فصل: فصل خُبْثُ كَسْبِ الْحَجّامِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فصل تَحْرِيمُ حُلُوانِ الْكَاهِنِ:

الْحُكْمُ الْخَامِسُ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرّ: لَا خِلَافَ فِي حُلْوَانِ الْكَاهِنِ أَنّهُ مَا يُعْطَاهُ عَلَى كَهَانَتِهِ وَهُوَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَالْحُلْوَانُ فِي أَصْلِ اللّغَةِ الْعَطِيّةُ.
قَالَ عَلْقَمَةُ:
فَمَنْ رَجُلٌ أحلوه رحلي وَنَاقَتِي ** يُبَلّغُ عَنّي الشّعْرَ إذْ مَاتَ قَائِلُهُ

انْتَهَى. وَتَحْرِيمُ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْرِيمِ حُلْوَانِ الْمُنَجّمِ وَالزّاجِرِ وَصَاحِبِ الْقُرْعَةِ الّتِي هِيَ شَقِيقَةٌ الْأَزْلَامِ وَضَارِبَةِ الْحَصَا وَالْعَرّافِ وَالرّمّالِ وَنَحْوِهِمْ مِمّنْ تُطْلَبُ مِنْهُمْ الْأَخْبَارُ عَنْ الْمُغَيّبَاتِ وَقَدْ نَهَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ إتْيَانِ الْكُهّانِ وَأَخْبَرَ أَنّ مَنْ أَتَى عَرّافًا فَصَدّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا رَيْبَ أَنّ الْإِيمَانَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبِمَا يَجِيءُ بِهِ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ قَدْ يَصْدُقُ أَحَيّانَا فَصِدْقُهُ بِالنّسْبَةِ إلَى كَذِبِهِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ وَشَيْطَانُهُ الّذِي يَأْتِيهِ بِالْأَخْبَارِ لَابُدّ لَهُ أَنْ يُصَدّقَهُ أَحْيَانًا لِيُغْوِيَ بِهِ النّاسَ وَيَفْتِنَهُمْ بِهِ. وَأَكْثَرُ النّاسِ مُسْتَجِيبُونَ لِهَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ بِهِمْ وَلَا سِيّمَا ضُعَفَاءُ الْعُقُولِ كَالسّفَهَاءِ وَالْجُهّالِ وَالنّسَاءِ وَأَهْلِ الْبَوَادِي وَمَنْ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمَفْتُونُونَ بِهِمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحْسِنُ الظّنّ بِأَحَدِهِمْ وَلَوْ كَانَ مُشْرِكًا كَافِرًا بِاَللّهِ مُجَاهِرًا بِذَلِكَ وَيُزَوّرُهُ وَيُنْذِرُ لَهُ وَيَلْتَمِسُ دُعَاءَهُ. فَقَدْ رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا وَسَبَبُ هَذَا كُلّهِ خَفَاءُ مَا بَعَثَ اللّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ عَلَى هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} وَقَدْ قَالَ الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ هَؤُلَاءِ يُحَدّثُونَنَا أَحْيَانًا بِالْأَمْرِ فَيَكُونُ كَمَا قَالُوا فَأَخْبَرَهُمْ أَنّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشّيَاطِينِ يُلْقُونَ إلَيْهِمْ الْكَلِمَةَ تَكُونُ حَقّا فَيَزِيدُونَ هُمْ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ فَيُصَدّقُونَ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ. وَأَمّا أَصْحَابُ الْمَلَاحِمِ فَرَكّبُوا مَلَاحِمَهُمْ مِنْ أَشْيَاءِ:
أَحَدِهَا: مِنْ أَخْبَارِ الْكُهّانِ.
وَالثّانِي: مِنْ أَخْبَارٍ مَنْقُولَةٍ عَنْ الْكُتُبِ السّالِفَةِ مُتَوَارَثَةٍ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالثّالِثُ مِنْ أُمُورٍ أَخْبَرَ نَبِيّنَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهَا جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
وَالرّابِعُ مِنْ أُمُورٍ أَخْبَرَ بِهَا مَنْ لَهُ كَشْفٌ مِنْ الصّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَالْخَامِسُ مِنْ مَنَامَاتٍ مُتَوَاطِئَةٍ عَلَى أَمْرٍ كُلّيّ وَجُزْئِيّ. فَالْجُزْئِيّ يُذَكّرُونَهُ بِعَيْنِهِ وَالْكُلّيّ يُفَصّلُونَهُ بِحَدْسٍ وَقَرَائِنَ تَكُونُ حَقًا أَوْ تُقَارِبُ.
وَالسّادِسُ مِنْ اسْتِدْلَالٍ بِآثَارِ عُلْوِيّةٍ جَعَلَهَا اللّهُ تَعَالَى عَلَامَاتٍ وَأَدِلّةً وَأَسْبَابًا لِحَوَادِثَ أَرْضِيّةٍ لَا يَعْلَمُهَا أَكْثَرُ النّاسِ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا سُدًى وَلَا عَبَثًا. وَرَبَطَ سُبْحَانَهُ الْعَالَمَ الْعُلْوِيّ بِالسّفْلِيّ وَجَعَلَ عُلْوِيّهُ مُؤَثّرًا فِي سُفْلِيّهِ دُونَ الْعَكْسِ فَالشّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَإِنْ كَانَ كُسُوفُهُمَا لِسَبَبِ شَرّ يَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ وَلِهَذَا شَرَعَ سُبْحَانَهُ تَغْيِيرَ الشّرّ عِنْدَ كُسُوفِهِمَا بِمَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الشّرّ الْمُتَوَقّعَ مِنْ الصّلَاةِ وَالذّكْرِ وَالدّعَاءِ وَالتّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْعِتْقِ فَإِنّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تُعَارِضُ أَسْبَابَ الشّرّ وَتُقَاوِمُهَا وَتَدْفَعُ مُوجِبَاتِهَا إنْ قَوِيَتْ عَلَيْهَا. وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ حَرَكَةَ الشّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاخْتِلَافَ مَطَالِعِهِمَا سَبَبًا لِلْفُصُولِ الّتِي هِيَ سَبَبُ الْحَرّ وَالْبَرْدِ وَالشّتَاءِ وَالصّيْفِ وَمَا يَحْدُثُ فِيهِمَا مِمّا يَلِيقُ بِكُلّ فَصْلٍ مِنْهَا فَمَنْ لَهُ اعْتِنَاءٌ بِحَرَكَاتِهِمَا وَاخْتِلَافِ مَطَالِعِهِمَا يَسْتَدِلّ وَالزّرَاعَةِ وَنَوَاتِيّ السّفُنِ لَهُمْ اسْتِدْلَالَاتٌ بِأَحْوَالِهِمَا وَأَحْوَالِ الْكَوَاكِبِ عَلَى أَسْبَابِ السّلَامَةِ وَالْعَطَبِ مِنْ اخْتِلَافِ الرّيَاحِ وَقُوّتِهَا وَعُصُوفِهَا لَا تَكَادُ تَخْتَلّ. وَالْأَطِبّاءُ لَهُمْ اسْتِدْلَالَاتٌ بِأَحْوَالِ الْقَمَرِ وَالشّمْسِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ وَتَهَيّئِهَا لِقَبُولِ التّغَيّرِ وَاسْتِعْدَادِهَا لِأُمُورِ غَرِيبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَوَاضِعُو الْمَلَاحِمِ لَهُمْ عِنَايَةٌ شَدِيدَةٌ بِهَذَا وَأُمُورٌ مُتَوَارَثَةٌ عَنْ قُدَمَاءِ الْمُنَجّمِينَ ثُمّ يَسْتَنْتِجُونَ مِنْ هَذَا كُلّهِ قِيَاسَاتٍ وَأَحْكَامًا تُشْبِهُ مَا تَقَدّمَ وَنَظِيرُهُ. وَسُنّةُ اللّهِ فِي خَلْقِهِ جَارِيَةٌ عَلَى سُنَنٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ فَحُكْمُ النّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ وَحُكْمُ الشّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ وَهَؤُلَاءِ صَرَفُوا قُوَى أَذْهَانِهِمْ إلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَاعْتِبَارِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ كَمَا صَرَفَ أَئِمّةُ الشّرْعِ قُوَى أَذْهَانِهِمْ إلَى أَحْكَامِ الْأَمْرِ وَالشّرْعِ وَاعْتِبَارِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَاللّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وَمَصْدَرُ خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ عَنْ حِكْمَةٍ لَا تَخْتَلّ وَلَا تَتَعَطّلُ وَلَا تَنْتَقِضُ وَمَنْ صَرَفَ قُوَى ذِهْنِهِ وَفِكْرِهِ وَاسْتَنْفَدَ سَاعَاتِ عُمْرِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ هَذَا الْعَالَمِ وَعَلِمَهُ كَانَ لَهُ فِيهِ مِنْ النّفُوذِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالِاطّلَاعِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ. وَيَكْفِي الِاعْتِبَارُ بِفَرْعِ وَاحِدٍ مِنْ فُرُوعِهِ وَهُوَ عِبَارَةُ الرّؤْيَا فَإِنّ الْعَبْدَ إذَا نَفَذَ فِيهَا وَكَمُلَ اطّلَاعُهُ جَاءَ بِالْعَجَائِبِ.
وَقَدْ شَاهَدْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا مِنْ ذَلِكَ أُمُورًا عَجِيبَةً يَحْكُمُ فِيهَا الْمُعَبّرُ بِأَحْكَامِ مُتَلَازِمَةٍ صَادِقَةٍ سَرِيعَةٍ وَبَطِيئَةٍ وَيَقُولُ سَامِعُهَا: هَذِهِ عِلْمُ غَيْبٍ. وَإِنّمَا هِيَ مَعْرِفَةُ مَا غَابَ عَنْ غَيْرِهِ بِأَسْبَابِ انْفَرَدَ هُوَ بِعِلْمِهَا وَخَفِيَتْ عَلَى غَيْرِهِ وَالشّارِعُ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ حَرّمَ مِنْ تَعَاطِيَ ذَلِكَ مَا مَضَرّتُهُ رَاجِحَةٌ عَلَى مَنْفَعَتِهِ أَوْ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَوْ مَا يُخْشَى عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَجُرّهُ إلَى الشّرْكِ وَحَرّمَ بَذَلَ الْمَالَ فِي ذَلِكَ وَحَرّمَ أَخْذَهُ بِهِ صِيَانَةً لِلْأُمّةِ عَمّا يُفْسِدُ عَلَيْهَا الْإِيمَانَ أَوْ يَخْدِشُهُ بِخِلَافِ عِلْمِ عِبَارَةِ الرّؤْيَا فَإِنّهُ حَقّ لَا بَاطِلَ لِأَنّ الرّؤْيَا الْمَنَامِيّ وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النّبُوّةِ وَلِهَذَا كُلّمَا كَانَ الرّائِي أَصْدَقَ كَانَتْ رُؤْيَاهُ أَصْدَقَ وَكُلّمَا كَانَ الْمُعَبّرُ أَصْدَقَ وَأَبَرّ وَأَعْلَمَ كَانَ تَعْبِيرُهُ أَصَحّ بِخِلَافِ الْكَاهِنِ وَالْمُنَجّمِ وَأَضْرَابِهِمَا مِمّنْ لَهُمْ مَدَدٌ مِنْ إخْوَانِهِمْ مِنْ الشّيَاطِينِ فَإِنّ صِنَاعَتَهُمْ لَا تَصِحّ مِنْ صَادِقٍ وَلَا بَارّ وَلَا مُتَقَيّدٍ بِالشّرِيعَةِ بَلْ هُمْ أَشْبَهُ بِالسّحَرَةِ الّذِينَ كُلّمَا كَانَ أَحَدُهُمْ أَكْذَبَ وَأَفْجَرَ وَأَبْعَدَ عَنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ كَانَ السّحْرُ مَعَهُ أَقْوَى وَأَشَدّ تَأْثِيرًا بِخِلَافِ عِلْمِ الشّرْعِ وَالْحَقّ فَإِنّ صَاحِبَهُ كُلّمَا كَانَ أَبَرّ وَأَصْدَقَ وَأَدْيَنَ كَانَ عِلْمُهُ بِهِ وَنُفُوذُهُ فِيهِ أَقْوَى وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ.

.فصل خُبْثُ كَسْبِ الْحَجّامِ:

الْحُكْمُ السّادِسُ خُبْثُ كَسْبِ الْحَجّامِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفَاصِدُ وَالشّارِطُ وَكُلّ مَنْ يَكُونُ كَسْبُهُ مِنْ إخْرَاجِ الدّمِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الطّبِيبُ وَلَا الْكَحّالُ وَلَا الْبَيْطَارُ لَا فِي لَفْظِهِ وَلَا فِي مَعْنَاهُ وَصَحّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ حَكَمَ بِخُبْثِهِ وَأَمَرَ صَاحِبَهُ أَنْ يَعْلِفَهُ نَاضِحَهُ أَوْ رَقِيقَهُ وَصَحّ عَنْهُ أَنّه احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجّامَ أَجْرَهُ فَأَشْكَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَظَنّوا أَنّ النّهْيَ عَنْ كَسْبِهِ مَنْسُوخٌ بِإِعْطَائِهِ أَجْرَهُ وَمِمّنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ الطّحَاوِيّ فَقَالَ فِي احْتِجَاجِهِ لِلْكُوفِيّينَ فِي إبَاحَةِ بَيْعِ الْكِلَابِ وَأَكْلِ أَثْمَانِهَا: لِمَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمّ قَالَ مَا لِي وَلِلْكِلَابِ ثُمّ رَخّصَ فِي كَلْبِ الصّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ وَكَانَ بَيْعُ الْكِلَابِ إذْ ذَاكَ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَرَامًا وَكَانَ قَاتِلُهُ مُؤَدّيًا لِلْفَرْضِ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ ثُمّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأَبَاحَ الِاصْطِيَادَ بِهِ فَصَارَ كَسَائِرِ الْجَوَارِحِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَالَ وَمِثْلُ ذَلِكَ نَهْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ كَسْبِ الْحَجّامِ وَقَالَ كَسْبُ الْحَجّامِ خَبِيث ثُمّ أَعْطَى الْحَجّامَ أَجْرَهُ وَكَانَ ذَلِكَ نَاسِخًا لِمَنْعِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَنَهْيِهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَأَسْهَلُ مَا فِي هَذِهِ الطّرِيقَةِ أَنّهَا دَعْوَى مُجَرّدَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا فَلَا تُقْبَلُ كَيْفَ وَفِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ مَا يُبْطِلُهَا فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمّ قَالَ مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ ثُمّ رَخّصَ لَهُمْ فِي كَلْبِ الصّيْدِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إلّا كَلْبَ الصّيْدِ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ مَاشِيَة وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُغَفّلٍ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمّ قَالَ مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ ثُمّ رَخّصَ فِي كَلْبِ الصّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ وَالْحَدِيثَانِ فِي الصّحِيحِ فَدَلّ عَلَى أَنّ الرّخْصَةَ فِي كَلْبِ الصّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ وَقَعَتْ بَعْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فَالْكَلْبُ الّذِي أَذِنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي اقْتِنَائِهِ هُوَ الّذِي حَرّمَ ثَمَنَهُ وَأَخْبَرَ أَنّهُ خَبِيثٌ دُونَ الْكَلْبِ الّذِي أَمَرَ بِقَتْلِهِ فَإِنّ الْمَأْمُورَ بِقَتْلِهِ غَيْرُ مُسْتَبْقًى حَتّى تَحْتَاجَ الْأُمّةُ إلَى بَيَانِ حُكْمِ ثَمَنِهِ وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ بِخِلَافِ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِي اقْتِنَائِهِ فَإِنّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى بَيَانِ حُكْمِ ثَمَنِهِ أَوْلَى مِنْ حَاجَتِهِمْ إلَى بَيَانِ مَا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِبَيْعِهِ بَلْ قَدْ أُمِرُوا بِقَتْلِهِ. صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ الّتِي تُبْذَلُ فِيهَا الْأَمْوَالُ عَادَةً لِحِرْصِ النّفُوسِ عَلَيْهَا وَهِيَ مَا تَأْخُذُهُ الزّانِيَةُ وَالْكَاهِنُ وَالْحَجّامُ وَبَائِعُ الْكَلْبِ فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى كَلْبٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ وَتَخْرُجْ مِنْهُ الْكِلَابُ الّتِي إنّمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهَا هَذَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ الْبَيّنِ امْتِنَاعُهُ وَإِذَا تَبَيّنَ هَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا شُبّهَ بِهِ مِنْ نَسْخِ خُبْثِ أُجْرَةِ الْحَجّامِ بَلْ دَعْوَى النّسْخِ فِيهَا أَبْعَدُ. وَأَمّا إعْطَاءُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَجّامَ أَجْرَهُ فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ كَسْبُ الْحَجّامِ خَبِيثٌ فَإِنّهُ لَمْ يَقُلْ إنّ إعْطَاءَهُ خَبِيثٌ بَلْ إعْطَاؤُهُ إمّا وَاجِبٌ وَإِمّا مُسْتَحَبّ وَإِمّا جَائِزٌ وَلَكِنْ هُوَ خَبِيثٌ بِالنّسْبَةِ إلَى الْآخِذِ وَخُبْثُهُ بِالنّسْبَةِ إلَى أَكْلِهِ فَهُوَ خَبِيثُ الْكَسْبِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُهُ فَقَدْ سَمّى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الثّومَ وَالْبَصَلَ خَبِيثَيْنِ مَعَ إبَاحَةِ أَكْلِهِمَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إعْطَاءِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَجّامَ أَجْرَهُ حِلّ أَكْلِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِ أَكْلِهِ طَيّبًا فَإِنّهُ قَالَ إنّي لَأُعْطِي الرّجُلَ الْعَطِيّةَ يَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبّطُهَا نَارًا وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ كَانَ يُعْطِي الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَالِ الزّكَاةِ وَالْفَيْءِ مَعَ غِنَاهُمْ وَعَدَمِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ لِيَبْذُلُوا مِنْ الْإِسْلَامِ وَالطّاعَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَذْلُهُ بِدُونِ الْعَطَاءِ وَلَا يَحِلّ لَهُمْ تَوَقّفُ بَذْلِهِ عَلَى الْأَخْذِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْمُبَادَرَةُ إلَى بَذْلِهِ بِلَا عِوَضٍ. وَهَذَا أَصْلٌ مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِ الشّرْعِ أَنّ الْعَقْدَ وَالْبَذْلَ قَدْ يَكُونُ جَائِزًا أَوْ مُسْتَحَبّا أَوْ وَاجِبًا مِنْ أَحَدِ الطّرَفَيْنِ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرّمًا مِنْ الطّرَفِ الْآخَرِ فَيَجِبُ عَلَى الْبَاذِلِ أَنْ يَبْذُلَ وَيَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ أَنْ يَأْخُذَهُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَخُبْثُ أَجْرِ الْحَجّامِ مِنْ جِنْسِ خُبْثِ أَكْلِ الثّومِ وَالْبَصَلِ لَكِنّ هَذَا خَبِيثُ الرّائِحَةِ وَهَذَا خَبِيثٌ لِكَسْبِهِ.

.أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ وَأَحَلّهَا:

فَإِنْ قِيلَ فَمَا أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ وَأَحَلّهَا؟ قِيلَ هَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْفُقَهَاءِ:
أَحَدُهَا: أَنّهُ كَسْبُ التّجَارَة وَالثّانِي: أَنّهُ عَمَلُ الْيَدِ فِي غَيْرِ الصّنَائِعِ الدّنِيئَةِ كَالْحِجَامَةِ وَنَحْوِهَا.
وَالثّالِثُ أَنّهُ الزّرَاعَةُ وَلِكُلّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ وَجْهٌ مِنْ التّرْجِيحِ أَثَرًا وَنَظَرًا وَالرّاجِحُ أَنّ أَحَلّهَا الْكَسْبُ الّذِي جَعَلَ مِنْهُ رِزْقَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ كَسْبُ الْغَانِمِينَ وَمَا أُبِيحَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ الشّارِعِ وَهَذَا الْكَسْبُ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مَدْحُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَأُثْنِيَ عَلَى أَهْلِهِ مَا لَمْ يُثْنَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَلِهَذَا اخْتَارَهُ اللّهُ لِخَيْرِ خَلْقِهِ وَخَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ حَيْثُ يَقُولُ بُعِثْتُ بِالسّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السّاعَةِ حَتّى يُعْبَدَ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذّلّةُ وَالصّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَهُوَ الرّزْقُ الْمَأْخُوذُ بِعَزّةٍ وَشَرَفٍ وَقَهْرٍ لِأَعْدَاءِ اللّهِ وَجُعِلَ أَحَبّ شَيْءٍ إلَى اللّهِ فَلَا يُقَاوِمُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ. وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ وَضِرَابِهِ:

فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم نَهَى عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْفَحْلِ وَهَذَا الثّانِي تَفْسِيرٌ لِلْأَوّلِ وَسَمّى أُجْرَةَ ضِرَابِهِ بَيْعًا إمّا لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ هُوَ الْمَاءَ الّذِي لَهُ فَالثّمَنُ مَبْذُولٌ فِي مُقَابَلَةِ عَيْنِ مَائِهِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْبَيْعِ وَإِمّا أَنّهُ سَمّى إجَارَتَهُ لِذَلِكَ بَيْعًا إذْ هِيَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَهِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ وَالْعَادَةُ أَنّهُمْ يَسْتَأْجِرُونَ الْفَحْلَ لِلضّرَابِ وَهَذَا هُوَ الّذِي نُهِيَ عَنْهُ وَالْعَقْدُ الْوَارِدُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَالشّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي الْجَوَازُ لِأَنّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ الْفَحْلِ وَنَزْوِهِ عَلَى الْأُنْثَى وَهِيَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ وَمَاءُ الْفَحْلِ يَدْخُلُ تَبَعًا وَالْغَالِبُ حُصُولُهُ عَقِيبَ نَزْوِهِ فَيَكُونُ كَالْعَقْدِ عَلَى الظّئْرِ لِيَحْصُلَ اللّبَنُ فِي بَطْنِ الصّبِيّ وَكَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَفِيهَا بِئْرُ مَاءٍ فَإِنّ الْمَاءَ يَدْخُلُ تَبَعًا وَقَدْ يُغْتَفَرُ فِي الْأَتْبَاعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعَاتِ. وَأَمّا مَالِكٌ فَحُكِيَ عَنْهُ جَوَازُهُ وَاَلّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ التّفْصِيلُ فَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ فَسَادِ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ نَهْيِ الشّارِعِ وَمِنْهَا بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ وَيُحْمَلُ النّهْيُ فِيهِ عَلَى اسْتِئْجَارِ الْفَحْلِ عَلَى لِقَاحِ الْأُنْثَى وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَأَمّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى أَنْ يَنْزُوَ عَلَيْهِ دَفَعَاتٍ مَعْلُومَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ إذْ هُوَ أَمَدٌ مَعْلُومٌ فِي نَفْسِهِ وَمَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ.

.عِلّةُ النّهْيِ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ:

وَالصّحِيحُ تَحْرِيمُهُ مُطْلَقًا وَفَسَادُ الْعَقْدِ بِهِ عَلَى كُلّ حَالٍ وَيَحْرُمُ عَلَى الْآخَرِ أَخْذُ أُجْرَةِ ضِرَابِهِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْطِي لِأَنّهُ بَذَلَ مَالَهُ فِي تَحْصِيلِ مُبَاحٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا كَمَا فِي كَسْبِ الْحَجّامِ وَأُجْرَةِ الْكَسّاحِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَمّا يَعْتَادُونَهُ مِنْ اسْتِئْجَارِ الْفَحْلِ لِلضّرَابِ وَسَمّى ذَلِكَ بَيْعَ عَسْبِهِ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَاقِعِ وَالْمُعْتَادِ وَإِخْلَاءِ الْوَاقِعِ مِنْ الْبَيَانِ مَعَ أَنّهُ الّذِي قُصِدَ بِالنّهْيِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي نَزْوِ الْفَحْلِ عَلَى الْأُنْثَى الّذِي لَهُ دَفَعَاتٌ مَعْلُومَةٌ وَإِنّمَا غَرَضُهُ نَتِيجَةُ ذَلِكَ وَثَمَرَتُهُ وَلِأَجْلِهِ بَذَلَ مَالَهُ. وَقَدْ عَلّلَ التّحْرِيمَ بِعِدّةِ عِلَلٍ. فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْآبِقِ فَإِنّ ذَلِكَ مُتَعَلّقٌ بِاخْتِيَارِ الْفَحْلِ وَشَهْوَتِهِ.
الثّانِيةُ أَنّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَاءُ وَهُوَ مِمّا لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعِقْدِ فَإِنّهُ مَجْهُولُ الْقَدْرِ وَالْعَيْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ إجَارَةِ الظّئْرِ فَإِنّهَا احْتَمَلَتْ بِمَصْلَحَةِ الْآدَمِيّ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا وَقَدْ يُقَالُ- وَاللّهُ أَعْلَمُ- إنّ النّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الشّرِيعَةِ وَكَمَالِهَا فَإِنّ مُقَابَلَةَ مَاءِ الْفَحْلِ بِالْأَثْمَانِ وَجَعْلَهُ مَحَلّا لِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ مِمّا هُوَ مُسْتَقْبَحٌ وَمُسْتَهْجَنٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ وَفَاعِلُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ سَاقِطٌ مِنْ أَعْيُنِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ فِطَرَ عِبَادِهِ لَا سِيّمَا الْمُسْلِمِينَ مِيزَانًا لِلْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللّهِ حَسَنُ وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللّهِ قَبِيحٌ. وَيَزِيدُ هَذَا بَيَانًا أَنّ مَاءَ الْفَحْلِ لَا قِيمَةَ لَهُ وَلَا هُوَ مِمّا يُعَاوَضُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ نَزَا فَحْلُ الرّجُلِ عَلَى رَمَكَةِ غَيْرِهِ فَأَوْلَدَهَا فَالْوَلَدُ لِصَاحِبِ الرّمَكَةِ اتّفَاقًا لِأَنّهُ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْفَحْلِ إلّا مُجَرّدُ الْمَاءِ وَهُوَ لَا قِيمَةَ لَهُ فَحَرّمَتْ هَذِهِ الشّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى ضِرَابِهِ لِيَتَنَاوَلَهُ النّاسُ بَيْنَهُمْ مَجّانًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ النّسْلِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ بِصَاحِبِ الْفَحْلِ وَلَا نُقْصَانٍ مِنْ مَالِهِ فَمِنْ مَحَاسِنِ الشّرِيعَةِ إيجَابُ بَذْلِ هَذَا مَجّانًا كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ مِنْ حَقّهَا إطْرَاقَ فَحْلِهَا وَإِعَارَةَ دَلْوِهَا فَهَذِهِ حُقُوقٌ يَضُرّ بِالنّاسِ مَنْعُهَا إلّا بِالْمُعَاوَضَةِ فَأَوْجَبَتْ الشّرِيعَةُ بَذْلَهَا مَجّانًا. فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا أَهْدَى صَاحِبُ الْأُنْثَى إلَى صَاحِبِ الْفَحْلِ هَدِيّةً أَوْ سَاقَ إلَيْهِ كَرَامَةً فَهَلْ لَهُ أَخْذُهَا؟ قِيلَ إنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ وَالِاشْتِرَاطِ فِي قَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشّافِعِيّ: وَإِنْ أَعْطَى صَاحِبَ الْفَحْلِ هَدِيّةً أَوْ كَرَامَةً مِنْ غَيْرِ إجَارَةٍ جَازَ وَاحْتَجّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إذَا كَانَ إكْرَامًا فَلَا بَأْسَ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَلَا أَعْرِفُ حَالَ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا مَنْ خَرّجَهُ وَقَدْ نَصّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى خِلَافِهِ فَقِيلَ لَهُ أَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْحَجّامِ يُعْطَى وَإِنْ كَانَ مَنْهِيّا عَنْهُ؟ فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْطَى فِي مِثْلِ هَذَا شَيْئًا كَمَا بَلَغَنَا فِي الْحَجّامِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَمْلِ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ تَأْوِيلِهِ فَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ هَذَا مُقْتَضَى النّظَرِ لَكِنْ تُرِكَ مُقْتَضَاهُ فِي الْحَجّامِ فَبَقِيَ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمّدٍ فِي الْمُغْنِي: كَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى الْوَرَعِ لَا عَلَى التّحْرِيمِ وَالْجَوَازُ أَرْفَقُ بِالنّاسِ وَأَوْفَقُ لِلْقِيَاسِ.