فصل: فصل نَقْضُ بَنِي النّضِيرِ الْعَهْدَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فصل الْأَدِلّةُ عَلَى أَنّ مَكّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً:

وَاَلّذِي يَدُلّ عَلَى أَنّ مَكّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ قَطّ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَالَحَ أَهْلَهَا زَمَنَ الْفَتْحِ وَلَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَالَحَهُ عَلَى الْبَلَدِ وَإِنّمَا جَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ لِمَنْ دَخَلَ دَارَهُ أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَوْ أَلْقَى سِلَاحَهُ. وَلَوْ كَانَتْ قَدْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يَقُلْ مَنْ دَخَلَ دَارَهُ أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ فَإِنّ الصّلْحَ يَقْتَضِي الْأَمَانَ الْعَامّ.
الثّانِي: أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّ اللّهَ حَبَسَ عَنْ مَكّةَ الْفِيلَ، وَسَلّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَإِنّهُ أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَفِي لَفْظٍ إنّهَا لَا تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَنْ تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنّمَا أُحِلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَفِي لَفْظٍ فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُولُوا: إنّ اللّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ. وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. وَأَيْضًا، فَإِنّهُ ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَنّهُ جَعَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسّرِ وَبَطْنِ الْوَادِي، فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اُدْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ اُنْظُرُوا إذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا، وَأَخْفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ وَقَالَ مَوْعِدُكُمْ الصّفَا، قَالَ فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إلّا أَنَامُوهُ وَصَعِدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّفَا، وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ، فَأَطَافُوا بِالصّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ. وَأَيْضًا، فَإِنّ أُمّ هَانِئٍ أَجَارَتْ رَجُلًا، فَأَرَادَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَتْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمّ هَانِئٍ وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا: لَمّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكّةَ، أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي، فَأَدْخَلْتهمَا بَيْتًا، وَأَغْلَقْت عَلَيْهِمَا بَابًا، فَجَاءَ ابْنُ أُمّي عَلِيّ فَتَفَلّتَ عَلَيْهِمَا بِالسّيْفِ فَذَكَرْتُ حَدِيثَ الْأَمَانِ وَقَوْلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحًى بِجَوْفِ مَكّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ. فَإِجَارَتُهَا لَهُ وَإِرَادَةُ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَتْلَهُ وَإِمْضَاءُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إجَارَتَهَا صَرِيحٌ فِي أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. وَأَيْضًا فَإِنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ مَقِيسِ بْنِ صُبَابَةَ، وَابْنِ خَطَلٍ، وَجَارِيَتَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ فُتِحَتْ صُلْحًا، لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَكَانَ ذِكْرُ هَؤُلَاءِ مُسْتَثْنًى مِنْ عَقْدِ الصّلْحِ وَأَيْضًا فَفِي السّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكّةَ، قَالَ أَمّنُوا النّاسَ إلّا امْرَأَتَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ. اُقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.فصل الْإِقَامَةُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ:

وَمَنَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ إقَامَةِ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ إذَا قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَلِمَ؟ قَالَ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا. وَقَالَ مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ. وَقَالَ لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتّى تَنْقَطِعَ التّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التّوْبَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا وَقَالَ سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللّهِ وَتَحْشُرُهُمْ النّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ.

.فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي الْأَمَانِ وَالصّلْحِ وَمُعَامَلَةِ رُسُلِ الْكُفّارِ:

وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَمُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ وَإِجَارَةِ مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْكُفّارِ حَتّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ وَرَدّهِ إلَى مَأْمَنِهِ وَوَفَائِهِ بِالْعَهْدِ وَبَرَاءَتِهِ مِنْ الْغَدْرِ ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ ذِمّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلّنّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدّهَا حَتّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ وَقَالَ مَنْ أَمّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقَاتِلِ وَفِي لَفْظٍ أُعْطِي لِوَاءَ غَدْرَةُ وَقَالَ لِكُلّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَهُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إلّا أُدِيلَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوّ.

.فصل تَقْرِيرُ مَصِيرِ الْكُفّارِ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

وَلَمّا قَدِمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ، صَارَ الْكُفّارُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ صَالَحَهُمْ وَوَادَعَهُمْ عَلَى أَلّا يُحَارِبُوهُ وَلَا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ وَلَا يُوَالُوا عَلَيْهِ عَدُوّهُ وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ آمِنُونَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَقِسْمٌ حَارَبُوهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ. وَقِسْمٌ تَارَكُوهُ فَلَمْ يُصَالِحُوهُ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ بَلْ انْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُ وَأَمْرُ أَعْدَائِهِ ثُمّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُحِبّ ظُهُورَهُ وَانْتِصَارَهُ فِي الْبَاطِنِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحِبّ ظُهُورَ عَدُوّهِ عَلَيْهِ وَانْتِصَارَهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الظّاهِرِ وَهُوَ مَعَ عَدُوّهِ فِي الْبَاطِنِ لِيَأْمَنَ الْفَرِيقَيْنِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُنَافِقُونَ فَعَامَلَ كُلّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطّوَائِفِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

.مُحَارَبَةُ بَنُو قَيْنُقَاعَ لِلْمُسْلِمِينَ:

فَصَالَحَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابَ أَمْنٍ وَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ: بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَبَنِي النّضِيرِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ، فَحَارَبَتْهُ بَنُو قَيْنُقَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ، وَشَرَقُوا بِوَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَتْ إلَيْهِمْ جُنُودُ اللّهِ يَقْدُمُهُمْ عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ يَوْمَ السّبْتِ لِلنّصْفِ مِنْ شَوّالٍ عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ وَكَانَ حُلَفَاءُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ بْنِ سَلُولَ رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ وَكَانُوا أَشْجَعَ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَحَامِلُ لِوَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَحَاصَرَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً إلَى هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ وَهُمْ أَوّلُ مَنْ حَارَبَ مِنْ الْيَهُودِ، وَتَحَصّنُوا فِي حُصُونِهِمْ فَحَاصَرَهُمْ أَشَدّ الْحِصَارِ وَقَذَفَ اللّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ الّذِي إذَا أَرَادَ خِذْلَانَ قَوْمٍ وَهَزِيمَتَهُمْ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ وَقَذَفَهُ فِي قُلُوبِهِمْ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رِقَابِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذُرّيّتِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَكُتّفُوا، وَكَلّمَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ فِيهِمْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَلَحّ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُمْ لَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَلَا يُجَاوِرُوهُ بِهَا، فَخَرَجُوا إلَى أَذْرُعَاتٍ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، فَقَلّ أَنْ لَبِثُوا فِيهَا حَتّى هَلَكَ أَكْثَرُهُمْ وَكَانُوا صَاغَةً وَتُجّارًا، وَكَانُوا نَحْوَ السّتّمِائَةِ مُقَاتِلٍ وَكَانَتْ دَارُهُمْ فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ، وَقَبَضَ مِنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَخَذَ مِنْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَ قِسِيّ وَدِرْعَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ وَثَلَاثَةَ رِمَاحٍ وَخَمّسَ غَنَائِمَهُمْ وَكَانَ الّذِي تَوَلّى جَمْعَ الْغَنَائِمِ مُحَمّدُ بْن مَسْلَمَةَ.

.فصل نَقْضُ بَنِي النّضِيرِ الْعَهْدَ:

ثُمّ نَقَضَ الْعَهْدَ بَنُو النّضِيرِ، قَالَ الْبُخَارِيّ: وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ قَالَهُ عُرْوَةُ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَرَجَ إلَيْهِمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَلّمَهُمْ أَنْ يُعِينُوهُ فِي دِيَةِ الْكِلَابِيّيْنِ اللّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ، فَقَالُوا: نَفْعَلُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ اجْلِسْ هَاهُنَا نَقْضِيَ حَاجَتَك، وَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَسَوّلَ لَهُمْ الشّيْطَانُ الشّقَاء الّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ فَتَآمَرُوا بِقَتْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالُوا: أَيّكُمْ يَأْخُذُ هَذِهِ الرّحَا وَيَصْعَدُ فَيُلْقِيهَا عَلَى رَأْسِهِ يَشْدَخُهُ بِهَا؟ فَقَالَ أَشْقَاهُمْ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ: أَنَا، فَقَالَ لَهُمْ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ: لَا تَفْعَلُوا فَوَاَللّهِ لَيُخَبّرَنّ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ وَإِنّهُ لَنَقْضُ الْعَهْدِ الّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَجَاءَ الْوَحْيُ عَلَى الْفَوْرِ إلَيْهِ مِنْ رَبّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَا هَمّوا بِهِ فَنَهَضَ مُسْرِعًا، وَتَوَجّهَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَحِقَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: نَهَضْتَ وَلَمْ نَشْعُرْ بِكَ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا هَمّتْ يَهُودُ بِهِ وَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ اُخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا، وَقَدْ أَجّلْتُكُمْ عَشْرًا، فَمَنْ وَجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَا، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ فَأَقَامُوا أَيّامًا يَتَجَهّزُونَ وَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللّه بْنُ أُبَيّ: أَنْ لَا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ فَإِنّ مَعِي أَلْفَيْنِ يَدْخُلُونَ مَعَكُمْ حِصْنَكُمْ فَيَمُوتُونَ دُونَكُمْ وَتَنْصُرُكُمْ قُرَيْظَةُ وَحُلَفَاؤُكُمْ مِنْ غَطَفَانَ، وَطَمَعَ رَئِيسُهُمْ حَيّ بْنُ أَخْطَبَ فِيمَا قَالَ لَهُ وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ إنّا لَا نَخْرُجُ مِنْ دِيَارِنَا، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك، فَكَبّرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ وَنَهَضُوا إلَيْهِ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَحْمِلُ اللّوَاءَ فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهِمْ قَامُوا عَلَى حُصُونِهِمْ يَرْمُونَ بِالنّبْلِ وَالْحِجَارَةِ وَاعْتَزَلَتْهُمْ قُرَيْظَةُ وَخَانَهُمْ ابْنُ أُبَيّ وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ غَطَفَانَ، وَلِهَذَا شَبّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قِصّتَهُمْ وَجَعَلَ مَثَلَهُمْ {كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكَ} [الْحَشْرُ 16]، فَإِنّ سُورَةَ الْحَشْرِ هِيَ سُورَةُ بَنِي النّضِيرِ، وَفِيهَا مَبْدَأُ قِصّتِهِمْ وَنِهَايَتُهَا، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَطَعَ نَخْلَهُمْ وَحَرّقَ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهَا: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ الْمَدِينَةِ، فَأَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهَا بِنُفُوسِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَأَنّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ إلّا السّلَاحَ وَقَبَضَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَمْوَالَ وَالْحَلْقَةَ وَهِيَ السّلَاحُ وَكَانَتْ بَنُو النّضِيرِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِنَوَائِبِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُخَمّسْهَا لِأَنّ اللّهَ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ. وَخَمّسَ قُرَيْظَةَ. قَالَ مَالِكٌ: خَمّسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُرَيْظَةَ، وَلَمْ يُخَمّسْ بَنِي النّضِيرِ. لِأَنّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا بِخَيْلِهِمْ وَلَا رِكَابِهِمْ عَلَى بَنِي النّضِيرِ كَمَا أَوْجَفُوا عَلَى قُرَيْظَةَ وَأَجْلَاهُمْ إلَى خَيْبَرَ، وَفِيهِمْ حَيّ بْنُ أَخْطَبَ كَبِيرُهُمْ وَقَبَضَ السّلَاحَ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَرْضِهِمْ وَدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَوَجَدَ مِنْ السّلَاحِ خَمْسِينَ دِرْعًا، وَخَمْسِينَ بَيْضَةً وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا، وَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ بَنِي الْمُغِيرَةِ فِي قُرَيْشٍ وَكَانَتْ قِصّتُهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ.

.فصل نَقْضُ قُرَيْظَةَ الْعَهْد:

وَأَمّا قُرَيْظَةُ فَكَانَتْ أَشَدّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَغْلَظَهُمْ كُفْرًا، وَلِذَلِك جَرَى عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى إخْوَانِهِمْ. وَكَانَ سَبَبُ غَزْوِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا خَرَجَ إلَى غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَالْقَوْمُ مَعَهُ صُلْحٌ جَاءَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فِي دِيَارِهِمْ فَقَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِعِزّ الدّهْرِ جِئْتُكُمْ بِقُرَيْشٍ عَلَى سَادَتِهَا، وَغَطَفَانُ عَلَى قَادَتِهَا، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الشّوْكَةِ وَالسّلَاحِ فَهَلُمّ حَتّى نُنَاجِزَ مُحَمّدًا وَنَفْرُغَ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ رَئِيسُهُمْ بَلْ جِئْتنِي وَاَللّهِ بِذُلّ الدّهْرِ جِئْتنِي بِسَحَابٍ قَدْ أَرَاقَ مَاءَهُ فَهُوَ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ فَلَمْ يَزَلْ حُيَيّ يُخَادِعُهُ وَيَعِدُهُ وَيُمَنّيهِ حَتّى أَجَابَهُ أَصَابَهُمْ فَفَعَلَ وَنَقَضُوا عَهْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَظْهَرُوا سَبّهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخَبَرُ فَأَرْسَلَ يَسْتَعْلِمُ الْأَمْرَ فَوَجَدَهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَكَبّرَ وَقَالَ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ.

.الِاخْتِلَافُ فِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُصَلّيَن أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ:

فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ، لَمْ يَكُنْ إلّا أَنْ وَضَعَ سِلَاحَهُ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ أَوَضَعْتَ السّلَاحَ وَاَللّهِ إنّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعْ أَسْلِحَتَهَا؟ فَانْهَضْ بِمَنْ مَعَكَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإِنّي سَائِرٌ أَمَامَك أُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ وَأَقْذِفُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ فَسَارَ جِبْرِيلُ فِي مَوْكِبِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَثَرِهِ فِي مَوْكِبِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ لَا يُصَلّيَن أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَبَادَرُوا إلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَنَهَضُوا مِنْ فَوْرِهِمْ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْعَصْرُ فِي الطّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلّيهَا إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا أُمِرْنَا، فَصَلّوْهَا بَعْدَ عِشَاءِ الْآخِرَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُرِدْ مِنّا ذَلِكَ وَإِنّمَا أَرَادَ سُرْعَةَ الْخُرُوجِ فَصَلّوْهَا فِي الطّرِيقِ فَلَمْ يُعَنّفْ وَاحِدَةً مِنْ الطّائِفَتَيْنِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيّهُمَا كَانَ أَصْوَبَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الّذِينَ أَخّرُوهَا هُمْ الْمُصِيبُونَ وَلَوْ كُنّا مَعَهُمْ لَأَخّرْنَاهَا كَمَا أَخّرُوهَا، وَلَمَا صَلّيْنَاهَا إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَتَرْكًا لِلتّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لِلظّاهِرِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: بَلْ الّذِينَ صَلّوْهَا فِي الطّرِيقِ فِي وَقْتِهَا حَازُوا قَصَبَ السّبْقِ وَكَانُوا أَسْعَدَ بِالْفَضِيلَتَيْنِ فَإِنّهُمْ بَادَرُوا إلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي الْخُرُوجِ وَبَادَرُوا إلَى مَرْضَاتِهِ فِي الصّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، ثُمّ بَادَرُوا إلَى اللّحَاقِ بِالْقَوْمِ فَحَازُوا فَضِيلَةَ الْجِهَادِ وَفَضِيلَةَ الصّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَفَهِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ وَكَانُوا أَفْقَهَ مِنْ الْآخَرِينَ وَلَا سِيّمَا تِلْكَ الصّلَاةَ فَإِنّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَهِيَ الصّلَاةُ الْوُسْطَى بِنَصّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّحِيحِ الصّرِيحِ الّذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ وَلَا مَطْعَنَ فِيهِ وَمَجِيءِ السّنّةِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَالْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا، وَالتّبْكِيرِ بِهَا، وَأَنّ مَنْ فَاتَتْهُ فَقَدْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ أَوْ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ فَاَلّذِي جَاءَ فِيهَا أَمْرٌ لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهَا، وَأَمّا الْمُؤَخّرُونَ لَهَا، فَغَايَتُهُمْ أَنّهُمْ مَعْذُورُونَ بَلْ مَأْجُورُونَ أَجْرًا وَاحِدًا لِتَمَسّكِهِمْ بِظَاهِرِ النّصّ وَقَصْدِهِمْ امْتِثَالَ الْأَمْرِ وَأَمّا أَنْ يَكُونُوا هُمْ الْمُصِيبِينَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَنْ بَادَرَ إلَى الصّلَاةِ وَإِلَى الْجِهَادِ مُخْطِئًا، فَحَاشَا وَكَلّا، وَاَلّذِينَ صَلّوْا فِي الطّرِيقِ جَمَعُوا بَيْنَ الْأَدِلّةِ وَحَصّلُوا الْفَضِيلَتَيْنِ فَلَهُمْ أَجْرَانِ وَالْآخَرُونَ مَأْجُورُونَ أَيْضًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ. فَإِنْ قِيلَ كَانَ تَأْخِيرُ الصّلَاةِ لِلْجِهَادِ حِينَئِذٍ جَائِزًا مَشْرُوعًا، وَلِهَذَا كَانَ عَقِبَ تَأْخِيرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَى اللّيْلِ فَتَأْخِيرُهُمْ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَى اللّيْلِ كَتَأْخِيرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَى اللّيْلِ سَوَاءٌ وَلَا سِيّمَا أَنّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ شُرُوعِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. قِيلَ هَذَا سُؤَالٌ قَوِيّ وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ لَمْ يَثْبُتْ أَنّ تَأْخِيرَ الصّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا كَانَ جَائِزًا بَعْدَ بَيَانِ الْمَوَاقِيتِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ إلّا قِصّةُ الْخَنْدَقِ، فَإِنّهَا هِيَ الّتِي اسْتَدَلّ بِهَا مَنْ قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ عَنْ عَمْدٍ بَلْ لَعَلّهُ كَانَ نِسْيَانًا، وَفِي الْقِصّةِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ فَإِنّ عُمَرَ لَمّا قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا كِدْت أُصَلّي الْعَصْرَ حَتّى كَادَتْ الشّمْسُ تَغْرُبُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاَللّهِ مَا صَلّيْتُهَا ثُمّ قَامَ فَصَلّاهَا. وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ نَاسِيًا بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الشّغُلِ وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْعَدُوّ الْمُحِيطِ بِهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَدْ أَخّرَهَا بِعُذْرِ النّسْيَانِ كَمَا أَخّرَهَا بِعُذْرِ النّوْمِ فِي سَفَرِهِ وَصَلّاهَا بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ وَبَعْدَ ذِكْرِهِ لِتَتَأَسّى أُمّتُهُ بِهِ. وَالْجَوَابُ الثّانِي: أَنّ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إنّمَا هُوَ فِي حَالِ الْخَوْفِ وَالْمُسَايَفَةِ عِنْدَ الدّهْشِ عَنْ تَعَقّلِ أَفْعَالِ الصّلَاةِ وَالْإِتْيَانِ بِهَا، وَالصّحَابَةُ فِي مَسِيرِهِمْ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بَلْ كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَسْفَارِهِمْ إلَى الْعَدُوّ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ وَمَعْلُومٌ أَنّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُؤَخّرُونَ الصّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْظَةُ مِمّنْ يُخَافُ فَوْتُهُمْ فَإِنّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ بِدَارِهِمْ فَهَذَا مُنْتَهَى أَقْدَامِ الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَصْلٌ:
وَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الرّايَةَ عَلَيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ وَنَازَلَ حُصُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَحَصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَلَمّا اشْتَدّ عَلَيْهِمْ الْحِصَارُ عَرَضَ عَلَيْهِمْ رَئِيسُهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ ثَلَاثَ خِصَالٍ إمّا أَنْ يُسْلِمُوا وَيَدْخُلُوا مَعَ مُحَمّدٍ فِي دِينِهِ وَإِمّا أَنْ يَقْتُلُوا ذَرَارِيّهُمْ وَيَخْرُجُوا إلَيْهِ بِالسّيُوفِ مُصْلَتَةً يُنَاجِزُونَهُ حَتّى يَظْفَرُوا بِهِ أَوْ يُقَتّلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَإِمّا أَنْ يَهْجُمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ فَبَعَثُوا إلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ نَسْتَشِيرُهُ فَلَمّا رَأَوْهُ قَامُوا فِي وَجْهِهِ يَبْكُونَ وَقَالُوا: يَا أَبَا لُبَابَةَ كَيْفَ تَرَى لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمّدٍ؟ فَقَالَ نَعَمْ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ يَقُولُ إنّهُ الذّبْحُ ثُمّ عَلِمَ مِنْ فَوْرِهِ أَنّهُ قَدْ خَانَ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَتَى الْمَسْجِدَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةِ الْمَسْجِدِ وَحَلَفَ أَلّا يَحِلّهُ إلّا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِهِ وَأَنّهُ لَا يَدْخُلُ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَلِكَ قَالَ دَعُوهُ حَتّى يَتُوبَ اللّهُ عَلَيْه ثُمّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ وَحَلّهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِهِ ثُمّ إنّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَامَتْ إلَيْهِ الْأَوْسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ فَعَلْتَ فِي بَنِي قَيْنُقَاعَ مَا قَدْ عَلِمْتَ وَهُمْ حُلَفَاءُ إخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ، وَهَؤُلَاءِ مَوَالِينَا، فَأَحْسِنْ فِيهِمْ فَقَالَ أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُم قَالُوا: بَلَى. قَال: فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. قَا لُوا: قَدْ رَضِينَا، فَأَرْسَلَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ لِجُرْحٍ كَانَ بِهِ فَأُرْكِبَ حِمَارًا وَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ وَهُمْ كَنَفَتَاهُ يَا سَعْدُ أَجْمِلْ إلَى مَوَالِيك، فَأَحْسِنْ فِيهِمْ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ حَكّمَك فِيهِمْ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ شَيْئًا، فَلَمّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَال: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَلّا تَأْخُذَهُ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ رَجَعَ بَعْضُهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ، فَنَعَى إلَيْهِمْ الْقَوْمَ فَلَمّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِلصّحَابَةِ قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ فَلَمّا أَنْزَلُوهُ قَالُوا: يَا سَعْدُ إنّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِك، قَالَ وَحُكْمِي نَافِذٌ عَلَيْهِمْ؟. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ عَلَى مَنْ هَاهُنَا وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ وَأَشَارَ إلَى نَاحِيَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إجْلَالًا لَهُ وَتَعْظِيمًا؟ قَالَ نَعَمْ وَعَلَيّ. قَالَ فَإِنّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ الرّجَالُ وَتُسْبَى الذّرّيّةُ وَتُقْسَمَ الْأَمْوَالُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ تِلْكَ اللّيْلَةَ نَفَرٌ قَبْلَ النّزُولِ وَهَرَبَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ، فَانْطَلَقَ فَلَمْ يُعْلَمْ أَيْنَ ذَهَبَ وَكَانَ قَدْ أَبَى الدّخُولَ مَعَهُمْ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ فَلَمّا حُكِمَ فِيهِمْ بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِ كُلّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ أُلْحِقَ بِالذّرّيّةِ فَحُفِرَ لَهُمْ خَنَادِقُ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، وَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ وَكَانُوا مَا بَيْنَ السّتّمِائَةِ إلَى السّبْعِمِائَةِ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ النّسَاءِ أَحَدٌ سِوَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَتْ طَرَحَتْ عَلَى رَأْسِ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ رَحَى، فَقَتَلَتْهُ وَجُعِلَ يُذْهَبُ بِهِمْ إلَى الْخَنَادِقِ أَرْسَالًا أَرْسَالًا، فَقَالُوا لِرَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ: يَا كَعْبُ مَا تَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَا؟ فَقَالَ أَفِي كُلّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ؟ أَمَا تَرَوْنَ الدّاعِيَ لَا يَنْزِعُ وَالذّاهِبُ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ هُوَ وَاَللّهِ الْقَتْلُ. قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي أَمْرِهِمْ إنّهُمْ أَحَدُ جَنَاحَيّ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ دَارِعٍ وَسِتّمِائَةِ حَاسِرٍ فَقَالَ قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَلّا تَأْخُذَهُ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَلَمّا جِيءَ بِحُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ إلَى بَيْنِ يَدَيْهِ وَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ قَالَ أَمَا وَاَللّهِ مَا لُمْت نَفْسِي فِي مُعَادَاتِك، وَلَكِنْ مَنْ يُغَالِبْ اللّهَ يُغْلَبْ ثُمّ قَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ لَا بَأْسَ قَدَرُ اللّهِ وَمَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ ثُمّ حُبِسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَاسْتَوْهَبَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ الزّبَيْرَ بْنَ بَاطَا وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ فَوَهَبَهُمْ لَهُ فَقَالَ لَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ: قَدْ وَهَبَك لِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَوَهَبَ لِي مَالَك وَأَهْلَك، فَهُمْ لَك. فَقَالَ سَأَلْتُكَ بِيَدَيّ عِنْدَك يَا ثَابِتُ إلّا أَلْحَقْتنِي بِالْأَحِبّةِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْأَحِبّةِ مِنْ الْيَهُودِ، فَهَذَا كُلّهُ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ غَزْوَةُ كُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَقِبَ كُلّ غَزْوَةٍ مِنْ الْغَزَوَاتِ الْكِبَارِ. فَغَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ عَقِبَ بَدْرٍ، وَغَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَغَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَقِبَ الْخَنْدَقِ. وَأَمّا يَهُودُ خَيْبَرَ، فَسَيَأْتِي ذِكْرُ قِصّتِهِمْ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى.