فصل: 153- بابُ (مَا جَاء) مَا يَقُولُ (الرّجُلُ) إذَا أذّنَ الْمُؤَذّن

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


145- بابُ مَا جَاءَ أَنّ مَنْ أَذّنَ فَهُوَ يُقِيم

199- حَدّثَنَا هَنّادٌ حَدّثَنَا عَبْدَةُ وَيَعْلَى ‏(‏بْنُ عُبَيْدٍ‏)‏ عَنْ عَبْد الرحّمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ الإفْرِيقيّ عَنْ زِيَادِ بْنِ نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيّ عَنْ زِيَاد بْن الحَرِثِ الصّدَائِيّ قَالَ‏:‏ ‏"‏أمَرَني رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ أُؤَذّنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَأَذّنْتُ، فَأَرادَ بِلاَلٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنّ أخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذّنَ، وَمَنْ أَذّنَ فَهُوَ يُقيمُ‏"‏‏.‏

‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وَحَدِيثُ زيَادٍ إِنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الإفْرِيقيّ‏.‏

‏(‏وَالإفْرِيقيّ‏)‏ هُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ وَغَيْرُهُ، قَالَ أحْمَدُ‏:‏ لاَ أَكْتُبُ حَدِيثَ الإفْريقيّ‏.‏

‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وَرَأَيْتُ مُحَمّدَ بْنَ إسْمَعِيلَ يُقَوّي أمْرَهُ، وَيَقُولُ‏:‏ هُوَ مُقَارَبُ الْحَدِيثِ‏.‏

وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ ‏(‏أَكثَرِ‏)‏ أهْلِ الْعِلْمِ‏:‏ ‏(‏أَنّ‏)‏ مَنْ أَذّنَ فَهُوَ يُقِيمُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نا عبدة ويعلي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم‏)‏ بفتح أوله وسكون النون وضم المهملة الإفريقي قاضيها ضعيف من جهة حفظه وكان رجلا صالحا قاله الحافظ ‏(‏عن زياد بن نعيم‏)‏ بضم النون مصغرا هو زياد بن ربيعة بن نعيم الحضرمي ثقة ‏(‏عن زياد بن الحارث الصدائي‏)‏ بضم الصاد وخفة الدال فألف فهمزة نسبة إلى صداء ممدود وهو حي من اليمن قاله صاحب مجمع البحار وغيره، وهو حليف لبني الحارث بن كعب بايع النبي صلى الله عليه وسلم وأذن بين يديه ويعد في البصريين قاله الطيبي، وقال الحافظ له صحبة ووفادة ‏(‏أن أخا صداء‏)‏ هو زياد بن الحارث الصدائي ‏(‏ومن أذن فهو يقيم‏)‏ قال ابن الملك فيكره أن يقيم غيره وبه قال الشافعي وعند أبي حنيفة لا يكره لما روى أن ابن أم مكتوم ربما كان يؤذن ويقيم بلال وربما كان عكسه، والحديث محمول على ما إذا لحقه الوحشة بإقامة غيره كذا في المرقاة‏.‏

قلت‏:‏ لم أقف على هذه الرواية التي ذكرها ابن الملك ولأبي حنيفة حديث آخر وسيأتي ذكره وتحقيق هذه المسألة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر‏)‏ أخرجه أبو حفص عمر بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأذان والخطيب البغدادي عن سعيد بن أبي راشد المازني ثنا عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سير له فحضرت الصلاة فنزل القوم فطلبوا بلالا فلم يجدوه فقام رجل فأذن ثم جاء بلال فذكر له فأراد أن يقيم فقال له عليه السلام مهلا يا بلال فإنما يقيم من أذن، قال ابن أبي حاتم في العلل قال أبي هذا حديث منكر وسعيد هذا منكر الحديث ضعيف كذا في نصب الراية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنما نعرفه من حديث الإفريقي‏)‏ هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ‏(‏والإفريقي هو ضعيف‏)‏ قال في البدر المنير ضعيف لكثرة روايته للمنكرات مع علمه وزهده ورواية المنكرات كثيرا ما يعتري الصالحين لقلة تفقدهم للرواة لذلك قيل لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث كذا في النيل‏.‏ وقال ميرك ضعف الحديث الترمذي لأجل الإفريقي وحسنه الحازمي وقواه العقيلي وابن الجوزي انتهى، والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه ‏(‏يقوي أمره ويقول هو مقارب الحديث‏)‏ هذا من ألفاظ التعديل وقد تقدم توضيحه في المقدمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أذن فهو يقيم‏)‏ قال الحافظ الحازمي في كتاب الاعتبار‏:‏ اتفق أهل العلم في الرجل يؤذن ويقيم غيره على أن ذلك جائز، واختلفوا في الأولوية فذهب أكثرهم إلى أنه لا فرق وأن الأمر متسع، وممن رأى ذلك مالك وأكثر أهل الحجاز وأبو حنيفة وأكثر أهل الكوفة وأبو ثور، وذهب بعضهم إلى أن الأولى أن من أذن فهو يقيم‏.‏ وقال سفيان الثوري كان يقال من أذن فهو يقيم، وروينا عن أبي محذورة أنه جاء وقد أذن إنسان فأذن وأقام وإلى هذا ذهب أحمد وقال الشافعي في رواية الربيع عنه وإذا أذن الرجل أحببت أن يتولى الإقامة لشيء يروى فيه‏:‏ أن من أذن فهو يقيم‏.‏ وكان من حجة من ذهب إلى القول الثاني ما أخبرنا به أبو المحاسن فذكر بإسناده حديث زياد بن الحارث الصدائي بأطول مما رواه الترمذي، ثم قال قالوا فهذا الحديث أقوم إسنادا من الأول يعني من حديث عبد الله بن زيد ذكره قبل ذلك بلفظ رأى عبد الله الأذان في المنام فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ألقه على بلال فألقاه على بلال فأذن فقال عبد الله أنا رأيته وأنا كنت أريده، قال فأقم أنت قال ثم حديث عبد الله بن زيد كان في أول ما شرع الأذان وذلك في السنة الأولى وحديث الصدائي كان بعده بلا شك والأخذ بآخر الأمرين أولى، وطريق الإنصاف أن يقال الأمر في هذا الباب على التوسع وادعاء النسخ مع إمكان الجمع بين الحديثين على خلاف الأصل إذا لا عبرة لمجرد التراخي، ثم نقول في حديث عبد الله بن زيد إنما فوض الأذان إلى بلال لأنه كان أندى صوتا من عبد الله على ما ذكر في الحديث، والمقصود من الأذان الإعلام ومن شرطه الصوت وكلما كان الصوت أعلى كان أولى‏.‏ وأما زيد بن الحارث فكان جهوري الصوت ومن صلح للأذان فهو للإقامة أصلح، وهذا المعنى يؤكد قول من قال من أذن فهو يقيم انتهى كلام الحازمي‏.‏

قلت‏:‏ حديث عبد الله بن زيد وحديث الصدائي كلاهما ضعيفان والأخذ بحديث الصدائي أولى لما ذكر الحازمي ولأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الصدائي من أذن فهو يقيم قانون كلي، وأما حديث عبد الله بن زيد ففيه بيان واقعة جزئية يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد بقوله لعبد الله بن زيد فأقم أنت تطييب قلبه لأنه رأى الأذان في المنام ويحتمل أن يكون لبيان الجواز ولأن لحديث الصدائي شاهداً ضعيفا من حديث ابن عمر وقد تقدم ذكره قال الحافظ في الدراية‏.‏ وأخرج ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ له من حديث ابن عمر شاهدا انتهى، وقال صاحب سبل السلام والحديث دليل على أن الإقامة حق لمن أذن فلا تصح من غيره وعضد حديث الباب يعني حديث الصدائي حديث ابن عمر بلفظ مهلا يا بلال فإنما يقيم من أذن أخرجه الطبراني والعقيلي وأبو الشيخ وإن كان قد ضعفه أبو حاتم وابن حبان انتهى‏.‏

146- بابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيِة الأَذَان بِغَيْرِ وُضُوء

200- حَدّثَنَا عليّ بْنُ حُجْرٍ حَدّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى ‏(‏الصّدَفِيّ‏)‏ عَنِ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏لاَ يُؤذّنُ إِلاّ مُتَوضّيءٌ‏"‏‏.‏

201- حَدّثَنَا يَحْيَى بْنِ مُوسَى حَدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ‏:‏ قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ‏:‏ لاَ يُنَادِي بالصّلاَةِ إِلاّ مُتَوَضّيءٌ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ وهذا أصحّ من الحديث الأوّل‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَرْفَعْهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَهُوَ أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ‏.‏

وَالزّهْرِيّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبي هُرَيْرَةَ‏.‏

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الأَذانِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ‏:‏

فَكَرِهَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيّ، وإِسْحَاقُ‏.‏ وَرَخّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ ‏(‏الثّوْرِيّ‏)‏، وَابْنُ المبَارَكِ، وَأَحْمَدُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن معاوية بن يحيى‏)‏ هو معاوية بن يحيى الصدفي أبو روح الدمشقي، روى عن مكحول وابن شهاب وعنه بقية بن الوليد بن مسلم ضعيف كذا في الخلاصة والتقريب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏لا يؤذن إلا متوضئ‏)‏ الحديث دليل على أنه يكره الأذان بغير وضوء، لكن الحديث ضعيف من وجهين فإن في سنده معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف، كما عرفت فيه انقطاع بين الزهري وأبي هريرة فإنه لم يسمع منه كما صرح به الترمذي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نا عبد الله بن وهب‏)‏ بن مسلم القرشي الفقيه ثقة حافظ ‏(‏عن يونس‏)‏ ابن يزيد بن أبي النجاد الأيلي ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ من كبار السابعة كذا في التقريب وغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال‏:‏ قال أبو هريرة لا ينادى‏)‏ أي يؤذن والحديث موقوف ومنقطع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا أصح من الحديث الأول‏)‏ أي هذا الحديث الموقوف الذي رواه عبد الله ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن أبي هريرة أرجح وأقل ضعفا من الحديث الأول المرفوع الذي رواه معاوية بن يحيى عن الزهري عن أبي هريرة فإن هذا المرفوع ضعيف من وجهين كما عرفت‏.‏ والموقوف ضعيف من وجه واحد وهو الانقطاع ‏(‏والزهري لم يسمع من أبي هريرة‏)‏ فصار الحديث من الطريقين منقطعا‏.‏ لكن رواه أبوالشيخ عن ابن أبي عاصم حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن معاوية بن يحيى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤذن إلا متوضئ‏.‏ وقال البيهقي كذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف‏.‏ والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري مرسلا كذا في عمدة القاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فكرهه بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وإسحاق‏)‏ وهو قول عطاء‏.‏ قال البخاري في صحيحه قال عطاء الوضوء حق وسنة انتهى‏.‏ قال الحافظ وصله عبد الرزاق عن ابن جرير قال‏:‏ قال لي عطاء حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن المؤذن إلا متوضئا هو من الصلاة هو فاتحة الصلاة، ولابن أبي شيبة من وجه آخر عن عطاء أنه كره أن يؤذن الرجل على غير وضوء انتهى‏.‏ وهو قول أحمد‏.‏ قال صاحب السبل‏:‏ قد ذهب أحمد وآخرون إلى أن لا يصح أذان المحدث حدثا أصغر عملا بهذا الحديث انتهى‏.‏ لكن ذكر الترمذي أحمد في المرخصين وذكر العيني في شرح البخاري الشافعي مع أحمد في المرخصين حيث قال‏:‏ قال صاحب الهداية من أصحابنا‏:‏ وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر لأن الأذان والإقامة ذكر شريف يستحب فيه الطهارة فإن أذن على غير وضوء جاز، وبه قال الشافعي وأحمد وعامة أهل العلم‏.‏ وعن مالك أن الطهارة شرط في الإقامة دون الأذان‏.‏ وقال عطاء والأوزاعي وبعض الشافعية تشترط فيهما انتهى كلام العيني ‏(‏ورخص في ذلك بعض أهل العلم وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد‏)‏ وهو قول إبراهيم النخعي كما في صحيح البخاري وهو قول مالك والكوفيين لأن الأذان ليس من جملة الأركان فلا يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة، ولا من استقبال القبلة كما لا يستحب فيه الخشوع الذي ينافيه الالتفات وجعل الأصبع في الأذن كذا في فتح الباري‏.‏

قلت‏:‏ العمل على حديث الباب هو الأولى، فإن الحديث وإن كان ضعيفا لكن له شاهداً من حديث وائل‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ روى البيهقي والدارقطني في الأفراد وأبو الشيخ في الأذان من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال‏:‏ حق وسنة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم، إلا أن فيه انقطاعا لأن عبد الجبار عنه ثبت في صحيح مسلم أنه قال كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي ونقل النووي اتفاق أئمة الحديث على أنه لم يسمع من أبيه انتهى ما في التلخيص‏.‏ وله شاهد آخر من حديث ابن عباس ذكره الزيلعي في نصب الراية بلفظ‏:‏ يا ابن عباس إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن احدكم إلا وهو طاهر، أخرجه أبوالشيخ والله تعالى أعلم‏.‏

147- بابُ مَا جَاءَ‏:‏ أَنّ الإمَامَ أَحقّ بِالإقَامَة

202- حدثنا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ أَخْبَرَنِي سِمَاكُ بنُ حَرْب سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يقُولُ‏:‏ ‏"‏كَانَ مُؤَذّنُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُمْهِلُ فَلاَ يُقِيمُ، حَتّى إِذَا رَأَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَدْ خَرَجَ أَقَامَ الصّلاَةَ حينَ يَرَاهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ جَابِرِ بْن سَمُرَةَ ‏(‏هُوَ‏)‏ حَدِيثٌ حَسَنٌ ‏(‏صَحِيحٌ‏)‏‏.‏

وحَدِيثُ ‏(‏إسْرَائِيلَ عَنْ‏)‏ سِمَاكٍ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

وَهَكَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ‏:‏ إِنّ المُؤَذّنَ أمْلَكُ بِالأذَانِ، وَالإمَامُ أَمْلَكُ بِالإقَامَةِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سمع جابر بن سمرة‏)‏ بن جنادة بضم الجيم بعدها نون السوائي بضم المهملة والمد صحابي ابن صحابي نزل الكوفة ومات بها بعد سنة سبعين كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يمهل فلا يقيم حتى إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج أقام الصلاة حين يراه‏)‏ هذا الحديث يدل على أن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم إلا بعد أن يراه‏.‏ وقد أخرج الشيخان عن أبي قتادة مرفوعا إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني، أي قد خرجت وهذا الحديث يدل على أن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم قبل أن يراه‏.‏ ويجمع بينهما بأن بلالا كان يراقب وقت خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا ويشهد لذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن شهاب أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن الله أكبر يقومون إلى الصلاة فلا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم مقامه حتى تعتدل الصفوف‏.‏ وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود ومستخرج أبي عوانة أنهم كانوا يعدلون الصفوف قبل خروجه صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أبي قتادة أنهم كان يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم الانتظار كذا في الفتح والنيل والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث جابر بن سمرة حديث حسن‏)‏ وأخرجه مسلم بلفظ كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس فلا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خرج أقام الصلاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهكذا قال بعض أهل العلم أن المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة‏)‏ وقد ورد مثله عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة‏.‏ رواه ابن عدي وضعفه كذا في بلوغ المرام‏.‏ قال محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام في شرح هذا الحديث‏:‏ المؤذن أملك بالأذان أي وقته موكول إليه لأنه أمين عليه والإمام أملك بالإقامة فلا يقيم إلا بعد إشارته‏.‏

قال الشوكاني ولعل تضعيفه له لأن في إسناده شريكا القاضي، وقد أخرج البيهقي نحوه عن علي رضي الله عنه من قوله وقال ليس بمحفوظ، ورواه أبو الشيخ من طريق أبي الجوزاء عن ابن عمه وفيه معارك وهو ضعيف انتهى‏.‏

148- بَابُ مَا جَاءَ فِي الأذانِ بِاللّيْل

203- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا الّليْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عن سَالِمٍ عن أَبِيهِ أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بِلَيْلٍ، فَكلُوا وَاشْربُوا حَتّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ‏"‏‏.‏

قالَ ‏(‏أَبُو عِيسَى‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَائِشَةَ، وَأُنيْسةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبي ذَرّ، وَسَمُرَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

وَقدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الأَذَانِ بِاللّيْلِ‏:‏

فَقَالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ‏:‏ إِذَا أَذّنَ الْمؤَذّنُ بِاللّيْلِ أَجْزَأَهُ وَلاَ يُعِيدُ وَهُوَ قَولُ مَالِكٍ، وَابْنِ المبَارَكِ، والشافعيّ وَأحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ‏.‏

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلمِ‏:‏ إِذَا أَذّنَ بِلَيْلٍ أَعَادَ‏.‏ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ‏.‏

وَرَوَى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابْنِ عُمَرَ‏:‏ ‏"‏أَنّ بلاَلاً أَذّنَ بِلَيْلٍ، فَأَمَرَهُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُنَادِيَ إنّ الْعَبْدَ نَامَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ‏.‏

وَالصّحِيحُ مَا رَوَى عُبْيَدُ الله بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ عن نَافِعٍ عن ابْنِ عُمَرَ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بَلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يُؤَذّنَ ابْن أُمّ مَكْتُومٍ‏"‏‏.‏

‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وَرَوَى عَبْدُ الْعَزيزِ بْنُ أبي رَوّادٍ عن نَافِعٍ‏:‏ أَنّ مُؤَذّناً لعُمَرَ أَذّنَ، بِلَيْل، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُعِيدَ الأَذَانَ‏.‏

وَهَذَا لاَ يِصحّ ‏(‏أَيضاً‏)‏، لأِنّهُ عن نَافِعٍ عَن عُمَرَ‏:‏ مُنْقَطِعٌ‏.‏

وَلَعَلّ حَمّادَ بْنَ سَلَمَةَ أَرَادَ هَذَا الْحَدِيثَ‏.‏

وَالصّحِيحُ رِوَايَةُ عُبَيْدِ الله وَغَيْرِ وَاحِدٍ عن نَافِعٍ عن ابْن عُمَرَ، وَالزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابْنِ عُمَر أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّن بِلَيْلٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ حَمّادٍ صحيحاً لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى، إِذْ قَالَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بِلَيْلٍ‏"‏ فَإِنّمَا أَمَرَهُمْ فِيمَا يُسْتقْبَلُ، فَقالَ‏:‏ ‏"‏إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بِلَيْلٍ‏"‏ وَلَوْ أَنّهُ أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الأَذَانِ حِينَ أَذّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ‏.‏ لَمْ يَقُلْ‏:‏ ‏"‏إِنّ بِلاَلاً يُؤَذّنُ بِلَيْلٍ‏"‏‏.‏

قَالَ عَليّ بْنُ المَدِيني‏:‏ حَدِيثُ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عن أَيّوبَ عن نَافِعٍ عن ابْنِ عُمَرَ عن النّبِي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏هوَ‏)‏ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَأَخْطَأَ فِيهِ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سالم‏)‏ هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتا عابدا فاضلا كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت قاله الحافظ ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو عبد الله بن عمر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن بلالا يؤذن بليل‏)‏ كان تأذينه بالليل ليرجع القائم وينتبه النائم كما جاء في حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادي بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم‏.‏ رواه الجماعة إلا الترمذي ‏(‏فكلوا واشربوا‏)‏ أي أيها المريدون الصيام ‏(‏حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم‏)‏ قد بينت رواية البخاري أنه لم يكن بين أذانيهما إلا مقدار أن يرقى ذا وينزل ذا‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قد أورده أي أورد البخاري هذا الحديث في الصيام وزاد في آخره فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، قال القاسم لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا، وفي هذا تقييد لما أطلق في الروايات الأخرى من قوله إن بلالا يؤذن بليل، قال وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحور انتهى‏.‏ قال في سبل السلام‏:‏ وفيه شرعية الأذان قبل الفجر لا لما شرع له الأذان فإن الأذان شرع كما سلف للإعلام بدخول الوقت ولدعاء السامعين لحضور الصلاة وهذا الأذان الذي قبل الفجر قد أخبر صلى الله عليه وسلم بوجه شرعيته بقوله ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم والقائم هو الذي يصل صلاة الليل ورجوعه عودة إلى نومه أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان فليس للإعلام بدخول وقت ولا لحضور الصلاة، فذكر الخلاف في المسألة والاستدلال للمانع والمجيز لا يلتفت إليه من همه العمل بما ثبت انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وأنيسة وأنس وأبي ذر وسمرة‏)‏ أما حديث ابن مسعود فأخرجه الجماعة إلا الترمذي وتقدم لفظه‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان، وأما حديث أنيسة بالتصغير وهي بنت حبيب فأخرجه ابن حبان وأحمد مرفوعا بلفظ إذا أذن ابن أم مكتوم فكلو واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا كذا في الدراية‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه البزار عنه قال‏:‏ أذن بلال قبل الفجر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فيقول ألا أن العبد نام فرقى بلال وهو يقول ليت بلالا ثكلته أمه وابتل من نضح دم جبينه‏.‏ قال الحافظ الهيثمي‏:‏ وفيه محمد بن القاسم ضعفه أحمد وأبو داود ووثقه ابن معين، وأما حديث أبي ذر فأخرجه الطحاوي عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعا وليس ذلك الصبح إنما الصبح هكذا معترضا، وفي سنده ابن لهيعة‏.‏ وأما حديث سمرة وهو سمرة بن جندب فأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال بعض أهل العلم إذا أذن المؤذن بالليل أجزأه ولا يعيد وهو قول مالك إلخ‏)‏ تمسك من قال بالإجزاء بحديث ابن مسعود وتقدم لفظه‏.‏ وأجيب بأنه مسكوت عنه فلا يدل‏.‏ وعلى التنزل فمحله فيما إذا لم يرد نطق بخلافه‏.‏ وههنا قد ورد حديث ابن عمر وعائشة بما يشعر بعدم الإكتفاء، نعم حديثه زياد بن الحارث عند أبي داود يدل على الإكتفاء فإنه فيه أنه أذن قبل الفجر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام، لكن في إسناده ضعف، وأيضاً فهي واقعة عين وكانت في سفر قاله الحافظ في الفتح ‏(‏وقال بعض أهل العلم إذا أذن بالليل أعاد وبه يقول سفيان الثوري‏)‏ وهوقول أبي حنيفة ومحمد قال الخطابي وكان أبو يوسف يقول بقول أبي حنيفة ثم رجع فقال لا بأس أن يؤذن للفجر خاصة قبل طلوع الفجر اتباعا للأثر‏.‏ وكان أبو حنيفة ومحمد لا يجيزان ذلك قياسا على سائر الصلوات، وإليه ذهب سفيان الثوري انتهى‏.‏ قال الحافظ في الفتح وإلى الإكتفاء مطلقا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وخالف ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث وقال به الغزالي في الإحياء وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الإكتفاء انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لم أقف على حديث صحيح صريح يدل على الإكتفاء فالظاهر عندي قول من قال بعدم الإكتفاء والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي إن العبد نام‏)‏ يعني أن غلبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقال الخطابي هو يتأول على وجهين أحدهما أن يكون أراد به أنه غفل عن الوقت كما يقال نام فلان عن حاجتي إذا غفل عنها ولم يقم بها‏.‏ والوجه الاَخر أن يكون معناه قد عاد لنومه إذا كان عليه بقية من الليل يعلم الناس ذلك لئلا ينزعجوا من نومهم وسكونهم انتهى‏.‏ وهذا الحديث رواه الترمذي معلقا ووصله أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب المعنى قالا ثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر فذكره‏.‏ والحديث مما تمسك به من قال إن المؤذن إذا أذن بالليل أعاد لكنه غير محفوظ كما بينه الترمذي ‏(‏وروى عبد العزيز ابن أبي رواد‏)‏ بفتح الراء وتشديد الواو صدوق عابد ربما وهم ورمى بالإرجاء ‏(‏أن مؤذنا لعمر‏)‏ اسم هذا المؤذن مسروح وقال بعضهم مسعود ‏(‏أذن بليل فأمره عمر أن يعيد الأذان‏)‏ هكذا ذكره الترمذي معلقا ورواه أبو داود في سننه يد موصولاً بعد حث حماد بن سلمة ‏(‏ولعل حماد بن سلمة أراد هذا الحديث‏)‏ أي أثر عمر فوهم في رفعه والمعنى أن حماد بن سلمة كان له أن يقول إن مؤذنا لعمر أذن بليل فأمره عمر أن يعيد الأذان فوهم فقال إن بلالا أذن بليل فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي إن العبد نام‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ اتفق أئمة الحديث علي بن المدني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حماداً أخطأ في رفعه وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه انتهى كلام الحافظ‏.‏

149- بابُ ‏(‏مَا جَاءَ‏)‏ فِي كَرَاهِيَةِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمسْجِدِ بَعْدَ الأَذَان

204- حدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَن إبْرَاهِيمَ بْنِ المُهَاجِرِ عن أَبِي الشّعْثَاءِ قَالَ‏:‏ ‏"‏خَرَجَ رَجلٌ مِنَ الْمسْجِدِ بَعْدَ مَا أُذّنَ فِيهِ بِالْعَصْرِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ‏:‏ أَمّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِم صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قَالَ ‏(‏أَبُو عِيسَى‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن عثْمَانَ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَمَن بَعْدَهُمْ‏:‏ أَنْ لاَ يَخْرُجَ أَحدٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأذَانِ إلاّ مِنْ عُذْر‏:‏ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ وضُوءٍ، أَوْ أَمْرٌ لاَ بُدّ مِنْهُ‏.‏

وَيُرْوَى عن إِبْرَاهِيم النّخَعِيّ أَنّهُ قَالَ‏:‏ يَخْرُجُ مَا لَمْ يَأْخُذِ المُؤَذّنُ فِي الإقَامَةِ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ وَهَذَا عِنْدَنَا لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ‏.‏

وَأَبُو الشّعْثَاء اسْمُهُ ‏(‏سُلَيْمُ بْنُ أَسْوَدَ‏)‏ وَهُوَ وَالِدُ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشّعْثَاءِ‏.‏

وَقَدْ رَوَى أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَعْثَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ عن أَبِيهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سفيان‏)‏ هو الثوري ‏(‏عن إبراهيم بن مهاجر‏)‏ بن جابر البجلي الكوفي‏.‏ صدوق لين الحفظ من الخامسة ‏(‏عن أبي الشعثاء‏)‏ سليم بن أسود بن حنظلة الكوفي‏.‏ ثقة باتفاق من كبار الثالثة‏.‏ وروى هذا الحديث عنه ابنه أشعث أيضاً، وهو ثقة ولم ينفرد بروايته عنه إبراهيم بن مهاجر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أما هذا فقد عصا أبا القاسم‏)‏ قال الطيبي‏:‏ أما للتفصيل يقتضي شيئين فصاعدا، والمعنى أما من ثبت في المسجد وأقام الصلاة فيه فقد أطاع أبا القاسم، وأما هذا فقد عصى انتهى‏.‏ وقال القاري رواه أحمد وزاد‏.‏ ثم قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي، وإسناده صحيح انتهى‏.‏ والحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد بعد ما أذن فيه، لكنه مخصوص بمن ليس له ضرورة، يدل عليه حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال على مكانكم فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل‏.‏ رواه البخاري وغيره‏.‏ فهذا الحديث يدل على أن حديث الباب مخصوص بمن ليس له ضرورة فيلتحق بالجنب المحدث والراعف والحاقن ونحوهم وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر ومن في معناه، وقد أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه فصرح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبالتخصيص ولفظه‏:‏ لا يسمع النداء في مسجدي ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق كذا في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عثمان‏)‏ أخرجه ابن ماجه مرفوعا بلفظ‏:‏ من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏ قال ابن الهمام وأخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي الشعثاء قال‏:‏ كنا مع أبي هريرة في المسجد فخرج رجل حين أذن المؤذن للعصر فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم، ومثل هذا موقوف عند بعضهم وإن كان ابن عبد البر قال فيه وفي نظائره مسند لحديث أبي هريرة من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم، وقال لا يختلفون في ذلك انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أو أمر لا بد منه‏)‏ كأن يكون حاقناً أو راعفاً ‏(‏ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة قول إبراهيم النخعي هذا مخالف لظاهر أحاديث الباب فإنها صريحة في منع الخروج بعد الأذان مطلقا أخذ المؤذن في الإقامة أو لم يأخذ إلا أن يحمل قوله على ما إذا كان له حاجة وهو يريد الرجوع فيدل على جواز الخروج حينئذٍ ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء إلا منافق إلا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع ‏(‏وهذا عندنا‏)‏ أي عند أهل الحديث ‏(‏لمن له عذر في الخروج منه‏)‏ أي من المسجد‏.‏ والمعنى أن جواز الخروج من المسجد بعد الأذان مخصوص بمن له عذر في الخروج، وأما من لا عذر له فلا يجوز له الخروج ‏(‏وقد روى أشعث بن أبي الشعثاء هذا الحديث عن أبيه‏)‏ رواه مسلم‏.‏

150- بابُ مَا جَاءَ فِي الأَذَان فِي السّفَر

205- حدثنا مَحْمُودُ بْن غَيْلاَنَ حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن خَالِدٍ الْحَذّاءِ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عن مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ‏:‏ قَدِمْت عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَا وَابنُ عَم لِي، فَقَالَ لَنَا‏:‏ إِذَا سَافَرْتمَا فَأَذِنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمّكُمَا أَكْبرُ كمَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح‏.‏

وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْم‏:‏ اخْتَارُوا الأَذَانَ فِي السّفَرِ‏.‏

وَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ تُجْزِيءُ الإقَامَةُ، إِنّمَا الأَذَان عَلَى مَنْ يُريدُ أَنْ يَجْمَعَ النّاسَ‏.‏

وَالْقَوْلُ الأوّل أَصَحّ‏.‏ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سفيان‏)‏ هو الثوري كما صرح به الحافظ في الفتح ‏(‏عن أبى قلابة‏)‏ الجرمي ‏(‏عن مالك بن الحويرث‏)‏ بالتصغير الليثي صحابي نزل البصرة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وأقام عنده عشرين ليلة وسكن البصرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وابن عم لي‏)‏ بالرفع على العطف وبالنصب على أنه مفعول معه ‏(‏فأذنا‏)‏ أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل، ولا يعتبر في الأذان السن بخلاف الإمامة‏.‏ قاله الحافظ قال وهو واضح من سياق حديث الباب حيث قال فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم، ومراده بحديث الباب حديث مالك بن الحويرث بلفظ‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي الحديث، وفي آخره فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم، وقال أبو الحسن بن القصار أراد بقوله فأذنا الفضل، وإلا فأذان الواحد يجزئ، وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعاً كما هو ظاهر اللفظ، وتعقب عليه الحافظ وذكر في ضمن تعقبه توجيهاً آخر لقوله فأذنا حيث قال‏:‏ فإن أراد يعني أبا الحسن بن القصار أنهما يؤذنان معا فليس ذلك بمراد‏.‏ وقد قدمنا النقل عن السلف بخلافه، وإن أراد أن كلا منهما يؤذن على حدة ففيه نظر، فإن أذان الواحد يكفي الجماعة، نعم يستحب لكل أحد إجابة المؤذن فالأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن والاَخر يجيب، قال والحامل على صرفه عن ظاهره قوله فليؤذن لكم أحدكم، وللطبراني من طريق حماد ابن سلمة عن خالد الحذاء في هذا الحديث إذا كنت مع صاحبك فليؤذن وأقم وليؤمكما أكبركما انتهى ‏(‏وأقيما‏)‏ أي من أحب منكما أن يقيم فليقم، قال الحافظ فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما قضى وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم انتهى ‏(‏وليؤمكما أكبركما‏)‏ أي سناً‏.‏ قال القرطبي قوله وليؤمكما أكبركما يدل على تساويهما في شروط الإمامة ورجح أحدهما بالسن‏.‏ قال العيني لأن هؤلاء كانوا مستوين في باقي الخصال لأنهم هاجروا جميعاً وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازموه عشرين ليلة فاستووا في الأخذ عنه فلم يبق ما يقدم به إلا السن انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري‏.‏ قال ميرك ورواه الجماعة والمعنى عندهم متقارب وبعضهم ذكر فيه قصة كذا قاله الشيخ الجزري كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل عليه عند أكثر أهل العلم اختاروا الأذان في السفر‏)‏ أي ولو كان المسافر منفرداً ‏(‏وقال بعضهم تجزئ الإقامة إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس‏)‏ روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أمير فينادي بالصلاة ليجتمعوا فأما غيرهم فإنما هي الإقامة، وحكى نحو ذلك عن مالك وذهب الأئمة الثلاثة والثوري وغيرهم إلى مشروعية الأذان لكل أحد كذا في فتح الباري، قلت وكان ابن عمر يؤذن في السفر في صلاة الصبح ويقيم، روى مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يزيد على الإقامة في السفر إلا في الصبح فإنه كان ينادي فيها ويقيم‏.‏ وكان يقول إنما الأذان للإمام الذي يجتمع إليه الناس، قال الزرقاني وذلك لإظهار شعار الإسلام لأنه وقت الإغارة على الكفار وكان صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت يغير إذا لم يسمع الأذان ويمسك إذا سمعه، ونقل عنه البوني أن ذلك لإعلام من معه من نائم وغيره بطلوع الفجر وسائر الصلوات لا تخفى عليهم ‏(‏والقول الأول أصح‏)‏ فإنه ثابت بحديث الباب، وهو حجة على من ذهب إلى القول الثاني‏.‏ وروى البخاري وغيره أن أبا سعيد الخدري قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ وهذا الحديث يقتضي استحباب الأذان للمنفرد، وبالغ عطاء فقال إذا كنت في سفر فلم تؤذن ولم تقم فأعد الصلاة ولعله كان يرى ذلك شرطا في صحة الصلاة أو يرى استحباب الإعادة لا وجوبها انتهى كلام الحافظ‏.‏

فائدة‏:‏

قال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي لم يذكر أبو عيسى رفع الصوت بالأذان وذكر أبو داود فيه حديث أبي هريرة المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس والحديث في ذلك مشهور صحيح بيناه في شرح الصحيحين انتهى‏.‏ قلت وفي ذلك حديث أبي سعيد الخدري الذي ذكرناه آنفاً‏.‏

151- باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الأَذَان

206- حدثنا مُحَمّدُ بْنِ حُمَيْدٍ الرّازِيّ حدثنا أَبُو تُمَيْلَةَ حدثنا أَبُو حَمْزَةَ عن جَابِر عن مُجاهِدٍ عن ابْنِ عَبّاس أنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏مَن أَذّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِباً كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النّارِ‏"‏‏.‏

قَالَ ‏(‏أَبو عِيسَى‏)‏‏:‏ وفي البابِ ‏(‏عَنْ عَبْدِ الله‏)‏ بْنِ مَسْعُودٍ، وَثوْبَان، وَمعَاوِيَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأبِي سَعِيدٍ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ‏.‏

وَأَبُو تمَيْلَةَ اسْمُهُ ‏(‏يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ‏)‏‏.‏

وأبُو حَمْزَةَ السّكّرِيّ اسمُهُ ‏(‏مُحَمّدُ بن مَيْمُونٍ‏)‏‏.‏

وجَابِرُ بنْ يَزِيدَ الجُعْفِيّ ضَعّفوهُ تَرَكَه يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بنُ مَهْدِيّ‏.‏

قَالَ ‏(‏أَبُو عِيسَى‏)‏‏:‏ سَمِعْتُ الْجَارُودَ يَقُولُ‏:‏ سَمِعْتُ وَكِيعاً يَقُولُ‏:‏ لَوْلاَ جَابِرٌ ‏(‏الجُعْفِيّ‏)‏ لَكَانَ أَهْلُ الْكوفَةِ بِغَيْرِ حَدِيثٍ، وَلَوْلاَ حَمّادٌ لَكَانَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِغَيْرِ فِقْهٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثنا أبو تميلة‏)‏ بمثناه مصغرا اسمه يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم، ثقة من كبار التاسعة مشهور بكنيته ‏(‏نا أبو حمزة‏)‏ اسمه محمد بن ميمون المروزي ثقة فاضل ‏(‏عن جابر‏)‏ هو ابن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله الكوفي، ضعيف رافضي كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من أذن سبع سنين محتسباً‏)‏ أي طالبا للثواب لا للأجرة ‏(‏كتبت له براءة‏)‏ بالمدأى خلاص ‏(‏من النار‏)‏ قال المناوي لأن مداومته على النطق بالشهادتين والدعاء إلى الله تعالى هذه المدة من غير باعث دنيوي صير نفسه كأنها معجونة بالتوحيد والنار لا سلطان لها على من صار كذلك، وأخد منه أنه يندب للمؤذن أن لا يأخذ على أذانه أجراً انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن مسعود وثوبان ومعاوية وأنس وأبي هريرة وأبي سعيد‏)‏ أما حديث ابن مسعود وحديث ثوبان فلم أقف على من أخرجهما وأما حديث معاوية فأخرجه مسلم عنده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، وأما حديث أنس فأخرجه مسلم وله أحاديث في هذا الباب وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد عنه مرفوعاً بلفظ‏:‏ المؤذن يغفر له مدى صوته ويصدقه كل رطب ويابس وأخرجه أبو داود وابن خزيمة وعندهما‏:‏ ويشهد له كل رطب ويابس وأما حديث أبي سعيد فقد مر تخريجه ولفظه وفي الباب أحاديث كثيرة ذكرها المنذري في الترغيب والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عباس حديث غريب‏)‏ وأخرجه بن ماجه وهو حديث ضعيف لأن في سنده جابراً الجعفي ‏(‏وأبو حمزة السكري‏)‏ ثم بذلك لحلاوة كلامه كذا في الخلاصة ‏(‏وجابر بن يزيد الجعفي‏)‏ بضم الجيم وسكون العين وبفاء منسوب إلى جعفي بن سعد كذا في المغني لصاحب مجمع البحار ‏(‏ضعفوه تركه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي‏)‏ وقال الإمام أبو حنيفة ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي ما أتيته بشيء من رأيي قط إلا جاءني فيه بحديث كذا في تخريج الزيلعي ص 248 ‏(‏لولا جابر الجعفي لكان أهل الكوفة بغير حديث ولولا حماد لكان أهل الكوفة بغير فقه‏)‏ حماد هذا هو ابن أبي سليمان أبو إسماعيل الكوفي الفقيه روى عن إبراهيم النخعي وخلق، وعنه ابنه إسماعيل ومغيرة وأبو حنيفة ومسعر وشعبة وتفقهوا به قال النسائي ثقة مرجئ‏.‏

152- بابُ مَا جَاءَ أَنّ الإِمَامَ ضَامنٌ وَالْمُؤَذّن مُؤْتَمَن

207- حَدّثَنَا هَنّادٌ حَدّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ وَ أَبُو مُعَاوِيةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبي صَالِحٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الإمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذّنُ مُؤْتَمَنٌ، الْلهُمّ أُرْشِدِ الأَئِمَةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذّنِينَ‏"‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَعقْبَةَ بنِ عَامِرٍ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وَرَوى أسْبَاطُ بنُ مُحَمّدٍ عن الأَعْمَشِ قَالَ‏:‏ حُدّثْتُ عن أَبِي صَالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وَرَوى نَافعُ بنُ سُليْمَانَ عَنْ محمدِ بْن أَبي صَالحٍ عنْ أَبيهِ عَنْ عَائِشةَ عَنِ النّبي صلى الله عليه وسلم هَذَا الْحَديثَ‏.‏

قَالَ ‏(‏أبو عيسَى‏)‏‏:‏ وَسَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ‏:‏ حَديثُ أَبي صالِحٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَصَحّ مِنْ حَديثِ أَبي صَالِحٍ عَنْ عائِشةَ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ وَسَمِعْتُ محمداً يَقُولُ‏:‏ حَدِيثُ أَبي صَالِحٍ عنْ عَائِشَةَ أَصَحّ‏.‏ وَذَكرَ عنْ عَليّ بْن المَدِينِيّ أنّهُ لَمْ يُثْبِتْ حديثَ ‏(‏أَبي صَالِحٍ عَن‏)‏ أَبي هُرَيْرَةَ، وَلاَ حَديثَ أَبي صَالِحٍ عنْ عَائِشةَ في هَذَا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الإمام ضامن‏)‏ قال الجزري في النهاية أراد بالضمان ههنا الحفظ والرعاية لا ضمان الغرامة لأنه يحفظ على القوم صلاتهم وقيل إن صلاة المقتدين به في عهدته وصحتها مقرونة بصحة صلاته فهو كالمتكفل لهم صحة صلاتهم انتهى ‏(‏المؤذن مؤتمن‏)‏ قيل المراد أنه أمين على مواقيت الصلاة وقيل أمين على حرم الناس لأنه يشرف على المواضع العالية، قلت ويؤيد الأول حديث أبي محذورة مرفوعاً المؤذنون أمناء الله على فطرهم وسحورهم، أخرجه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي في مجمع الزوائد إسناده حسن، والحديث استدل به على فضيلة الأذان وعلى أنه أفضل من الأمة لأن الأمين أرفع حالا من الضمين، ويؤيد قول من قال إن الإمامة أفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده أموا ولم يؤذنوا وكذا كبار العلماء بعدهم ‏(‏اللهم أرشد الأئمة‏)‏ أي أرشدهم للعلم بما تكفلوه والقيام به والخروج عن عهدته ‏(‏واغفر للمؤذنين‏)‏ أي ما عسى يكون لهم تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم على الوقت أو تأخير عنه سهواً، قال الأشرف يستدل بقوله الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن على فضل الأذان على الإمامة لأن حال الأمين أفضل من حال الضمين تم كلامه‏.‏ ورد بأن هذا الأمين يتكفل الوقت فحسب وهذا الضامن يتكفل أركان الصلاة ويتعهد للسفارة بينهم وبين ربهم في الدعاء فأين أحدهما من الاَخر وكيف لا والإمام خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤذن خليفة بلال، وأيضا الإرشاد الدلالة الموصلة إلى البغية والغفران مسبوق بالذنب قاله الطيبي، قال القارى في المرقاة وهو مذهبنا في الحنفية وعليه جمع من الشافعية انتهى‏.‏ قلت وهو القول الراجح وقد تقدم ما يؤيده والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وسهل بن سعد وعقبة بن عامر‏)‏ أما حديث عائشة فأخرجه ابن حبان في صحيحه عنها قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فأرشد الله الأئمة وعفى عن المؤذنين‏.‏ وأما حديث سهل بن سعد فأخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك عنه مرفوعا بلفظ‏:‏ الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم وإن أساء فعليه ولا عليهم‏.‏ وأما حديث عقبة بن عامر فلم أقف عليه، وفي الباب أيضاً عن أبي أمامة ووائلة وأبي محذورة ذكر أحاديثهم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وذكر عن علي بن المديني أنه لم يثبت حديث أبي صالح عن أبي هريرة ولا حديث أبي صالح عن عائشة في هذا‏)‏ ورجح العقيلي والدارقطني طريق أبي صالح عن أبي هريرة على طريق أبي صالح عن عائشة كما نقل الترمذي عن أبي زرعة وصححهما ابن حبان جميعاً ثم قال‏:‏ قد سمع أبو صالح هذين الخبرين من عائشة وأبي هريرة جميعاً كذا في التلخيص ص 77 وقال في النيل‏:‏ قال اليعمري والكل صحيح والحديث متصل انتهى وحديث أبي هريرة المذكور أخرجه أيضاً أحمد وأبو داود‏.‏

153- بابُ ‏(‏مَا جَاء‏)‏ مَا يَقُولُ ‏(‏الرّجُلُ‏)‏ إذَا أذّنَ الْمُؤَذّن

208- حدثنا ‏(‏إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى‏)‏ الأنْصَارِيّ حَدثَنَا مَعْنٌ حدثَنا مَالِكٌ ‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وَحدثنَا قُتَيْبَة عَنْ مَالكٍ عنِ الزّهْرِيّ عَنْ عَطَاءِ بْن يَزِيدَ ‏(‏الليْثِيّ‏)‏ عَنْ أبي سَعيدٍ قَال‏:‏ قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِذَا سَمِعْتُمُ النّداءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذّنُ‏"‏‏.‏

قَال ‏(‏أَبو عِيسى‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنْ أبي رَافِعٍ، وَأَبي هُرَيْرَةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ، وَعَبْدِ الله بْن عَمْرٍو، وَعَبْدِ الله بن رَبِيعَةَ، وَعَائِشةَ، وَمُعَاذِ بْن أَنَسٍ، وَمُعَاوِيَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أَبي سَعِيدٍ حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

وَهَكَذَا رَوَى مَعْمَرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزّهْرِيّ مِثْلَ حَديثِ مَالِكٍ‏.‏

وَرَوَى عَبْدُ الرّحْمَن بْنُ إسْحَاقَ عَنِ الزّهْريّ هَذَا الْحَديثَ عَنْ سَعِيدِ بْن الْمَسّيبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وَرِوَايَةُ مَالِكٍ أَصَحّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عطاء بن يزيد الليثي‏)‏ المدني نزيل الشام ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن‏)‏ قال القاري في المرقاة إلا في الحيعلتين فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا في قوله الصلاة خير من النوم، فإنه يقول صدقت وبررت وبالحق نطقت‏.‏ وبررت بكسر الراء الأولى وقيل بفتحها أي صرت ذابر وخير كثير انتهى كلام القاري‏.‏

قلت‏:‏ أما قوله إلا في الحيعلتين فلحديث عمر مرفوعاً إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمداً رسول الله قال أشهد أن محمداً رسول الله ثم، قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر، ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله دخل الجنة، رواه مسلم، وأما قوله وإلا في قوله الصلاة خير من النوم، فإنه يقول صدقت وبررت فلم أقف على حديث يدل عليه، وقال محمد بن إسمعيل الأمير في سبل السلام ص 78 وقيل يقول في جواب التثويب صدقت وبررت‏.‏ وهذا استحسان من قائله وإلا فليس فيه سنة تعتمد انتهى‏.‏

فائدة‏:‏

أخرج أبو داود في سننه عن رجل من أهل الشام عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أو عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالاً أخذ في الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان انتهى، يريد بحديث عمر ما ذكرناه آنفاً عن صحيح مسلم وفيه دلالة على استحباب مجاوبة المقيم لقوله وقال في سائر الإقامة بنحو حديث عمر وفيه أيضاً أنه يستحب لسامع الإقامة أن يقول عند قول المقيم قد قامت الصلاة أقامها الله وأدامها، لكن الحديث في إسناده رجل مجهول وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد ووثقة يحيى بن معين وأحمد بن حنبل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي رافع وأبي هريرة وأم حبيبة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن ربيعة وعائشة ومعاذ بن أنس ومعاوية‏)‏ أما حديث أبي رافع فأخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، إلا أن مالكاً روى عنه كذا في مجمع الزوائد‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم كذا في التلخيص‏.‏ وأما حديث أم حبيبة فأخرجه ابن خزيمة والحاكم‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود والنسائي‏.‏ وأما حديث عبد الله بن ربيعة فلم أقف عليه، وأما حديث عائشة فأخرجه أبو داود وأما حديث معاذ بن أنس فأخرجه أحمد والطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف كذا في مجمع الزوائد‏.‏ وأما حديث معاوية فأخرجه البخاري والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهكذا روى معمر وغير واحد عن الزهري مثل حديث مالك إلخ‏)‏ أي كما روى مالك هذا الحديث عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد كذلك رواه معمر وغير واحد عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد لكن عبد الرحمن بن إسحاق أحد أصحاب الزهري خالف هؤلاء فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ورواية مالك أصح فإنه تابعه معمر وغير واحد من أصحاب الزهري بخلاف رواية عبد الرحمن بن إسحاق فإنه لم يتابعه أحد، قال الحافظ في الفتح‏:‏ اختلف على الزهري في إسناد هذا الحديث وعلى مالك أيضاً لكنه اختلاف لا يقدح في صحته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أخرجه النسائي وابن ماجه وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والترمذي حديث مالك ومن تابعه أصح انتهى‏.‏

154- بابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ ‏(‏الْمُؤّذّنُ‏)‏ عَلَى الأَذَانِ أَجْرا

209- حدثنا هَنّادٌ حدّثَنا أَبو زُبَيْدٍ وَهُوَ عَبْثَرُ بنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَشْعَثَ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ عُثْمانَ بن أَبي العَاصِ قَال‏:‏ ‏"‏إِنّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إلَيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنِ اتِخَدْ مُؤَذّناً لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْراً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حدِيثُ عُثْمانَ حَديثٌ حسَنٌ ‏(‏صحيحٌ‏)‏‏.‏

وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ‏:‏ كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ الْمُؤَذّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْراً، وَاسْتَحَبّوا لِلْمؤَذّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نا أبو زبيد‏)‏ بالتصغير اسمه عبثر بن القاسم الزبيدي بالضم الكوفي ثقة من الثامنة ‏(‏عن أشعث‏)‏ هو ابن سوار الكندي النجار الكوفي مولى ثقيف يقال له أشعث النجار، ويقال له أشعث التابوتي وأشعث الأفرق، روى عن الحسن البصري والشعبي وغيرهما وروى عنه شعبة والثوري وعبثر بن القاسم وغيرهم قاله الحافظ في تهذيب التهذيب، وقال في التقريب ضعيف، وقال الخزرجي حدثه في مسلم متابعة ‏(‏عن الحسن‏)‏ هو البصري ‏(‏عن عثمان بن أبي العاص‏)‏ صحابي شهير استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف ومات في خلافة معاوية بالبصرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن من آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي حين توديعه إلى الطائف للعمل ‏(‏أن اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً‏)‏ فيه دلالة ظاهرة على أن يكره أخذ الأجرة وقد عقد ابن حبان ترجمة على الرخصة في ذلك، وأخرج عن أبي محذورة أنه قال فألقي على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان فأذنت ثم أعطاني حين قضيت التأذين صرة فيها من فضة، وأخرجه أيضاً النسائي قال اليعمري ولا دليل فيه لوجهين، الأول إن قصة أبي محذورة أول ما أسلم لأنه أعطاء حين علمه الأذان وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص الراوي لحديث النهي‏.‏ فحديث عثمان متأخر‏.‏ الثاني أنها واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون من باب التأليف لحداثة عهده بالإسلام كما أعطى حينئذ غيره من المؤلفة قلوبهم ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما بيقي فيها من الإجمال، قال الشوكاني بعد نقل كلام ابن سيد الناس هذا‏:‏ وأنت خبير بأن هذا الحديث لا يرد على من قال إن الأجرة إنما تحرم إذا كانت مشروطة لا إذا أعطيها بغير مسألة‏.‏ والجمع بين الحديثين بمثل هذا حسن‏.‏

قلت‏:‏ ما قال الشوكاني في وجه الجمع بين الحديثين لا شك في حسنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عثمان حديث حسن‏)‏ قال في المنتقي بعد ذكره رواه الخمسة‏.‏ وقال في النيل صححه الحاكم وقال ابن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعثمان ابن أبي العاص واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً وأخرج ابن حبان عن يحيى البكالى قال سمعت رجلاً قال لابن عمر إني لأحبك في الله فقال له ابن عمر إني لأبغضك في الله فقال سبحان الله أحبك في الله وتبغضني في الله قال نعم أنك تسأل على أذانك أجراً، وروى عن ابن مسعود أنه قال أربع لا يؤخذ عليهن أجر الأذان وقراءة القرآن والمقاسم والقضاء انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يأخذ على الأذان أجراً واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه‏)‏ قال الخطابي أهذ المؤذن على أذانه مكروه بحسب مذاهب أكثر العلماء، قال الحسن أخشى أن لا تكون صلاته خالصة وكرهه الشافعي وقال يرزق من خمس الخمس من سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مرصد لمصالح المسلمين‏.‏ وقال في النيل قد ذهب إلى تحريم الأجر شرطاً على الأذان والإقامة الهادي والقاسم والناصر وأبو حنيفة وغيرهم، وقال مالك لا بأس بأخذ الأجر على ذلك، وقال الأوزاعي يجاعل عليه ولا يؤاجر، وقال الشافعي في الأم أحب أن يكون المؤذنون متطوعين، قال وليس للامام أن يرزقهم وهو يجد من يؤذن متطوعاً ممن له أمانة إلا أن يرزقهم من ماله، قال ولا أحسب أحداً ببلد كثير الأهل بيعوزه أن يجد مؤذناً أميناً يؤذن متطوعاً، فإن لم يجده فلا بأس أن يرزق مؤذناً ولا يرزقه إلا من خمس الخمس الفضل، وقال ابن العربي الصحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء وجميع الأعمال الدينية فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله وفي كل واحد منها يأخذ النائب أجرة كما يأخذ المستغيب والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما تركت بعد نفقة، نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة انتهى، فقاس المؤذن على العامل وهو قياس في مصادمة النص وفتياً ابن عمر التي مرت لم يخالفها أحد من الصحابة كما صرح بذلك اليعمري كذا في النيل‏.‏

قلت‏:‏ القول الراجح عندي هو قول الجمهور والله تعالى أعلم‏.‏

155- بابُ ‏(‏مَا جَاءَ‏)‏ مَا يَقُولُ ‏(‏الرّجُلُ‏)‏ إذَا أَذّنَ الْمُؤَذّنُ ‏(‏منَ الدّعَاءِ‏)‏

‏(‏باب ما يقول إذا أذن المؤذن من الدعاء‏)‏ قوله من الدعاء بيان لما والمعنى أي دعاء يدعو به السامع إذا أذن المؤذن

210- حدّثَنا قُتَيْبَةُ حَدّثَنا اللّيْثُ عنِ الْحُكَيْمِ بن عبْد الله بن قَيْسٍ عَنْ عَامِرِ بْن سعدٍ عنْ سَعْدِ بْن أَبي وَقّاصٍ عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏مَنْ قَالَ حينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذّنَ‏:‏ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَه إِلاّ الله وحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنّ محمداً عبده ورسولهُ، رَضِيتُ بِالله رَبّا وَبمُحَمّدٍ رَسُولاً وَبالاْسْلاَم دِيناً ـ‏:‏ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ و هَذَا حَدِيثٌ حسَنٌ صَحيحٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ اللّيْثِ بن سْعدٍ عَنْ حُكَيْمِ بن عبْدِ الله بن قَيْسٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الحكيم‏)‏ بضم أوله مصغراً ‏(‏بن عبد الله بن قيس‏)‏ بن مخرمة بن المطلب المطلبي نزيل مصر صدوق من الرابعة ‏(‏عن عامر بن سعد‏)‏ بن أبي وقاص الزهري المدني، روى عن أبيه وغيره قال ابن سعد ثقة كثير الحديث مات سنة 104 أربع ومائة ‏(‏عن سعد بن أبي وقاص‏)‏ اسمه مالك صحابي جليل شهد بدراً والمشاهد وهو أحد العشرة وآخرهم موتاً، وأول من رمي في سبيل الله وفارس الإسلام وأحد ستة الشوري ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق ومناقبه كثيرة مات بالعقيق سنة خمس وخمسين على المشهور‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من قال حين يسمع المؤذن‏)‏ أي أذانه أو صوته أو قوله وهو الأظهر وهو يحتمل أن يكون المراد به حين يسمع الأول أو الأخير وهو قوله آخر الأذان لا إله إلا الله وهو أنسب ويمكن أن يكون معنى يسمع يجيب فيكون صريحاً في المقصود وأن الثواب المذكور مرتب على الإجابة بكمالها مع هذه الزيادة، ولأن قوله بهذه الشهادة في أثناء الأذان ربما يفوته الإجابة في بعض الكلمات الاَتية كذا في المرقاة ‏(‏وأنا أشهد أن لا إله إلا الله‏)‏ وفي رواية لمسلم أن أشهد بغير لفظ أن وبغير الواو ‏(‏رضيت بالله ربا‏)‏ أي بربوبيته وبجميع قضائه وقدره فإن الرضا بالقضاء باب الله الأعظم، وقيل حال أي مربياً ومالكاً وسيداً ومصلحاً ‏(‏ومحمد رسولاً‏)‏ أي بجميع ما أرسل به وبلغه إلينا من الأمور الاعتقادية وغيرها ‏(‏وبالإسلام‏)‏ أي بجميع أحكام من الإسلام الأوامر والنواهي ‏(‏دينا‏)‏ أي اعتقاداً أو انقياداً قاله القاري ‏(‏غفر الله له ذنوبه‏)‏ أي من الصغائر جزاء لقوله من قال حين يسمع المؤذن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏ قال ميرك والعجب من الحاكم أنه أخرجه في المستدرك وأعجب من ذلك تقرير الذهبي له في استدراكه عليه وهو في صحيح مسلم بلفظه انتهى ذكره القاري في المرقاة، ثم قال لعل إخراج الحاكم له بغير السند الذي في مسلم فلينظر فيه ليعلم ما فيه والله أعلم انتهى‏.‏

156- بابُ مِنْهُ آخَر

211- حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ الْبَغْدَادِيّ وَ إِبْرَهِيمُ بنُ يَعْقُوبَ قَالاَ‏:‏ حَدّثَنَا عَلِيّ بنُ عَيّاشٍ ‏(‏الْحِمِصِيّ‏)‏ حَدّثَنَا شُعَيْبُ بنُ أَبي حَمْزةَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النّدَاءَ‏:‏ اللهُمّ ربّ هَذِهِ الدّعْوَةِ التّامّةِ وَالصّلاَةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمّداً الْوَسِيلَةَ وَالْفضِيلَةَ وَابْعَثهُ مَقَاماً مَحمُوداً الّذِي وَعَدْتَهُ ـ‏:‏ إِلاّ حَلّتْ لَهُ الشّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ ‏(‏صَحِيحٌ‏)‏ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمّدِ بنِ الْمنْكَدِرِ، لاَ نَعْلَمُ أَحَداً رَوَاهُ غَيْر شُعْيْبِ بنِ أَبِي حَمْزَةَ ‏(‏عَنْ مُحَمّدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ‏)‏‏.‏

‏(‏وَأَبُو حَمْزَةَ اسْمُهُ ‏(‏دِينَارٌ‏)‏‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي‏)‏ التميمي مولاهم البخاري الحافظ الجوال، وثقه النسائي وابن عدي روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم ‏(‏وإبراهيم ابن يعقوب‏)‏ الحافظ الجوزجاني بضم الجيم الأولى مصنف الجرح والتعديل، نزيل دمشق روى عنه أبو داود والترمذي والنسائي ووثقه، وكان أحمد يكاتبه إلى دمشق ويكرمه إكراماً شديداً، وقال الدارقطني كان من الحفاظ المصنفين وقد رمي بالنصب توفي سنة 259 تسع وخمسين ومائتين، قال الحافظ في التقريب ثقة حافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏علي بن عياش‏)‏ بالياء الأخيرة والشين المعجمة، وهو الحمصي من كبار شيوخ البخاري ولم يلقه من الأئمة الستة غيره ‏(‏حين يسمع النداء‏)‏ أي الأذان واللام للعهد أو المراد من النداء تمامه أي حين يسمع النداء بتمامه، يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص عند مسلم بلفظ‏:‏ قولوا مثل ما يقول ثم صلوا ثم سلوا الله لي الوسيلة، ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان ‏(‏اللهم‏)‏ أي يا الله والميم عوض عن يا فلذلك لا يجتمعان ‏(‏رب‏)‏ منصوب على النداء ‏(‏هذه الدعوة التامة‏)‏ بفتح الدال والمراد بالدعوة ههنا ألفاظ الأذان التي يدعي بها الشخص إلى عبادة الله تعالى قاله العيني‏.‏ وقا ل الحافظ المراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏له دعوة الحق‏"‏ وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشرك نقص أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل بل هي باقية إلى يوم النشور أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها فمعرض للفساد ‏(‏والصلاة‏)‏ المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ ‏(‏القائمة‏)‏ أي الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السموات والأرض ‏(‏آت‏)‏ أمر من الإيتاء أي أعط ‏(‏الوسيلة‏)‏ قد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وقع ذلك في حديث عبد الله بن عمر عند مسلم ‏(‏والفضيلة‏)‏ المرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيراً للوسيلة قاله الحافظ ‏(‏مقاماً محموداً‏)‏ أي يحمد القائم فيه وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات ونصب على الظرفية أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاماً محموداً أو ضمن ابعثه معنى أقمة أو على أنه مفعول به ومعنى ابعثه أعطه ‏(‏الذي وعدته‏)‏ قال الحافظ في الفتح زاد في رواية البيهقي إنك لا تخلف الميعاد، وقال الطيبي المراد قوله تعالى ‏"‏عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً‏"‏ وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره‏.‏ والموصول إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف وليس صفة للنكرة، ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما المقام المحمود بالألف واللام فيصح وصفة بالموصول قال ابن الجوزي‏:‏ والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة‏:‏ وقيل إجلاسه على العرش وقيل على الكرسي‏.‏ وحكى كلا من القولين عن جماعة وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الأذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة ووقع في صحيح ابن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعاً يبعث الله الناس فيكسوني ربي حلة خضراء فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود، ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقذدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة، ويشعر قوله في آخر الحديث حلت له شفاعتي بأن الأمر المطلوب له الشفاعة والله أعلم انتهى كلام الحافظ ‏(‏إلا حلت له الشفاعة‏)‏ أي استحقت ووجبت أو نزلت عليه، يقال حل يحل بالضم إذا نزل، واللام بمعنى على ويؤيده رواية مسلم‏:‏ حلت عليه ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود وجبت له، ولا يجوز أن يكون حلت من الحل لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة كذا في الفتح‏.‏ وفي رواية البخاري حلت له شفاعتي بدون إلا وهو الظاهر‏.‏ وأما مع إلا فيجعل من في من قال استفهامية للانكار قاله في فتح الودود‏.‏ وقال السيوطي في حاشية النسائي ما لفظه‏:‏ وقوله هنا وفي رواية الترمذي إلا يحتاج إلى تأويل‏.‏ وتأويله أنه حمله على معنى لا يقول ذلك أحد إلا حلت انتهى‏.‏

فائدة‏:‏

قد اشتهر على الألسنة في هذا الدعاء زيادتان، الأولى إنك لا تخلف الميعاد في آخره، والثانية والدرجة الرفيعة بعد قوله والفضيلة‏.‏ أما الأولى فقد وقعت في رواية البيهقي كما عرفت، وأما الثانية فلم أجدها في رواية‏.‏ قال القاري في المرقاة أما زيادة الدرجة الرفيعة المشهورة على الألسنة فقال البخاري لم أره في شيء من الروايات انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث جابر حديث حسن غريب إلخ‏)‏ بل هو حديث صحيح غريب فإنه أخرجه البخاري في صحيحه بسند الترمذي قال الحافظ فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير عن جابر‏.‏ كذا في قوت المغتذي‏.‏

157- بابُ مَا جَاءَ فِي ‏(‏أَنّ‏)‏ الدّعَاءَ ‏(‏لاَ يُرَدّ‏)‏ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَة

212- حدثنَا مَحْمُودُ ‏(‏بنُ غَيْلاَنَ‏)‏ حَدّثَنَا وَكِيعٌ وَ عَبْدُ الرزّاقِ وَ أَبُو أَحْمَدَ وَ أَبُو نُعَيْمٍ قَالُوا‏:‏ حَدّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدٍ العَمّيّ عَنْ أَبِي إيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرّةَ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الدّعَاءُ لاَ يُرَدّ بَيْنَ الأَذَان وَالاْقَامَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ ‏(‏صَحِيحٌ‏)‏‏.‏

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ عَنْ بُرَيْدِ بنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ هَذَا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأبو أحمد‏)‏ اسمه محمد بن عبد الله بن زبير الزبيري الكوفي ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري ‏(‏وأبو نعيم‏)‏ بالتصغير هو الفضل بن دكين الملائي، قال أحمد ثقة يقظان عارف بالحديث، وقال الفسوي أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان ‏(‏قالوا نا سفيان‏)‏ هو الثوري ‏(‏عن زيد العمى‏)‏ بفتح العين وشدة الميم، قال في المغني إنما سمي زيد بالعمي لأنه كلما سئل عن شيء يقول حتى أسأل عمي وزيد العمي هذا هو ابن الحواري البصري قاضي هراة، قال الحافظ في التقريب ضعيف، وقال الخزرجي في الخلاصة ضعفة أبو حاتم والنسائي وابن عدى قال أحمد والدارقطني صالح انتهى ‏(‏عن أبي إياس‏)‏ بكسر الهمزة ككتاب ‏(‏معاوية بن قرة‏)‏ بضم القاف وشدة المزني البصري ثقة عالم من رجال الكتب الستة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة‏)‏ بل يقبل ويستجاب، وفي بعض روايات أنس الدعاء بين الأذان والإقامة مستجاب ذكره السيوطي في الجامع الصغير، ولفظ الدعاء بإطلاقه شامل لكل ولا بد من تقييده بما في الأحاديث الأخرى من أنه ما لم يكن دعاء بإثم أو قطيعة رحم‏.‏ قال المناوي تحت قوله مستجاب أي بعد جمع شروط الدعاء وأركانه وآدابه فإن تخلف شيء منها فلا يلوم إلا نفسه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أنس حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والضياء في المختارة كذا في المنتقي والنيل، وقال في بلوغ المرام وصححه ابن خزيمة ‏(‏وقد رواه أبو إسحاق الهمداني‏)‏ بسكون الميم وبالدال المهملة وهو السبيعي قاله في الخلاصة ‏(‏عن بريد‏)‏ بالموحدة مصغراً ‏(‏بن أبي مريم‏)‏ البصري ثقة من الرابعة ‏(‏عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا‏)‏ أي مثل حديث الباب، قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر حديث الباب رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان من حديث بريد بن أبي مريم عن أنس وأخرجه هو وأبو داود والترمذي من طريق معاوية ابن قرة عن أنس، قال وروى أبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث سهل بن سعد قال‏:‏ ما ترد على داع دعوته عند حضور النداء الحديث انتهى‏.‏

158- بابُ ‏(‏مَا جَاءَكَمْ‏)‏ فَرَضَ الله عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصّلَوَات

213- حدثنَا مّحَمّدُ بنُ يَحْيَى ‏(‏النّيْسَابِورِيّ‏)‏ حَدّثَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ أَخْبَرنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزهْرِيّ عَنْ أَنَسٍ بن مَالِكٍ قَالَ‏:‏ ‏"‏فُرِضَتْ عَلَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ الصَلوَاتُ خَمْسِينَ، ثُمّ نُقِصَتْ حَتّى جُعِلَتْ خَمْساً، ثُمّ نُودِيَ‏:‏ يا محمدُ‏:‏ إِنّهُ لاَ يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ وَإِنّ لَكِ بِهَذِهِ الْخَمْسِ خَمْسينَ‏"‏‏.‏

‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنْ عُبَادَةَ بن الصّامِتِ، وَطَلْحَةَ بْن عبَيْدِ الله، وَأَبي ذَرّ وَأَبي قَتادَةَ، وَمَالِكِ بْن صَعْصَعَةَ، وَأَبِي سعِيدٍ الْخُدْرِي‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ ‏(‏غَرِيبٌ‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به الصلاة خمسين‏)‏ وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم فرض الله على خمسين صلاة كل يوم وليلة وفي رواية للبخاري فرض الله على أمتي خمسين صلاة قال الحافظ فيحتمل أن يقال في كل من رواية الباب اختصار، أو يقال ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة وبالعكس إلا ما يستثنى من خصائصه ‏(‏ثم نقصت حتى جعلت خمساً‏)‏ قال الحافظ قد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمساً خمساً وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها ‏(‏ثم نودي يا محمد إنه‏)‏ الضمير للشأن ‏(‏لا يبدل القول‏)‏ أي لا يغير ‏(‏وإن لك بهذا الخمس خمسين‏)‏ أي ثواب خمسين صلاة والحديث استدل به على فرضية الصلوات الخمس وعدم فرضية ما زاد عليها كالوتر، وعلى جواز النسخ قبل الفعل، قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال ابن بطال وغيره ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلي ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب، وتعقبه ابن المنير فقال هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح وهو مشكل على من أثبت النسخ قيل الفعل كالأشاعرة أو منعه كالمعتزلة لكونهم اتفقوا جميعاً على أن لا يتصور قبل البلاغ، وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ فهو مشكل عليهم جميعاً‏.‏ وقال وهذه نكتة مبتكرة‏.‏ قال الحافظ إن أراد البلاغ لكل أحد فممنوع وإن أراد قيل البلاغ إلى أمته فمسلم‏.‏ لكن قد يقال ليس هو بالنسبة إليهم نسخاً، لكن هو بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسخ لأنه كلف بذلك قطعاً ثم نسخ بعد أن بلغه، وقبل أن يفعل فالمسألة صحيحة التصوير في حقه صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبادة بن الصامت وطلحة بن عبيد الله وأبي قتادة وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي سعيد الخدري‏)‏ أما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه أحمد والنسائي عنه مرفوعاً‏:‏ خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهداً أن يغفر له الحديث، وروى مالك والنسائي نحوه، وأما حديث طلحة بن عبيد الله فأخرجه الشيخان عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول الحديث، وفيه خمس صلوات في اليوم والليلة الحديث‏.‏ وأما حديث أبي قتادة فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي ذر فأخرجه الشيخان، وأما حديث مالك بن صعصعة فأخرجه الشيخان أيضاً وأما حديث أبي سعيد الخدري فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أنس حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أحمد والنسائي والحديث طرف من حديث الإسراء الطويل وأخرجه الشيخان مطولاً‏.‏

159- بابُ ‏(‏مَا جَاءَ‏)‏ فِي فَضْلِ الصَلوَاتِ الْخَمْس

214- حدّثَنا عَليّ بْنُ حُجْرٍ أخْبَرَنَا إسْمَاعيلُ بن جَعْفَرٍ عَن الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَن عَنْ أَبيهِ عنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏الصّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ‏"‏‏.‏

‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وفي البابِ عنْ جَابِرٍ، وَأنَسٍ، وَحَنْظَلَةَ الأُسَيّدِيّ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَديثُ أبي هُرَيْرَةَ حَديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة‏)‏ زاد مسلم في رواية ورمضان إلى رمضان ‏(‏كفارات لما بينهن‏)‏ أي من الذنوب وفي رواية لمسلم مكفرات لما بينهن ‏(‏ما لم تغش الكبائر‏)‏ وفي رواية لمسلم إذا اجتنب الكبائر‏.‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ في شرح حديث ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة‏.‏ معناه إن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر وليس المراد أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر، فإن هذا وإن كان محتملاً فسياق الحديث يأباه قال القاضي عياض هذا المذكور في الحديث من غفر الذنوب ما لم يؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما يكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله، وقال القاري في المرقاة إن الكبيرة لا يكفرها الصلاة والصوم وكذا الحج وإنما يكفرها التوبة الصحيحة لا غيرها، نقل ابن عبد البر الإجماع عليه بعد ما حكى في تمهيده عن بعض معاصريه أن الكبائر لا يكفرها غير التوبة، ثم قال وهذا جهل وموافقة للمرجئة في قولهم إنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وهو مذهب باطل بإجماع الأمة انتهى، قال العلامة الشيخ محمد طاهر في مجمع البحار ص 221 ج 2 ما لفظه في تعليقي‏:‏ للترمذي لا بد في حقوق الناس من القصاص ولو صغيرة وفي الكبائر من التوبة، ثم ورد وعد المغفرة في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان فإذا تكرر يغفر بأولها الصغائر وبالبواقي يخفف عن الكبائر وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة يرفع بها الدرجات انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جابر وأنس وحنظلة الأسيدي‏)‏ أما حديث جابر فأخرجه مسلم، وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان، وأما حديث حنظلة الأسيدي ويقال له حنظلة الكاتب فأخرجه أحمد بإسناد جيد مرفوعاً بلفظ‏:‏ من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة، الحديث ورواته رواة الصحيح قاله المنذري في الترغيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أ بي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

160- بابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الجَمَاعَة

215- حَدّثَنا هَنّادٌ حدّثنَا عبْدَةُ عَنْ عبَيْدِ الله بن عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ قالَ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏صَلاَةُ الجَماعةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاَةِ الرّجُلِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجةً‏"‏‏.‏

‏(‏قالَ‏)‏‏:‏ وفي البابِ عنْ عبْدِ الله بن مَسْعُودٍ، وَأُبيّ ‏(‏بن كَعْبٍ‏)‏ وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ، وَأَبي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيرَةَ وَأَنَسِ ‏(‏بْن مَالِكٍ‏)‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حدِيثُ ابن عُمَرَ حدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

وَهَكَذَا رَوَى نافعٌ عنْ ابْن عُمَرَ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قالَ‏:‏ ‏"‏تَفْضُلُ صَلاَةُ الْجَميع عَلَى صلاَةِ الرّجُلِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعشْرِينَ دَرَجَةً‏"‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ وَعامّةُ مَنْ رَوى عنْ النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما قالُوا ‏"‏خَمْسٍ وَعِشْرِينَ‏"‏ إلاّ ابن عُمَرَ فَإِنّهُ قالَ ‏"‏بِسَبْعٍ وَعَشْرِينَ‏"‏‏.‏

216- حدّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى الأَنْصَارِيّ حدثَنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ ‏"‏إِنّ صلاَةَ الرّجُلِ فِي الْجَماعَةِ تَزِيدُ عَلَى صلاَتِهِ وَحْدَهُ بِخَمسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذَا حديثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صلاة الجماعة تفضل‏)‏ أي تزيد في الثواب ‏(‏على صلاة الرجل وحده‏)‏ أي منفرداً ‏(‏بسبع وعشرين درجة‏)‏ المراد بالدرجة الصلاة فتكون صلاة الجماعة بمثابة سبع وعشرين صلاة‏.‏ كذا دل عليه ألفاظ الأحاديث ورجحه ابن سيد الناس كذا في قوت المغتذي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي سعيد وأبي هريرة وأنس بن مالك‏)‏ أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وأما حديث أبي بن كعب فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما‏.‏ قال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ قد جزم يحيى بن معين والذهلي بصحة هذا الحديث‏.‏ وأما حديث معاذ بن جبل فأخرجه البزار والطبراني في الكبير مرفوعاً بلفظ‏:‏ تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين صلاة وفيه عبد الحكيم بن منصور وهو ضعيف كذا في مجمع الزوائد، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه الدارقطني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم ‏(‏وعامة من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قالوا خمس وعشرين إلا ابن عمر فإنه قال بسبع وعشرين‏)‏ قال الحافظ في الفتح بعد ذكر قول الترمذي هذا‏:‏ لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه خمس وعشرون‏.‏ لكن العمري ضعيف‏.‏ ووقع عند أبي عوانة في مستخرجه من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال فيه بخمس وعشرين وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة وأما غير ابن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد وابن خزيمة وعن أبي بن كعب عند ابن ماجه والحاكم وعن عائشة وأنس عند السراج‏.‏ وورد أيضاً من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد بن ثابت وكلها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية لأبي هريرة عند أحمد قال فيها سبع وعشرون وفي إسنادها شريك القاضي وفي حفظه ضعف، قال واختلف في أن أيهما أرجح‏.‏ فقيل رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل رواية السبع لأن فيها زيادة من عدل حافظ انتهى كلام الحافظ باختصار يسير‏.‏ قال النووي والجمع بينهما يعني بين روايتي الخمس والسبع من ثلاثة أوجه‏:‏ أحدها أنه لا منافاة بينهما فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين، والثاني أن يكون أخبر أولاً بالقليل ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها‏.‏ والثالث أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة فيكون لبعضهم خمس وعشرون ولبعضهم سبع وعشرون بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيأتها وخشوعها وكثرة جماعتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك قال فهذه هي الأجوبة المعتمدة انتهى‏.‏ وقد ذكر الحافظ في الفتح وجوها أخر للجمع بين الروايتين من شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بخمس وعشرين جزءاً‏)‏ قال الحافظ في الفتح وقع الاختلاف في مميز العدد المذكور، ففي الروايات كلها التعبير بقوله درجة أو حذف المميز إلا طرق حديث أبي هريرة ففي بعضها ضعفاً وفي بعضها جزءاً وفي بعضها درجة وفي بعضها صلاة ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ تقدم تخريجه آنفاً‏.‏

161- بابُ مَا جَاءَ فيمَنْ يَسْمَعُ النّداءَ فَلاَ يُجِيب

217- حَدثنا هَنّادٌ حدثنا وَكِيعٌ عَنْ جَعْفَرِ بْن بُرْقَانَ عنْ يَزِيدَ بْن الأَصْمّ عَنْ أَبي هُرَيرَةَ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ ‏"‏لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ فِتْيَتِي أنْ يَجْمَعُوا حُزَمَ الْحَطَبِ، ثُمّ آمُرَ بِالصّلاَةِ فَتُقَامَ، ثُمّ أُحَرّقَ عَلَى أَقْوَامٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصّلاَةَ‏"‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنْ ‏(‏عَبْدِ الله‏)‏ بْنِ مَسْعُودٍ، وأبي الدّرْدَاءِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وَمُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُمْ قَالُوا‏:‏ مَنْ سَمِعَ النّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ‏.‏

وَقالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ‏:‏ هَذَا عَلَى التّغْلِيظِ وَالتّشْدِيدِ، وَلاَ رُخْصَةَ لأِحَدٍ فِي تَرْك الْجَماعَةِ إلاّ مِنْ عُذْرٍ‏.‏

قَالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ ‏"‏وَسُئِلَ ابْنُ عبّاسٍ عن رَجُلٍ يَصُومُ النّهارَ وَيَقُومُ اللّيْلَ، لاَ يَشْهَدُ جُمْعَةً وَلاَ جَمَاعَةً‏؟‏ قالَ‏:‏ هُوَ فِي النّارِ‏"‏ ‏(‏قالَ‏)‏‏:‏ حدثنا بِذَلِكَ هَنّادٌ حدثنا المُحَارِبِيّ عَنْ لَيْثٍ عن مُجَاهِدٍ‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ ومعنى الحديث‏:‏ أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها واستخفافاً‏:‏ بحقّهما وتهاوناً بها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن جعفر بن برقان‏)‏ بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف ‏(‏لقد هممت‏)‏ اللام جواب القسم والهم العزم وقيل دونه، وزاد مسلم في أوله أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال لقد هممت فأفاد ذكر سبب الحديث ‏(‏فتيتي‏)‏ الفتية جمع فتي أي جماعة من شبان أصحابي أو خدمي وغلماني ‏(‏أن يجمعوا حزم الحطب‏)‏ جمع حزمة بضم الحاء ما حزم كذا في القاموس، وقال في الصراح حزمه بالضم بند هيزم وكاغذ وعلف وجزآن ‏(‏ثم أحرق‏)‏ بالتشديد والمراد به التكثير، يقال حرقه إذا بالغ في التحريق ‏(‏على أقوام لا يشهدون الصلاة‏)‏ وفي رواية أبي داود ثم آتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي مسعود‏)‏ أخرجه مسلم قال لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض‏.‏ الحديث ‏(‏وأبي الدرداء‏)‏ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من ثلاثة في قرية ولا بد ولا تقام فيهم الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية‏.‏ أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ورواه الحاكم وصححه وقال النووي إسناده صحيح ‏(‏وابن عباس‏)‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر قالوا وما العذر قال خوف أو مرض لم تقبل منه الصلاة التي صلى أخرجه أبو داود قال المنذري وفي إسناده أبو خياب يحيى بن أبي حية الكلبي وهو ضعيف، والحديث أخرجه ابن ماجه بنحوه وإسناده أمثل وفيه نظر انتهى ‏(‏ومعاذ بن أنس وجابر‏)‏ أخرجه العقيلي في الضعفاء كما يأتي عن قريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا إلخ‏)‏ أخرج ابن ماجه وبقي بن مخلد وابن حبان وغيرهم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قال الحافظ في التلخيص إسناده صحيح لكن قال الحاكم وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة ثم أخرج له شواهد منها عن أبي موسى الأشعري بلفظ من سمع النداء فارغاً صحيحاً فلم يجب فلا صلاة له رواه البزار من طريق سِمَاك عن أبي بردة عن أبيه موقوف‏.‏ وقال البيهقي الموقوف أصح ورواه العقيلي في الضعفاء من حديث جابر وضعفه ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وضعفه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال بعض أهل العلم هذا على التغليظ والتشديد‏)‏ يعني أن قول الصحابة من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له ليس على ظاهره، بل هو محمول على التغليظ والتشديد، ‏(‏ومعنى الحديث‏)‏ أي حديث أبي هريرة المذكور في الباب‏.‏

‏(‏أن لا يشهد جماعة ولا جمعة رغبة عنها‏)‏ أى إعراضا عنها‏.‏ قال الحافظ في فتح الباري‏:‏ والحديث ظاهر في كون الجماعة فرض عين لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان، وبالغ داود ومن تبعه فجعلها شرطا في صحة الصلاة، وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه وقال به كثير من الحنفية والمالكية والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة ثم ذكر الحافظ عشرة أجوبة وقال في آخر كلامه‏:‏ واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح انتهى‏.‏ ونحن نذكر بعضا منها فمنها‏:‏ أنه يستنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب، ومنها أن الحديث ورد مورد الزجر وحقيقته غير مرادة وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك، وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار وكان قبل ذلك جائزا بدليل حديث أبي هريرة الذي رواه البخارى في الجهاد الدال على جواز التحريق بالنار ثم نسخه فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم ترك تحريقهم بعد التهديد فلو كانت فرض عين لما تركهم، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدمالوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بين سبب الترك وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياتي يحرقون الحديث‏.‏