسِهِ. وَثَمّتَ تَرْجِيحٌ حَادِي عَشَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنّهَا قَدْ صَارَتْ جُزْءًا مِنْهُ أَوْ كَالْجُزْءِ الدّاخِلِ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَإِنّمَا تَكُونُ مَعَ الْحَجّ كَمَا يَكُونُ الدّاخِلُ فِي الشّيْءِ مَعَهُ.
وَتَرْجِيحُ ثَانِي عَشَرَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لِلصّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ وَقَدْ أَهَلّ بِحَجّ وَعُمْرَةٍ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، أَوْ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هُدِيتَ لِسُنّةِ نَبِيّك مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ عُمَرَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْوَحْيَ جَاءَهُ مِنْ اللّهِ بِالْإِهْلَالِ بِهِمَا جَمِيعًا، فَدَلّ عَلَى أَنّ الْقِرَانَ سُنّتُهُ الّتِي فَعَلَهَا، وَامْتَثَلَ أَمْرَ اللّهِ لَهُ بِهَا.
وَتَرْجِيحٌ ثَالِثَ عَشَرَ أَنّ الْقَارِنَ تَقَعُ أَعْمَالُهُ عَنْ كُلّ مِنْ النّسُكَيْنِ فَيَقَعُ عَشَرَ وَهُوَ أَنّ النّسُكَ الّذِي اشْتَمَلَ عَلَى سَوْقِ الْهَدْيِ أَفْضَلُ بِلَا رَيْبٍ مِنْ نُسُكٍ خَلَا عَنْ الْهَدْيِ. فَإِذَا قَرَنَ كَانَ هَدْيُهُ عَنْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ النّسُكَيْنِ فَلَمْ يَخْلُ نُسُكٌ مِنْهُمَا عَنْ هَدْيٍ وَلِهَذَا- وَاللّهُ أَعْلَمُ- أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يُهِلّ بِالْحَجّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الْمُتّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِقَوْلِهِ إنّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ.

.قَوْلُ الْمُصَنّفِ التّمَتّعُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ:

وَتَرْجِيحٌ خَامِسَ عَشَرَ وَهُوَ أَنّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنّ التّمَتّعَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا: أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجّ إلَيْهِ وَمُحَالٌ أَنْ يَنْقُلَهُمْ مِنْ الْفَاضِلِ إلَى الْمَفْضُولِ الّذِي هُوَ دُونَهُ وَمِنْهَا: أَنّهُ تَأَسّفَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ يَفْعَلْهُ بِقَوْلِهِ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً وَمِنْهَا: أَنّهُ أَمَرَ بِهِ كُلّ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ. وَمِنْهَا: أَنّ الْحَجّ الّذِي اسْتَقَرّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَفِعْلُ أَصْحَابِهِ الْقِرَانُ لِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَالتّمَتّعُ لِمَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ وَلِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ غَيْرِ هَذِهِ وَالْمُتَمَتّعُ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ مُتَمَتّعٍ اشْتَرَاهُ مِنْ مَكّةَ، بَلْ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَا هَدْيَ إلّا مَا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلّ وَالْحَرَمِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْقَارِنُ السّائِقُ أَفْضَلُ مِنْ مُتَمَتّعٍ لَمْ يَسُقْ وَمِنْ مُتَمَتّعٍ سَاقَ الْهَدْيَ لِأَنّهُ قَدْ سَاقَ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ وَالْمُتَمَتّعُ إنّمَا يَسُوقُ الْهَدْيَ مِنْ أَدْنَى الْحِلّ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُفْرِدٌ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا، أَفْضَلُ مِنْ مُتَمَتّعٍ سَاقَهُ مِنْ أَدْنَى الْحِلّ؟ فَكَيْفَ إذَا جُعِلَ أَفْضَلُ مِنْ قَارِنٍ سَاقَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَهَذَا بِحَمْدِ اللّهِ وَاضِحٌ.

.فصل عُذْرُ مَنْ قَالَ حَجّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُتَمَتّعًا تَمَتّعًا حَلّ فِيهِ مِنْ إحْرَامِهِ:

وَأَمّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إنّهُ حَجّ مُتَمَتّعًا تَمَتّعًا حَلّ فِيهِ مِنْ إحْرَامِهِ ثُمّ أَحْرَمَ يَوْمَ التّرْوِيَةِ بِالْحَجّ مَعَ سَوْقِ الْهَدْيِ. فَعُذْرُهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، أَنّهُ قَصّرَ عَنْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمِشْقَصٍ فِي الْعَشْرِ وَفِي لَفْظٍ وَذَلِكَ فِي حَجّتِهِ. وَهَذَا مِمّا أَنْكَرَهُ النّاسُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَغَلّطُوهُ فِيهِ وَأَصَابَهُ فِيهِ مَا أَصَابَ ابْنَ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ إنّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ فَإِنّ سَائِرَ الْأَحَادِيثِ الصّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُتَعَدّدَةِ كُلّهَا تَدُلّ عَلَى أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَحِلّ مِنْ إحْرَامِهِ إلّا يَوْمَ النّحْرِ وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ لَوْلَا أَنّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْت وَقَوْلِهِ إنّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْتُ فَلَا أُحِلّ حَتّى أَنْحَرَ وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَدْخُلُهُ الْوَهْمُ وَلَا الْغَلَطُ بِخِلَافِ خَبَرِ غَيْرِهِ عَنْهُ لَا سِيّمَا خَبَرًا يُخَالِفُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِهِ الْجَمّ الْغَفِيرُ أَنّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا، لَا بِتَقْصِيرٍ وَلَا حَلْقٍ وَأَنّهُ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتّى حَلَقَ يَوْمَ النّحْرِ وَلَعَلّ مُعَاوِيَةَ قَصّرَ عَنْ رَأْسِهِ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ، فَإِنّهُ كَانَ حِينَئِذٍ قَدْ أَسْلَمَ، ثُمّ نَسِيَ فَظَنّ أَنّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْعَشْرِ كَمَا نَسِيَ ابْنُ عُمَرَ أَنّ عُمَرَهُ كَانَتْ كُلّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ. وَقَالَ كَانَتْ [إحْدَاهُنّ] فِي رَجَبٍ وَقَدْ كَانَ مَعَهُ فِيهَا، وَالْوَهْمُ جَائِزٌ عَلَى مَنْ سِوَى الرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. فَإِذَا قَامَ الدّلِيلُ عَلَيْهِ صَارَ وَاجِبًا. وَقَدْ قِيلَ إنّ مُعَاوِيَةَ لَعَلّهُ قَصّرَ عَنْ رَأْسِهِ بَقِيّةَ شَعْرٍ لَمْ يَكُنْ اسْتَوْفَاهُ الْحَلّاقُ يَوْمَ النّحْرِ فَأَخَذَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمّدٍ بْنُ حَزْمٍ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ وَهْمِهِ فَإِنّ الْحَلّاقَ لَا يُبْقِي غَلَطًا شَعْرًا يُقَصّرُ مِنْهُ ثُمّ يُبْقِي مِنْهُ بَعْدَ التّقْصِيرِ بَقِيّةً يَوْمَ النّحْرِ وَقَدْ قَسَمَ شَعْرَ رَأْسِهِ بَيْنَ الصّحَابَةِ فَأَصَابَ أَبَا طَلْحَةَ أَحَدَ الشّقّيْنِ وَبَقِيّةُ الصّحَابَةِ اقْتَسَمُوا الشّقّ الْآخَرَ الشّعْرَةَ وَالشّعْرَتَيْنِ وَالشّعَرَاتِ وَأَيْضًا فَإِنّهُ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ إلّا سَعْيًا وَاحِدًا وَهُوَ سَعْيُهُ الْأَوّلُ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجّ قَطْعًا، فَهَذَا وَهْمٌ مَحْضٌ. وَقِيلَ هَذَا وَقَعَ فِيهِ غَلَطٌ وَخَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ، فَجَعَلَهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ. وَإِنّمَا هُوَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ. وَهِشَامٌ ضَعِيفٌ. قُلْت: وَالْحَدِيثُ الّذِي فِي الْبُخَارِيّ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَصّرْتُ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمِشْقَصٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَاَلّذِي عِنْدَ مُسْلِمٍ قَصّرْتُ عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ. وَلَيْسَ فِي الصّحِيحَيْنِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَمّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى فِي أَيّامِ الْعَشْرِ فَلَيْسَتْ فِي الصّحِيحِ وَهِيَ مَعْلُولَةٌ أَوْ وَهْمٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ. قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ رَاوِيهَا عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ وَالنّاسُ يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَى مُعَاوِيَةَ. وَصَدَقَ قَيْسٌ، فَنَحْنُ نَحْلِفُ بِاَللّهِ إنّ هَذَا مَا كَانَ فِي الْعَشْرِ قَطّ. وَيُشْبِهُ هَذَا وَهْمُ مُعَاوِيَةَ فِي الْحَدِيثِ الّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي شَيْخٍ الْهُنَائِيّ أَنّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِأَصْحَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ كَذَا، وَعَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النّمُورِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ فَتَعْلَمُونَ أَنّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ؟ قَالُوا: أَمّا هَذِهِ فَلَا. فَقَال: أَمَا إنّهَا مَعَهَا وَلَكِنّكُمْ نَسِيتُمْ. وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاَللّهِ إنّ هَذَا وَهْمٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَوْ كَذِبٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْهَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ذَلِكَ قَطّ، وَأَبُو شَيْخٍ شَيْخٌ لَا يُحْتَجّ بِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَدّمَ عَلَى الثّقَاتِ الْحُفّاظِ الْأَعْلَامِ وَإِنْ رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. وَاسْمُهُ خَيْوَانُ بْنُ خَلْدَةَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مَجْهُولٌ.

.فصل عُذْرُ مَنْ قَالَ حَجّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُتَمَتّعًا تَمَتّعًا لَمْ يَحِلّ مِنْهُ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ:

قَالَ حَجّ مُتَمَتّعًا تَمَتّعًا لَمْ يَحِلّ مِنْهُ لِأَجْلِ سَوْقِ الْهَدْيِ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَطَائِفَةٌ فَعُذْرُهُمْ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ: تَمَتّعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَوْلُ حَفْصَةَ: مَا شَأْنُ النّاسِ حَلّوا وَلَمْ تَحِلّ مِنْ عُمْرَتِك، وَقَوْلُ سَعْدٍ فِي الْمُتْعَةِ قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجّ هِيَ حَلَالٌ فَقَالَ لَهُ السّائِلُ إنّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا، وَصَنَعَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ أَأَمْرُ أَبِي تَتْبَعُ أَمْ أَمْرُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ؟ فَقَالَ الرّجُلُ بَلْ أَمْرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ قَالَ هَؤُلَاءِ وَلَوْلَا الْهَدْيُ لَحَلّ كَمَا يَحِلّ الْمُتَمَتّعُ الّذِي لَا هَدْيَ مَعَهُ وَلِهَذَا قَالَ لَوْلَا أَنّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ فَأَخْبَرَ أَنّ الْمَانِعَ لَهُ مِنْ الْحِلّ سَوْقُ الْهَدْيِ وَالْقَارِنُ إنّمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْحِلّ الْقِرَانُ لَا الْهَدْيُ. وَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ قَدْ يُسَمّونَ هَذَا الْمُتَمَتّعَ قَارِنًا، لِكَوْنِهِ أَحْرَمَ بِالْحَجّ قَبْلَ التّحَلّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَكِنّ الْقِرَانَ الْمَعْرُوفَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجّ قَبْلَ الطّوَافِ.

.الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتّعِ السّائِقِ لِلْهَدْيِ:

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتّعِ السّائِقِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: مِنْ الْإِحْرَامِ فَإِنّ الْقَارِنَ هُوَ الّذِي يُحْرِمُ بِالْحَجّ قَبْلَ الطّوَافِ إمّا فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ.
وَالثّانِي: أَنّ الْقَارِنَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا سَعْيٌ وَاحِدٌ فَإِنْ أَتَى بِهِ أَوّلًا، وَإِلّا سَعَى عَقِيبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْمُتَمَتّعُ عَلَيْهِ سَعْيٌ ثَانٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعَنْ أَحْمَدَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَسْعَ سَعْيًا ثَانِيًا عَقِيبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُتَمَتّعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى الرّوَايَةِ الْأُخْرَى، يَكُون مُتَمَتّعًا، وَلَا يَتَوَجّهُ الْإِلْزَامُ وَلَهَا وَجْهٌ قَوِيّ مِنْ الْحَدِيثِ الصّحِيحِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمْ يَطُفْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ إلّا طَوَافًا وَاحِدًا. طَوَافَهُ الْأَوّلَ هَذَا، مَعَ أَنّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا مُتَمَتّعِينَ. وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِيّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ حَلَفَ طَاوُوسٌ: مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ لِحَجّهِ وَعُمْرَتِهِ إلّا طَوَافًا وَاحِدًا. قِيلَ الّذِينَ نَظَرُوا أَنّهُ كَانَ مُتَمَتّعًا تَمَتّعًا خَاصّا، لَا يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلَ بَلْ يُوجِبُونَ عَلَيْهِ سَعْيَيْنِ وَالْمَعْلُومُ مِنْ سُنّتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ أَنّهُ لَمْ يَسْعَ إلّا سَعْيًا وَاحِدًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّهُ قَرَنَ وَقَدِمَ مَكّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَا قَصّرَ وَلَا حَلّ مِنْ شَيْءٍ حَرَمَ مِنْهُ حَتّى كَانَ يَوْمُ النّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَرَأَى أَنّهُ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوّلِ وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ. وَمُرَادُهُ بِطَوَافِهِ الْأَوّلِ الّذِي قَضَى بِهِ حَجّهُ وَعُمْرَتَهُ الطّوَافُ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ بِلَا رَيْبٍ. وَذَكَرَ الدّارَقُطْنِيّ، عَنْ عَطَاءٍ وَنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، إنّمَا طَافَ لِحَجّهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَى سَعْيًا وَاحِدًا، ثُمّ قَدِمَ مَكّةَ، فَلَمْ يَسْعَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الصّدَرِ. فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ وَلَابُدّ إمّا أَنْ يَكُونَ قَارِنًا، أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَمَتّعِ سَعْيَيْنِ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهُ وَإِمّا أَنّ الْمُتَمَتّعَ يَكْفِيهِ سَعْيٌ وَاحِدٌ وَلَكِنّ الْأَحَادِيثَ الّتِي تَقَدّمَتْ فِي بَيَانِ أَنّهُ كَانَ قَارِنًا صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهَا.. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ مُطَرّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ طَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ صَاعِدٍ: حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيّ، حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ. قِيلَ هَذَا خَبَرٌ مَعْلُولٌ وَهُوَ غَلَطٌ. قَالَ الدّارَقُطْنِيّ: يُقَالُ إنّ مُحَمّدَ بْنَ يَحْيَى حَدّثَ بِهَذَا مِنْ حِفْظِهِ فَوَهِمَ فِي مَتْنِهِ وَالصّوَابُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ وَاللّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ هَذَا الْحَدِيثَ غَلَطٌ. وَأَظُنّ أَنّ الشّيْخَ أَبَا مُحَمّدٍ بْنَ قُدَامَةَ، إنّمَا ذَهَبَ إلَى أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ كَانَ مُتَمَتّعًا، لِأَنّهُ رَأَى الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَدْ نَصّ عَلَى أَنّ التّمَتّعَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ وَرَأَى أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَكُنْ لِيَخْتَارَ لِرَسُولِهِ إلّا الْأَفْضَلَ وَرَأَى الْأَحَادِيثَ قَدْ جَاءَتْ بِأَنّهُ تَمَتّعٌ وَرَأَى أَنّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنّهُ لَمْ يَحِلّ فَأَخَذَ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدّمَاتِ الْأَرْبَعِ أَنّهُ تَمَتّعَ تَمَتّعًا خَاصّا لَمْ يَحِلّ مِنْهُ وَلَكِنّ أَحْمَدَ لَمْ يُرَجّحْ التّمَتّعَ لِكَوْنِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَجّ مُتَمَتّعًا، كَيْفَ وَهُوَ الْقَائِلُ لَا أَشُكّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ كَانَ قَارِنًا، وَإِنّمَا اخْتَارَ التّمَتّعَ لِكَوْنِهِ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَهُوَ الّذِي أَمَرَ بِهِ الصّحَابَةَ أَنْ يَفْسَخُوا حَجّهُمْ إلَيْهِ وَتَأَسّفَ عَلَى فَوْتِهِ.
إنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَسُقْ فَالتّمَتّعُ أَفْضَلُ.
وَلَكِنْ نَقَلَ عَنْهُ الْمَرْوَزِيّ، أَنّهُ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ جَعَلَ هَذَا رِوَايَةً ثَانِيَةً وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَأَنّهُ إنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَسُقْ فَالتّمَتّعُ أَفْضَلُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ شَيْخِنَا، وَهِيَ أَحْمَدَ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ لَمْ يَتَمَنّ أَنّهُ كَانَ جَعَلَهَا عُمْرَةً مَعَ سَوْقِهِ الْهَدْيَ بَلْ وَدّ أَنّهُ كَانَ جَعَلَهَا عُمْرَةً وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ.

.هَلْ التّمَتّعُ مَعَ تَرْكِ سَوْقِ الْهَدْيِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ مَعَ السّوْقِ:

بَقِيَ أَنْ يُقَالَ فَأَيّ الْأَمْرَيْنِ أَفْضَلُ أَنْ يَسُوقَ وَيَقْرُنَ أَوْ يَتْرُكَ السّوْقَ وَيَتَمَتّعَ كَمَا وَدّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ فَعَلَهُ. قِيلَ قَدْ تَعَارَضَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَرَنَ وَسَاقَ الْهَدْيَ وَلَمْ يَكُنْ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِيَخْتَارَ لَهُ إلّا أَفْضَلَ الْأُمُورِ وَلَا سِيّمَا وَقَدْ جَاءَهُ الْوَحْيُ بِهِ مِنْ رَبّهِ تَعَالَى، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ.
وَالثّانِي قَوْلُهُ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً. فَهَذَا يَقْتَضِي، أَنّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الْوَقْتُ الّذِي تَكَلّمَ فِيهِ هُوَ وَقْتَ إحْرَامِهِ لَكَانَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ لِأَنّ الّذِي اسْتَدْبَرَهُ هُوَ الّذِي فَعَلَهُ وَمَضَى فَصَارَ خَلْفَهُ وَاَلّذِي اسْتَقْبَلَهُ هُوَ الّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدُ بَلْ هُوَ أَمَامَهُ فَبَيّنَ أَنّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِمَا اسْتَدْبَرَهُ وَهُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ دُونَ هَدْيٍ وَمَعْلُومٌ أَنّهُ لَا يَخْتَارُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْمَفْضُولِ بَلْ إنّمَا يَخْتَارُ الْأَفْضَلَ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ تَرْجِيحُ التّمَتّعِ. وَلِمَنْ رَجّحَ الْقِرَانَ مَعَ السّوْقِ أَنْ يَقُولَ هُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقُلْ هَذَا لِأَجْلِ أَنّ الّذِي فَعَلَهُ مَفْضُولٌ مَرْجُوحٌ بَلْ لِأَنّ الصّحَابَةَ شَقّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحِلّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ مَعَ بَقَائِهِ هُوَ مُحْرِمًا، وَكَانَ يَخْتَارُ مُوَافَقَتَهُمْ لِيَفْعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مَعَ انْشِرَاحٍ وَقَبُولٍ وَمَحَبّةٍ وَقَدْ يَنْتَقِلُ عَنْ الْأَفْضَلِ إلَى الْمَفْضُولِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُوَافَقَةِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ كَمَا قَالَ لِعَائِشَةَ لَوْلَا أَنّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيّةٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ فَهَذَا تَرْكُ مَا هُوَ الْأَوْلَى لِأَجْلِ الْمُوَافَقَةِ وَالتّأْلِيفِ فَصَارَ هَذَا هُوَ الْأَوْلَى جَمَعَ بَيْنَ مَا فَعَلَهُ وَبَيْنَ مَا وَدّهُ وَتَمَنّاهُ وَيَكُونُ اللّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا بِفِعْلِهِ لَهُ وَالثّانِي: بِتَمَنّيه وَوُدّهِ لَهُ فَأَعْطَاهُ أَجْرَ مَا فَعَلَهُ وَأَجْرَ مَا نَوَاهُ مِنْ الْمُوَافَقَةِ وَتَمَنّاهُ وَكَيْفَ يَكُونُ نُسُكٌ يَتَخَلّلُهُ التّحَلّلُ وَلَمْ يَسُقْ فِيهِ الْهَدْيَ أَفْضَلَ مِنْ نُسُكٍ لَمْ يَتَخَلّلْهُ تَحَلّلٌ وَقَدْ سَاقَ فِيهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ وَكَيْفَ يَكُونُ نُسُكٌ أَفْضَلَ فِي حَقّهِ مِنْ نُسُكٍ اخْتَارَهُ اللّهُ لَهُ وَأَتَاهُ بِهِ الْوَحْيُ مِنْ رَبّهِ. فَإِنْ قِيلَ التّمَتّعُ وَإِنْ تَخَلّلَهُ تَحَلّلٌ لَكِنْ قَدْ تُكَرّرَ فِيهِ الْإِحْرَامُ وَإِنْشَاؤُهُ عِبَادَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلرّبّ وَالْقِرَانُ لَا يَتَكَرّرُ فِيهِ الْإِحْرَامُ؟ قِيلَ فِي تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللّهِ بِسَوْقِ الْهَدْيِ وَالتّقَرّبِ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِنْ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ فِي مُجَرّدِ تَكَرّرِ الْإِحْرَامِ ثُمّ إنّ اسْتِدَامَتَهُ قَائِمَةٌ مَقَامَ تَكَرّرِهِ وَسَوْقُ الْهَدْيِ لَا مُقَابِلَ لَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ.