فصل: فصل سَرِيّةُ أَبِي سَلَمَةَ إلَى بَنِي أَسَدٍ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فصل وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ:

ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا التّقْدِيرِ هِيَ ابْتِلَاءُ مَا فِي صُدُورِهِمْ وَهُوَ اخْتِبَارُ مَا فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالنّفَاقِ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزْدَادُ بِذَلِكَ إلّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَالْمُنَافِقُ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ لَابُدّ أَنْ يَظْهَرَ مَا فِي قَلْبِهِ عَلَى جَوَارِحِهِ وَلِسَانِهِ.

.وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ:

ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى: وَهُوَ تَمْحِيصُ مَا فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ تَخْلِيصُهُ وَتَنْقِيَتُهُ وَتَهْذِيبُهُ فَإِنّ الْقُلُوبَ يُخَالِطُهَا بِغَلَبَاتِ الطّبَائِعِ؟ وَمَيْلِ النّفُوسِ وَحُكْمِ الْعَادَةِ وَتَزْيِينِ الشّيْطَانِ وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ مَا يُضَادّ مَا أُودِعَ فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْبِرّ وَالتّقْوَى فَلَوْ تُرِكَتْ فِي عَافِيَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرّةٍ لَمْ تَتَخَلّصْ مِنْ هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ وَلَمْ تَتَمَحّصْ مِنْهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْعَزِيزِ أَنْ قَيّضَ لَهَا مِنْ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا مَا يَكُونُ كَالدّوَاءِ الْكَرِيهِ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ دَاءٌ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ جَسَدِهِ وَإِلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ تُعَادِلُ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وَتَأْيِيدِهِمْ وَظَفَرِهِمْ بِعَدُوّهِمْ فَلَهُ عَلَيْهِمْ النّعْمَةُ التّامّةُ فِي هَذَا وَهَذَا.

.إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ:

ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ تَوَلّي مَنْ تَوَلّى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنّهُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ فَاسْتَزَلّهُمْ الشّيْطَانُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ حَتّى تَوَلّوْا فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ جُنْدًا عَلَيْهِمْ ازْدَادَ بِهَا عَدُوّهُمْ قُوّةً فَإِنّ الْأَعْمَالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ وَجُنْدٌ عَلَيْهِ وَلَابُدّ فَلِلْعَبْدِ كُلّ وَقْتٍ سَرِيّةٌ مِنْ نَفْسِهِ تَهْزِمُهُ أَوْ تَنْصُرُهُ فَهُوَ يَمُدّ عَدُوّهُ بِأَعْمَالِهِ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أَنّهُ يُقَاتِلُهُ بِهَا وَيَبْعَثُ إلَيْهِ سَرِيّةً تَغْزُوهُ مَعَ عَدُوّهِ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أَنّهُ يَغْزُو عَدُوّهُ فَأَعْمَالُ الْعَبْدِ تَسُوقُهُ قَسْرًا إلَى مُقْتَضَاهَا مِنْ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَالْعَبْدُ لَا يَشْعُرُ أَوْ يَشْعُرُ وَيَتَعَامَى فَفِرَارُ الْإِنْسَانِ مِنْ عَدُوّهِ وَهُوَ يُطِيقُهُ إنّمَا هُوَ بِجُنْدٍ مِنْ عَمَلِهِ بَعَثَهُ لَهُ الشّيْطَانُ وَاسْتَزَلّهُ بِهِ.
{وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ} {أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ}.

.إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسّبَبِ:

ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ عَفَا عَنْهُمْ لِأَنّ هَذَا الْفِرَارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفَاقٍ وَلَا شَكّ وَإِنّمَا كَانَ عَارِضًا عَفَا اللّهُ عَنْهُ فَعَادَتْ شَجَاعَةُ الْإِيمَانِ وَثَبَاتُهُ إلَى مَرْكَزِهَا وَنِصَابِهَا ثُمّ كَرّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ أَنّ هَذَا الّذِي أَصَابَهُمْ إنّمَا أُتُوا فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَبِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ فَقَالَ: {أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنّى هَذَا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عِمْرَانَ 165] وَذَكَرَ هَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فِي السّوَرِ الْمَكّيّةِ فَقَالَ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشّورَى: 30] وَقَالَ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النّسَاءُ 79] فَالْحَسَنَةُ وَالسّيّئَةُ هَاهُنَا: النّعْمَةُ وَالْمُصِيبَةُ فَالنّعْمَةُ مِنْ اللّهِ مَنّ بِهَا عَلَيْك وَالْمُصِيبَةُ إنّمَا نَشَأَتْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِك وَعَمَلِك فَالْأَوّلُ فَضْلُهُ وَالثّانِي عَدْلُهُ وَالْعَبْدُ يَتَقَلّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ جَارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ مَاضٍ فِيهِ حُكْمُهُ عَدْلٌ فِيهِ قَضَاؤُهُ. وَخَتَمَ الْآيَةَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: {إِنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} إعْلَامًا لَهُمْ بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ مَعَ عَدْلِهِ وَأَنّهُ عَادِلٌ قَادِرٌ وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسّبَبِ فَذَكَرَ السّبَبَ وَأَضَافَهُ إلَى نُفُوسِهِمْ وَذَكَرَ عُمُومَ الْقُدْرَةِ وَأَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ فَالْأَوّلُ يَنْفِي الْجَبْرَ وَالثّانِي يَنْفِي الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ فَهُوَ يُشَاكِلُ قَوْلَهُ {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ} [التّكْوِيرُ 30].

.وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ:

وَفِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ هَاهُنَا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنّ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ وَأَنّهُ هُوَ الّذِي لَوْ شَاءَ لَصَرَفَهُ عَنْكُمْ فَلَا تَطْلُبُوا كَشْفَ أَمْثَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا تَتّكِلُوا عَلَى سِوَاهُ وَكَشَفَ هَذَا الْمَعْنَى وَأَوْضَحَهُ كُلّ الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ} وَهُوَ الْإِذْنُ الْكَوْنِيّ الْقَدَرِيّ لَا الشّرْعِيّ الدّينِيّ كَقَوْلِهِ فِي السّحْرِ {وَمَا هُمْ بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ} [الْبَقَرَةُ 102] ثُمّ أَخْبَرَ عَنْ حِكْمَةِ هَذَا التّقْدِيرِ وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عِلْمَ عِيَانٍ وَرُؤْيَةٍ يَتَمَيّزُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرِ تَمْيِيزًا ظَاهِرًا وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ هَذَا التّقْدِيرِ رَدّ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَجَوَابَهُ لَهُمْ وَعَرَفُوا مُؤَدّى النّفَاقِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَكَيْفَ يُحْرَمُ صَاحِبُهُ سَعَادَةَ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِفَسَادِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَلّهِ كَمْ مِنْ حِكْمَةٍ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الْقِصّةِ بَالِغَةٍ وَنِعْمَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَابِغَةٍ وَكَمْ فِيهَا مِنْ تَحْذِيرٍ وَتَخْوِيفٍ وَإِرْشَادٍ وَتَنْبِيهٍ وَتَعْرِيفٍ بِأَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَمَا لَهُمَا وَعَاقِبَتُهُمَا.

.وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا:

ثُمّ عَزّى نَبِيّهُ وَأَوْلِيَاءَهُ عَمّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي سَبِيلِهِ أَحْسَنَ تَعْزِيَةٍ وَأَلْطَفَهَا وَأَدْعَاهَا إلَى الرّضَى بِمَا قَضَاهُ لَهَا فَقَالَ: {وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عِمْرَانَ 169- 170] فَجَمَعَ لَهُمْ إلَى الْحَيَاةِ الدّائِمَةِ مَنْزِلَةَ الْقُرْبِ مِنْهُ وَأَنّهُمْ عِنْدَهُ وَجَرَيَانَ الرّزْقِ الْمُسْتَمِرّ عَلَيْهِمْ وَفَرَحِهِمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَهُوَ فَوْقَ الرّضَى بَلْ هُوَ كَمَالُ الرّضَى وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِإِخْوَانِهِمْ الّذِينَ بِاجْتِمَاعِهِمْ بِهِمْ يَتِمّ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِمَا يُجَدّدُ لَهُمْ كُلّ وَقْتٍ مَنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَذَكّرَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمِحْنَةِ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ الّتِي إنْ قَابَلُوا بِهَا كُلّ مِحْنَةٍ تَنَالهُمْ وَبَلِيّةٍ تَلَاشَتْ فِي جَنْبِ هَذِهِ الْمِنّةِ وَالنّعْمَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتّةَ وَهِيَ مِنّتُهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُنْقِذُهُمْ مِنْ الضّلَالِ الّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ إرْسَالِهِ إلَى الْهُدَى وَمِنْ الشّقَاءِ إلَى الْفَلَاحِ وَمِنْ الظّلْمَةِ إلَى النّورِ وَمِنْ الْجَهْلِ إلَى الْعِلْمِ فَكُلّ بَلِيّةٍ وَمِحْنَةٍ تَنَالُ الْعَبْدَ بَعْدَ حُصُولِ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ لَهُ أَمْرٌ يَسِيرٌ جِدّا فِي جَنْبِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ كَمَا يَنَالُ النّاسَ بِأَذَى الْمَطَرِ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنّ سَبَبَ الْمُصِيبَةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لِيَحْذَرُوا وَأَنّهَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ لِيُوَحّدُوا وَيَتّكِلُوا وَلَا يَخَافُوا غَيْرَهُ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْحِكَمِ لِئَلّا يَتّهِمُوهُ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَلِيَتَعَرّفَ إلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَسَلّاهُمْ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِمّا هُوَ أَجَلّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمّا فَاتَهُمْ مِنْ النّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَعَزّاهُمْ نَالُوهُ مِنْ ثَوَابِهِ وَكَرَامَتِهِ لِيُنَافِسُوهُمْ فِيهِ وَلَا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزّ جَلَالِهِ.

.فصل خُرُوجُ عَلِيّ فِي آثَارِ الْمُشْرِكِينَ:

وَلَمّا انْقَضَتْ الْحَرْبُ انْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ فَظَنّ الْمُسْلِمُونَ أَنّهُمْ قَصَدُوا الْمَدِينَةَ لِإِحْرَازِ الذّرَارِيّ وَالْأَمْوَالِ فَشَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ فَإِنْ هُمْ جَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ مَكّةَ وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنّ إلَيْهِمْ ثُمّ لَأُنَاجِزَنّهُمْ فِيهَا قَالَ عَلِيّ: فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ فَجَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ وَوَجّهُوا إلَى مَكّةَ وَلَمّا عَزَمُوا عَلَى الرّجُوعِ إلَى مَكّةَ أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَبُو سُفْيَانَ ثُمّ نَادَاهُمْ مَوْعِدُكُمْ الْمَوْسِمُ بِبَدْرٍ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُولُوا: نَعَمْ قَدْ فَعَلْنَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَذَلِكُمْ الْمَوْعِدُ ثُمّ انْصَرَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمّا كَانَ فِي بَعْضِ الطّرِيقِ تَلَاوَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا أَصَبْتُمْ شَوْكَتَهُمْ وَحْدَهُمْ ثُمّ تَرَكْتُمُوهُمْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُمْ رُءُوسٌ يَجْمَعُونَ لَكُمْ فَارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَادَى فِي النّاسِ وَنَدَبَهُمْ إلَى الْمَسِيرِ إلَى لِقَاءِ عَدُوّهِمْ وَقَالَ لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إلّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ: أَرْكَبُ مَعَك؟ قَالَ لَا فَاسْتَجَابَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ الْقَرْحِ الشّدِيدِ وَالْخَوْفِ وَقَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً. وَاسْتَأْذَنَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أُحِبّ أَلّا تَشْهَدَ مَشْهَدًا إلّا كُنْتُ مَعَك وَإِنّمَا خَلّفَنِي أَبِي عَلَى بَنَاتِهِ. فَأْذَنْ لِي أَسِيرُ مَعَك فَأَذِنَ لَهُ فَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ حَتّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ وَأَقْبَلَ مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِأَبِي سُفْيَانَ فَيُخَذّلُهُ فَقَالَ مَا وَرَاءَك يَا مَعْبَدُ؟ فَقَالَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ تَحَرّقُوا عَلَيْكُمْ وَخَرَجُوا فِي جَمْعٍ لَمْ يَخْرُجُوا فِي مِثْلِهِ. وَقَدْ نَدِمَ مَنْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِمْ فَقَالَ مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتّى يَطْلُعَ أَوّلُ الْجَيْشِ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَكَمَةِ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَاَللّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ. قَالَ فَلَا تَفْعَلْ فَإِنّي لَك نَاصِحٌ فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ إلَى مَكّةَ وَلَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ هَلْ لَك أَنْ تُبْلِغَ مُحَمّدًا رِسَالَةً وَأُوقِرَ لَك رَاحِلَتَكَ زَبِيبًا إذَا أَتَيْتَ إلَى مَكّةَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ أَبْلِغْ مُحَمّدًا أَنّا قَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرّةَ لِنَسْتَأْصِلَهُ وَنَسْتَأْصِلَ أَصْحَابَهُ فَلَمّا بَلَغَهُمْ قَوْلُهُ قَالُوا: {حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عِمْرَانَ 174].

.فصل سَرِيّةُ أَبِي سَلَمَةَ إلَى بَنِي أَسَدٍ:

وَكَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السّبْتِ فِي سَابِعِ شَوّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ كَمَا تَقَدّمَ فَرَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ شَوّالٍ وَذَا الْقِعْدَةِ وَذَا الْحِجّةِ وَالْمُحَرّمُ فَلَمّا اسْتَهَلّ هِلَالُ الْمُحَرّمِ بَلَغَهُ أَنّ طَلْحَةَ وَسَلَمَةَ ابْنَيْ خُوَيْلِدٍ قَدْ سَارَا فِي قَوْمِهِمَا وَمَنْ أَطَاعَهُمَا يَدْعُوَانِ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَعَثَ أَبَا سَلَمَةَ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً وَبَعَثَ مَعَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ فَأَصَابُوا إبِلًا وَشَاءً وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا فَانْحَدَرَ أَبُو سَلَمَةَ بِذَلِكَ كُلّهِ إلَى الْمَدِينَةِ. فَصْلٌ بَعْثُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُنَيْسٍ لِقَتْلِ ابْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيّ فَلَمّا كَانَ خَامِسُ الْمُحَرّمِ بَلَغَهُ أَنّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيّ قَدْ جَمَعَ لَهُ الْجُمُوعَ فَبَعَثَ إلَيْهِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُنَيْسٍ فَقَتَلَهُ قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ: وَجَاءَهُ بِرَأْسِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَعْطَاهُ عَصًا فَقَالَ هَذِهِ آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَقَدِمَ يَوْمَ السّبْتِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ الْمُحَرّمِ.

.يَوْمَ الرّجِيعِ:

.سُنّةُ صَلَاةِ الْقَتْلِ:

فَلَمّا كَانَ صَفَرٌ قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ وَذَكَرُوا أَنّ فِيهِمْ إسْلَامًا وَسَأَلُوهُ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ مَنْ يُعَلّمُهُمْ الدّينَ وَيُقْرِئُهُمْ الْقُرْآنُ فَبَعَثَ مَعَهُمْ سِتّةَ نَفَرٍ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ وَقَالَ الْبُخَارِيّ: كَانُوا عَشْرَةً وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ وَفِيهِمْ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ فَذَهَبُوا مَعَهُمْ فَلَمّا كَانُوا بِالرّجِيعِ وَهُوَ مَاءٌ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ غَدَرُوا بِهِمْ وَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا فَجَاءُوا حَتّى أَحَاطُوا بِهِمْ فَقَتَلُوا عَامّتَهُمْ وَاسْتَأْسَرُوا خُبَيْبَ بْنَ عَدِيّ وَزَيْدَ بْنَ الدّثِنَةِ فَذَهَبُوا بِهِمَا وَبَاعُوهُمَا بِمَكّةَ وَكَانَا قَتَلَا مِنْ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَأَمّا خُبَيْبٌ فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ مَسْجُونًا ثُمّ أَجْمَعُوا قَتْلَهُ فَخَرَجُوا بِهِ مِنْ الْحَرَمِ إلَى التّنْعِيمِ فَلَمّا أَجْمَعُوا عَلَى صَلْبِهِ قَالَ دَعُونِي حَتّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَصَلّاهُمَا فَلَمّا سَلّمَ قَالَ وَاَللّهِ لَوْلَا أَنْ تَقُولُوا إنّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْت ثُمّ قَالَ اللّهُمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بِدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمّ قَالَ:
لَقَدْ أَجْمَعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلّبُوا ** قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلّ مَجْمَعِ

وَكُلّهُمُ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ ** عَلَيّ لِأَنّي فِي وَثَاقٍ بِمَضْيَعِ

وَقَدْ قَرّبُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ ** وَقُرّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنّعِ

إلَى اللّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي بَعْدَ كُرْبَتِي ** وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي

فَذَا الْعَرْشِ صَبّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي ** فَقَدْ بَضَعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي

وَقَدْ خَيّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ ** فَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ

وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ إنّي لَمَيّتٌ ** وَإِنّ إلَى رَبّي إيَابِي وَمَرْجِعِي

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ** عَلَى أَيّ شِقّ كَانَ فِي اللّهِ مَضْجَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ** يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزّعِ

فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوّ تَخَشّعًا ** وَلَا جَزَعًا إنّي إلَى اللّهِ مَرْجِعِي

فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَيَسُرّك أَنّ مُحَمّدًا عِنْدَنَا تُضْرَبُ عُنُقُهُ وَإِنّك فِي أَهْلِكُ فَقَالَ لَا وَاَللّهِ مَا يَسُرّنِي أَنّي فِي أَهْلِي وَأَنّ مُحَمّدًا فِي مَكَانِهِ الّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ. وَفِي الصّحِيحِ: أَنّ خُبَيْبًا أَوّلُ مَنْ سَنّ الرّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ. وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرّ عَنْ اللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنّهُ بَلَغَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنّهُ صَلّاهُمَا فِي قِصّةٍ ذَكَرَهَا وَكَذَلِكَ صَلّاهُمَا حُجْرُ بْنُ عَدِيّ حِينَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَتْلِهِ بِأَرْضِ عَذْرَاءَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ. ثُمّ صَلَبُوا خُبَيْبًا وَوَكّلُوا بِهِ مَنْ يَحْرُسُ جُثّتَهُ فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ فَاحْتَمَلَهُ بِجِذْعِهِ لَيْلًا فَذَهَبَ بِهِ فَدَفَنَهُ. وَرُؤِيَ خُبَيْبٌ وَهُوَ أَسِيرٌ يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ الْعِنَبِ وَمَا بِمَكّةَ ثَمَرَةٌ وَأَمّا زَيْدُ بْن الدّثِنَةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ. وَأَمّا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فَذَكَرَ سَبَبَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ هَؤُلَاءِ الرّهْطَ يَتَحَسّسُونَ لَهُ أَخْبَارَ قُرَيْشٍ فَاعْتَرَضَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ.