فصل: كتاب الّنَكَاح:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام



.باب الفرائض:

جمع (فريضة) بمعنى مفروضة و(المفروض) المقدر، لأن (الفرض) التقدير، فكاًن اسمها ملاحظ فيه قوله تعالى: {نصيباً مفروضا} أي مقدراً معلوماً.
وتعريفها شرعا: العلم بقسمة المواريث بين مستحقيها.
والأصل فيها، الكتاب لقوله تعالى: {يوصيِكم الله في أولادِكُمُ} الآيتين.
والسنة، لحديث ابن عباس الآتي: وإجماع الأمة على أحكامها، في الجملة.
ولما كانت الأموال وقسمتها، محطَّ الأطماع، وكان الميراث في معظم الأحيان لضعفاء وقاصرين، تَولى الله-تبارك وتعالى- قسمتها بنفسه في كتابه مبينة، مفصلة، حتى لا يكون فيها مجال للآراء والأهواء، وسواها بين الورثة على مقتضى العدل والمصلحة والمنفعة التي يعلمها.
وأشار إليها بقوله تعالى: {لا تَدْرُون أيُّهُمْ أقْرَبُ لَكُم نَفْعا} فهذه قسمة عادلة مبينة على مقْتضى العدل والمصالح العامة. والإشارة إلى شيء مما فهم من العدل.
والقياس يخرج بنا عن موضوع الكتاب ويطيله علينا.
وتدبر كتاب الله مع الأوضاع البشرية، بهداية ونور، يبين شيئا من أسرار الله الحكيمة.
بعد قسمة (الحكيم الخبير) يأتي دعاة التجديد من المستغربين، ليغيروا حكم اللّه تعالى، ويبدلوا قسمته، بعد أن تمت كلماته صدقا وعدلا، زاعمين أنها أعدل وأحسن من أحكام الله {وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهّ حُكْماً لِقَوم يُوقِنُون}.
والحق: أنَّ هؤلاء المهووسين، جهلوا القوانين السماوية، والأوضاع الأرضية فنعقوا بما لم يسمعوا.
وهم- في نعيقهم- بين امرأة أحست بمركب نقصها، فأرادت أن تخرج على شريعة اللّه، وبين متظرف يريد التزين بالإلحاد والزندقة، وبين ناعق بما لا يسمع إن هو إلا دعاء ونداء، فهم لا يعقلون.
وهذا العلم علم شريف جليل.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم، على تعلمه وتعليمه في أحاديث.
منها: حديث ابن مسعود مرفوعا: «تعلموا الفرائض، وعلموها الناس» وقد يراد بالفرائض- هنا- الأحكام عامة.
وقد أفرده العلماء بالتصانيف الكثيرة، من النظم والنثر، وأطالوا الكلام عليه.
ويكفى في تعلم أحكامه فهم الآيات الثلاث من سورة النساء، وحديث ابن عباس الآتي، فقد أحاطت بأمهات مسائله، ولم يخرج عنها إلا النادر.
ونورد هنا مقدمات تتعلق بهذا المقام، لتكمل الفائدة في هذا الكتاب، فيغني عن المطولات.
فللإرث أسباب ثلاثة:
الأول: النسب، وهي القرابة لقوله تعالى: {وَأولُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولَى ببعض}.
الثاني: النكاح الصحيح لقوله: {وَلَكُم نِصْفُ مَا تَرَكَ أزوَاجُكُم} الآية.
الثالث: الولاء، لحديث ابن عمر مرفوعا: «الولاء لحمة كلحمة النسب».
وأما غير هذه الثلاثة، فلا تكون سبباً للإرث على المشهور عند العلماء. فمتى وجد شيء من هذه الثلاثة، حصل التوارث بين الطرفين، حتى في الولاء على الصحيح.
وللإرث موانع، إذا وجدت أو وجد شيء منها، امتنع الإرث، وإن وجد سببه، لأن الأشياء لا تتم إلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها.
وموانع الإرث ثلاثة:
الأول: القتل، فمن قتل مورثه، أو تسبب لقتله بغير حق، فلا يرثه، ولو بغير قصد، من باب (من تعجل شيئا قبل أوانه، عوقب بحرمانه) في حق العامد، ومن باب (سد الذرائع) في حق غيره، لحديث عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس للقاتل شيء» رواه مالك في الموطأ.
الثاني: الرق. فلا يرث العبد قريبه، لأنه لو ورث لكان لسيده. وكذلك المملوك،يورث لأنه لا يملك، إذ إن ماله لسيِّده.
الثالث: اختلاف الدين. ويأتي بيانه في حديث أسامة، إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول:
عَنْ عَبْدِ اللّه بن عَباس رضي اللّه عَنْهُمَا عَن الَّنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وسَلمَ قَالَ: «ألِحقُوا الفراَئِض بأهْلِهَا، فَمَا بَقِي فَلأوْلَى رَجُل ذَكَر».
وفي رواية: «اقسِمُوا المَالَ بَيْنَ أهْلِ الفَرَائِض عَلَى كِتَابِ الله، فَمَا تَرَكَت الفَرَائِضُ فَلأِوْلَى رَجُل ذَكَر».
المعنى الإجمالي:
يأمر النبي صلى الله عليه وسلم القائمين على قسمة تركة أن يوزعوها على مستحقيها بالقسمة العادلة الشرعية كما أراد الله تعالى.
فيعطى أصحاب الفروض المقدرة فروضهم في كتاب الله. وهى الثلثان، والثلث، والسدس، والنصف، والربع، والثمن.
فما بقى بعدها، فإنه يعطى إلى من هو أقرب إلى الميت من الرجال لأنهم الأصل في التعصيب. فيقدمون على ترتيب منازلهم وقربهم من الميت كما يأتي بيانهم قريبا- بعد بيان أصحاب الفروض، إن شاء الله تعالى.
خلاصة عن الإرث وكيفيته، مسبقاة من القرآن الكريم، ومن هذا الحديث الجليل نبدأ بما بدأ الله به من توريث ذوي الفروض الذين نص الله تعالى توريثهم وقدر فرضهم.
حتى إذا علمنا ما لهم، ذكرنا الذين يأخذون ما أبقت الفروض، وهم العصبات.
فالفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة: 1- النصف 2- والربع 3- والثمن 4- والثلثان 5- والثلث 6- والسدس. ولكل فرض صاحبه أو أصحابه.
1- النصف: ويكون للبنت، ولبنت الابن وإن نزل، لقوله تعالى: {وإن كانت واحدة فلها النصف} وبنت الابن بنت.
وهذا التوريث بالإجماع، بشرط أن لا يكون معهن غيرهن من الأولاد.
وهو (أي النصف) فرض الزوج أيضا، بشرط أن لا يكون للزوجة ولد من ذكر أو أنثى، لقوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد}.
وهو (أي النصف) فرض الأخت الشقيقة، وإن لم توجد، فالأخت لأب مع عدم الفرع الوارث، لقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} وهذه في ولد الأبوين أو لأب بالإجماع.
2- الربع: ويكون للزوج مع وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: {فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن} وهو (أي الربع) فرض الزوجة فأكثر، مع عدم الفرع الوارث لقوله تعالى: {ولهنَّ الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد}
3- الثمن: للزوجة فأكثر، مع وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: {فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم}
4- الثلثان: للبنتين ولبنتي الابن، إذا لم يعصَّبن.
ودليل توريثهما الثلثين، حديث امرأة سعد بن الربيع، حين جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك يوم (أحد) شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما،فلم يدع لهما شيئا من ماله، ولا ينكحان إلا بمال. فقال: يقضى الله في ذلك، ونزلت آية المواريث.
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» رواه أبو داود، وصححه الترمذي.
وتأخذان الثلثين بالقياس على الأختين المنصوص عليهما في قوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} فالبنتان، وبنتا الابن، أولى بالثلثين من الأختين.
وأما الثلاث من البنات، وبنات الابن فلهن الثلثان بنص قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} والثلثان فرض الأختين الشقيقتين فأكثر، وفي حال فقدهما يكون للأختين لأب فأكثر، لقوله تعالى: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك}
وبإجماع العلماء، والمراد بالثنتين، بنتا الأبوين، وبنتا الأب. وقاسوا ما زاد على الأختين، عليهما.
5- والثلث: فرض الأم مع عدم الفرع الوارث للميت، وعدم الجمع من الإخوة.
فدليل الشرط الأول، قوله تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث}.
ودليل الشرط الثاني، قوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس}.
وهو فرض الإخوة لأم، من الاثنين فصاعدا، يستوي ذكرهم وأنثاهم، لقوله تعالى: {وإن كان رحل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث}.
وأجمع العلماء على أن المراد بالأخ والأخت، ولد الأم.
وقرأ ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص {وله أخ أو أخت من أم}.
وقد ورد في إرثهم آثار، وشرط إرثهن عدم الأم ويشتركن إذا تساوين ويحجب بعضهن بعضا بالقرب من الميت.
وهو (أي السدس) فرض ولد الأم الواحد، ذكرا كان أو أنثى بإجماع العلماء لقوله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منها السدس} وتقدمت قراءة عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص.
وهو (أي السدس) فرض بنت الابن فأكثر مع بنت الصلب بإجماع العلماء، لحديث ابن مسعود، وقد سئل عن بنت وبنت ابن فقال: أقضى فيهما قضاء رسول اللَه صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقى فللأخت. رواه البخاري.
وكذا حكم بنت ابن ابن، مع بنت ابن، وهكذا.
ومثل بنت الابن مع البنت، الأخت لأب مع الشقيقة، قياساً عليها.
والسدس: للأب أو للجد عند عدم الأب، ومع وجود الفرع الوارث.
هذه هي الفروض الستة المذكورة في القرآن الكريم، وهؤلاء هم أصحابها وكيفية أخذهم لها.
فإن بقي بعد أصحابها شيء أخذه العاصب عملا بقوله تعالى: {فَإنْ لَم يَكُنْ له وَلَد ووَرثَهُ أبَوَاهُ فَلأمهِ الثلُث} يعنى والباقي لأبيه تعصيباً. ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديثنا هذا: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فَلأِولى رجل ذكر». وفي إرث أخي سعد بن الربيع: «وما بقى فهو لك».
وللتعصيب، جهات بعضها أقرب من بعض، فيرثون الميت بحسب قربهم منه.
وجهات العصوبة، بُنوُّة، ثم أبُوُّة، ثم أخُوُّة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم ثم الولاء، وهو المعتق، وعصباته.
فيقدم الأقرب جهة، كالابن فإنه مقدم على الأب.
فإن كانوا في جهة واحدة، قدم الأقرب منزلة على الميت، كالابن فإنه يقدم على ابن الابن.
فإن كانوا في جهة واحدة واستوت منزلهم من الميت، قدم الأقوى مهم وهو الشقيق على من لأب من إخوة وأبنائهم، أو أعمام، وأبنائهم.
ويحجب الورثة بعضهم بعضا حرماناً ونقصانا.
فالنقصان يدخل على جميعهم. والحرمان لا يدخل على الزوجين والأبوين والولدين لأنهم يدْلون بلا واسطة.
والأب يسقط الجد، والجد يسقط الجد الأعلى منه.
والأم تسقط الجدات، وكل جدة تسقط الجدة التي فوقها.
والابن يسقط ابن الابن وكل ابن ابن أعلى يسقط من تحته من أبناء الأبناء.
ويسقط الإخوة الأشقاء، بالابن، وبالأب، وبالجد على الصحيح.
والإخوة لأب يسقطون بمن تسقط به الأشقاء وبالأخ الشقيق.
وبنو الإخوة يسقطون بالأب، وبكل جد لأب، وبالإخوة. والأعمام يسقطون بالإخوة وأبنائهم.
وأولاد الأم، يسقطون بالفروع مطلقا، وبالأصول من الذكور.
وبنت الابن، تسقط ببنت الصلب فأكثر.
وكل بنت ابن نازل تسقط باثنتين فأكثر ممن فوقها، ما لم يكن مع بنات الابن أو من نزل منهن من يعصبهن، من ولد ابن.
وتسقط الأخوات لأب بالشقيقتين فأكثر، ما لم يكن معهن من يعصبهن من إخوانهن.
هذه خلاصة سقناها لبيان المواريث بمناسبة شرح هذا الحديث الجامع، وقد أطال العلماء الكلام على هذا الباب من أبواب الفقه, وأفردوه بالتصانيف الكثيرة. والله ولي التوفيق.
الحديث الثاني:
عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله, أتنزل غدا في دارك بمكة؟
فقال: «هل ترك لنا عقيل من رباع أو دورٍ؟».
ثم قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم».
الغريب:
الرباع: محلات الإقامة، والمراد هنا الدور. والرباع: بكسر الراء.
المعنى الإجمالي:
لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة سأله أسامة بن زيد: هل سينزل صبيحة دخوله فيها داره ?
فقال صلى الله عليه وسلم: وهل ترك لنا عقيل بن أبي طالب من رباع نسكنها؟
وذلك أن أبا طالب توفي على الشرك، وخلف أربعة أبناء، طالبا، وعقيلا، وجعفر، وعليا.
فجعفر وعلى، أسلما قبل وفاته، فلم يرثاه، وطالب وعقيل بقيا على دين قومهما فورثاه، ففقد طالب في غزوة بدر، فرجعت الدور كلها لعقيل فباعها.
ثم بيَّن حكماً عامًّا يين المسلم والكافر فقال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم».
لأن الإرث مبناه على الصلة والقربى والنفع، وهي منقطعة ما دام الدين مختلفاً لأنه الصلة المتينة، والعروة الوثقى.
فإذا فقدت هذه الصلة، فقد معها كل شيء حتى القرابة، وانقطعت علاقة التوارث بين الطرفين، لأن فصمها أقوى من وصل النسب والقرابة.
جمع الله المسلمين على التقوى، وقوى صلاتهم وعلاقاتهم بالإيمان. إنه سميع الدعاء.
ما يؤخذ من الحديث:
1- جواز بيع بيوت مكة، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم العقد على حاله. وقد يقال: إنه لم يتعرض لعقود المشركين السابقة، فلا يكون في الحدث دلالة على هذه المسألة.
2- أن المسلم لا يرث الكافر، ولا الكافر يرث المسلم.
3- أن الإسلام هو أقوى الروابط، وأن اختلاف الدين، هو السبب في حَل العلاقات والصلات.
4- قال النووي كلاما مؤداه أن التوارث بين المسلمين والكفار غير جائز عند جماهير العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا معاذ لن جبل وسعيد بن المسيب فقد أجازا توريث المسلم من الكافر واحتجا بحديث: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» وليس فيه دليل على ما أرادا لأنه في عموم فضل الإسلام وحديث أسامة نص واضح في هذه المسألة، ولعله لم يبلغ معاذًا وسعيدا.
الحديث الثالث:
عَنْ عَبْدِ اللّه بن عُمَرَ رَضيَ اللّه عَنْهُمَا: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهَىَ عَنْ بَيع الولاءِ وَهِبتِهِ.
المعنى الإجمالي:
الوَلاء لحمَة كلحمَةِ النسب، من حيث إن كلا منهما لا يكتسب ببيع ولا هبة ولا غير هما، لهذا لا يجوز التصرف فيه ببيع ولا غيره.
وإنما هو صلة ورابطة بين المعتق والعتيق يحصل بها إرث الأول من الثاني، بسبب نعمته عليه بالعتق الذي هو فَكُّ رَقبته من أسْرِ الرِّقٌ، إلى ظلال الحرية الفسيحة.
ما يستفاد من الحديث:
1- قال ابن دقيق العيد: الولاء حق ثبت بوصف، وهو الإعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه، لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف.
2- النهي عن بيع الولاء، وعن هبته، وعن غيرهما من أنواع التمليكات.
3- أن العقد باطل لأن النَّفي يقتضي الفساد.
4- أن هذه العلاقة الباقية التي لا تنفصم، كما لا تنفصم علاقة النسب تسبب الإرث، فيرث المعتق عن عتقه، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم، لنعمة العتق عليه.
الحديث الرابع:
عَنْ عَاِئشَةَ رضي اللّه عَنْهَا قالت: كانت في بريرةَ ثَلاثُ سنن: خيرتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. وأهْديِ لَهَا لَحم، فَدَخَل عَلَيَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَالبرْمَة عَلَى النارِ، فدَعَا بِطَعَام فَأتَى بِخُبْز وأدم مِن أدم البَيْتِ.
فَقَال: «ألم أرَ البرمة عَلَى النارِ فِيهَا لَحم»؟
فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله ذلِكَ لحم تصدقَ بِهِ عَلَى بَرِيرةَ فكَرِهْنَا أن نطْعِمَكَ مِنهُ.
فقال: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَهوَ لَنَا مِنْهَا هَدية».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فِيهَا: «الولاء لِمَنْ أعْتَقَ».
الغريب:
برمة: قال في القاموس: البرمة- بالضم- قِدْر من حجارة، جمعه برم، بالضم في الباء، وبالفتح في الراء.
المعنى الإجمالى:
تذكر عائشة رضي الله عنها من بركة مولاتها بريرة متيمنة بتلك الصفقة، التي قربتها منها، إذ أجرى الله تعالى من أحكامه الرشيدة في أمرها ثلاث سنن، بقيت تشريعاً عاماً على مر الدهور.
فالأولى: أنها عتقت تحت زوجها الرقيق (مغيث) فخيرت يين الإقامة معه على نكاحهما الأول، وبين مفارقته واختيارها نفسها لأنه أصبح لايكافئها في الدرجة، إذ هي حرة وهو رقيق، والكفائة هنا معتبرة، فاختارت نفسها، وفسخت نكاحها، فصارت سنة لغيرها.
والثانية: أنه تُصدقَ عليها بلحم وهي في بيت مولاتها عائشة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم واللحم يطبخ في البرمة، فدعا بطعام فأتوه بخبز وأدم من أدم البيت الذي كانوا يستعملونه في عادتهم الدائمة، ولم يأتوه بشيء من اللحم الذي تصدق به على بريرة، لعلمهم أنه لا يأكل الصدقة فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم، فقالوا: بلى، ولكنه قد تصدق به على بريرة، وكرهنا إطعامك منه.
فقال: هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية.
والثالثة: أن أهلها لما أرادوا بيعها من عائشة، اشترطوا أن يكون ولاؤها لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الولاء لمن أعتق».
ما يستفاد من الحديث:
1- أن الأمة إذا عتقت تحت عبد يكون لها الخيار يين البقاء معه ويين الفسخ من عصمة نكاحه، وجواز ذلك بإجماع العلماء. أما إذا عتقت تحت حر فلا خيار لها عند جهور العلماء، ومنهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد.
2- فيه يبان اعتبار الكفاءة في النسب بين الزوجين. وأن في موانع التكافؤ بين الزوجين الحرية والرق.
3- أن الفقر إذا تصدق عليه فأهدى من صدقته إلى من لا تحل له الصدقة، من غنى وغيره، فإهداؤه جائز، لأنه قد ملك الصدقة، فيتصرف بها كيف شاء.
4- فيه دليل على سؤال صاحب البيت أهله عن شؤون منزله وأحواله.
5- وفيه انحصار الولاء بالمعتق، فلا يكون لغيره، ولا يخرج عن أحقيته بحال.
6- أنه ما دام بهذه الصفة من اللصوق، إذ عُدَّ لحمة كلحمة النسب يحصل به إرث المعتق وعصبته من عتيقه، وهذا هو المقصود من ذكر الحديث هنا.

.كتاب الّنَكَاح:

النكاح حقيقته-لغَة- الوطء. ويطلق-مجازاً- على العقد، من إطلاق المسبب على السبب.
وكل ما ورد في القران من لفظ (النكاح)، فالمراد به العقد إلا قوله تعالى: {فَلا تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَه} فالمراد به الوطء.
والأصل في مشروعيته، الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النسَاءِ} وغيرها من الآيات.
وأما السنة، فآثار كثيرة، قولية، وفعلية، وتقريرية، ومنها حديث الباب: «يا معشر الشباب...» إلخ.
وأجمع المسلمون على مشروعيته وقد حث عليه الشارع، الحكيم لما يترتب عليه من الفوائد الجليلة، ويدفع به من المفاسد الجسيمة، فقد قال الله تعالى {وانكحوا الأيَامَى مِنْكُم} وهذا أمر، وقال: {فَلا تَعْضُلوهُنَّ أن يَنْكحنَ أزْوَاجَهُن} وهذا نَهْي.
وقال صلى الله عليه وسلم: «النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني» وقال: «تناكحوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة»، والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
كل هذا لما يترتب عليه من المنافع العظيمة، التي تعود على الزوجين، والأولاد، والمجتمع، والدين، بالمصالح الكثيرة.
فمن ذلك، ما فيه من تحصين فرجي الزوجين: وقصر كل منهما بهذا العهد نظره على صاحبه عن الخلان والخليلات.
ومن ذلك ما في النكاح من تكثير الأمة بالتناسل ليكثر عباد الله تعالى، وأتباع نبيه صلى الله عليه وسلم فتتحقق المباهاة ويتساعدوا على أعمال الحياة.
ومنها: حفظ الأنساب، التي يحصل بها التعارف، والتآلف،والتعاون، والتناصر.
ولولا عقد النكاح وحفظ الفروج به، لضاعت الأنساب ولأصبحت الحياة فوضى، لا وراثة، ولا حقوق، ولا أصول، لا فروع.
ومنها: ما يحصل بالزواج من الألفة والمودة والرحمة بين الزوجين.
فإن الإنسان لابد له من شريك في حياته، يشاطره همومه وغمومه، ويشاركه في أفراحه وسروره.
وفي عقد الزواج سر إلهي عظيم يتم عند عقده- إذا قدّر الله الألفة فيحصل بين الزوجين من معاني الود والرحمة مالا يحصل بين الصديقين أو القريبين إلا بعد الخلطة الطويلة.
وإلى هذا المعنى أشار تبارك وتعالى بقوله: {وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَق لَكُمْ مِن أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةَ وَرَحْمَةً إِن فِي ذلِكَ لآيات لِقومٍ يتفكرون}.
ومنها: ما يحصل في اجتماع الزوجين من قيام البيت والأسرة، الذي هو نواة قيام المجتمع وصلاحه.
فالزوج يَكِدُّ ويكدح ويتكسب، فينفق ويعول.
والمرأة، تدبر المنزل، وتنظم المعيشة وتربي الأطفال، وتقوم بشئونهم.
وبهذا تستقيم الأحوال، وتنتظم الأمور.
وبهذا تعلم أن للمرأة في بيتها عملا كبيرا، لا يقل عن عمل الرجل في خارجه، وأنها إذا أحست القيام بما نيط بها فقد أدت للمجتمع كله خدمات كبيرة جليلة.
فتبين أن الذين يريدون إخراجها من بياتها ومقر عملها، لتشارك الرجل في عمله، قد ضلوا عن معرفة مصالح الدين والدنيا، ضلالا بعيداً.
وفوائد النكاح، لا تحصيها الأقلام ولا تحيط بها الإفهام، لأنه نظام شرعي إلهي، سُن ليحقق مصالح الآخرة والأولى.
ولكن له آداب وحدود، لابد من مراعاتها والقيام بها من الجانبين، لتتم به النعمة، وتتحق السعادة، ويصفو العيش، وهي أن يقوم كل واحد من الزوجين بما لصاحبه من حقوق، ويراعى ماله من واجبات.
فمن الزوج، القيام بالإنفاق، وما يستحق من كسوة ومسكن بالمعروف، وأن يكون طيب النفس، وأن يحسن العشرة باللطف واللين، والبشاشة والأنس، وحسن الصحبة.
وعليها أن تقوم بخدمته وإصلاح بيته، وتدبير منزله ونفقته، وتحسن إلى أبنائه وتربيهم، وتحفظه في نفسها وبيته وماله، وأن تقابله بالطلاقة والبشاشة وتهيئ له أسباب راحته، وتدخل على نفسه السرور، ليجد في بيته السعادة والانشراح والراحة، بعد نَصبَ العمل وتعبه.
فإذا قام كل من الزوجين بما لصاحبه من الحقوق والواجبات، صارت حياتهما سعيدة، واجتماعهما حميداً. ورفرف على بيتهما السرور والحبور، ونشأ الأطفال في هذا الجو الهادئ الوادع، فشبوا على كرم الطباع، وحسن الشمائل، ولطيف الأخلاق.
وهذا النكاح الذي أتينا على شيء من فوائده، ثم ذكرنا ما يحقق من السعادة، هو النكاح الشرعي الإسلامي الذي يكفل صلاح البشر، وعمار الكون، وسعادة الدارين.
فإن لم يحقق المطلوب، فإن النظم الإلهية التي أمر بها وحث عليها لم تراع فيه، وبهذا تدرك سُمُّو الدين، وجليل أهدافه ومقاصده.
الحديث الأول:
عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ رَضيَ الله عَنْهُ قَالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشباب، مَن استطاع مِنْكُمُ البَاعَةَ فلْيَتزَوج، فَإنه أغض لِلبَصَرِ، وَأحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يستطع فعَليهِ بالصوم، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاء».
الغريب:
معشر الشباب: المعشر، هم الطائفة الذين يشملهم وصف.
الباءة: فيها لغات، أشهرها بالمد والهاء، اشتقت للنكاح من المباءة وهى المنزل للملازمة بينهما، لأن من تزوج امرأة بَوّأها منزلا.
فعليه بالصوم: قيل إنه من قبيل إغراء الغائب وسهل ذلك فيه أن المُغْرى به تقدم ذكره في قوله: «من استطاع منكم الباءة» فصارَ كالحاضر. وقيل: إن الباء زائدة، ويكون معنى الحديث، الخبر، لا الأمر.
الوِجاء: بكسر الواو والمد هو رض عروق الخصيتين حتى تنفضخا، فتذهب بذهابهما شهوة الجماع، وكذلك الصوم، فهو مُضعِف لشهوة الجماع، ومن هنا تكون بينهما المشابهة.
المعنى الاجمالي:
بما أن التحصن والتعفف واجب، وضدهما محرم، وهو آتٍ من قبل شدة الشهوة مع ضعف الإيمان، والشباب أشد شهوة، خاطبهم النبى صلى الله عليه وسلم مرشدا لهم إلى طريق العفاف، وذلك أن من يجد منهم مؤنة النكاح من المهر والنفقة والسكن، فليتزوج لأن الزواج يغض البصر عن النظر المحرم ويحصن الفرج عن الفواح!ق وأغرى من لم يستطع منهم مؤنة النكاح وهو تائق إليه- بالصوم، ففيه الأجر، وقمع شهوة الجماع وإضعافها بترك الطعام والشراب، فتضعف النفس وتنسد مجارى الدم التي ينفذ معها الشيطان، فالصوم يكسر الشهوة كالوجاء للبيضتين اللتين تصلحان المنى فتهيج الشهوة.
ما يؤخذ من الحديث:
1- حث الشباب القادر على مؤنة النكاح (المهر والنفقة) حثه على النكاح لأنه مظنة القوة وشدة الشهوة.
2- قال شيخ الإسلام: واستطاعة النكاح هو القدرة على المؤنة وليس هو القدرة على الوطء، فإن الخطاب إنما جاء للقادر على الوطء, ولذا أمر من لم يستطع بالصوم، فإنه له وجاء.
3- من المعنى الذي خوطب لأجله الشباب، يكون الأمر بالنكاح لكل مستطيع لمؤنته وقد غلبته الشهوة، من الكهول والشيوخ.
4- التعليل في ذلك أنه أغض للبصر وأحصن للفرج عن المحرمات.
5- إغراء من لم يستطع مؤنة النكاح بالصوم، لأنه يضعف الشهوة، لأن الشهوة تكون من الأكل، فتركه يضعفها.
6- قال شيخ الإسلام: ومن لا مال له هل يستحب له أن يقترض ويتزوج فه نزاع في مذهب الإمام أحمد وغيره، وقد قال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله}.
الحديث الثاني:
عن أنس بن مَالِكٍ رَضي الله عَنْهُ أن نَفَرا مِنْ أصحَابِ النَبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزوَاجَ النَبي صلى الله عليه وسلم عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ.
فَقالَ بَعضُهُم: لا أتَزَوجُ النسَاءَ، وقَالَ بعضهم: لا آكل اللحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُم ْ: لا أنَام عَلَى فِرَاش.
فَبَلَغَ النَبي صلى الله عليه وسلم ذلِكَ، فَحَمِدَ الله وأثنى عليه وقَالَ: «مَا بَالُ أقواَم قالُوا: كَذَا وكَذا؟ وَلكني أصَلي وأنَامُ، وَأصُومُ وأفْطر، وأتَزَوجُ النسَاء، فَمَن رَغِبَ عَنْ سنتي فَليسَ مِني».
المعنى الإجمالي:
بنيت هذه الشريعة السامية على السماح واليسر، وإرضاء النفوس بطيبات الحياة وملاذِّها المباحة به، وكرهها للعنت والشدة والمشقة على الفس، وحرمانها من خيرات هذه الدنيا.
ولذا فإن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حملهم حب الخير والرغبة فيه إلى أن يذهبوا فيسألوا عن عمل النبي صلى الله عليه وسلم في السر الذي لا يطلع عليه غير أزواجه فلما أعلمنهم به استقلوه، وذلك من نشاطهم على الخير وَجَدهم فيه.
فقالوا: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فهو- في ظنهم- غير محتاج إلى الاجتهاد في العبادة.
فعول بعضهم على ترك النساء، ليفرغ للعبادة.
وعول بعضهم على ترك أكل اللحم، زهادةً في ملاذ الحياة وصمم بعضهم على أنه سيقوم الليل كله، تَهَجُّدا أو عبادة.
فبلغت مقالتهم من هو أعظمهم تقوى، وأشدهم خشية، وأعرف منهم بالأحوال والشرائع.
فخطب الناس، وحمد الله، وجعل الوعظ والإرشاد عاما، جريا على عادته الكريمة.
فأخبرهم أنه يعطى كل ذي حق حقه، فيعبد الله تعالى، ويتناول ملاذ الحياة المباحة، فهو ينام ويصلى، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء، فمن رغب عن سنته السامية، فليس من أتباعه، وإنما سلك سبيل المبتدعين.
ما يؤخذ من الحديث:
1- حب الصحابة رضي الله عنهم للخير، ورغبتهم فيه وفى الإقتداء بنبيهم صلى الله عليه وسلم.
2- سماح هذه الشريعة ويسرها، أخذاً من عمل نبيها صلى الله عليه وسلم وهديه.
3- أن الخير والبركة في الإقتداء به، وإتباع أحواله الشريفة.
4- أن أخذ النفس بالعنت والمشقة والحرمان، ليس من الدين في شيء، بل هو من سنن المبتدعين المتنطعين، المخالفين لسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
5- أن ترك ملاذ الحياة المباحة، زهادة وعبادةً، خروج عن السنة المطهرة واتباع لغير سبيل المؤمنين.
6- في مثل هذا الحديث الشريف بيان أن الإسلام ليس رهبانية وحرمانا، وإنما هو الدين الذي جاء لإصلاح الدين والدنيا، وأنه أعطى كل ذي حق حقه.
فلله تبارك وتعالى حق العبادة والطاعة بلا غُلُو ولا تنطع.
وللبدن حقه من ملاذ الحياة والراحة.
بهذا تعلم أن الدين أنزل من لدن حكيم عليم، أحاط بكل شيء علما.
علم أن للإنسان ميولا، وفيه غرائز ظامئة، فلم يحرمه من الطيبات، وعلم طاقته في العبادة، فلم يكلفه شططاً وعسرا.
7- السنة هنا تعنى الطريقة، ولا يلزم من الرغبة عن السنة- بهذا المعنى- الخروج من الملة لمن كانت رغبته عنها لضرب من التأويل يعذر فيه صاحبه.
8- الرغبة عن الشيء تعني الإعراض عنه. والممنوع أن يترك ذلك تنطعا ورهبانية، فهذا مخالف للشرع. وإذا كان تركه من باب التورع لقيام شبهة في حله، ونحو ذلك من المقاصد المحمودة لم يكن ممنوعا.
الحديث الثالث:
عَنْ سَعد بْنِ أبى وَقاص رَضيَ الله عَنْهُ قَالَ: رَدّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى عُثْمانَ بْنِ مَظعُون التَبَتلَ، وَلَوْ أذنَ لَهُ لاخْتَصيْنَا.
التبتل: ترك النكاح، ومنه قيل لمريم عليها السلام: البتول.
الغريب:
التبتل: أصل التبتل القطع والإبانة، والمراد- هنا- الانقطاع عن النساء للعبادة.
المعنى الاجمالى:
روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن عثمان بن مظعون من شدة رغبته في الإقبال على العبادة، أراد أن يتفرغ لها ويهجر ملاذَ الحياة.
فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن ينقطع عن النساء ويقبل على طاعة الله تعالى فلا يأذن له، لأن ترك ملاذ الحياة والانقطاع للعبادة، من الغُلو في الدين والرهبانية المذمومة.
وإنما الدين الصحيح هو القيام بما لله من العبادة مع إعطاء النفس حظها من الطيبات.
ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أذن لعثمان، لاتبعه كثير من المُجدّين في العبادة. وتقدم معنى الحديث، في الذي قبله.
فائدة:
في حاشية الصنعاني على شرح العمدة ما يلي:
أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك، فصار يشتتهي ألا يتناول. وللنفس في هذا مكر خفي رياء دقيق، فإن سلمت من الرياء للخلق كانت إلى خير.
ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه من إظهار التخشع الزائد عن الحد، وتخشين الملبس، وأشياء صار العوام يستحسنونها، وصارت لأقوام كالمعاش، يجتنون من ثمراتها تقبيل اليد والتوقير، وأكثر في خلوته على غير حالته في جلوته، يتناول في خلوته الشهوات، ويعكف على اللذات ويرى الناس أنه متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظرت إلى أحواله فعنده كبر فرعون.