فصل: 108- بابُ مَا جَاءَ إِذَا أُقِيمَتِ الصّلاَةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلاَءَ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلاَء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


94- بابُ مَا جَاءَ أَنّ المستَحَاضَةَ تَتَوَضّأُ لكلّ صَلاَة

126- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا شَرِيكٌ عن أَبي اليَقْظَانِ عَن عَديّ بن ثَابِتٍ عن أبيه عن جدّهِ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قال في المُسْتَحَاضَةِ‏:‏ ‏"‏تَدعُ الصّلاَةَ أَيامَ أَقْرَائِها الّتِي كانَتْ تَحِيضُ فيهَا، ثم تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضّأُ عِنْدَ كلّ صَلاَةٍ، وَتَصُومُ وَتُصَلّي‏"‏‏.‏

127- حدثنَا عَلِيّ بن حُجْرٍ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ‏.‏ نَحْوَهُ بمعْناهُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث قَدْ تَفَرّدَ بهِ شَرِيكٌ عَن أَبي اليَقْظَانِ‏.‏

‏(‏قالَ‏)‏‏:‏ وَسَأَلْتُ مُحمداً عن هَذَا الحَديثِ، فقلت‏:‏ عَدِيّ بنُ ثَابِتٍ عنْ أَبيهِ عنْ جَدّهِ، جَدّ عَدِىّ مَا اسْمُهُ‏؟‏ فَلَمْ يَعْرِفْ محمّدٌ اسْمَهُ‏.‏ وَذَكَرْتُ لمُحَمّدٍ قَوْلَ يَحْيَى بن مَعِين أَنّ اسْمَهُ ‏(‏دِينَارٌ‏)‏ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ‏.‏

وَقَالَ أَحْمدُ وَإِسْحاقُ فِي المُسْتَحَاضَةِ‏:‏ إن اغْتَسَلَتْ لكلّ صَلاَةٍ هُوَ أَحوطُ لَهَا، وَإِنْ تَوَضّأَتْ لكلّ صَلاَةٍ أَجْزَأَهَا، وَإِنْ جَمَعَتْ بَيْنَ الصّلاَتَيْنِ بِغُسْلٍ ‏(‏وَاحدٍ‏)‏ أَجْزَأَهَا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي اليقظان‏)‏ اسمه عثمان بن عمير بالتصغير، ويقال ابن قيس والصواب أن قيساً جد أبيه وهو عثمان بن أبي حميد أيضاً البجلي أبو اليقظان الكوفي الأعمى، ضعيف واختلط وكان يدلس ويغلو في التشيع كذا في التقريب، وقال في الخلاصة ضعفه أحمد وغيره وتركه ابن مهدي ‏(‏عن عدي بن ثابت‏)‏ الأنصاري الكوفي ثقة رمي بالتشيع من رجال الستة ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو ثابت، قال الحافظ في التقريب ثابت الأنصاري والد عدي قيل هو ابن قيس بن الحطيم هو جد عدى لا أبوه وقيل اسم أبيه دينار وقيل عمرو بن أخطب وقيل عبيد بن عازب فهو مجهول الحال انتهى، قلت قد أطال الحافظ الكلام في ترجمة ثابت الأنصاري في تهذيب التهذيب من يشاء الوقوف على ذلك فليرجع إليه ‏(‏عن جده‏)‏ أي جد عدي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال في المستحاضة‏)‏ أي في شأنها ‏(‏تدع الصلاة أيام أقرائها‏)‏ جمع قرء وهو مشترك بين الحيض والطهر والمراد به ههنا الحيض للسباق واللحاق قاله القاري ‏(‏التي كانت تحيض فيها‏)‏ أي قبل الاستحاضة ‏(‏ثم‏)‏ أي بعد فراغ زمن حيضها بإعتبار العادة ‏(‏تغتسل‏)‏ أي مرة ‏(‏وتتوضأ عند كل صلاة‏)‏ قوله عند كل صلاة متعلق بتتوضأ لا بتغتسل وفيه دليل على أن المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة والحديث ضعيف لكن له شواهد ذكرها الحافظ الزيلعي والحافظ ابن حجر في تخريجهما ومنها حديث عائشة المذكور في الباب المتقدم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان‏)‏ وأخرجه أبو داود وضعفه وأخرجه ابن ماجه أيضاً ‏(‏وسألت محمداً عن هذا الحديث فقلت عدي بن ثابت عن أبيه عن جده جد عدي ما اسمه فلم يعرف محمد اسمه وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين أن اسمه دينار فلم يعبأ به‏)‏ قال المنذري بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه‏:‏ وقد قيل إنه جده أبو أمه عبد الله بن يزيد الخطمي، قال الدارقطني ولا يصح من هذا كله شيء، وقال أبو نعيم وقال غير يحيى اسمه قيس الخطمي هذا آخر كلامه وقيل لا يعلم جده وكلام الأئمة يدل على ذلك، وشريك هو ابن عبد الله النخعي قاضي الكوفة تكلم فيه غير واحد، وأبو اليقظان هذا هو عثمان بن عمير الكوفي ولا يحتج بحديثه انتهى كلام المنذري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة إن اغتسلت لكل صلاة هو أحوط لها وإن توضأت لكل صلاة أجزأها وإن جمعت بين الصلاتين بغسل أجزأها‏)‏ فالإغتسال لكل صلاة ليس بواجب على المستحاضة عند أحمد وإسحاق وهو قول الجمهور، وروي عن بعض الصحابة أنهم قالوا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة والقول الراجح المعول عليه هو قول الجمهور وسيجيء الكلام فيه في باب ما جاء في المستحاضة أنها تغتسل عند كل صلاة‏.‏

95- بابُ ‏(‏مَا جَاءَ‏)‏ فِي المسْتَحَاضَةِ‏:‏ أَنّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصّلاَتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِد

128- حَدثنا محمّدُ بن بَشّارٍ حدثنا أَبو عَامِرِ العَقَدِيّ حدثنا زهَيْرُ بنُ محمّدٍ عن عَبْد الله بن محمّدِ بن عقِيلٍ عنْ إِبْراهِيم بن محمّدِ بن طَلْحَة عنْ عَمّهِ عمْرَانَ بن طَلْحَةَ عنْ أُمّهِ حَمْنَةَ بنْتِ جَحْشٍ قالت‏:‏ ‏"‏كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَديدةً، فأَتَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أَسْتَفْتِيه وَأُخْبِرُهُ‏.‏ فَوَجَدْتُهُ في بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فقلت‏:‏ يا رسول الله، إِني أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَديدةً، فَمَا تَأْمُرُنِي فيَها، قدْ مَنَعَتْنِي الصّيَامَ وَالصّلاَةَ‏؟‏ قال‏:‏ أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ، فإِنّهُ يُذْهِبُ الدّمَ قالت‏:‏ هو أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قالَ‏:‏ فَتَلَجّمِي‏.‏ قَالَتْ‏:‏ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ‏؟‏ قَال‏:‏ فَاتّخِذِي ثَوْباً‏.‏ قالت‏:‏ هُو أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إِنّمَا أَثُجّ ثَجّا‏؟‏ فقال النّبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ‏:‏ أَيّهمَا صَنَعْتِ أَجْزَأَ عَنْكِ، فإنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فأَنْتِ أَعْلَمُ‏.‏ فقال‏:‏ إِنّمَا هِيَ رَكْضَةٌ منَ الشّيْطانِ، فَتَحَيّضِي سِتّةُ أَيّامٍ أوْ سبعةُ أُيّامٍ في عِلْمِ الله، ثمّ اغْتَسلِي، فإِذَا رَأَيْتِ أَنّكِ قدْ طَهُرْتِ وَاستَنَقأْتِ‏.‏ فَصَلّي أَرْبَعَاً وَعِشرِينَ لَيْلةً، أَوْ ثلاثاً وَعِشرِينَ ليْلةٌ وَأَيّامَها، وَصُومِي وَصَلّي، فإنّ ذَلِكَ، يُجزْئُكِ، وَكَذَلِكِ فاْفعَلِي، كَمَا تَحِيضُ النّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ لمِيقَاتِ حَيْضِهِنّ وَطُهْرِهنّ، فإنْ قَويتِ عَلَى أَنْ تُؤَخّري الظّهْرَ وَتُعَجّلي الْعَصْرَ ثمّ تَغْتَسِلينَ حينَ تَطْهُرينَ وتُصَلّينَ الظهرَ والعصرَ جميعاً، ثمّ تُؤَخّرينَ المَغْرِبَ، وَتُعَجّلينَ الْعِشاءَ، ثمّ تَغْتَسِلِينَ، وَتَجْمَعينَ بَيْنَ الصّلاَتَيْنِ- فافْعلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصّبْحِ وتُصَلّينَ، وكَذلِكَ فافْعلِي، وصُومِي إِنْ قَويتِ عَلَى ذَلِك فقال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وَهو أعْجَبُ الأمْرَيْنِ إِلَيّ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

وَرَوَاهُ عُبَيْدُ الله بن عَمْرٍو الرّقّيّ، وَابن جُرَيْجٍ، وَشَرِيكٌ‏:‏ عن عبدِ الله بن محمدِ بْنِ عَقِيلٍ عن إِبْراهِيمَ بْنِ مُحمّدِ بن طَلْحَةَ عَن عَمّه عِمْرَانَ عَن أُمّهِ حَمْنَةَ، إلاّ أنّ ابنَ جُريْجٍ يقول‏:‏ ‏(‏عُمَرُ بن طَلْحَةَ‏)‏ وَالصّحِيحُ ‏(‏عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ‏)‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وَسأَلْتُ مُحمّداً عنْ هذا الحديثِ‏؟‏ فقالَ‏:‏ هوَ حديثٌ حسنٌ ‏(‏صحيحٌ‏)‏‏.‏

‏(‏وَ‏)‏ هَكَذا قالَ أحْمَدُ بن حنْبَلٍ‏:‏ هوَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وقال أَحْمَدُ وَإِسْحاقُ في المسْتَحَاضَةِ‏:‏ إذَا كَانتْ تَعْرفُ حيْضَهَا بإِقْبَالِ الدّمِ وَإدْبَارِهِ، وَإِقْبَالُهُ أَنْ يَكُونَ أسْودَ، وَإِدْبَارُهُ أن يَتَغَيّرَ إِلى الصّفْرَةِ ـ‏:‏ فالْحُكْمُ لَهَا عَلَى حديثِ فاطِمَةَ بِنْتِ أَبي حُبَيْشٍ، وَإنْ كَانتِ المُسْتَحَاضَةُ لَها أَيّامٌ مَعْرُوفةٌ قبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ‏:‏ فإِنّها تَدَعُ الصّلاةَ أَيّامَ أَقْرَائِها ثمّ تَغْتَسِلُ وتَتَوَضّأُ لكلّ صَلاةٍ وَتُصَلّي، وَإذَا اسْتَمَرّ بَها الدّمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَيّامٌ مَعْرُوفةٌ وَلَمْ تَعْرِفِ الْحَيْضَ بإِقْبالِ الدّمِ وَإدْبارِهِ‏:‏ فالْحُكْمُ لَهَا عَلَى حديثِ حَمْنَةَ بْنتِ جَحْشٍ‏.‏

‏(‏وكَذَلِكَ قال أَبو عُبَيْدٍ‏)‏‏.‏

وَقَال الشّافَعِيّ‏:‏ المُسْتَحاضَةُ إِذَا اسْتَمَرّ بِها الدّمُ في أَوّلِ مَا رَأتْ فَدَامَتْ عَلَى ذَلِكَ‏.‏ فإِنّهَا تَدَعُ الصّلاَةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً فإِذَا طَهُرَتْ في خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ‏:‏ فإِنّهَا أَيّامُ حيْضٍ، فإِذَا رأَتِ الدّمَ أكْثَرَ منْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً‏:‏ فإِنّهَا تقْضِي صَلاَةَ أَرْبعَةَ عَشَرَ يَوْماً، ثمّ تَدَعُ الصّلاَةَ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَلّ مَا تَحِيضُ النّساءُ، وهو يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وَاخْتَلَفَ أَهلُ العِلْم في أَقَلّ الْحَيْض وَأَكْثرِهِ‏:‏

فقال بَعْضُ أَهلِ العِلْم‏:‏ أَقَلّ الْحَيْضِ ثَلاَثةٌ، وَأَكْثرُهُ عشَرَةٌ‏.‏

وَهو قَوْلُ سفْيانَ الثّوْرِيّ وَأَهلِ الكُوفةِ، وَبهِ يأْخُذُ ابن المُبَارَكِ وَرُوِيَ عَنْه خِلاَفُ هذَا‏.‏

وَقَالَ‏.‏ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ عَطاءُ بْنُ أَبي رَبَاحٍ‏:‏ أقَلّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسةَ عشَرَ ‏(‏يَوْماً‏)‏‏.‏

وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالأوْزاعيّ، والشّافعِيّ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبي عُبَيْدٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نا أبو عامر العقدي‏)‏ بفتح المهملة والقاف اسمه عبد الملك بن عمرو القيسي البصري ثقة من رجال الستة، قال النسائي ثقة مأمون مات سنة أربع ومائتين ‏(‏نا زهير بن محمد‏)‏ التميمي أبو المنذر الخراساني سكن الشام ثم الحجاز رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها‏.‏ قال البخاري عن أحمد كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر‏.‏ وقال أبو حاتم حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه كذا في التقريب، وقال في الخلاصة‏:‏ قال البخاري للشامين عنه مناكير وهو ثقة ليس به بأس ‏(‏عن إبراهيم بن محمد بن طلحة‏)‏ التيمي المدني ثقة وكان يسمى أسد قريش ‏(‏عن عمه عمران بن طلحة‏)‏ ابن عبيد الله التيمي المدني له رؤية ذكره العجلي في ثقات التابعين ‏(‏عن أمه حمنة‏)‏ بفتح المهملة وسكون الميم وبالنون ‏(‏إبنة جحش‏)‏ بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وبالشين المعجمة هي أخت زينب أم المؤمنين وأمرأة طلحة بن عبيد الله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كنت أستحاض حيضة‏)‏ بفتح الحاء وهو مصدر أستحاض على حد أنبته الله نباتاً ولا يضره الفرق في اصطلاح العلماء بين الحيض والاستحاضة إذ الكلام وارد على أصل اللغة ‏(‏كبيرة‏)‏ وفي بعض النسخ كثيرة وكذا في رواية أبي داود ‏(‏شديدة‏)‏ قال القاري كثيرة في الكمية شديدة في الكيفية ‏(‏أستفتيه وأخبره‏)‏ الواو لمطلق الجمع وإلا كان حقها أن تقول أخبره وأستفتيه ‏(‏فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش‏)‏ أم المؤمنين ‏(‏فما تأمرني‏)‏ ما استفهامية ‏(‏فيها‏)‏ أي في الحيضة يعني في حال وجودها ‏(‏فقد منعتني الصيام والصلاة‏)‏ أي على زعمها ‏(‏أنعت‏)‏ أي أصف ‏(‏الكرسف‏)‏ بضم الكاف وسكون الراء وضم السين أي القطن ‏(‏فإنه‏)‏ أي الكرسف ‏(‏يذهب الدم‏)‏ من الإذهاب أي يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج أو معناه فاستعمليه لعل دمك ينقطع ‏(‏هو أكثر من ذلك‏)‏ أي الدم أكثر من أن ينقطع بالكرسف ‏(‏قال فتلجمي‏)‏ أي شدي اللجام يعني خرقة على هيئة اللجام كالاستثفار ‏(‏قال فاتخذي ثوباً‏)‏ أي تحت اللجام، وقال القاري أي مطبقاً ‏(‏إنما أثج‏)‏ بضم المثلثة وتشديد الجيم ‏(‏ثجا‏)‏ من ثج الماء والدم لازم ومتعدي أي أنصب أو أصبه، فعلى الثاني تقديره أثج الدم وعلى الأول إسناد الثج إلى نفسها للمبالغة على معنى أن النفس جعلت كأن كلها دم ثجاج وهذا أبلغ في المعنى ‏(‏سآمرك‏)‏ السين للتأكيد ‏(‏بأمرين‏)‏ أي بحكمين أو صنفين ‏(‏أيهما صنعت‏)‏ قال أبو البقاء في إعرابه إنها بالنصب لا غير والناصب لها صنعت كذا في قوت المغتذي ‏(‏وإن قويت‏)‏ أي قدرت ‏(‏فأنت أعلم‏)‏ بما تختارينه منهما فأختاري أيهما شئت ‏(‏فقال إنما هي‏)‏ أي الثجة أو العلة ‏(‏ركضة من من الشيطان‏)‏ قال الجزري في النهاية أصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها كما تركض الدابة وتصاب بالرجل أراد الإضرار بها والإذاء لمعنى إن الشيطان قد وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك عادتها وصار في التقدير كأنه ركضة بآلة من ركضاته انتهى ‏(‏فتحيضى‏)‏ أي اجعلي نفسك حائضاً يقال تحيضت المرأة أي قعدت أيام حيضها من الصلاة والصوم ‏(‏ستة أيام أو سبعة أيام‏)‏ قال الخطابي يشبه أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم على غير وجه التحديد من ألستة والسبعة لكن على معنى اعتبار حالها بحال من هي مثلها وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها‏.‏ فإن كانت عادة مثلها أن تقعد ستاقعدت ستاً وإن سبعاً فسبعاً وفيه وجه آخر وذلك أنه قد يحتمل أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة إلا أنها قد نسيتها فلا تدري أيتهما كانت فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تيقنته من أحد العددين، ومن ذهب إلى هذا استدل بقوله في علم الله أي فيما علم الله من أمرك ستة أو سبعة انتهى ‏(‏في علم الله‏)‏ أي في علم الله من أمرك من الست أو السبع أي هذا شيء بينك وبين الله فإنه يعلم ما تفعلين من الإتيان بما أمرتك به أو تركه وقيل في علم الله أي في علم الله أي حكم الله تعالى أي ما أمرتك فهو حكم الله تعالى وقيل في علم الله أي أعلمك الله من عادة النساء من الست أو السبع قاله ابن رسلان، قال القاري في المرقاة قيل أو للشك من الراوي، وقد ذكر أحد العددين اعتباراً بالغالب من حال نساء قومها، وقيل للتخيير بين كل واحد من العددين لأنه العرف الظاهر والغالب من أحوال النساء وقال النووي أو للتقسيم أي ستة إن اعتادتها أو سبعة إن اعتادتها إن كانت معتادة لا مبتدأة أو لعلها شكت هل عادتها ستة أو سبعة فقال لها ستة إن لم تذكري عادتك أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك أو لعل عادتها كانت مختلفة فيهما فقال ستة في شهر الستة وسبعة في شهر السبعة انتهى‏.‏ وقيل هو الظاهر أنها كانت معتادة ونسيت أن عادتها كانت ستاً أو سبعاً فذكر القاري مثل ما ذكره الخطابي بقوله وفيه وجه آخر إلخ ثم قال القاري ومعناه أي معنى قوله في علم الله على قول الشك في علمه الذي بينه وشرعه لنا كما يقال في حكم الله وفي كتاب الله وقيل فيما أعلمك الله من عادات النساء من الست أو السبع وفي قول التخيير فيما علم الله من ستة أو سبعة انتهى ما في المرقاة ‏(‏ثم اغتسلي‏)‏ أي بعد الستة أو السبعة من الحيض ‏(‏فإذا رأيت‏)‏ أي علمت ‏(‏أنك قد ظهرت واستنقأت‏)‏ قال أبو البقاء كذا وقع في هذه الرواية بالألف، والصواب واستنقيت لأنه من نقى الشيء وأنقيته إذا نظفته ولا وجه فيه للألف ولا الهمزة انتهى‏.‏

وقال القاري في المرقاة، قال في المغرب الاستنقاء مبالغة في تنقية البدن قياس، ومنه قوله إذا رأيت أنك طهرت واستنقيت، الهمزة فيه خطأ انتهى، قال وهو في النسخ كلها يعني نسخ المشكلة بالهمز مضبوط فيكون جرأة عظيمة من صاحب المغرب بالنسبة إلى العدول الضابطين الحافظين مع إمكان حمله على الشذوذ إذ الياء من حرف الإبدال وقد جاء شئمة مهموزاً بدلاً من شيمة شاذاً على ما في الشافية ‏(‏فصلى أربعاً وعشرين ليلة‏)‏ يعني أيامها إن كانت مدة الحيضة ستة أو ثلاثاً ‏(‏وعشرين ليلة وأيامها‏)‏ إن كانت مدة الحيض سبعة ‏(‏فإن ذلك بجزئك‏)‏ أي يكفيك يقال أجزأني الشيء أي كفاني ‏(‏فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين حين تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعاً‏)‏ وفي بعض النسخ ثم تغتسلي وتصلي بحذف النون وهو الظاهر وهذا هو الأمر الثاني بدليل قوله وهو أعجب الأمرين إلي، وأما الأمر الأول فقال صاحب سبل السلام هو الوضوء لكل صلاة بعد الاغتسال عن الحيض بمرور الستة أو السبعة الأيام، فإن في صدر الحديث سآمرك بأمرين ثم ذكر لها الأمر الأول أنها تحيض ستاً أو سبعاً ثم تغتسل وتصلي وقد علم أنها تتوضأ لكل صلاة لأن استمرار الدم ناقض فلم يذكره في هذه الرواية، وقد ذكره في غيرها ثم ذكر الأمر الثاني من جمع الصلاتين انتهى‏.‏ وقال القاري وغيره الأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة‏.‏

قلت‏:‏ لم يصرح بالأمر الأول في هذا الحديث، وهو إما الوضوء لكل صلاة أو الاغتسال لكل صلاة لا غيرهما وأعجبهما إلي هو الثاني والله تعالى أعلم ‏(‏ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي‏)‏ وفي بعض النسخ بحذف النون في جميع هذه الكلمات وهو الظاهر وكذلك فافعلي ‏(‏وصومي‏)‏ أي في هذه المدة التي تصلي ‏(‏إن قويت على ذلك‏)‏ بدل من الشرط الأول ‏(‏وهو أعجب الأمرين إلي‏)‏ أي الجمع بين الصلاتين بغسل واحد أحب الأمرين إلي والأمر الأول هو الاغتسال لكل صلاة أو الوضوء لكل صلاة كما تقدم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم، قال المنذري في تلخيصه قال الخطابي قد ترك بعض العلماء القول بهذا الحديث لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك وقال أبو بكر البيهقي تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به هذا آخر كلامه، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وقال أيضاً وسألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث فقال هو حديث حسن وقال أحمد هو حديث حسن صحيح انتهى، قال صاحب سبل السلام بعد نقل كلام المنذري هذا‏.‏ فعرفت أن القول بأنه حديث غير صحيح غير صحيح بل قد صححه الأئمة انتهى‏.‏

قلت‏:‏ عبد الله بن محمد بن عقيل متكلم فيه وقد تقدم في باب مفتاح الصلاة الطهور أن الترمذي قال سمعت محمد بن إسماعيل يعني البخاري يقول كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد هو مقارب الحديث‏.‏ انتهى كلام الترمذي، وقال الحافظ الذهبي في ترجمته بعد ذكر أقوال الجارحين والمعدلين حديثه في مرتبة الحسن انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره فإقباله‏)‏ وفي بعض النسخ وإقباله بالواو وهو الظاهر ‏(‏أن يكون أسود وإدباره أن يتغير إلى الصفرة‏)‏ كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة بنت أبي حبيش‏:‏ إذا كان دم الحيضة فإنه أسود يعرف إلخ وقد تقدم تخريجه ولفظه ‏(‏فالحكم لها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش‏)‏ أي الذي تقدم في باب المستحاضة، وقد عرفت هناك أن فيه دلالة على أن المرأة إذا ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره، فإذا انقضى قدره اغتسلت منه ‏(‏وإن كان المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي‏)‏ كما يدل عليه حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده الذي تقدم في باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وكذا يدل عليه حديث أم سلمة الذي ذكرنا تخريجه ولفظه في باب المستحاضة، ويدل عليه أيضاً حديث عائشة عن أم حبيبة بنت جحش، وفيه امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي رواه مسلم ‏(‏وإذا استمّر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة‏)‏ بأن كانت مبتدأة غير معتادة ‏(‏ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش‏)‏ فترجع إلى حال من هي مثلها وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها، فإن كانت عادة مثلها أن تقعد ستاً قعدت ستاً وإن سبعاً فسبعاً كما قال الخطابي أو ترجع إلى الحالة الغالبة في النساء كما قال غيره، فحمل الإمام أحمد وإسحاق حديث حمنة بنت جحش على عدم معرفتها لعادتها وعدم التمييز بصفات الدم ومحصل ما قال الإمام أحمد وإسحاق في المستحاضة أنها إن كانت معتادة ترجع إلا عادتها المعروفة، سواء كانت مميزة أو غير مميزة، لحديث عائشة عن أم حبيبة وإن كانت غير معتادة وهي مميزة أعني تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره تعتبر دم الحيض وتعمل على إقباله وإدباره، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش وإن كانت مبتدأة غير مميزة لاعادة لها ولا تمييز ترجع إلى الحالة الغالبة في النساء ستاً أو سبعاً، لحديث حمنة بنت جحش وهذا الجمع بين هذه الأحاديث هو جمع حسن والله تعالى أعلم‏.‏

قال الطيبي‏:‏ قد اختلف العلماء فيه يعني في اعتبار التمييز فأبو حنيفة منع إعتبار التمييز مطلقاً، والباقون عملوا بالتمييز في حق المبتدأة، واختلفوا فيما إذا تعارضت العادة، والتمييز فإعتبر مالك وأحمد وأكثر أصحابنا التمييز ولم ينظروا إلى العادة وعكس ابن خيران انتهى كلام الطيبي ‏(‏وقال الشافعي المستحاضة إذا استمر بها الدم في أول ما رأت فدامت على ذلك فإنها تدع الصلاة ما بينها وبين خمسة عشر يوماً فإذا طهرت في خمسة عشر يوماً أو قبل ذلك فإنها أيام حيض‏)‏ بشرط أن يكون طهارتها بعد يوم وليلة فإنها إذا طهرت قبل يوم وليلة لا يكون ذلك الدم حيضاً عند الشافعي ‏(‏فإذا رأت الدم أكثر من خمسة عشر يوماً فإنها تقضي صلاة أربعة عشر يوماً‏)‏ وذلك لأن أقل مدة الحيض عنده يوم وليلة وأكثرها خمسة عشر يوماً، فلما رأت مبتدأة الدم فما لم يزد على خمسة عشر يوماً فكله حيض، ومتى زاد على خمسة عشرة فالزائد دم الاستحاضة ألبتة، ووقع به الشك في خمسة عشر أيضاً لاحتمال أن يكون انقطاع الحيض بعد يوم وليلة من أول ما رأت أو بعد يومين أو ثلاث إلى خمسة عشر يوماً، فبنى الأمر على اليقين وطرح الشك والله تعالى أعلم كذا في بعض الحواشي‏.‏

واعلم أن قول الشافعي هذا في المستحاضة المبتدأة التي لا تمييز لها، وأما إذا كانت ذات تمييز بأن ترى في بعض الأيام دماً أسود وفي بعضها دماً أحمر أو أصفر فالدم الأسود حيض بشرط أن لا ينقص عن يوم وليلة ولا يزيد على خمسة عشر يوماً، كذا حرره الشافعي، كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فاختلف أهل العلم في أقل الحيض وأكثره فقال بعض أهل العلم أقل الحيض ثلاث وأكثره عشرة وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وبه يأخذ ابن المبارك‏)‏ قال ابن قدامة في المغني‏:‏ قال الثوري وأبو حنيفة وصاحباه أقله ثلاثة أيام وأكثره عشر لما روى واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، وقال أنس قرء المرأة ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشرة ولا يقول أنس ذلك إلا توقيفاً‏.‏

ثم قال ابن قدامة مجيباً عن حديث واثلة وأثر أنس ما لفظه‏:‏ وحديث واثلة يرويه محمد بن أحمد الشامي وهو ضعيف، عن حماد بن المنهال وهو مجهول وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب وهو ضعيف، قال ابن عيينة‏:‏ هو محدث لا أصل له، وقال أحمد في حديث أنس ليس هو شيئاً، هذا من قبل الجلد بن أيوب، قيل إن أحمد بن إسحاق رواه وقال ما أراه سمعه إلا من الحسن بن دينار وضعفه جداً، قال وقال يزيد بن زريع ذاك أبو حنيفة لم يحتج إلا بالجلد بن أيوب وحديث الجلد قد روي عن على ما يعارضه فإنه قال ما زاد على خمسة عشر استحاضة، وأقل الحيض يوم وليلة انتهى ما في المغني‏.‏ واستدل لهم أيضاً بحديث أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقل الحيض للجارية البكر والثيب ثلاث وأكثر ما يكون عشرة أيام، فإذا زاد فهي مستحاضة رواه الطبراني والدارقطني في سننه من طريق عبد الملك عن العلاء بن كثير عن مكحول عنه، وعبد الملك مجهول والعلاء بن كثير ضعيف الحديث ومكحول لم يسمع من أبي أمامة، وفي الباب أحاديث أخرى كلها ضعيفة ذكرها الحافظ الزيلعي في نصب الراية والحافظ بن حجر في الدراية، مع بيان ضعفها ‏(‏وقال بعض أهل العلم منهم عطاء بن أبي رباح أقل الحيض يوم وليلة وأكثر خمسة عشرة وهو قول الأوزاعى ومالك والشافعي وأحمد وأبي عبيدة‏)‏ واستدل على هذا بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي، قال الحافظ في التلخيص، لا أصل له بهذا اللفظ، قال الحافظ أبو عبد الله بن منده فيما حكاه ابن دقيق العيد في الإمام عنه‏:‏ ذكر بعضهم هذا الحديث لا يثبت بوجه من الوجوه‏.‏ وقال البيهقي في المعرفة‏:‏ هذا الحديث يذكره بعض فقهائنا وقد طلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب الحديث أو ولم أجد له إسناداً، وقال ابن الجوزي في التحقيق‏:‏ هذا لفظ يذكره أصحابنا ولا أعرفه، وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقهاء، وقال النووي في شرحه باطل لا يعرف انتهى ما في التلخيص بقدر الحاجة‏.‏

قلت‏:‏ لم أجد حديثاً لا صحيحاً ولا ضعيفاً يدل على أن أقل الحيض يوم ليلة وأكثره خمسة عشر يوماً إلا هذا الحديث، وقد عرفت أنه لا أصل له بل هو باطل، وأما ما ذهب إليه سفيان الثوري وأهل الكوفة فإنه يدل عليه عدة أحاديث لكنها كلها ضعيفة كما عرفت‏.‏

تنبيه‏:‏

قال ابن قدامة في المغني أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً، ثم قال مستدلاً على هذا ما لفظه‏:‏ ولنا أنه ورد في الشرع مطلقاً من غير تحديد ولا حد له في اللغة ولا في الشريعة، فيجب الرجوع فيه إلا العرف والعادة كما في القبض، والإحراز والتفرق وأشباهها، وقد وجد حيض معتاد يوماً، وقال عطاء‏:‏ رأيت من النساء من تحيض خمسة عشر، وقال أحمد حدثني يحيى بن آدم قال‏:‏ سمعت شريكاً يقول عندنا امرأة تحيض كل شهر خمسة عشر يوماً حيضاً مستقيماً، وقال ابن المنذر‏:‏ قال الأوزاعي عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشياً، يرون أنه حيض تدع له الصلاة، وقال الشافعي رأيت امرأة اثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يوماً لا تزيد عليه وأثبت لي عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام، وذكر إسحاق بن راهويه عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال تحيض أمرأتي يومين، وقال إسحق قالت امرأة من أهلنا معروفة لم أفطر منذ عشرين سنة في شهر رمضان إلا يومين، وقولهن يجب الرجوع إليه لقول الله تعالى ‏(‏ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن‏)‏ فلولا أن قولهن مقبول ما حرم عليهن الكتمان، وجرى ذلك مجرى قوله ‏"‏ولا تكتموا الشهادة‏"‏، ولم يوجد حيض أقل من ذلك عادة مستمرة في عصر من الأعصار، فلا يكون حيضاً بحال، انتهى ما في المغني‏.‏

قلت‏:‏ كلام بن قدامة هذا يدل صراحة على أنه من قال إن أقل الحيض يوم وليلة أو أكثره خمسة عشر يوماً ليس له دليل من الكتاب والسنة، وإنما اعتماده على العرف والعادة وهي مختلفة، حتى قال الأوزاعي عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشياً، فتفكر‏.‏

96- بابُ مَا جَاءَ في المُسْتَحَاضَةِ‏:‏ أَنّهَا تَغتَسِلُ عِنْدَ كلّ صَلاَة

129- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا اللّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوةَ عن عَائِشَةَ أَنّهَا قالت‏:‏ ‏"‏اسْتَفْتَتْ أُمّ حبِيبَةَ ابنةُ جَحْشٍ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالت‏:‏ إني أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ، أَفأَدَعُ الصّلاَةَ‏؟‏ فقال‏:‏ لا، إنّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فاغْتَسِلِي ثم صَلّي‏.‏ فكَانت تَغْتَسِلُ لِكلّ صَلاَةٍ‏"‏‏.‏

قالَ قُتَيْبَةُ‏:‏ قال اللّيْثُ‏:‏ لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أُمّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْد كلّ صَلاَةٍ، وَلكِنّه شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وَيُرْوَى هذَا الْحَديثُ عنْ الزّهرِيّ عنْ عَمْرةَ عن عَائِشَةَ قالت‏:‏ ‏"‏اسْتَفْتَتْ أُمّ حبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ ‏(‏رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏‏"‏‏.‏

وَقدْ قَالَ بَعْضُ أَهلِ العِلْمِ‏:‏ المُسْتَحاضَةُ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كلّ صَلاَةٍ‏.‏

وَرَوى الأوْزاعِيّ عنِ الزّهْرِيّ عن عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عنْ عَائِشَةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏استفتت أم حبيبة ابنة جحش‏)‏ بتقديم الجيم المفتوحة على الحاء الساكنة بعدها شين معجمة وهي أخت حمنة بنت جحش، قال في سبل السلام‏:‏ أم حبيبة كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وبنات جحش ثلاث‏:‏ زينب أم المؤمنين وحمنة وأم حبيبة، قيل إنهن كن مستحاضات كلهن، وقد ذكر البخاري ما يدل على أن بعض أمهات المؤمنين كانت مستحاضة، فإن صح أن الثلاث مستحاضات فهي زينب، وقد عد العلماء المستحاضات في عصره صلى الله عليه وسلم فبلغن عشر نسوة انتهى ‏(‏فقالت إني أستحاض‏)‏ بهمزة مضمومة وفتح تاء، وهذه الكلمة ترد على بناء المفعول، يقال استحيضت المرأة فهي مستحاضة إذا استمر بها الدم بعد أيام حيضها ونفاسها ‏(‏فلا أطهر‏)‏ أي مدة مديدة ‏(‏أفأدع الصلاة‏؟‏‏)‏ بهمزة الاستفهام أي أفأتركها ما دامت الاستحاضة معي ولو طالت المدة ‏(‏فقال لا‏)‏ أي لا تدعيها ‏(‏إنما ذلك‏)‏ بكسر الكاف خطا بالها وتفتح على خطاب العام أي الذي تشتكينه ‏(‏عرق‏)‏ بكسر العين وسكون الراء أي دم عرق انشق وانفجر منه الدم، أو إنما سببها عرق فمه في أدنى الرحم ‏(‏فاغتسلي وصلي‏)‏ أي إذا أقبلت حيضتك فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي، يدل عليه ما رواه الشيخان عن عائشة قالت‏:‏ جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال لا إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عند الدم ثم صلي ‏(‏فكانت تغتسل‏)‏ أي أم حبيبة ‏(‏لكل صلاة‏)‏ أي عند كل صلاة ‏(‏قال الليث لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة ولكنه شيء فعلته هي‏)‏ وقال الشافعي إنما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتصلي وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة قال ولا أشك إن شاء الله أن غسلها كان تطوعاً غير ما أمرت به، وذلك واسع لها، وكذا قال سفيان بن عيينة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويروى هذا الحديث عن الزهري عن عمرة عن عائشة قالت استفتت أم حبيبة بنت جحش‏)‏ فالزهري يروي هذا الحديث على ثلاثة وجوه، عن عروة عن عائشة كما في حديث الباب، وعن عمرة عن عائشة وهذه الرواية عند أبي داود، وعن عروة وعمرة كليهما عن عائشة، كما بينه الترمذي بقوله وروى الأوزاعي عن الزهري إلخ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد قال بعض أهل العلم المستحاضة تغتسل عند كل صلاة‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ واعلم أنه لا يجب على المستحاضة الغسل لشيء من الصلوات ولا في وقت من الأوقات إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مروي عن علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، وهو قول عروة بن الزبير وأبي سلمة بن عبد الرحمن ومالك وأبي حنيفة وأحمد، وروى عن ابن عمر وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح أنهم قالوا يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وروى هذا أيضاً عن علي وابن عباس وروى عن عائشة أنها قالت تغتسل كل يوم غسلاً واحداً، وعن ابن المسيب والحسن قالا تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر دائماً‏.‏ ودليل الجمهور أن الأصل عدم الوجوب، فلا يجب إلا ما ورد الشرع بإيجابه، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله عليه السلام إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي‏.‏ وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل‏.‏

وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالغسل فليس فيها شيء ثابت، وقد بين البيهقي ومن قبله ضعفها وإنما صح في هذا ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنما ذلك عرق فاغتسلي ثم صلي‏.‏ فكانت تغتسل عند كل صلاة انتهى كلام النووي ونقل بعد هذا قول الشافعي الذي ذكرنا فيما تقدم، وقال وكذا قاله شيخه سفيان بن عيينة والليث بن سعد وغيرهما‏.‏

قلت‏:‏ وقد جمع بعضهم بأن أحاديث الغسل لكل صلاة محمولة على الاستحباب والله تعالى أعلم، وحديث الباب أخرجه الشيخان وغيرهما‏.‏

97- بابُ ما جَاءَ فِي الْحَائِضِ‏:‏ أَنّهَا لاَ تَقْضِي الصّلاَة

130- حدثنا قُتيبَةُ حدثنا حَمّادُ بن زَيْدٍ عنْ أَيّوبَ عن أَبي قِلاَبةَ عن مُعَاذَةَ‏:‏ ‏"‏أن امْرَأَةً سَأَلتْ عَائِشَةَ، قَالتْ‏:‏ أَتَقْضي إِحْدانَا صَلاَتهَا أَيّامَ مَحِيِضها‏؟‏ فقالت أَحَرُوريةٌ أَنْتِ‏؟‏ قدْ كَانتْ إحْدانَا تَحيضُ فَلاَ تُؤْمَرُ بَقَضَاءٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وَقدْ رُوِيَ عن عائِشَةَ من غَيْرِ وَجْهٍ‏:‏ أَنّ الْحَائِضَ لاَ تَقْضِي الصّلاَةَ‏.‏

وَهو قَوْلُ عَامّةِ الفقَهَاءِ، لا اخْتِلاَفَ بَينهُمْ ‏(‏فِي‏)‏ أَنّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصّوْمَ وَلاَ تقْضِي الصّلاَةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي قلابة‏)‏ بكسر القاف، تخفيف اللام والباء الموحدة، اسمه عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر الجرمي البصري ثقة فاضل كثير الإرسال، قال العجلي فيه نصب يسير من الثالثة مات بالشام هارباً من القضاء سنة أربع ومائة وقيل بعدها كذا في التقريب ‏(‏عن معاذة‏)‏ هي بنت عبد الله العدوية، وهي معدودة في فقهاء التابعين، قال في التقريب ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أحرورية أنت‏)‏ الحروري منسوب إلى حرورا بفتح الحاء وضم الراء المهملتين وبعد الواو الساكنة راء أيضاً، بلدة على ميلين من الكوفة، ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج حروري لأن أول فرقة منهم خرجوا على علي بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنسبة إليها وهم فرق كثيرة، لكن من أصولهم المتفق عليها بينهم الأخذ بما دل عليه القرآن ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقاً، ولهذا استفهمت عائشة معاذة استفهام إنكار وزاد مسلم في رواية فقلت لا لكني أسأل أي سؤالا مجرداً لطلب العلم لا للتعنت، وفهمت عائشة عنها طلب الدليل فاقتصرت في الجواب عليه دون التعليل، والذي ذكره العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام أن الصلاة تتكرر فلم يجب قضاؤها للحرج بخلاف الصيام كذا في الفتح، وقال النووي معنى قول عائشة إن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحائض وهو خلاف إجماع المسلمين، وهذا الاستفهام الذي اسفهمته عائشة هو استفهام إنكار أي هذه طريقة الحرورية وبئست الطريقة ‏(‏فلا تؤمر بقضاء‏)‏ أي لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء مع علمه بالحيض وتركها الصلاة في زمنه، ولو كان القضاء واجباً لأمرها به، وفي رواية لمسلم فتؤمر بقضاء الصوم ولا تؤمر بقضاء الصلاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما ‏(‏وهو قول عامة الفقهاء لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة‏)‏ نقل ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على ذلك، وروى عبد الرزاق عن معمر أنه سأل الزهري عنه فقال‏:‏ اجتمع الناس عليه، وحكى ابن عبد البر عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبونه، وعن سمرة بن جندب أنه كان يأمر به فأنكرت عليه أم سلمة، لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب كما قاله الزهري وغيره، كذا في الفتح‏.‏

98- بابُ مَا جَاء فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ‏:‏ أَنْهُما لاَ يَقْرَان القُرْان

131- حدثنا علِيّ بن حُجْرٍ وَالحَسنُ بن عَرَفةَ قالا‏:‏ حدثنا إِسْمَاعِيلُ بن عَيّاشٍ عن موسى بْنِ عُقْبَةَ عن نَافعٍ عن ابْنِ عُمَر عن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لاَ تَقْرَإ الْحَائِضُ، وَلاَ الْجُنُبُ شَيْئاً مِنَ القُرْانِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عَنْ عَلِيّ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابْنِ عمر حديثٌ لا نَعْرِفُهُ إلا مِنْ حديث إسْمَاعيلَ بْن عَيّاش عنْ موسى بن عقبة عن نافع عن بْنِ عُمر عنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏لا يَقْرَإِ الجنبُ ولا الحائِضُ‏"‏‏.‏

وهُو قَوْلُ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم والتّابعينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، مِثْلِ‏:‏ سُفْيانَ ‏(‏الثّورِيّ‏)‏، وَابْنِ المُبارَكِ، والشّافعيّ، وَأَحْمَدَ، وَإسْحاقَ، قَالُوا‏:‏ لا تَقْرَإ الْحَائِضُ وَلاَ الْجُنُبُ مِنَ القُرْانِ شَيئاً إلاّ طَرَفَ الاَيةِ وَالْحَرْفَ وَنحْوَ ذَلكَ، وَرَخّصُوا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ فِي التّسْبيح وَالتّهْلِيلِ‏.‏

قال‏:‏ وَسَمِعتُ مُحمّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ‏:‏ إِنّ إسْماعِيلَ بنَ عَيّاشٍ يَرْوِي عنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ العِراق أحَادِيثَ مَنَاكِيرَ‏.‏ كَأَنّهُ ضَعّفَ روَايتَهُ عنْهُمْ فِيمَا يَنْفَرِدُ بهِ‏.‏ وقال‏:‏ إنّمَا حديث إِسْماعيلَ بن عَيّاشٍ عن أَهْلِ الشّأْمِ‏.‏

وَقال أَحْمَدُ بْنُ حنْبَلٍ‏:‏ إِسْماعيلُ بْنُ عيّاشٍ أَصْلَحُ مِنْ بَقِيّةَ، وَلِبقِيّةَ أَحَادِيثُ مَنَاكيرُ عنِ الثّقَاتِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حدثنِي بذلك أَحْمَدُ بْنُ الْحَسنِ قال‏:‏ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حنْبَلٍ يَقولُ ذَلِكَ‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والحسن بن عرفة‏)‏ بن يزيد العبدي أبو علي البغدادي صدوق من العاشرة مات سنة سبع وخمسين ومائتين وقد جاوز المائة قاله الحافظ، وقال الخزرجي وثقه ابن معين وأبو حاتم وكان له عشرة أولاد بأسماء العشرة ‏(‏نا إسماعيل بن عياش‏)‏ بن سليم العنسي أبو عتبة الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، قاله الحافظ، وقال الخزرجي في ترجمته عالم الشام وأحد مشايخ الإسلام وثقة أحمد وابن معين ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين مات سنة 181 إحدى وثمانين ومائة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن‏)‏ أي لا القليل ولا الكثير‏.‏ والحديث يدل على أنه لا يجوز للجنب ولا للحائض قراءة شيء من القرآن، وقد وردت أحاديث في تحريم قراءة القرآن للجنب، وفي كلها مقال، لكن تحصل القوة بانضمام بعضها إلى بعض ومجموعها يصلح لأن يتمسك بها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي‏)‏ قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم نكن جنباً، رواه الخمسة، وهذا لفظ الترمذي وحسنه وصححه ابن حبان كذا في بلوغ المرام‏.‏ وقال الزيلعي في نصب الراية روى أصحاب السنن الأربعة من حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يججبه أولاً يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة، قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه قال ولم يحتجا بعبد الله بن سلمة، ومدار الحديث عليه انتهى‏.‏ قال الشافعي أهل الحديث لا يثبتونه، قال البيهقي لأن مداره على عبد الله بن سلمة بكسر اللام، وكان قد كبر وأنكر حديثه وعقله وإنما روى هذا بعد كبره قاله شعبة انتهى كلامه، هذا آخر كلام الزيلعي، وقال الحافظ‏:‏ والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة‏.‏

وفي الباب أيضاً عن جابر أخرجه الدارقطني بنحو حديث ابن عمر وهو ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة إلخ‏)‏ وأخرجه ابن ماجه أيضاً من هذا الطريق، والحديث ضعيف لأن إسماعيل بن عياش قد وثقه أئمة الحديث في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين، وهو روى هذا الحديث عن موسى بن عقبة وهو من أهل الحجاز، قال البيهقي في المعرفة‏:‏ هذا حديث ينفرد به إسماعيل بن عياش وروايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها‏:‏ قاله أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من الحفاظ، وقد روى هذا عن غيره وهو ضعيف انتهى وقال ابن أبي حاتم في علله‏:‏ سمعت أبي وذكر حديث إسماعيل بن عياش هذا فقال أخطأ إنما هو من قول ابن عمر كذا في نصب الراية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قالوا لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئاً إلى طرف الاَية‏)‏ أي بعضها فلا بأس لهما قراءة بعض الاَية أو حرف أو حرفين أو نحو ذلك، وأما قراءة الاَية بتمامها فلا يجوز لهما ألبتة، قال الخطابي في الحديث من الفقه أن الجنب لا يقرأ القرآن وكذلك الحائض لا تقرأ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، وقال مالك في الجنب أنه لا يقرأ الاَية ونحوها، وقد حكى أنه قال تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب، لأن الحائض إن لم تقرأ نسيت القرآن لأن أيام الحيض تتطاول ومدة الجنابة لا تطول، وروى عن ابن المسيب وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأساً بقراءة الجنب القرآن، وأكثر العلماء على تحريمه انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قول الأكثر هو الراجح يدل عليه حديث الباب والله تعالى أعلم‏:‏

تنبيه‏:‏

اعلم أن البخاري عقد بابا في صحيحه يدل على أنه قائل بجواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فإنه قال‏:‏ باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت‏.‏ وقال إبراهيم لا بأس أن تقرأ الاَية ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه وذكر آثاراً أخرى، ثم ذكر فيه حديث عائشة قالت‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف حضت الحديث، وفيه فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري، قال الحافظ في الفتح قال ابن بطال وغيره‏:‏ إن مراد البخاري الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب لأن حدثها أغلظ من حدثه ومنع القراءة إن كان لكونه ذكر الله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبداً فيحتاج إلى دليل خاص ولم يصح عند المصنف يعني البخاري شيء من الأحاديث الواردة في ذلك وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره‏.‏ لكن أكثرها قابل للتأويل ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود بعموم حديث‏:‏ كان يذكر الله على كل أحيانه، لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن وبغيره وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف، والحديث المذكور وصله مسلم من حديث عائشة، ثم قال الحافظ‏:‏ وفي جميع ما استدل به نزاع يطول ذكره، لكن الظاهر من تصرفه ما ذكرناه‏.‏

واستدل الجمهور على المنع بحديث علي‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة، رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة، لكن قيل في الاستدلال به نظر لأنه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه، وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعاً بين الأدلة وأما حديث ابن عمر مرفوعاً لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن، فضعيف من جميع طرقه انتهى كلام الحافظ‏.‏ وقال في التلخيص بعد ذكر حديث ابن عمر ما لفظه‏:‏ وله شاهد من حديث جابر رواه الدارقطني مرفوعاً، وفيه محمد بن الفضل وهو متروك، وموقوفاً وفيه يحيى بن أبي أنيسة، وهو كذاب وقال البيهقي وهذا الأثر ليس بالقوي، وصح عن عمر أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب، وساقه عنه في الخلافيات بإسناد صحيح انتهى، وقال العيني في عمدة القاري‏:‏ وربما يعضدان أي حديث ابن عمرو حديث جابر بحديث علي، ولم يصح عند البخاري في هذا الباب حديث فلذلك ذهب إلى جواز قراءة الجنب والحائض أيضاً انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال وسمعت‏)‏ أي قال الترمذي وسمعت ‏(‏قال وإنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام‏)‏ أي قال البخاري حديث إسمعيل بن عياش الذي هو صحيح وصالح للاحتجاج إنما هو ما يرويه عن أهل الشام، قال في الخلاصة إسمعيل بن عياش العنسي الحمصي عالم الشام وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري وابن عدي في أهل الشام وضعفوه في الحجازيين، وقال في التقريب صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم ‏(‏وقال أحمد بن حنبل إسماعيل بن عياش أصلح من بقية‏)‏ كذا قال الترمذي، وقال الذهبي في الميزان في ترجمة إسمعيل بن عياش‏:‏ قال عبد الله بن أحمد سئل أبي عن إسمعيل وبقية فقال بقية أحب إلي وقال في ترجمة بقية قال أحمد هو أحب إلى إسمعيل ابن عياش انتهى، فهذا مناقض لما قال الترمذي‏.‏

99- بابُ مَا جَاءَ فِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِض

132- حدّثنا بُنْدَارٌ حدّثنا عبدُ الرّحْمَنِ بن مَهْدِيّ عن سفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن إبْراهِيمَ عنْ الأسْوَدِ عنْ عَائِشَة قالتْ‏:‏ ‏"‏كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا حِضْتُ يَأْمُرُنِي أَن أَتّزِرَ، ثُمّ يُبَاشِرُني‏"‏‏.‏

قَالَ‏:‏ وفي البابِ عَنْ أُمّ سَلمَةَ ومَيْمُونَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عائشةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وهو قولُ غيْرِ واحدٍ منْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم والتّابعينَ، وبِهِ يقولُ الشّافِعيّ، وَأَحْمَدُ، وإسحاقُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سفيان‏)‏ هو الثوري ‏(‏عن منصور‏)‏ هو ابن المعتمر ‏(‏عن إبراهيم‏)‏ هو النخعي ‏(‏عن الأسود‏)‏ هو ابن يزيد بن قيس‏.‏

‏(‏يأمرني أن أتزر‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ كذا في روايتنا وغيرها بتشديد التاء المثناة بعد الهمزة، وأصله أءتزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناة بوزن افتعل‏.‏ وأنكر أكثر النحاة الإدغام، حتى قال صاحب المفصل إنه خطأ‏.‏ لكن حكاه غيره أنه مذهب الكوفيين، حكاه الصغاني في مجمع البحرين‏.‏ وقال ابن الملك‏:‏ إنه مقصور على السماع انتهى‏.‏ وقال الكرماني في قول عائشة‏:‏ وهي من فصحاء العرب حجة فالمخطئ مخطئ انتهى‏.‏ والمراد بذلك أنها تشد إزارها على وسطها ‏(‏ثم يباشرني‏)‏ من المباشرة وهي الملامسة من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد المباشرة بمعنى الجماع والمراد ههنا هو المعنى الأول بالإجماع‏.‏

واستدل أبو حنيفة ومالك والشافعي بهذا الحديث وقالوا يحرم ملامسة الحائض من السرة إلى الركبة، وعند أبي يوسف ومحمد وفي وجه لأصحاب الشافعي أنه يحرم المجامعة فحسب، ودليلهم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اصنعوا كل شيء إلا النكاح‏)‏، كذا نقله الطيبي‏.‏ ولعل قوله صلى الله عليه وسلم لبيان الرخصة، وفعله عزيمة تعليماً للأمة‏.‏ لأنه أحوط فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ويؤيده ما ورد عن معاذ بن جبل قال‏:‏ قلت يا رسول الله ما يحل لي من امرأتي وهي حائض، قال‏:‏ ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل‏.‏ رواه أبو داود وغيره كذا في المرقاة، وقال الحافظ في الفتح‏:‏ وذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط‏.‏ وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية ورجحه الطحاوي وهو اختيار اصبغ من المالكية وأحد القولين أو الوجهين للشافعية واختاره ابن المنذر وقال النووي هو الأرجح دليلاً لحديث أنس، وفي مسلم‏:‏ اصنعوا كل شيء إلا الجماع، وحملوا حديث الباب على الاستحباب جمعاً بين الأدلة انتهى‏:‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار لأنه فعل مجرد انتهى‏.‏ ويدل على الجواز أيضاً ما رواه أبو داود بإسناد قوي عن عكرمة عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً انتهى‏.‏ وقال العيني في عمدة القاري‏:‏ النوع الثالث المباشرة بين السرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر‏.‏ فعند أبي حنيفة حرام وهو رواية عن أبي يوسف وهو الوجه الصحيح للشافعية، وهو قول مالك وقول أكثر العلماء منهم سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة وعند محمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية يتجنب شعار الدم فقط، وممن ذهب إليه عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد وأصبغ وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وابن المنذر وداود، وهذا أقوى دليل لحديث أنس أصنعوا كل شيء إلا النكاح واقتصار النبي صلى الله عليه وسلم في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، وقول محمد هو المنقول عن علي وابن عباس وأبي طلحة رضي الله تعالى عنهم‏:‏ انتهى كلام العيني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أم سلمة وميمونة‏)‏ أخرج حديثهما البخاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عائشة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ والقول الراجح هو جواز الاستمتاع بالحائض بكل شيء إلا الجماع لحديث أنس المذكور والله تعالى أعلم‏:‏‏.‏

100- بابُ مَا جَاءَ فِي مُؤَا كَلَةِ الْحَائِضِ وَسؤْرِهَا

‏(‏باب في مؤاكلة الجنب الحائض وسؤرهما‏)‏ وفي بعض النسخ وسؤرهما‏.‏

133- حدثنَا عَبّاسٌ العَنْبَرِيّ وَمُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى قالاَ حدثنَا عبدُ الرّحَمنِ بْنُ مهْدِيّ حدثنا مُعاوِيةُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ العَلاَءِ بْنِ الْحَارثِ عَنْ حَرَامِ بنِ مُعَاويةَ عَنْ عَمّهِ عَبْدِ الله بن سَعْدٍ قال‏:‏ ‏"‏سَأَلْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَنْ مُواكَلَةِ الْحَائِضِ‏؟‏ فقال وَاكِلْها‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عنْ عَائِشَةَ، وَأَنَسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حدِيثُ عبدِ الله بْنِ سعدٍ حَديثٌ حَسنٌ غَريبٌ‏.‏

وهُو قَوْلُ عَامّةِ أَهْلِ العلمِ‏:‏ لَمْ يَرَوْا بِمُوَا كَلَةِ الْحَائِضِ بَأْساً‏.‏

وَاخْتَلَفُوا فِي فَضْلِ وَضوئِهَا‏:‏ فَرَخّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَكرِهَ بَعْضُهُمْ فضْلَ طهُورِهَا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عباس العنبري‏)‏ هو عباس بن عبد العظيم بن إسمعيل العنبري البصري أبو الفضل ثقة حافظ من كبار الحادية عشرة روى عنه البخاري تعليقاً والباقون مات سنة 246 ست وأربعين ومائتين ‏(‏ومحمد بن عبد الأعلى‏)‏ الصنعاني البصري ثقة من العاشرة مات سنة 254 أربع وخمسين ومائتين ‏(‏عن حرام بن معاوية‏)‏ قال الخزرجي حرام ابن حكيم بن خالد الأنصاري أو العنسي ويقال هو حرام بن معاوية عن عمه عبد الله بن سعد وأبي هريرة، وعنه العلاء بن الحارث وثقه دحيم انتهى‏.‏ وقال الحافظ في ترجمة حرام بن حكيم بن خالد ما لفظه‏:‏ وهو حرام بن معاوية كان معاوية بن صالح يقوله على الوجهين ووهم من جعلهما اثنين، وهو ثقة من الثالثة انتهى ‏(‏عن عمه عبد الله بن سعد‏)‏ صحابي شهد فتح القادسية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال واكلها‏)‏ صيغة أمر من المواكلة أي كل معها‏.‏ وفيه دلالة على جواز مؤاكلة الحائض‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وأنس‏)‏ أما حديث عائشة فأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود عنها قالت كنت أتعرق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فمه في الموضع الذي فيه وضعته وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه، وأما حديث أنس فأخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما عنه قال‏:‏ إن اليهود كانوا إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت الحديث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء غير النكاح إلخ‏"‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عبد الله بن سعد حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وأخرجه أيضاً أبو داود ورواته كلهم ثقات، وإنما غربه الترمذي لأنه تفرد به الحارث عن حكيم بن حزام وحكيم بن حزام عن عمه عبد الله بن سعد قاله الشوكاني‏.‏

قلت‏:‏ رواه الترمذي من طريق العلاء بن الحارث عن حرام بن معاوية عن عمه عبد الله بن سعد لا من طريق العلاء عن حكيم بن حزام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول عامة أهل العلم لم يروا بمؤاكلة الحائض بأساً‏)‏ قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي‏:‏ وهذا مما أجمع الناس عليه، وهكذا نقل الإجماع محمد بن جرير الطبري، وأما قوله تعالى ‏(‏فاعتزلوا النساء في المحيض‏)‏ فالمراد اعتزلوا وطأهن ‏(‏واختلفوا في فضل وضوئها فرخص في ذلك بعضهم وكره بعضهم طهورها‏)‏ الراجح هو عدم الكراهة، وحديث عائشة المذكور يدل على أن ريق الحائض طاهر وعلى طهارة سؤرها من طعام أو شراب، قال الشوكاني ولا خلاف فيهما فيما أعلم‏.‏

101- بابُ مَا جَاءَ فِي فِي الْحَائِضِ تَتَنَاوَلُ الشّيْءَ مِنَ المَسْجِد

‏(‏باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد‏)‏ أي تأخذه منه

134- حدثنَا قُتَيْبَةُ حدثنَا عَبِيدةُ بن حُمَيْدٍ عَنِ الأَعْمَش عَنْ ثَابتِ بنِ عبَيْدٍ عَنِ القاسِم بْن مُحّمدٍ قالَ‏:‏ قالتْ ‏(‏لِي‏)‏ عَائِشَةُ‏:‏ ‏"‏قال لِي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ نَاوِلِيني الْخُمرَةَ مِنَ المَسْجِدِ‏.‏ قالتْ‏:‏ قلت‏:‏ إِني حَائِضٌ‏:‏ قال‏:‏ إِن حَيْضَتَك لَيْسَتْ في يَدِكِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عنِ ابن عُمَرَ، وأبي هريرةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عائشةَ حديثٌ حسنٌ ‏(‏صحيحٌ‏)‏‏.‏

وهو قَوْلُ عَامّةِ أهْلِ العِلْمِ، لاَ نَعْلَمُ بَينَهُمُ اخْتِلاَفاً فِي ذَلكَ‏:‏ بِأَنْ لاَ بَأْسَ أَنْ تَتَنَاوَلَ الْحَائِضُ شَيْئاً مِنَ المَسْجِدِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نا عبيدة بن حميد‏)‏ بفتح العين وحميد بالتصغير هو المعروف بالحذاء التيمي أو الليثي أو الضبي‏.‏ صدوق نحوي ربما أخطأ‏.‏ قال الحافظ وقال الخزرجي‏:‏ قال ابن سعد ثقة صاحب نحو وعربية، مات سنة 190 تسعين ومائة ‏(‏عن ثابت بن عبيد‏)‏ بالتصغير الأنصاري الكوفي مولى يزيد بن ثابت‏.‏ ثقة وثقه أحمد وابن معين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ناوليني‏)‏ أي أعطيني ‏(‏الخمرة‏)‏ بضم الخاء المعجمة وإسكان الميم‏.‏ قال الخطابي هي السجادة التي يسجد عليها المصلي ويقال سميت بهذا لأنها تخمر وجه المصلي عن الأرض أي تستره وصرح جماعة بأنها لا تكون إلا قدر ما يضع الرجل حر وجهه في سجوده، وقد جاء في سنن أبي داود عن ابن عباس قال‏:‏ جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعداً عليها فأحرقت منها موضع درهم، فذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه انتهى ‏(‏إن حيضتك ليست في يدك‏)‏ يعني إن يدك ليست بنجسة لأنها لا حيض فيها‏.‏ قال النووي بفتح الحاء هذا هو المشهور في الرواية وهو الصحيح، وقال الخطابي المحدثون يقولونها بفتح الحاء وهو خطأ وصوابها بالكسر أي الحالة والهيئة وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابي، وقال الصواب ههنا ما قاله المحدثون من الفتح لأن المراد الدم وهو الحيض بالفتح بلا شك، لقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ليست بيدك‏"‏ معناه أن النجاسة التي يصان المسجد عنها وهي دم الحيض ليست بيدك وهذا بخلاف حديث أم سلمة فأخذت ثياب حيضتي، فإن الصواب فيه الكسر هذا كلام القاضي وهذا الذي اختاره من الفتح هو الظاهر ههنا‏.‏ ولما قاله الخطابي وجه‏.‏ قال في شرح السنة‏:‏ في الحديث دليل على أن للحائض أن تتناول شيئاً من المسجد وأن من حلف أن لا يدخل دارا أو مسجداً فإنه لا يحنث بإدخال بعض جسده فيه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة‏)‏ أما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة ‏"‏ناوليني الخمرة من المسجد فقالت إني قد أحدثت فقال أو حيضتك في يدك‏"‏ قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه النسائي بلفط‏:‏ قال أبو هريرة بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ قال يا عائشة ناوليني الثوب فقالت إني لا أصلي فقال إنه ليس في يدك فناولته‏.‏ وفي الباب أيضاً عن أنس وأبي بكرة ذكر حديثهما الهيثمي في مجمع الزوائد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافاً في ذلك بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئاً من المسجد‏)‏ أي بمديدها من غير دخول فيه‏.‏

102- بابُ مَا جاءَ فِي كَرَاهِيَةِ إِتْيَانِ الْحَائِض

135- حَدثنا بُنْدَارٌ حَدثنا يَحْيَى بن سعيدٍ وَ عبدُ الرّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ وَ بَهْزُ بن أَسَدٍ قالُوا‏:‏ حَدثنا حَمّادُ بن سَلمَةَ عَنْ حَكِيمٍ الأثْرَمِ عَنْ أَبي تمِيمَةَ الهُجَيْمِيّ عَنْ أبي هُريرةَ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ أَتى حَائِضاً أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِها أَوْ كَاهِناً‏:‏ فقدْ كَفَرَ بمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمّدٍ‏"‏ ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ لاَ نَعْرِفُ هَذَا الْحَديثَ إِلاّ مِنْ حَديثِ حَكيمٍ الأثْرَمِ عَنْ أَبي تمِيمَةَ ‏(‏الهُجَيْمِيّ‏)‏ عَنْ أَبي هُريْرةَ‏.‏

وَإِنّمَا مَعْنَى هذَا عِندَ أَهْلِ العِلمِ عَلَى التّغْليظِ‏.‏

وَقدْ رُوِي عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ أَتى حَائِضاً فَلْيَتَصَدّقْ بدينَارٍ‏"‏‏.‏

فَلَوْ كَانَ إتْيَانُ الْحَائِضِ كُفْراً لَمْ يُؤْمَرْ فيهِ بالْكَفّارَةِ‏.‏

وَضَعّفَ مُحمّدٌ هَذَا الْحَديثَ مِنْ قِبَل إِسْنَادِه‏.‏

وَأَبو تمِيمَةَ الهُجَيْميّ اسْمُهُ ‏(‏طريفُ بْنُ مُجالِدٍ‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا بندار‏)‏ لقب محمد بن بشار ‏(‏نا يحيى بن سعيد‏)‏ هو القطان ‏(‏وبهز بن أسد‏)‏ العمى أبو الأسود البصري ثقة ثبت مات بعد المائتين وقيل قبلها‏.‏ قاله الحافظ ‏(‏عن حكيم الأثرم‏)‏ البصري، قال الحافظ لين وقال الخزرجي في الخلاصة ليس به بأس ‏(‏عن أبي تميمة‏)‏ بفتح التاء الفوقانية وكسر الميم اسمه طريف بن مجالد ‏(‏الهجيمي‏)‏ بضم الهاء وفتح الجيم مصغراً البصري ثقة من الثالثة مات سنة 97 سبع وتسعين أو قبلها أو بعدها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من أتى حائضاً‏)‏ أي جامعها ‏(‏أو امرأة في دبرها‏)‏ مطلقاً سواء كانت حائضاً أو غيرها ‏(‏أو كاهناً‏)‏ قال الجزري في الكاهن‏:‏ الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار‏:‏ وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما‏.‏ فمنهم من كان يزعم أن له تابعاً من الجن ورئياً يلقي إليه الأخبار ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله وهذا يخصونه باسم العراف‏.‏ كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما‏.‏ والحديث الذي فيه‏:‏ من أتى كاهناً‏.‏ قد يشتمل على إتيان الكاهن والعراف والمنجم انتهى كلام الجزري وقال الطيبي أتى لفظ مشترك هنا بين المجامعة وإتيان الكاهن‏.‏ قال القاري الأولى أن يكون التقدير أو صدق كاهناً‏.‏ فيصير من قبيل علفتها ماء وتبنا بارداً أو يقال من أتى حائضاً أو امرأة بالجماع أو كاهناً بالتصديق انتهى ‏(‏فقد كفر بما أنزل على محمد‏)‏ الظاهر أنه محمول على التغليظ والتشديد كما قاله الترمذي وقيل إن كان المراد الإتيان باستحلال وتصديق فالكفر محمول على ظاهره وإن كان بدونهما فهو على كفران النعمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإنما معنى هذا الحديث عند أهل العلم على التغليظ‏)‏ يعني على التشديد والتهديد‏.‏ ثم استدل الترمذي على هذا بقوله وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من أتى حائضاً فليتصدق بدينار إلخ ذكر الترمذي هذا الحديث هنا هكذا معلقاً‏.‏ وقد رواه بالإسناد من حديث ابن عباس في الباب الاَتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وضعف محمد هذا الحديث‏)‏ قال الذهبي في الميزان في ترجمة حكيم الأثرم‏:‏ قال البخاري لم يتابع على حديثه يعني حماد بن سلمة عنه عن أبي تميمة عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ من أتى كاهناً إلخ‏.‏

103- بابُ مَا جَاءَ فِي الْكَفّارَةِ فِي ذَلِك

136- حَدّثَنَا عَلِيّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنا شَرِيكٌ عَنْ خُصَيْفِ عَنْ مِقْسَم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فِي الرّجُلِ يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهْيَ حَائِضٌ، قَالَ‏:‏ يَتَصّدّقُ بنصف دينار‏"‏‏.‏

137- حَدّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أَخْبَرَنا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِي حَمْزةَ السّكّرِي عَنْ عَبْدِ الْكرِيمِ عَنْ مِقْسَمِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إذَا كَانَ دَماً أَحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإذَا كَانَ دَماً أصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ الْكَفّارةِ فِي إتْيَانِ الْحَائِضِ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ موقوفا وَمَرْفُوعاً‏.‏

وَهُوَ قَوْلُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ‏.‏ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإسْحاقُ‏.‏

وَقَالَ ابْنُ المُبَاركِ‏:‏ يَسْتَغْفِرُ رَبّهُ، وَلاَ كَفّارَةَ عَلَيْهِ‏.‏

وَقَدْ رُوِي نَحْوُ قوْلِ ابنِ الْمُبَاركِ عَنْ بَعْضِ التّابِعِينَ، مِنْهمْ‏:‏ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ، وَإِبْرَاهيمُ ‏(‏النّخَغِيّ‏.‏ وَهُوَ قَوْلُ عَامّةِ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن خصيف‏)‏ بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة مصغراً ابن عبد الرحمن الجزري، صدوق سيء الحفظ خلط بآخره ورمي بالإرجاء كذا في التقريب، وقال في الخلاصة ضعفه أحمد ووثقه ابن معين وأبو زرعة وقال ابن عدي إذا حدث عنه ثقة فلا بأس به انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في الرجل يقع على امرأته‏)‏ أي يجامع امرأته ‏(‏وهي حائض‏)‏ جملة حالية ‏(‏قال يتصدق بنصف دينار‏)‏ كذا في هذه الرواية، وروى بألفاظ مختلفة كما ستقف‏.‏ والحديث في سنده شريك بن عبد الله النخعي الكوفي صدوق يخطئ كثيراً تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وفيه خصيف وقد عرفت حاله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نا الفضل بن موسى‏)‏ السيناني أبو عبد الله المروزي ثقة ثبت وربما أغرب ‏(‏عن أبي حمزة السكري‏)‏ سمي بذلك لحلاوة كلامه كذا في الخلاصة، وقال القاموس بالضم السين وتشديد الكاف معرب شكر انتهى، فعلى هذا يكون السكرى بضم السين وتشديد الكاف وكذا ضبط في نسخة قلمية بالقلم وضبط في النسخة الأحمدية المطبوعة بفتح السين والكاف الخفيفة‏.‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ ثقة فاضل من السابعة ‏(‏عن عبد الكريم‏)‏ بن مالك الجزري يُكَنّى بأبي سعيد مولى بني أمية وهو الخضري نسبة إلى قرية من اليمامة‏.‏ ثقة متقن من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا كان دماً أحمر فدينار وإن كان دماً أصفر فنصف دينار‏)‏ قال المنذري هذا الحديث قد وقع الاضطراب في إسناده ومتنه، فروي مرفوعاً وموقوفاً ومرسلاً ومعضلاً‏.‏ وقال عبد الرحمن بن مهدي قيل لشعبة إنك كنت ترفعه قال إني كنت مجنوناً فصححت، وأما الاضطراب في متنه فروي بديناد أو نصف دينار على الشك، وروي يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار، وروي إذا كان دماً أحمر فدينار وإن كان دماً أصفر فنصف دينار، وروي إن كان الدم عبيطاً فليتصدق بدينار وإن كان صفرة فنصف دينار انتهى كلام المنذري، وقال الحافظ في التلخيص‏:‏ والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير انتهى‏:‏

قلت‏:‏ لا شك في أن إسناد هذا الحديث ومتنه اختلافاً كثيراً لكن مجرد الاختلاف قليلاً كان أو كثيراً لا يورث الاضطراب القادح في صحة الحديث، بل يشترط له استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجحت رواية من الروايات المختلفة من حيث الصحة قدمت ولا تعل الرواية الراحجة بالمرجوحة، وههنا رواية عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس بلفظ فليتصدق بدينار أو بنصف دينار صحيحة راجحة‏.‏ فكل رواتها مخرج لهم في الصحيح إلا مقسماً الراوي عن ابن عباس فانفرد به البخاري، لكن ما أخرج له إلا حديثاً واحداً وقد صحح هذه الرواية الحاكم وابن دقيق العيد وقال ما أحسن حديث عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس، فقيل تذهب إليه فقال نعم، ورواية عبد الحميد هذه لم يخرجها الترمذي وأخرجها أبو داود قال‏:‏ حدثنا مسددنا يحيى عن شعبة قال حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض‏.‏ قال يتصدق بدينار أو نصف دينار قال أبو داود هكذا الرواية الصحيحة قال دينار أو نصف دينار، ولم يرفعه شعبة فرواية عبد الحميد هذه صحيحة راجحة وأما باقي الروايات فضعيفة مرجوحة لا توازي رواية عبد الحميد فلا تعل رواية عبد الحميد هذه بالروايات الضعيفة‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ قد أمعن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه وأقر ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان وقواه في الإمام وهو الصواب‏.‏ فكم من حديث احتجوا به وفيه من الاختلاف أكثر مما في هذا الحديث كحديث بئر بضاعة وحديث القلتين ونحوهما، وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في شرح المهذب والتنقيح والخلاصة أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه وأن الحق أنه ضعيف بإتفاقهم، وتبع في بعض ذلك ابن الصلاح انتهى كلام الحافظ وبالجملة رواية عبد الحميد صحيحة لكن وقع الاختلاف في رفعها فرفعها شعبة مرة ووقفها مرة، قال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكر هذه الرواية مرفوعة‏:‏ صححه الحاكم وابن القطان ورجح غير هما وقفه، قال الشوكاني في النيل‏:‏ ويجاب عن دعوى الاختلاف في رفعه ووقفه بأن يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي رفعوه عن شعبة وكذلك وهب بن جرير وسعيد بن عامر والنضر بن شميل وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف، قال ابن سيد الناس من رفعه عن شعبة أجل وأكثر وأحفظ ممن وقفه وأما قول شعبة أسنده لي الحكم مرة ووقفه مرة فقد أخبر عن المرفوع والموقوف أن كلا عنده ثم لو تساوى رافعوه مع واقفيه لم يكن في ذلك ما يقدح فيه، وقال أبو بكر الخطيب اختلاف الروايتين في الرفع لا يؤثر في الحديث ضعفاً وهو مذهب أهل الأصول لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى والأخذ بالمرفوع أخذ بالزيادة وهي واجبة القبول انتهى‏.‏

قلت‏:‏ يؤيد ترجيح وقفها قول عبد الرحمن بن مهدي قيل لشعبة إنك كنت ترفعه قال إني كنت مجنوناً فصححت وبين البيهقي في روايته أن شعبة رجع عن رفعه والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول بعض أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق وقال ابن المبارك يستغفر ربه ولا كفارة عليه‏)‏ قال الحافظ ابن عبد البر‏:‏ حجة من لم يوجب الكفارة باضطراب هذا الحديث، وأن الذمة على البراءة ولا يجب أن يثبت فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه وذلك معدوم في هذه المسألة كذا في التلخيص وقال الخطابي في المعالم‏:‏ ذهب إلى إيجاب الكفارة عليه غير واحد من العلماء ومنهم قتادة وأحمد بن حنبل وإسحاق وقال به الشافعي قديماً، ثم قال في الجديد لا شيء عليه، قلت ولا ينكر أن يكون فيه كفارة لأنه وطء محظور كالواطئ في رمضان وقال أكثر العلماء لا شيء عليه ويستغفر الله، وزعموا أن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس ولا يصح متصلاً مرفوعاً والذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها، وكان ابن عباس يقول إذا أصابها في فور الدم تصدق بدينار وإن كان في آخره فنصف دينار، وقال قتادة دينار للحائض ونصف دينار إذا أصابها قبل أن تغتسل، وكان أحمد بن حنبل يقول هو مخير بين الدينار ونصف الدينار انتهى كلام الخطابي بلفظه‏.‏ قلت‏:‏ وذهب إلى إيجاب الكفارة على من وطئ امرأته وهي حائض ابن عباس والحسن البصري وسعيد بن جبير والأوزاعي أيضاً واختلفوا في الكفارة فقال الحسن وسعيد عتق رقبة وقال الباقون دينار أو نصف دينار على اختلاف منهم في الحال الذي يجب فيه الدينار أو نصف الدينار بحسب اختلاف الروايات كذا في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى مثل قول ابن المبارك عن بعض التابعين منهم سعيد بن جبير وإبراهيم‏)‏ هو النخعي ولعل لسعيد بن جبير في هذه المسألة قولان، ومنهم عطاء وابن أبي مليكة والشعبي ومكحول والزهري وربيعة وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري والليث بن سعد ومالك وأبو حنيفة وهو الأصح عن ا لشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، وجماهير من السلف قالوا إنه لا كفارة عليه بل الواجب الاستغفار والتوبة وأجابوا عن الحديث بما سبق من المطاعن‏.‏ قالوا والأصل البراءة فلا ينتقل عنها إلا بحجة‏.‏

قال الشوكاني بعد ذكر هذا ما لفظه‏:‏ وقد عرفت انتهاض الرواية الأولى من حديث الباب فالمصير إليها متحتم، وعرفت بما أسلفناه صلاحيتها للحجية وسقوط الاعتلالات الواردة عليها انتهى‏.‏

قلت‏:‏ ومن الاعتلالات اعتلال الاختلاف في رفعها ووقفها، وقد عرفت أن قول عبد الرحمن بن مهدي يؤيد وقفها وبين البيهقي في روايته أن شعبة رجع عن رفعها فتأمل‏.‏

104- باب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ مِنَ الثّوْب

138- حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدّثَنَا سُفْيَانُ ‏(‏بْنُ عُيَيْنَةَ‏)‏ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ امْرَأَة سَأَلَتَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الثّوْبِ يُصِيبُهُ الدّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ‏؟‏ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ حُتّيِه، ثُمّ اقْرُصِيِه بِالْمَاءِ، ثُمّ رُشّيهِ، وَصَلّي فِيهِ‏"‏‏.‏

‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنْ أَبِي هُريْرَةَ وَأُمّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ أَسْمَاءَ فِي غَسْلِ الدّمِ حَديثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الدّمِ يَكُون عَلَى الثّوبِ فيُصَلّي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ‏.‏

قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التّابِعِينَ‏:‏ إِذَا كَانَ الدّمُ مِقْدَارَ الدّرْهَم فَلَمْ يَغْسِلْهُ وَصلّى فِيهِ أَعَادَ الصّلاَةَ‏.‏

وَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ إِذَا كَانَ ‏(‏الدّمُ‏)‏ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدّرْهَمِ أعَادَ الصّلاَةَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ‏.‏

وَلَمْ يُوجِبْ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهِ الاْعَادَةَ وَإِنْ كانَ أَكْثرَ مِنْ قَدْرِ الدرْهَمِ‏.‏ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحاقُ‏.‏

وَقَالَ الشّافِعِيّ‏:‏ بَجِبُ عَلَيْهِ الغَسْلُ وَإنْ كَانَ أَقَلّ مِنْ قَدْرِ الدّرْهَمِ وَشَدّدَ فِي ذَلِكَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من الحيضة‏)‏ بفتح الحاء أي من الحيض ‏(‏حتيه‏)‏ الحت الحك من نصر ينصر أي حكية والمراد إزالة عينه ‏(‏ثم اقرصيه بالماء‏)‏ القرص الدلك بأطراف الأصابع والأظفار أي تدلكي موضع الدم بأطراف الأصابع بالماء ليتحلل بذلك ويخرج ما تَشَرّبَهُ الثوب منه ‏(‏ثم رشيه‏)‏ من الرش أي صبي الماء عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وأم قيس‏)‏ أما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأما حديث أم قيس فأخرجه أبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أسماء في غسل الدم حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال بعض أهل العلم من التابعين إذا كان الدم مقدار الدرهم فلم يغسل وصلى فيه أعاد الصلاة‏)‏ جاء فيه حديث أخرجه الدارقطني في سننه عن روح بن غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم وفي لفظ إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم غسل الثوب وأعيدت الصلاة‏.‏ قال البخاري حديث باطل، وروح هذا منكر الحديث، وقال ابن حبان هذا حديث موضوع لا شك فيه لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن اخترعه أهل الكوفة وكان روح ابن غطيف يروي الموضوعات عن الثقات، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات وذكره أيضاً من حديث نوح بن أبي مريم عن يزيد الهاشمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، وأغلظ في نوح بن أبي مريم كذا في تخريج الزيلعي ‏(‏وقال بعضهم إذا كان الدم أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة وهو قول سفيان وابن المبارك‏)‏ وهو قول الحنفية، وقال صاحب الهداية قدر الدرهم وما دونه من النجاسة المغلظة كالدم والبول والخمر وخرء الدجاج وبول الحمار جازت الصلاة معه وإن زاد فلم يجز قال لنا إن القليل لا يمكن التحرز عنه فيجعل معفوا وقدرناه بقدر الدرهم أخذا عن موضع الاستنجاء انتهى‏.‏ قال العيني في شرح البخاري ص 903 ج1، وأما تقدير أصحابنا القليل بقدر الدرهم فلما ذكره صاحب الأسرار عن علي وابن مسعود أنهما قدرا النجاسة بالدرهم وكفى بهما حجة في الاقتداء، وروي عن عمر أيضاً أنه قدره بظفره‏.‏ وفي المحيط وكان ظفره قريباً من كفنا فدل على أن ما دون الدرهم لا يمنع انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لا بد للحنفية أن يثبتوا صحة آثار علي وابن مسعود وعمر رضي الله عنهم المذكورة وبمجرد ذكر صاحب الأسرار هذه الآثار لا يصح الاستدلال بها وإني قد فتشت كثيراً لكن لم أقف على أسانيدها ولا على مخرجيها فالله تعالى أعلم كيف حالها، وأما قول الحنفية أن ظفر عمر كان قريباً من كفنا فهذا ادعاء محض لم يثبت بدليل صحيح، نعم ثبت أنه رضي الله عنه كان طويل القامة، قال الحافظ بن الجوزي في كتابه التلقيح ما لفظه‏:‏ تسمية الطوال عمر بن الخطاب الزبير بن العوام قيس بن سعد حبيب بن مسلمة علي بن عبد الله بن عباس انتهى ومن المعلوم أن كون عمر من طوال الصحابة لا يستلزم أن يكون ظفره قريباً من كفنا وأما تقديرهم أخذا عن موضع الاستنجاء ففيه أيضاً كلام لا يخفى على المتأمل ‏(‏ولم يوجب بعض أهل العلم وغيرهم عليه الإعادة وإن كان أكثر من قدر الدرهم وبه يقول أحمد وإسحاق‏)‏ يدل على ما ذهب إليه هؤلاء ظاهر ما أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاق حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرقاع فرمى رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته‏.‏ والقصة طويلة محصلها أنه صلى الله عليه وسلم نزل بشعب فقال من يحرسنا الليلة فقام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فباتا بفم الشعب فافتسما الليل للحراسة فنام المهاجري وقام الأنصاري يصلي فجاء رجل من العدو فرأى الأنصارى فرماه بسهم فأصابه فنزعه واستمر في صلاته ثم رماه بثان فصنع كذلك ثم رماه بثالث فنزعه وركع وسجد وقضى صلاته ثم أيقظ رفيقه فلما رأى ما به من الدماء قال لم لا أنبهتني أول ما رمى‏.‏ قال كنا في سورة فأحببت أن لا أقطعها‏.‏ فظاهر هذا الحديث يدل على ما ذهب إليه أحمد وإسحاق ومن تبعهما فتفكر ‏(‏وقال الشافعي يجب عليه الغسل وإن كان أقل من الدرهم‏)‏ قال صاحب الهداية‏:‏ وقال زفر والشافعي لا تجوز قليل النجاسة وكثيرها سواء لأن النص الموجب للتطهير لم يفصل انتهى‏.‏ قال العيني في شرح البخاري‏:‏ قال ابن بطال حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب، ثم قال وهذا الحديث محمول عندهم على الدم الكثير لأن الله تعالى شرط في نجاسته أن يكون مسفوحاً وهو كناية عن الكثير الجاري‏.‏ لأن الفقهاء اختلفوا في مقدار ما يتجاوز عنه من الدم‏:‏ فاعتبر الكوفيون فيه وفي النجاسات دون الدرهم في الفرق بين قليله وكثيره، وقال مالك قليل الدم معفو ويغسل قليل سائر النجاسات، وروى عن ابن وهب أن قليل دم الحيض ككثيره وكسائر الأنجاس بخلاف سائر الدماء، والحجة في أن اليسير من دم الحيض كالكثير قوله صلى الله عليه وسلم لأسماء‏:‏ حتيه ثم أقرصيه، حيث لم يفرق بين قليله وكثيره ولا سألها عن مقداره ولم يحد فيه مقدار الدرهم ولا دونه‏.‏ قال العيني حديث عائشة ما كان لأحدانا إلا ثوب واحد، فيه تحيض فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته بريقها، رواه أبو داود وأخرجه البخاري أيضاً ولفظه‏:‏ قالت بريقها فقصعته يدل على الفرق بين القليل والكثير، وقال البيهقي هذا في الدم اليسير الذي يكون معفوا عنه وأما الكثير منه فصح عنها أي عن عائشة أنها كانت تغسله، فهذا حجة عليهم في عدم الفرق بين القليل والكثير من النجاسة، وعلى الشافعي أيضاً في قوله إن يسير الدم يغسل كسائر الأنجاس إلا دم البراغيث فإنه لا يمكن التحرز عنه، وقد روي عن أبي هريرة أنه لا يرى بالقطرة والقطرتين بأساً في الصلاة وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها دم فمسه بيده وصلى، فالشافعية ليسوا بأكثر احتياطاً من أبي هريرة وابن عمر ولا أكثر رواية منهما حتى خالفوهما حيث لم يفرقوا بين القليل والكثير على أن قليل الدم موضع ضرورة لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة ودمل أو برغوث فعفي عنه ولهذا حرم الله المسفوح منه فدل أن غيره ليس بمحرم انتهى كلام العيني‏.‏

قلت‏:‏ في كلام العيني هذا أشياء فتفكر‏.‏

105- بابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ تَمَكُثُ النّفَسَاء

‏(‏باب ما جاء في كم تمكث النفساء أي كم تمكث في نفاسها‏)‏ وإلى أي مدة لا تصلي ولا تصوم، قال الجوهري النفاس ولادة المرأة إذا وضعت فهي نفساء ونسوة نفاس وليس في الكلام فعلاء يجمع على فعال غير نفساء وعشراء انتهى

139- حَدّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَليّ ‏(‏الْجهْضَمِيّ‏)‏ حَدّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الوَلِيدِ أَبو بَدْرٍ عَنْ عَليّ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَىَ عَنْ أبِي سَهْلٍ عَنْ مُسّةَ الأَزْدِيّةِ عَنْ أمّ سَلَمَةَ قَالَتْ‏:‏ ‏"‏كَانَتِ النّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أَرْبَعِينَ يَوْماً، فَكُنّا نَطْلي وُجُوهَنَا بِالْوَرْس مِنَ الكَلَفِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذَا حديثٌ ‏(‏غَرِيبٌ‏)‏ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَديثِ أَبي سَهْلٍ عَنْ مُسّةَ ‏(‏الأزْديّةِ‏)‏ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ‏.‏

وَاسْمُ أَبِي سَهْلٍ ‏(‏كَثِيرُ بنُ زِيَادٍ‏)‏‏.‏

قالَ مَحّمدُ بنُ إِسْمَعِيلَ‏:‏ عَليّ بنُ عبْدِ الأَعْلَى ثِقَةٌ، وَأَبُو سَهْلٍ ثِقَةٌ‏.‏

وَلَمْ يَعْرِفْ مُحَمّدٌ هَذَا الْحَدِيثَ إِلاّ مِنْ حَديثِ أَبِي سَهْلٍ‏.‏

وَقَدْ أجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ منْ أَصحَاب النبي صلى الله عليه وسلم وَالتّابِعِينَ وَمَنْ بْعدَهُمْ عَلَى أَنّ النّفَسَاءَ تَدَعُ الصّلاَةَ أَرْبَعِين يَوْماً، إِلاّ أَنْ تَرَى الطّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنّها تغْتَسِلُ وَتُصَلّي‏.‏

فإِذَا رَأَتِ الدّمَ بَعْدَ الأرْبَعينَ‏:‏ فإِنّ أَكْثرَ أَهْلِ الْعِلْمِ قالُوا‏:‏ لاَ تَدَعُ الصّلاَةَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أكْثرِ الْفُقَهَاءِ‏.‏

وَبهِ يَقُولُ سُفْيَانُ ‏(‏الثّوْرِيّ‏)‏ وَابنُ الْمُبَارَكِ، والشّافِعِيّ، وأَحْمَدُ وَإسْحَق‏.‏

وَيُرْوى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ أنّه قالَ‏:‏ إِنّها تَدَعُ الصّلاَةَ خَمْسِينَ يَوْماً إِذَا لَمْ تَرَ الطّهْرَ‏.‏

وَيُرْوَى عَنْ عَطاءِ بنِ أَبي رَبَاحٍ وَالشّعْبيّ‏:‏ ستّينَ يَوْماً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نا شجاع بن الوليد أبو بدر‏)‏ السكوني الكوفى صدوق ورع له أوهام ‏(‏عن علي بن عبد الأعلى‏)‏ الثعلبي الكوفي الأحول صدوق ربما وهم كذا في التقريب، ووثقه البخاري كما بينه الترمذي ‏(‏عن أبي سهل‏)‏ اسمه كثير بن زياد البرساني بصري نزل بلخ ثقة ‏(‏عن مسة الأزدية‏)‏ بضم الميم وتشديد السين المهملة هي أم بسة بضم الموحدة وتشديد السين المهملة مقبولة قاله الحافظ في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب روت عن أم سلمة في النفساء وعنها أبو سهل كثير بن زياد، قال وذكر الخطابي وابن حبان أن الحكم بن عتيبة روى عنها أيضاً انتهى، وروى الدارقطني في سننه ص 92 عن الحكم بن عتيبة عن مسة عن أم سلمة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكانت النفساء تجلس‏)‏ أي بعد نفاسها كما في رواية أبي داود، وقال الحافظ ابن تيمية في المنتقى‏:‏ معنى الحديث كانت تؤمر أن تجلس إلى الأربعين لئلا يكون الخبر كذباً إذ لا يمكن أن تتفق عادة نساء عصر في حيض أو نفاس انتهى بلفظه ‏(‏وكنا نطلي وجوهنا‏)‏ أي نلطخ وجوهنا قال في القاموس طلى البعير الهناء يطليه وبه لطخه كطلاه ‏(‏بالورس‏)‏ الورس بوزن الفلس نبت أصفر يكون باليمين تتخذ منه الغمرة للوجه، وورس الثوب توريسا صبغه بالورس ‏(‏من الكلف‏)‏ بفتح الكاف واللام لون بين السوداء والحمرة وهي حمرة كدرة تعلو الوجه وشيء يعلو الوجه كالسمسم كذا في الصحاح للجوهري، وزاد في رواية أبي داود لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل إلخ‏)‏ قال الحافظ في التلخيص أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم‏.‏ وأبو سهل وثقه البخاري وابن معين وضعفه ابن حبان‏.‏ وأم بسة مسة مجهولة الحال‏.‏ قال الدارقطني لا يقوم بها حجة، وقال ابن القطان لا يعرف حالها وأغرب ابن حبان فضعفه بكثير بن زياد ولم يصب‏.‏ وقال النووي‏:‏ قول جماعة من مصنفي الفقهاء إن هذا الحديث ضعيف مردود عليهم، وله شاهد أخرجه ابن ماجه من طريق سلام عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت للنفساء أربعين يوماً‏.‏ إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، قال لم يروه عن حميد غير سلام وهو ضعيف، ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن أنس مرفوعاً وروى الحاكم من حديث عثمان عن الحسن بن أبي العاص قال‏:‏ وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء في نفاسهن أربعين يوماً وقال صحيح إن سلم من أبي هلال‏.‏ قلت وقد ضعفه الدارقطني والحسن عن عثمان بن أبي العاص منقطع والمشهور عن عثمان موقوف عليه انتهى ما في التلخيص‏.‏ وقد ذكر الحافظ حديث الباب في بلوغ المرام وقال صححه الحاكم وأقر تصحيحه ولم ينكر عليه، وقد قال في التقريب في ترجمة مسة الأزدية إنها مقبولة كما عرفت، وقال صاحب عون المعبود وأجاب في البدر المنير عن القول بجهالة مسة فقال ولا نسلم جهالة عينها وجهالة حالها مرتفعة فإنه روى عنها جماعة كثير بن زياد والحكم بن عتيبة وزيد بن علي بن الحسين، ورواه محمد بن عبد الله العزرمي عن الحسن عن مسة أيضاً فهؤلاء رووا عنها وقد أثنى على حديثها البخاري وصحح الحاكم إسناده فأقل أحواله أن يكون حسناً انتهى‏.‏

قلت‏:‏ الظاهر أن هذا الحديث حسن صالح الحديث للاحتجاج، وفي الباب أحاديث أخرى ضعيفة تؤيده‏.‏ فمنها ما تقدم في كلام الحافظ ومنها حديث أبي الدرداء وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تنتظر النفساء أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإن بلغت أربعين يوماً ولم تر الطهر فلتغتسل، ذكره ابن عدي وفيه العلاء بن كثير وهو ضعيف جداً، ومنها حديث عبد الله بن عمر وأخرجه الحاكم في المستدرك والدارقطني في سننه وفي إسناده عمرو بن الحصين وابن علاثه، قال الدارقطني متروكان ضعيفان‏.‏ ومنها حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت للنساء في نفاسهن أربعين يوماً أخرجه الدارقطني، ومنها حديث جابر قال وقت للنساء أربعين يوماً أخرجه الطبراني في معجمه الوسط‏.‏ ذكر الحافظ الزيلعي في نصب الراية هذه الروايات بأسانيدها ومتونها مع الكلام عليها‏.‏

وله‏:‏ ‏(‏وهو قول أكثر الفقهاء وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول الحنفية واستدلوا بأحاديث الباب، قال الشوكاني في النيل‏:‏ والإدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوماً متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والإعتبار، فالمصير إليها متعين فالواجب على النفساء وقوف أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك انتهى ‏(‏ويروى عن الحسن البصري أنه قال إنها تدع الصلاة خمسين يوماً إذا لم تطهر‏)‏ وفي نسخة قلمية عتيقة إذا لم تر الطهر ‏(‏ويروى عن عطاء بن أبي رباح والشعبي ستين يوماً‏)‏ وهو قول الشافعي وروى عن إسمعيل وموسى ابني جعفر بن محمد الصادق سبعون يوماً قالوا إذ هو أكثر ما وجد‏.‏

قلت‏:‏ لم أجد على هذه الأقوال دليلاً من السنة، فالقول الراجح المعول عليه هو ما قال به أكثر الفقهاء والله تعالى أعلم‏.‏

106- بابُ مَا جَاءَ فِي الرّجُلِ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلِ وَاحِد

140- حدثنا بُنْدَارٌ ‏(‏مُحَمّدُ بنُ بَشّار‏)‏ حَدثّنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدّثنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ‏"‏‏.‏

‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنْ أَبي رَافِعٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَديثُ أنسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ‏(‏ ‏"‏أَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَطُوفُ عَلَى نِسائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ‏"‏‏)‏‏.‏

وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنهُمُ الحَسَنُ الْبَصْرِيّ‏:‏ أَنْ لاَ بَأْسَ أَنْ يَعُودَ قَبْلَ أَنْ يَتَوضّأ‏.‏

وَقَدْ رَوَى مُحَمّدُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ‏:‏ عَنْ أَبِي عُرْوَة عَنْ أَبِي الْخَطّابِ عَنْ أَنَسٍ‏.‏

وَأَبُو عُرْوَةَ هُوَ‏:‏ ‏"‏مُعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ‏"‏‏.‏ وَأَبُو الْخَطّابِ‏:‏ ‏(‏قَتَادَةُ بن دِعَامَةَ‏)‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏:‏ وَرَوَاهُ بَعْضَهُمْ عَنْ مُحَمّدِ بْن يُوسُفَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْن أَبِي عُرْوَةَ عَنْ أَبِي الْخَطّابِ‏.‏

وَهُوَ خَطَأٌ، وَالصّحِيحُ‏:‏ عَنْ أَبِي عُرْوَةَ‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نا أبو أحمد‏)‏ اسمه محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأنصاري الزبيري مولاهم الكوفي من أصحاب الكتب الستة‏.‏ قال العجلي ثقة يتشيع وقال بندار ما رأيت قط أحفظ من أبي أحمد وقال أبو حاتم حافظ للحديث عاقل مجتهد له أوهام مات سنة ثلاث ومائتين ‏(‏نا سفيان‏)‏ هو الثوري ‏(‏عن معمر‏)‏ هو ابن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن‏.‏ ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً وكذا فيما حدث به بالبصرة من كبار السابعة كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يطوف على نسائه في غسل واحد‏)‏ أي يجامعهن ثم يغسل غسلا واحداً ولأحمد والنسائي في ليلة بغسل واحد‏.‏ والحديث دليل على أن الغسل بين الجماعين لا يجب وعليه الإجماع، ويدل على استحبابه ما أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي رافع أنه صلى الله عليه وسلم طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه قال فقلت يا رسول الله ألا تجعله غسلاً واحداً قال هذا أزكى وأطيب وأظهر‏.‏

فإن قيل‏:‏ أقل القسمة ليلة لكل امرأة فكيف طاف على الجميع‏؟‏

فالجواب‏:‏ أن وجوب القسم عليه مختلف فيه قال أبو سعيد لم يكن واجباً عليه بل كان يقسم بالتسوية تبرعاً وتكرماً والأكثرون على وجوبه‏.‏ وكان طوافه صلى الله عليه وسلم برضاهن، وقال ابن عبد البر معنى الحديث أنه فعل ذلك عند قدومه من سفر ونحوه في وقت ليس لواحدة منهن يوم معين معلوم فجمعهن يومئذ ثم دار بالقسم عليهن بعد والله أعلم‏.‏ لأنهن كن حرائر وسنته صلى الله عليه وسلم فيهن العدل بالقسم وأن لا يمس الواحدة في يوم الأخرى انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي رافع‏)‏ تقدم آنفاً تخريجه ولفظه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أنس حديث صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا البخاري‏.‏ كذا في المنتقى، وقال في النيل‏:‏ الحديث أخرجه البخاري أيضاً من حديث قتادة عن أنس بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة‏.‏ قال قلت لأنس بن مالك أو كان يطيقه قال كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين، ولم يذكر فيه الغسل انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول غير واحد من أهل العلم منهم الحسن البصري أن لا بأس أن يعود قبل أن يتوضأ‏)‏ في كلام الترمذي هذا شيء فإن حديث الباب لا يدل على هذا بل يدل على أن لا بأس أن يعود قبل أن يغتسل فتفكر‏.‏ وأما مسألة العود قبل أن يتوضأ فتأتي في الباب الاَتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى محمد بن يوسف‏)‏ بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفريابي‏.‏ وثقة أبو حاتم والنسائي‏.‏ وقال البخاري كان أفضل زمانه وقال ابن عدي له عن الثوري إفرادات وقال الذهبي في الميزان كان ثقة فاضلاً عابداً من أجلة أصحاب الثوري‏.‏

107- بابُ مَا جَاءَ ‏(‏فِي الْجُنُبِ‏)‏ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ تَوَضّأ

141- حدثنا هَنّادٌ حَدّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ عَنِ النّبَيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلهُ ثُمّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا‏"‏‏.‏

‏(‏قَالَ‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنْ عُمَرَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحً‏.‏

وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ‏.‏

وَقَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، قَالوا‏:‏ إِذَا جَامَعَ الرّجُلُ امْرَأَتَهُ ثُمّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضّأْ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ‏.‏

وَأَبُو المُتَوَكّلِ اسْمُهُ ‏(‏عَلِيّ بنُ دَاوُدَ‏)‏‏.‏

وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ اسْمُهُ ‏(‏سَعْدُ بنُ مالكِ بنِ سِنَانٍ‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عاصم الأحول‏)‏ هو عاصم بن سليمان التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن البصري وثقه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما ‏(‏عن أبي المتوكل‏)‏ الناجي اسمه علي بن داود مشهور بكنيته ثقة من الثالثة مات سنة 108 ثمان ومائة وقيل قبل ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فليتوضأ بينهما‏)‏ أي بين الإتيانين ‏(‏وضوءاً‏)‏ أي كوضوء الصلاة وحمله بعض أهل العلم على الوضوء اللغوي، وقال المراد به غسل الفرج ورد عليه ابن خزيمة بما رواه في هذا الحديث فقال فليتوضأ وضوءه للصلاة‏.‏ واختلف العلماء في الوضوء بينهما فقال أبو يوسف لا يستحب وقال الجمهور يستحب وقال ابن حبيب المالكي وأهل الظاهر يجب‏.‏

واحتجوا بحديث الباب‏.‏ وقال الجمهور إن الأمر بالوضوء في هذا الحديث للاستحباب لا للوجوب‏.‏

واستدلوا على ذلك بما رواه الطحاوي عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يجامع ثم يعود ولا يتوضأ واستدل ابن خزيمة على أن الأمر فيه بالوضوء للندب بما رواه في هذا الحديث فقال‏:‏ فإنه أنشط للعود، فدل على أن الأمر للارشاد أو للندب، وحديث الباب حجة على أبي يوسف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمر‏)‏ وفي الباب عن ابن عمر أيضاً، قال في النيل تحت حديث أبي سعيد المذكور في الباب ما لفظه‏:‏ ويقال إن الشافعي قال لا يثبت مثله، قال البيهقي ولعله لم يقف على إسناد حديث أبي سعيد ووقف على إسناد غيره، فقد روى عن عمرو بن عمر بإسنادين ضعيفين انتهى ما في النيل‏.‏ قلت‏:‏ لم أقف على من أخرج حديثهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان‏)‏ بكسر السين وبالنونين، بايع تحت الشجرة وشهد ما بعد أحد وكان من علماء الصحابة مات سنة 74 أربع وسبعين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي سعيد الخدري صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا البخاري كذا في المنتقى‏.‏

108- بابُ مَا جَاءَ إِذَا أُقِيمَتِ الصّلاَةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلاَءَ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلاَء

142- حدثنَا هَنّادُ ‏(‏بنُ السّريّ‏)‏ حدثنَا أبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الأرْقَمِ قَالَ‏.‏ أُقِيمَتِ الصّلاَةُ فَأَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فقدّمَهُ، وَكَانَ إِمَامَ قَوْمِهِ، وَقَالَ‏:‏ سَمِعْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏إِذَا أُقِيمَتِ الصّلاَةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلاَءَ فَلْيَبْدَأْ بِالخلاءِ‏"‏‏.‏

قَالَ‏:‏ وفي البابِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَثَوْبَانَ، وَأَبي أُمَامَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حَديثُ عبْدِ الله بنِ الأَرْقَمِ حَدِيثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

هَكَذا رَوَى مَالكُ بنُ أَنَسٍ وَيَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ القَطّانُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الحُفاظِ عنْ هشام بن عُرْوةَ عنْ أَبيهِ عَنْ عَبْدِ الله بن الأرْقَمِ‏.‏

وَرَوَى وُهَيْبٌ وَغَيرُهُ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبيهِ عنْ رَجُلٍ عَنْ عبْدِ الله بنِ الأرْقَم‏.‏

وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَالتّابِعِينَ‏.‏

وَبهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ، قَالاَ لا يَقُومُ إلَى الصّلاَة وَهُوَ يَجدُ شَيْئاً مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَولِ‏.‏ وَقالاَ‏:‏ إِنْ دَخَلَ في الصّلاَةِ فَوَجَدَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَلاَ يَنْصَرِفْ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ‏.‏

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ‏:‏ لاَ بَأْس أَنْ يُصَلّي وَبهِ غَائِطٌ أَوْ بَوْلٌ، مَا لم يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنِ الصّلاَةِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا أقيمت الصلاة‏)‏ أي قال عروة ‏(‏فأخذ‏)‏ أي عبد الله بن الأرقم ‏(‏فقدمه‏)‏ أي فقدم الرجل ليؤم القوم ‏(‏وكان‏)‏ أي عبد الله بن الأرقم ‏(‏ووجد أحدكم الخلاء‏)‏ أي الحاجة إلى الخلاء، وفي رواية الشافعي ووجد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط ‏(‏فليبدأ بالخلاء‏)‏ وجازله ترك الجماعة بهذا العذر، وفي رواية مالك إذا أراد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وثوبان وأبي أمامة‏)‏ أما حديث عائشة فأخرجه مسلم عنها أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان، وأما حديث أبي هريرة فلم أقف عليه‏.‏ وأما حديث ثوبان فأخرجه الترمذي وأبو داود وفيه‏:‏ ولا يصل وهو حقن حتى يتخفف‏.‏ وأما حديث أبي أمامة فأخرجه أحمد مرفوعاً بلفظ قال‏:‏ لا يأت أحدكم الصلاة وهو حاقن الحديث، وأخرجه ابن ماجه أيضاً وفيه السفر بن نسير وهو ضعيف، وقد وثقه ابن حبان كذا في مجمع الزوائد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرج مالك وأبو داود والنسائي نحوه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هكذا روى مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان وغير واحد من الحفاظ‏)‏ كزهير بن معاوية وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث وغيرهم ‏(‏عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم‏)‏ فلم يزيدوا بين عروة وعبد الله بن الأرقم رجلاً ‏(‏وروى وهيب وغيره‏)‏ كأنس بن عياض وشعيب بن إسحاق ‏(‏عن هشام بن عروة عن رجل عن عبد الله بن الأرقم‏)‏ فزاد هؤلاء بين عروة وعبد الله بن الأرقم رجلاً، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى عن هشام عن عروة قال‏:‏ خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري فأقام الصلاة ثم قال صلوا وذهب لحاجته، فلما رجع قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط فليبدأ بالغائط‏.‏ فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه متصلة، لتصريحه بأن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم وابن جريج وأيوب ثقتان حافظان، ذكره الزرقاني نقلاً عن ابن عبد البر‏.‏

109- بابُ مَا جَاءِ فِي الْوضُوءِ مِنَ المَوْطِإ

‏(‏باب ما جاء في الوضوء من الموطئ‏)‏ بفتح الميم وسكون الواو وكسر الطاء، قال الخطابي‏:‏ الموطئ ما يوطأ في الطريق من الأذى، وأصله الموطوء انتهى، وقال بعضهم الموطئ موضع وطء القدم‏.‏

143- حدثنا ‏(‏أَبُو رَجَاءِ‏)‏‏:‏ قُتَيْبَةُ حدثنا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ عُمَارَةَ عنْ مُحَمّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أُمّ وَلَدٍ لِعَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ قَالَتْ‏:‏ قُلْتُ لأمّ سَلَمةَ ‏"‏إِنّي امْرأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ‏؟‏ فَقَالَتْ‏:‏ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يُطهّرُهُ مَا بَعْدَهُ‏"‏‏.‏

قَالَ‏:‏ وفي البابِ عنْ عبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قالَ‏:‏ ‏"‏كُنّا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لاَ نتوضّأُ مِنَ المَوْطَإِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالُوا‏:‏ إذَا وطئ الرّجُلُ عَلَى الْمَكَانِ الْقَذِرِ أَنّهُ لا يَجِبُ عَليْهِ غَسْلُ الْقَدَمِ، إِلاّ أَنْ يَكُونَ رَطْباً فَيَغْسِلَ مَا أَصَابَهُ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ وَرَوَى عبْدُ الله بنُ المُبَارَكِ هَذَا الْحَديثَ عَنْ مَالِكِ بن أَنَسٍ عنْ مُحَمّد بن عُمَارَةَ عَنْ مُحَمّد بنِ إِبْراهِيمَ ‏(‏عنْ أُمّ وَلَدٍ لِهُودِ بن عَبْدِ الرّحْمَن بنِ عَوْفٍ عَنْ أُمّ سَلمَةَ‏)‏‏.‏

وَهُوَ وَهمٌ، ‏(‏وَلَيْسَ لِعَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ ابنٌ يُقَالَ لهُ ‏(‏هُودٌ‏)‏‏)‏‏.‏

وَإِنّمَا هُوَ ‏(‏عَنْ أُمّ وَلَدٍ لإِبْرَهِيمَ بنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بن عَوْفٍ عَنْ أُمّ سَلمَةَ‏)‏‏.‏ وَهَذَا الصّحِيحُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن محمد بن عمارة‏)‏ بن حزم المدني عن محمد بن إبراهيم التيمي، وعنه مالك وابن إدريس، وثقه ابن معين كذا في الخلاصة، وقال في التقريب صدوق يخطئ انتهى ‏(‏عن محمد بن إبراهيم‏)‏ بن الحارث بن خالد بن صخر التيمي المدني، وثقه ابن معين والناس، كذا في الخلاصة، وقال في التقريب ثقة له أفراد انتهى ‏(‏عن أم ولد لعبد الرحمن بن عوف‏)‏ وفي رواية مالك في الموطأ وأبي داود عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، قال الزرقاني اسمها حميدة تابعية صغيرة مقبولة، وقال الحافظ في التقريب حميدة عن أم سلنمة، يقال هي أم ولد لإبراهيم بن عوف ‏(‏أطيل‏)‏ من الإطالة ‏(‏ذيل‏)‏ الذيل بفتح الذال هو طرف الثوب الذي يلى الأرض وإن لم يمسها ‏(‏في المكان القذر‏)‏ بكسر الذال أي في مكان ذي قذر أي في المكان النجس ‏(‏يطهره‏)‏ أي الذيل ‏(‏ما بعده‏)‏ في محل الرفع فاعل يطهر أي مكان الذي بعد المكان القذر بزوال ما يتشبث بالذيل من القذر، قال الخطابي كان الشافعي يقول إنما هو فيما جر على ما كان يابساً لا يعلق بالثوب منه شيء، فأما إذا جر على رطب فلا يطهره إلا بالغسل، وقال أحمد ليس معناه إذا أصابه بول ثم مر بعده على الأرض أنها تطهره ولكنه يمر بالمكان فيقذره ثم يمر بمكان أطيب منه فيكون هذا بذاك، لا على أنه يصيبه منه شيء، وقال مالك فيما روي عنه إن الأرض يطهر بعضها بعضاً، وإنما هو أن يطأ الأرض القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة فإن بعضها يطهر بعضاً، فأما النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد فإن ذلك لا يطهره إلاّ الغسل، قال وهذا إجماع الأمة انتهى كلامه‏.‏ قال الزرقاني وذهب بعض العلماء إلى حمل القذر في الحديث على النجاسة ولو رطبة، وقالوا يطهره الأرض اليابسة لأن الذيل للمرأة كالخف والنعل للرجل، ويؤيده ما في رواية ابن ماجه عن أبي هريرة قيل يا رسول الله إنا نريد المسجد فنطأ الطريقة النجسة، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الأرض يطهر بعضها بعضاً‏"‏، لكنه حديث ضعيف كما قاله البيهقي وغيره انتهى‏.‏ وقال الشيخ الأجل ولي الله المحدث الدهلوي في المسوى شرح الموطأ تحت حديث أم سلمة‏:‏ إن أصاب الذيل نجاسة الطريق ثم مر بمكان آخر واختلط به طين الطريق وغبار الأرض وتراب ذلك المكان ويبست النجاسة المتعلقة فيطهر الذيل النجس بالتناثر أو الفرك وذلك معفو عنه عند الشارع بسبب الحرج والضيق، كما أن غسل العضو والثوب من دم الجراحة معفو عنه عند المالكية، وكما أن النجاسة الرطبة التي أصابت الخف تزول بالدلك‏.‏ ويطهر الخف عند الحنفية والمالكية بسبب الحرج، وكما أن الماء المستنقع الواقع في الطريق وإن وقع فيه النجاسة معفو عنه عند المالكية بسبب الحرج، وإني لا أجد الفرق بين الثوب الذي أصابه دم الجراحة والثوب الذي أصابه الماء المستنقع وبين الذيل الذي تعلقت به نجاسة رطبة ثم اختلط به غبار الأرض وترابها وطين الطريق فتناثرت به النجاسة أو زالت بالفرك، فإن حكمها واحد، وما قال البغوي إن هذا الحديث محمول على النجاسة اليابسة التي أصابت الثوب ثم تناثرت بعد ذلك ففيه نظر، لأن النجاسة التي تتعلق بالذيل في المشي في المكان القذر تكون رطبة في غالب الأحوال، وهو معلوم بالقطع في عادة الناس، فإخراج الشيء الذي تحقق وجوده قطعاً أو غالباً عن حالته الأصلية بعيد، وأما طين الشارع يطهره ما بعده ففيه نوع من التوسع في الكلام، لأن المقام يقتضي أن يقال هو معفو عنه أو لا بأس به، لكن عدل عنه بإسناد التطهير إلى شيء لا يصلح أن يكون مطهراً للنجاسة، فعلم أنه معفو عنه، وهذا أبلغ من الأول انتهى، وقد قال الإمام محمد في موطئه بعد رواية حديث الباب ما لفظه‏:‏ قال محمد لا بأس بذلك ما لم يعلق بالذيل قذر فيكون أكثر من قدر الدرهم الكبير المثقال، فإذا كان كذلك فلا يصلين فيه حتى يغسله، وهو قول أبي حنيفة انتهى‏.‏

قلت‏:‏ أقرب هذه الأقوال عندي قول الشيخ الأجل الشاه ولي الله والله أعلم‏.‏ وحديث الباب أخرجه مالك في الموطأ وأحمد والدارمي وأبو داود وسكت عنه هو والمنذري، ورواه الشافعي وابن أبي شيبة أيضاً وفي الباب عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت‏:‏ قلت يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا‏؟‏ قالت فقال أليس بعدها طريق هي أطيب منها قلت بلى، قال فهذه بهذه‏.‏ أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري، والمرأء من بني عبد الأشهل هذه صحابية، ذكره ابن الأثير في أسد الغابة، وقد تقدم أن جهالة اسم الصحابي لا تضر‏.‏

تنبيه‏:‏

قال علي القاري في المرقاة بعد ذكر تأويل الإمام أحمد والإمام مالك ما لفظه‏:‏ وما في أحمد ومالك من التأويل لا يشفي العليل، ولو حمل أنه من باب طين الشارع وأنه طاهر أو معفو لعموم البلوى لكان له وجه وجيه، لكن لا يلائمه قوله أليس بعدها إلخ فالمخلص ما قاله الخطابي‏:‏ من أن في إسناد الحديثين معاً مقالاً لأن أم ولد إبراهيم وامرأة من بني عبد الأشهل مجهولتان لا يعرف حالهما في الثقة والعدالة، فلا يصح الاستدلال بهما انتهى، وقال أيضاً لو ثبت أنها أي امرأة من بني عبد الأشهل صحابية لما قيل إنها مجهولة انتهى‏:‏

قلت‏:‏ قول القاري هذا عجيب جداً فإن كون امرأة من بني عبد الأشهل صحابية ظاهر من نفس الحديث، ألا ترى أنها شافهت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته بلا واسطة، وقالت قلت يا رسول الله إن لنا إلخ، ولكن لما لم يطلعوا على اسمها ونسبها قالوا إنها مجهولة، فهذا لا يقدح في كونها صحابية، ولا يلزم من كونها صحابية أن يعلم اسمها ورسمها‏.‏ وأما أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فقال الحافظ في التقريب حميدة عن أم سلمة يقال هي أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مقبولة من الرابعة انتهى‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ حميدة أنها سألت أم سلمة فقالت إني امرأة طويلة الذيل، وعنها محمد بن إبراهيم بن الحارث وقيل عنه عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أم سلمة وهو المشهور، قلت يجوز أن يكون اسم أم الولد حميدة فيلتئم القولان انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا نتوضأ من الموطئ‏)‏ قال الخطابي إنما أراد بذلك أنهم كانوا لا يعيدون الوضوء للأذى إذا أصاب أرجلهم لا أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم ولا ينظفونها من الأذى إذا أصابها انتهى، وقال العراقي يحتمل أن يحمل الوضوء على اللغوي وهو التنظيف، فيكون المعنى أنهم كانوا لا يغسلون أرجلهم من الطين ونحوها‏.‏ ويمشون عليه بناء على أن الأصل فيه الطهارة انتهى‏.‏ وحمله البيهقي على النجاسة اليابسة وأنهم كانوا لا يغسلون الرجل من وطء النجاسة اليابسة، وبوب عليه في المعرفة باب النجاسة اليابسة بطؤها برجله أو يجر عليها ثوبه، وحديث عبد الله بن مسعود هذا أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذر وأخرجه ابن ماجه وصححه الحاكم‏.‏