فصل: باب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب مِنْ فَضَائِلِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ:

جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ مَوْجُودٌ بَيْن أَظْهُرِنَا، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْد الصُّوفِيَّةِ، وَأَهْل الصَّلَاح وَالْمَعْرِفَة، وَحِكَايَاتهمْ فِي رُؤْيَته وَالِاجْتِمَاع بِهِ وَالْأَخْذ عَنْهُ وَسُؤَاله وَجَوَابه وَوُجُوده فِي الْمَوَاضِع الشَّرِيفَة وَمَوَاطِن الْخَيْر أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ، وَأَشْهَر مِنْ أَنْ يُسْتَرَ.
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو بْن الصَّلَاح هُوَ حَيٌّ عِنْد جَمَاهِير الْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ. وَالْعَامَّة مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ.
قَالَ: وَإِنَّمَا شَذَّ بِإِنْكَارِهِ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ قَالَ الْحِبْرِيّ الْمُفَسِّرُ وَأَبُو عَمْرو: هُوَ نَبِيٌّ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مُرْسَلًا.
وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ وَكَثِيرُونَ: هُوَ وَلِيٌّ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحَدهَا نَبِيّ، وَالثَّانِي وَلِيّ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مِنْ الْمَلَائِكَة وَهَذَا غَرِيب بَاطِل.
قَالَ الْمَازِرِيّ: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْخَضِر هَلْ هُوَ نَبِيّ أَوْ وَلِيّ؟ قَالَ: وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِنُبُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ: {وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي} فَدَلَّ عَلَى إِنَّهُ نَبِيّ أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَبِأَنَّهُ أَعْلَم مِنْ مُوسَى، وَيَبْعُد أَنْ يَكُون وَلِيّ أَعْلَم مِنْ نَبِيٍّ. وَأَجَابَ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْحَى اللَّه إِلَى نَبِيٍّ فِي ذَلِكَ الْعَصْر أَنْ يَأْمُرَ الْخَضِرَ بِذَلِكَ.
وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ الْمُفَسِّر: الْخَضِر نَبِيّ مُعَمَّر عَلَى جَمِيع الْأَقْوَال، مَحْجُوب عَنْ الْأَبْصَار، يَعْنِي عَنْ أَبْصَار أَكْثَر النَّاس.
قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَمُوتُ إِلَّا فِي آخِر الزَّمَان حِين يُرْفَعُ الْقُرْآن، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ ثَلَاثَة أَقْوَال فِي أَنَّ الْخَضِر كَانَ مِنْ زَمَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أَمْ بِكَثِيرٍ. كُنْيَة الْخَضِر أَبُو الْعَبَّاس، وَاسْمه (بَلْيَا) بِمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَة ثُمَّ لَام سَاكِنَة ثُمَّ مُثَنَّاة تَحْتُ، اِبْن (مَلْكَان) بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَان اللَّام، وَقِيلَ: (كَلْيَان).
قَالَ اِبْن قُتَيْبَة فِي الْمَعَارِف: قَالَ وَهْب بْن مَنْبَه: اِسْم الْخَضِر (بَلْيَا بْن مَلْكَان بْن فَالِغ بْن عَابِر بْن شالخ بْن أرفخشد بْن سَام بْن نُوح). قَالُوا: وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ الْمُلُوك. وَاخْتَلَفُوا فِي لَقَبه الْخَضِر، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَة بَيْضَاء، فَصَارَتْ خَضْرَاء، وَالْفَرْوَة وَجْه الْأَرْض.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى اِخْضَرَّ مَا حَوْله وَالصَّوَاب الْأَوَّل، فَقَدْ صَحَّ فِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِر لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَة فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاء» وَبَسَطْت أَحْوَاله فِي تَهْذِيب الْأَسْمَاء وَاللُّغَات وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
4385- قَوْله: (إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيّ) هَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُور بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَة وَتَخْفِيف الْكَاف، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ بِفَتْحِهَا وَتَشْدِيد الْكَاف.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الثَّانِي هُوَ ضَبْط أَكْثَر الشُّيُوخ وَأَصْحَاب الْحَدِيث.
قَالَ: وَالصَّوَاب الْأَوَّل، وَهُوَ قَوْل الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى بَنِي بِكَالٍ بَطْن مِنْ حِمْيَر، وَقِيلَ: مِنْ هَمْدَانَ. وَنَوْف هَذَا هُوَ اِبْن فَضَالَة، كَذَا قَالَهُ اِبْن دُرَيْد وَغَيْره، وَهُوَ اِبْن اِمْرَأَة كَعْب الْأَحْبَار، وَقِيلَ: اِبْن أَخِيهِ، وَالْمَشْهُور الْأَوَّل، قَالَهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره. قَالُوا: وَكُنْيَته أَبُو يَزِيد، وَقِيلَ: أَوْ رُشْد، وَكَانَ عَالِمًا حَكِيمًا قَاضِيًا وَإِمَامًا لِأَهْلِ دِمَشْق.
قَوْله: «كَذَبَ عَدُوّ اللَّه» قَالَ الْعُلَمَاء: هُوَ عَلَى وَجْه الْإِغْلَاظ وَالزَّجْر عَنْ مِثْل قَوْله، لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَدُوّ اللَّه حَقِيقَة، إِنَّمَا قَالَهُ مُبَالَغَة فِي إِنْكَار قَوْله لِمُخَالَفَتِهِ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَال غَضَب اِبْن عَبَّاس لِشِدَّةِ إِنْكَاره، وَحَال الْغَضَب تُطْلَق الْأَلْفَاظ وَلَا تُرَادُ بِهَا حَقَائِقهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْله: «أَنَا أَعْلَم» أَيْ فِي اِعْتِقَاده، وَإِلَّا فَكَانَ الْخَضِر أَعْلَم مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيث.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَعَتَبَ اللَّه عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْم إِلَيْهِ» أَيْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّه أَعْلَم، فَإِنَّ مَخْلُوقَاتِ اللَّه تَعَالَى لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّك إِلَّا هُوَ} وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاء بِسُؤَالِ مُوسَى السَّبِيل إِلَى لِقَاء الْخَضِر صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى اِسْتِحْبَاب الرِّحْلَة فِي طَلَب الْعِلْم، وَاسْتِحْبَاب الِاسْتِكْثَار مِنْهُ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعِلْم بِمَحَلٍّ عَظِيم أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَم مِنْهُ، وَيَسْعَى إِلَيْهِ فِي تَحْصِيلِهِ، وَفيه فَضِيلَةُ طَلَب الْعِلْم وَفِي تَزَوُّدِهِ الْحُوت وَغَيْره جَوَاز التَّزَوُّد فِي السَّفَر. وَفِي هَذَا الْحَدِيث الْأَدَب مَعَ الْعَالِم، وَحُرْمَة الْمَشَايِخ، وَتَرْك الِاعْتِرَاض عَلَيْهِمْ، وَتَأْوِيل مَا لَا يُفْهَم ظَاهِره مِنْ أَفْعَالهمْ وَحَرَكَاتهمْ وَأَقْوَالهمْ، وَالْوَفَاء بِعُهُودِهِمْ، وَالِاعْتِذَار عِنْد مُخَالَفَة عَهْدهمْ. وَفيه إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء عَلَى قَوْل مَنْ يَقُول: الْخَضِر وَلِيّ. وَفيه جَوَاز سُؤَال الطَّعَام عِنْد الْحَاجَة، وَجَوَاز إِجَارَة السَّفِينَة، وَجَوَاز رُكُوب السَّفِينَة وَالدَّابَّة وَسُكْنَى الدَّار وَلُبْس الثَّوْب وَنَحْو ذَلِكَ بِغَيْرِ أُجْرَة بِرِضَى صَاحِبه وَقَوْله: (حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْل). وَفيه الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ حَتَّى يَتَبَيَّن خِلَافه لِإِنْكَارِ مُوسَى.
قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَوْل مُوسَى: {لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا} وَ{شَيْئًا نُكْرًا} أَيُّهُمَا أَشَدُّ؟ فَقِيلَ: إِمْرًا لِأَنَّهُ الْعَظِيم، وَلِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَة خَرْق السَّفِينَة الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي الْعَادَة هَلَاك الَّذِي فيها وَأَمْوَالهمْ، وَهُوَ أَعْظَم مِنْ قَتْل الْغُلَام، فَإِنَّهَا نَفْسُ وَاحِدٍ.
وَقِيلَ: نُكْرًا أَشَدّ لِأَنَّهُ مَا قَالَهُ عِنْد مُبَاشَرَة الْقَتْل حَقِيقَة، وَأَمَّا الْقَتْل فِي خَرْق السَّفِينَة فَمَظْنُون، وَقَدْ يَسْلَمُونَ فِي الْعَادَة، وَقَدْ سَلِمُوا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّة، وَلَيْسَ فيه مَا هُوَ مُحَقَّق إِلَّا مُجَرَّد الْخَرْق وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْله تَعَالَى: «إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَم مِنْك» قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مَجْمَع بَحْرَيْ فَارِس وَالرُّوم مِمَّا يَلِي الْمَشْرِق، وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ بَأَفْرِيقِيَّة.
قَوْله: «اِحْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَل فَحَيْثُ تَفْقِد الْحُوت فَهُوَ ثَمَّ» الْحُوت السَّمَكَة، وَكَانَتْ سَمَكَة مَالِحَة كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة، وَالْمِكْتَل بِكَسْرِ الْمِيم وَفَتْح الْمُثَنَّاة فَوْقُ، وَهُوَ الْقُفَّة وَالزَّبِيل، وَسَبَقَ بَيَانه مَرَّات. وَتَفْقِدُهُ بِكَسْرِ الْقَاف أَيْ يَذْهَبُ مِنْك، يُقَالُ: فَقَدَهُ وَافْتَقَدَهُ. وَثَمَّ بِفَتْحِ الثَّاء أَيْ هُنَاكَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ» وَهُوَ يُوشَع بْن نُون مَعْنَى فَتَاهُ صَاحِبه، وَنُون مَصْرُوف كَنُوحٍ، وَهَذَا الْحَدِيث يَرُدُّ قَوْل مَنْ قَالَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ فَتَاهُ عَبْدٌ لَهُ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَال الْبَاطِلَة. قَالُوا. وَهُوَ يُوشَع بْن نُون بْن إفراثيم بْن يُوسُف صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَمْسَكَ اللَّه عَنْهُ جِرْيَة الْمَاء حَتَّى كَانَ مِثْل الطَّاق» أَمَّا (الْجِرْيَة) فَبِكَسْرِ الْجِيم. وَالطَّاق عَقْد الْبِنَاء، وَجَمْعه طِيقَان وَأَطْوَاق، وَهُوَ الْأَزَجِ، وَمَا عُقِدَ أَعْلَاهُ مِنْ الْبِنَاء وَبَقِيَ مَا تَحْته خَالِيًا.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَانْطَلَقَا بَقِيَّة يَوْمهمَا وَلَيْلَتهمَا» ضَبَطُوهُ بِنَصْبِ لَيْلَتهمَا وَجَرِّهَا. وَالنَّصَب التَّعَب. قَالُوا: لَحِقَهُ النَّصَب وَالْجُوع لِيَطْلُبَ الْغِذَاء، فَيَتَذَكَّر بِهِ نِسْيَان الْحُوت، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَان الَّذِي أُمِرَ بِهِ».
قَوْله: {وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} قِيلَ: إِنَّ لَفْظَة عَجَبًا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمَامِ كَلَام يُوشَع، وَقِيلَ: مِنْ كَلَام مُوسَى، أَيْ قَالَ مُوسَى: عَجِبْت مِنْ هَذَا عَجَبًا، وَقِيلَ: مِنْ كَلَام اللَّه تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ اتَّخَذَ مُوسَى سَبِيل الْحُوت فِي الْبَحْر عَجَبًا.
قَوْله: «مَا كُنَّا نَبْغِي» أَيْ نَطْلُبُ، مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي جِئْنَا نَطْلُبُهُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي نَفْقِدُ فيه الْحُوت.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْخَضِر: أَنَّى بِأَرْضِك السَّلَام؟» الْمُسَجَّى الْمُغَطَّى. وَأَنَّى أَيْ مِنْ أَيْنَ السَّلَام فِي هَذِهِ الْأَرْض الَّتِي لَا يُعْرَف فيها السَّلَام؟ قَالَ الْعُلَمَاء: (أَنَّى) تَأْتِي بِمَعْنَى أَيْنَ، وَمَتَى، وَحَيْثُ، وَكَيْف.
«وَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْل» بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الْوَاو أَيْ بِغَيْرِ أَجْر وَالنَّوْل، وَالنَّوَال الْعَطَاء.
قَوْله: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} قُرِئَ فِي السَّبْع بِضَمِّ التَّاء الْمُثَنَّاة فَوْقُ وَنَصْب أَهْلهَا، وَبِفَتْحِ الْمُثَنَّاة تَحْتُ وَرَفْع أَهْلهَا {لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِمْرًا} أَيْ عَظِيمًا كَثِير الشِّدَّة {وَلَا تُرْهِقْنِي} أَيْ تَغْشَنِي وَتُحَمِّلنِي.
قَوْله: {أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْت شَيْئًا نُكْرًا} قُرِئَ فِي السَّبْع {زَاكِيَة} و{زَكِيَّة} قَالُوا: وَمَعْنَاهُ طَاهِرَة مِنْ الذُّنُوب. وَقَوْله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} أَيْ بِغَيْرِ قِصَاصٍ لَك عَلَيْهَا. وَالنُّكْر الْمُنْكَر. وَقُرِئَ فِي السَّبْع بِإِسْكَانِ الْكَاف وَضَمّهَا، وَالْأَكْثَرُونَ بِالْإِسْكَانِ.
قَالَ الْعُلَمَاء: وَقَوْله: إِذَا غُلَام يَلْعَب فَقَتَلَهُ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا لَيْسَ بِبَالِغٍ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَة الْغُلَام، وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا. وَزَعَمَتْ طَائِفَة أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا يَعْمَل بِالْفَسَادِ، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ: {أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاص، وَالصَّبِيّ لَا قِصَاص عَلَيْهِ، وَبِقَوْلِهِ: {كَانَ كَافِرًا} فِي قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس كَمَا ذَكَرَ فِي آخِر الْحَدِيث، وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدهمَا أَنَّ الْمُرَاد التَّنَبُّه عَلَى أَنَّهُ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ شَرْعهمْ كَانَ إِيجَاب الْقِصَاص عَلَى الصَّبِيّ، كَمَا أَنَّهُ فِي شَرْعِنَا يُؤَاخَذُ بِغَرَامَةِ الْمُتْلَفَات. وَالْجَوَاب عَنْ الثَّانِي مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّهُ شَاذّ لَا حُجَّة فيه، وَالثَّانِي أَنَّهُ سَمَّاهُ بِمَا يَؤُول إِلَيْهِ لَوْ عَاشَ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة.
قَوْله: {قَدْ بَلَغْت مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} فيه ثَلَاث قَرَاءات فِي السَّبْع: الْأَكْثَرُونَ بِضَمِّ الدَّال وَتَشْدِيد النُّون، وَالثَّانِيَة بِالضَّمِّ وَتَخْفِيف النُّون، وَالثَّالِثَة بِإِسْكَانِ الدَّال وَإِشْمَامهَا الضَّمّ وَتَخْفِيف النُّون، وَمَعْنَاهُ قَدْ بَلَغْت إِلَى الْغَايَة الَّتِي تُعْذَر بِسَبَبِهَا فِي فِرَاقِي.
قَوْله تَعَالَى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} قَالَ الثَّعْلَبِيّ: قَالَ اِبْن عَبَّاس: هِيَ أَنْطَاكِيَّة، وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ: الْأَيْلَة، وَهِيَ أَبْعَد الْأَرْض مِنْ السَّمَاء.
قَوْله تَعَالَى: {فَوَجَدَا فيها جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} هَذَا مِنْ الْمَجَاز لِأَنَّ الْجِدَار لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَة إِرَادَة، وَمَعْنَاهُ قَرُبَ مِنْ الِانْقِضَاض، وَهُوَ السُّقُوط. وَاسْتَدَلَّ الْأُصُولِيُّونَ بِهَذَا عَلَى وُجُود الْمَجَاز فِي الْقُرْآن، وَلَهُ نَظَائِر مَعْرُوفَة.
قَالَ وَهْب بْن مَنْبَه: كَانَ طُول هَذَا الْجِدَار إِلَى السَّمَاء مِائَة ذِرَاع.
قَوْله: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} قُرِئَ بِالسَّبْعِ {لَتَخِذْت} بِتَخْفِيفِ التَّاء وَكَسْر الْخَاء، {وَلَاتَّخَذْت} بِالتَّشْدِيدِ وَفَتْح الْخَاء أَيْ لَأَخَذْت عَلَيْهِ أُجْرَة تَأْكُلُ بِهَا.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَاءَ عُصْفُور حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْف السَّفِينَة ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْر فَقَالَ لَهُ الْخَضِر: مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمك مِنْ عِلْم اللَّه تَعَالَى إِلَّا مِثْل مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُور مِنْ الْبَحْر» قَالَ الْعُلَمَاء: لَفْظ (النَّقْص) هُنَا لَيْسَ عَلَى ظَاهِره، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ عِلْمِي وَعِلْمك بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْم اللَّه تَعَالَى كَنِسْبَةِ مَا نَقَرَهُ هَذَا الْعُصْفُور إِلَى مَاء الْبَحْر، هَذَا عَلَى التَّقْرِيب إِلَى الْأَفْهَام، وَإِلَّا فَنِسْبَة عِلْمهمَا أَقَلّ وَأَحْقَر.
وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ: «مَا عِلْمِي وَعِلْمك فِي جَنْب عِلْم اللَّه إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُور بِمِنْقَارِهِ» أَيْ فِي جَنْب مَعْلُوم اللَّه.
وَقَدْ يُطْلَق الْعِلْم بِمَعْنَى الْمَعْلُوم، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاق الْمَصْدَر لِإِرَادَةِ الْمَفْعُول كَقَوْلِهِمْ: رَغْم ضَرْب السُّلْطَان أَيْ مَضْرُوبه.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَالَ بَعْض مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيث: (إِلَّا) هُنَا بِمَعْنَى (وَلَا) أَيْ وَلَا نَقَصَ عِلْمِي. وَعِلْمك مِنْ عِلْم اللَّه وَلَا مِثْل مَا أَخْذ هَذَا الْعُصْفُور، لِأَنَّ عِلْم اللَّه تَعَالَى لَا يَدْخُلُهُ نَقْص.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّكَلُّف، بَلْ هُوَ صَحِيح كَمَا بَيَّنَّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
4386- قَوْله: (كَذَبَ نَوْفٌ) هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَب أَصْحَابنَا أَنَّ الْكَذِب هُوَ الْإِخْبَار عَنْ الشَّيْء خِلَاف مَا هُوَ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْإِيمَان.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَتَّى اِنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَة فَعُمِّيَ عَلَيْهِ» وَقَعَ فِي بَعْض الْأُصُول بِفَتْحِ الْعَيْن الْمُهْمَلَة وَكَسْر الْمِيم، وَفِي بَعْضهَا بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم، وَفِي بَعْضهَا بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَة.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِثْل الْكَوَّة» بِفَتْحِ الْكَاف، وَيُقَال: بِضَمِّهَا وَهِيَ الطَّاق كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَة الْأُولَى.
قَوْله: «مُسْتَلْقِيًا عَلَى حُلَاوَة الْقَفَا» هِيَ وَسَط الْقَفَا، وَمَعْنَاهُ لَمْ يَمِلْ إِلَى أَحَد جَانِبَيْهِ، وَهِيَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا، أَفْصَحهَا الضَّمّ، وَمِمَّنْ حَكَى الْكَسْر صَاحِب نِهَايَة الْغَرِيب، وَيُقَالُ أَيْضًا (حَلَاوَة) بِالْفَتْحِ، (وَحُلَاوَى) بِالضَّمِّ وَالْقَصْر، (وَحَلْوَاء) بِالْمَدِّ.
قَوْله: (مَجِيء مَا جَاءَ بِك) قَالَ الْقَاضِي: ضَبَطْنَاهُ مَجِيء مَرْفُوع غَيْر مَنُون عَنْ بَعْضهمْ، وَعَنْ بَعْضهمْ مَنُونًا.
قَالَ: وَهُوَ أَظْهَر، أَيُّ أَمْرٍ عَظِيم جَاءَ بِك.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِنْتَحَى عَلَيْهَا» أَيْ اِعْتَمَدَ عَلَى السَّفِينَة، وَقَصَدَ خَرْقَهَا. وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاء عَلَى النَّظَر فِي الْمَصَالِح عِنْد تَعَارُض الْأُمُور، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَتْ مَفْسَدَتَانِ دُفِعَ أَعْظَمُهُمَا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا، كَمَا خَرَقَ السَّفِينَة لِدَفْعِ غَصْبِهَا وَذَهَاب جُمْلَتهَا.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَانْطَلَقَ إِلَى أَحَدهمْ بَادِيَ الرَّأْي فَقَتَلَهُ» بَادِئ بِالْهَمْزِ وَتَرْكه. فَمَنْ هَمَزَهُ مَعْنَاهُ أَوَّل الرَّأْي وَابْتِدَاؤُهُ أَيْ اِنْطَلَقَ إِلَيْهِ مُسَارِعًا إِلَى قَتْله مِنْ غَيْر فِكْر. وَمَنْ لَمْ يَهْمِز فَمَعْنَاهُ ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ فِي قَتْله مِنْ الْبَدْء، وَهُوَ ظُهُور رَأْي لَمْ يَكُنْ.
قَالَ الْقَاضِي وَيُمَدُّ الْبَدْء وَيُقْصَرُ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاء بَدَأَ بِنَفْسِهِ رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْنَا» قَالَ أَصْحَابنَا: فيه اِسْتِحْبَاب اِبْتِدَاء الْإِنْسَان بِنَفْسِهِ فِي الدُّعَاء وَشِبْهه مِنْ أُمُور الْأَخِرَة، وَأَمَّا حُظُوظ الدُّنْيَا فَالْأَدَب فيها الْإِيثَار وَتَقْدِيم غَيْره عَلَى نَفْسه.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الِابْتِدَاء فِي عِنْوَان الْكِتَاب، فَالصَّحِيح الَّذِي قَالَهُ كَثِيرُونَ مِنْ السَّلَف وَجَاءَ بِهِ الصَّحِيح أَنَّهُ يَبْدَأ بِنَفْسِهِ، فَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْمَكْتُوب إِلَيْهِ، فَيُقَالُ: مِنْ فُلَان إِلَى فُلَان، وَمِنْهُ حَدِيث كِتَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ مُحَمَّد عَبْد اللَّه وَرَسُوله إِلَى هِرَقْل عَظِيم الرُّوم» وَقَالَتْ طَائِفَة: يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، فَيَقُول: إِلَى فُلَان مِنْ فُلَان قَالُوا: إِلَّا أَنْ يَكْتُبَ الْأَمِيرُ إِلَى مَنْ دُونه، أَوْ السَّيِّد إِلَى عَبْده، أَوْ الْوَالِد إِلَى وَلَده وَنَحْو هَذَا.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكِنْ أَخَذْته مِنْ صَاحِبه ذَمَامَة» هِيَ بِفَتْحِ الذَّال الْمُعْجَمَة أَيْ اِسْتِحْيَاءً لِتَكْرَارِ مُخَالَفَته، وَقِيلَ: مَلَامَة، وَالْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور.
قَوْله: «وَأَمَّا الْغُلَام فَطُبِعَ يَوْم طُبِعَ كَافِرًا» قَالَ الْقَاضِي: فِي هَذَا حُجَّة بَيِّنَة لِأَهْلِ السُّنَّة لِصِحَّةِ أَصْل مَذْهَبهمْ فِي الطَّبْع وَالرَّيْن وَالْأَكِنَّة وَالْأَغْشِيَة وَالْحُجُب وَالسَّدّ، وَأَشْبَاه هَذِهِ الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة فِي الشَّرْع فِي أَفْعَال اللَّه تَعَالَى بِقُلُوبِ أَهْل الْكُفْر وَالضَّلَال، وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدهمْ خَلَقَ اللَّه تَعَالَى فيها ضِدّ الْإِيمَان، وَضِدّ الْهُدَى، وَهَذَا عَلَى أَصْل أَهْل السُّنَّة أَنَّ الْعَبْد لَا قُدْرَةَ لَهُ إِلَّا مَا أَرَادَهُ اللَّه تَعَالَى، وَيَسَّرَهُ لَهُ، وَخَلَقَهُ لَهُ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّة الْقَائِلِينَ بِأَنَّ لِلْعَبْدِ فِعْلًا مِنْ قِبَلِ نَفْسه، وَقُدْرَة عَلَى الْهُدَى وَالضَّلَال، وَالْخَيْر وَالشَّرّ، وَالْإِيمَان وَالْكُفْر، وَأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْأَلْفَاظ نِسْبَة اللَّه تَعَالَى لِأَصْحَابِهَا وَحُكْمه عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ: مَعْنَاهَا خَلَقَهُ عَلَامَة لِذَلِكَ فِي قُلُوبهمْ. وَالْحَقّ الَّذِي لَا شَكّ فيه أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مِنْ الْخَيْر وَالشَّرّ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الذَّرّ: «هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ، وَلَا أُبَالِي» فَاَلَّذِينَ قَضَى لَهُمْ بِالنَّارِ طَبَعَ عَلَى قُلُوبهمْ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَغَشَّاهَا، وَأَكَنَّهَا، وَجَعَلَ مِنْ بَيْن أَيْدِيهَا سَدًّا، وَمِنْ خَلْفهَا سَدًّا وَحِجَابًا مَسْتُورًا، وَجَعَلَ فِي آذَانهمْ وَقْرًا، وَفِي قُلُوبهمْ مَرَضًا لِتَتِمّ سَابِقَته فيهمْ، وَتَمْضِي كَلِمَته، لَا رَادّ لِحُكْمِهِ، وَلَا مُعَقِّب لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ. وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.
وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيث مَنْ يَقُول: أَطْفَال الْكُفَّار فِي النَّار، وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة، وَأَنَّ فيهمْ ثَلَاثَة مَذَاهِب: الصَّحِيح أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّة، وَالثَّانِي فِي النَّار، وَالثَّالِث يَتَوَقَّف عَنْ الْكَلَام فيهمْ، فَلَا يَحْكُم لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَتَقَدَّمَتْ دَلَائِل الْجَمِيع. وَلِلْقَائِلَيْنِ بِالْجَنَّةِ أَنْ يَقُولُوا فِي جَوَاب هَذَا الْحَدِيث مَعْنَاهُ عَلِمَ اللَّه لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا.
قَوْله: «وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ فَلَوْ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا» أَيْ حَمَلَهُمَا عَلَيْهِمَا، وَأَلْحَقَهُمَا بِهِمَا. وَالْمُرَاد بِالطُّغْيَانِ هُنَا الزِّيَادَة فِي الضَّلَال. وَهَذَا الْحَدِيث مِنْ دَلَائِل مَذْهَب أَهْل الْحَقّ فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْلَم بِمَا كَانَ، وَبِمَا يَكُون، وَبِمَا لَا يَكُون لَوْ كَانَ كَيْف كَانَ يَكُون. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} وَقَوْله تَعَالَى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ} وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات قَوْله تَعَالَى: {خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} قِيلَ: الْمُرَاد بِالزَّكَاةِ الْإِسْلَام، وَقِيلَ: الصَّلَاح.
وَأَمَّا الرُّحْم فَقِيلَ: مَعْنَاهُ الرَّحْمَة لِوَالِدَيْهِ وَبِرِّهِمَا، وَقِيلَ: الْمُرَاد يَرْحَمَانِهِ. قِيلَ: أَبْدَلَهُمَا اللَّه بِنْتًا صَالِحَة، وَقِيلَ: اِبْنًا حَكَاهُ الْقَاضِي.
4388- قَوْله: (تَمَارَى هُوَ وَالْحُرّ بْن قَيْس) أَيْ تَنَازَعَا وَتَجَادَلَا. وَالْحُرّ بِالْحَاءِ وَالرَّاء. وَفِي هَذِهِ الْقِصَّة أَنْوَاع مِنْ الْقَوَاعِد وَالْأُصُول وَالْفُرُوع وَالْآدَاب وَالنَّفَائِس الْمُهِمَّة سَبَقَ التَّنْبِيه عَلَى مُعْظَمهَا، سِوَى مَا هُوَ ظَاهِر مِنْهَا، وَمِمَّا لَمْ يَسْبِقْ أَنَّهُ لَا بَأْس عَلَى الْعَالِم وَالْفَاضِل أَنْ يَخْدُمَهُ الْمَفْضُول وَيَقْضِيَ لَهُ حَاجَة، وَلَا يَكُون هَذَا مِنْ أَخْذ الْعِوَض عَلَى تَعْلِيم الْعِلْم وَالْآدَاب، بَلْ مِنْ مَرُوءَات الْأَصْحَاب، وَحُسْن الْعِشْرَة، وَدَلِيله مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة حَمْل فَتَاهُ غَدَاءَهُمَا، وَحَمْل أَصْحَاب السَّفِينَة مُوسَى وَالْخَضِر بِغَيْرِ أُجْرَة لِمَعْرِفَتِهِمْ الْخَضِر بِالصَّلَاحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا الْحَثّ عَلَى التَّوَاضُع فِي عِلْمه وَغَيْره، وَأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَعْلَم النَّاس، وَأَنَّهُ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَعْلَم النَّاس يَقُولُ: اللَّه أَعْلَم. وَمِنْهَا بَيَان أَصْل عَظِيم مِنْ أُصُول الْإِسْلَام، وَهُوَ وُجُوب التَّسْلِيم لِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْع، وَإِنْ كَانَ بَعْضه لَا تَظْهَر حِكْمَته لِلْمَعْقُولِ، وَلَا يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ النَّاس، وَقَدْ لَا يَفْهَمُونَهُ كُلّهمْ كَالْقَدَرِ. مَوْضِع الدَّلَالَة قَتْل الْغُلَام، وَخَرْق السَّفِينَة، فَإِنَّ صُورَتهمَا صُورَة الْمُنْكَر، وَكَانَ صَحِيحًا فِي نَفْس الْأَمْر لَهُ حِكَم بَيِّنَة، لَكِنَّهَا لَا تَظْهَر لِلْخَلْقِ، فَإِذَا أَعْلَمَهُمْ اللَّه تَعَالَى بِهَا عَلِمُوهَا، وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَا فَعَلْته عَنْ أَمْرِي} يَعْنِي بَلْ بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى.

.كتاب فضائل الصحابة:

قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ: اِخْتَلَفَ النَّاس فِي تَفْضِيل بَعْض الصَّحَابَة عَلَى بَعْض، فَقَالَتْ طَائِفَة: لَا تَفَاضُلَ، بَلْ نُمْسِكُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ الْجُمْهُور بِالتَّفْضِيلِ، ثُمَّ اِخْتَلَفُوا، فَقَالَ أَهْل السُّنَّة: أَفْضَلُهُمْ أَبُو بَكْر الصِّدِّيق، وَقَالَ الْخَطَّابِيَّة: أَفْضَلهمْ عُمَر بْن الْخَطَّاب، وَقَالَتْ الرَّاوَنْدِيّة: أَفْضَلهمْ الْعَبَّاس، وَقَالَتْ الشِّيعَة: عَلِيّ وَاتَّفَقَ أَهْل السُّنَّة عَلَى أَنَّ أَفْضَلهمْ أَبُو بَكْر، ثُمَّ عُمَر.
قَالَ جُمْهُورهمْ: ثُمَّ عُثْمَان، ثُمَّ عَلِيّ.
وَقَالَ بَعْض أَهْل السُّنَّة مِنْ أَهْل الْكُوفَة بِتَقْدِيمِ عَلِيّ عَلَى عُثْمَان، وَالصَّحِيح الْمَشْهُور تَقْدِيم عُثْمَان.
قَالَ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ: أَصْحَابنَا مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ أَفْضَلهمْ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة عَلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُورَة ثُمَّ تَمَام الْعَشَرَة، ثُمَّ أَهْل بَدْر، ثُمَّ أُحُد، ثُمَّ بَيْعَة الرِّضْوَان، وَمِمَّنْ لَهُ مَزِيَّة أَهْل الْعَقَبَتَيْنِ مِنْ الْأَنْصَار، وَكَذَلِكَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، وَهُمْ مَنْ صَلَّى إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ فِي قَوْل اِبْن الْمُسَيِّب وَطَائِفَة، وَفِي قَوْل الشَّعْبِيّ أَهْل بَيْعَة الرِّضْوَان، وَفِي قَوْل عَطَاء وَمُحَمَّد بْن كَعْب أَهْل بَدْر.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: وَذَهَبَتْ طَائِفَة، مِنْهُمْ اِبْن عَبْد الْبَرّ، إِلَى أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الصَّحَابَة فِي حَيَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل مِمَّنْ بَقِيَ بَعْده، وَهَذَا الْإِطْلَاق غَيْر مَرَضِيّ وَلَا مَقْبُول. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ التَّفْضِيل الْمَذْكُور قَطْعِيّ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَمْ فِي الظَّاهِر خَاصَّة؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِالْقَطْعِ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ.
قَالَ: وَهُمْ فِي الْفَضْل عَلَى تَرْتِيبهمْ فِي الْإِمَامَة. وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّهُ اِجْتِهَادِيّ ظَنِّيّ أَبُو بَكْر الْبَاقِلَّانِيّ. وَذَكَرَ اِبْن الْبَاقِلَّانِيّ اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي أَنَّ التَّفْضِيل هَلْ هُوَ فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن جَمِيعًا؟ وَكَذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي عَائِشَة وَخَدِيجَة أَيَّتهمَا أَفْضَل؟ وَفِي عَائِشَة وَفَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَأَمَّا عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَخِلَافَته صَحِيحَة بِالْإِجْمَاعِ، وَقُتِلَ مَظْلُومًا، وَقَتَلَتْهُ فَسَقَة؛ لِأَنَّ مُوجِبَات الْقَتْل مَضْبُوطَة، وَلَمْ يَجْرِ مِنْهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَا يَقْتَضِيه، وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَتْله أَحَد مِنْ الصَّحَابَة، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ هَمَج وَرُعَاع مِنْ غَوْغَاء الْقَبَائِل وَسَفَلَة الْأَطْرَاف وَالْأَرْذَال، تَحَزَّبُوا وَقَصَدُوهُ مِنْ مِصْر، فَعَجَزَتْ الصَّحَابَة الْحَاضِرُونَ عَنْ دَفْعهمْ، فَحَصَرُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
وَأَمَّا عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَخِلَافَته صَحِيحَة بِالْإِجْمَاعِ، وَكَانَ هُوَ الْخَلِيفَة فِي وَقْته لَا خِلَافَة لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَهُوَ مِنْ الْعُدُول الْفُضَلَاء، وَالصَّحَابَة النُّجَبَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَمَّا الْحُرُوب الَّتِي جَرَتْ فَكَانَتْ لِكُلِّ طَائِقَة شُبْهَة اِعْتَقَدَتْ تَصْوِيب أَنْفُسهَا بِسَبَبِهَا، وَكُلّهمْ عُدُول رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ، وَمُتَأَوِّلُونَ فِي حُرُوبهمْ وَغَيْرهَا، وَلَمْ يُخْرِجْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَنْ الْعَدَالَة؛ لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ اِخْتَلَفُوا فِي مَسَائِل مِنْ مَحَلّ الِاجْتِهَاد كَمَا يَخْتَلِف الْمُجْتَهِدُونَ بَعْدهمْ فِي مَسَائِل مِنْ الدِّمَاء وَغَيْرهَا، وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ نَقْص أَحَد مِنْهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ سَبَب تِلْكَ الْحُرُوب أَنَّ الْقَضَايَا كَانَتْ مُشْتَبِهَة، فَلِشِدَّةِ اِشْتِبَاههَا اِخْتَلَفَ اِجْتِهَادهمْ، وَصَارُوا ثَلَاثَة أَقْسَام: قِسْم ظَهَرَ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّ الْحَقّ فِي هَذَا الطَّرَف، وَأَنَّ مُخَالِفه بَاغٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ نُصْرَته، وَقِتَال الْبَاغِي عَلَيْهِ فِيمَا اِعْتَقَدُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ التَّأَخُّرُ عَنْ مُسَاعَدَة إِمَام الْعَدْل فِي قِتَال الْبُغَاة فِي اِعْتِقَادٍ. وَقِسْم عَكْس هَؤُلَاءِ، ظَهَرَ لَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّ الْحَقّ فِي الطَّرَف الْآخَر، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مُسَاعَدَته، وَقِتَال الْبَاغِي عَلَيْهِ. وَقِسْم ثَالِث اِشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمْ الْقَضِيَّة، وَتَحَيَّرُوا فيها، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ تَرْجِيح أَحَد الطَّرَفَيْنِ، فَاعْتَزَلُوا الْفَرِيقَيْنِ، وَكَانَ هَذَا الِاعْتِزَال هُوَ الْوَاجِب فِي حَقِّهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْإِقْدَام عَلَى قِتَال مُسْلِم حَتَّى يَظْهَرَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ، وَلَوْ ظَهَرَ لِهَؤُلَاءِ رُجْحَان أَحَد الطَّرَفَيْنِ، وَأَنَّ الْحَقّ مَعَهُ، لَمَا جَازَ لَهُمْ التَّأَخُّر عَنْ نُصْرَته فِي قِتَال الْبُغَاة عَلَيْهِ. فَكُلّهمْ مَعْذُورُونَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ، وَلِهَذَا اِتَّفَقَ أَهْل الْحَقّ وَمَنْ يَعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاع عَلَى قَبُول شَهَادَاتهمْ وَرِوَايَاتهمْ، وَكَمَال عَدَالَتهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

.باب مِنْ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

4389- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْر مَا ظَنّك بِاثْنَيْنِ اللَّه ثَالِثهمَا» مَعْنَاهُ ثَالِثهمَا بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَة، وَالْحِفْظ وَالتَّسْدِيد، وَهُوَ دَاخِل فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} وَفيه بَيَان عَظِيم تَوَكُّل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى فِي هَذَا الْمَقَام. وَفيه فَضِيلَة لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وَهِيَ مِنْ أَجَلّ مَنَاقِبه، وَالْفَضِيلَة مِنْ أَوْجُه: مِنْهَا هَذَا اللَّفْظ، وَمِنْهَا بَذْله نَفْسه، وَمُفَارَقَته أَهْله وَمَاله وَرِيَاسَته فِي طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله، وَمُلَازَمَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُعَادَاة النَّاس فيه. وَمِنْهَا جَعْله نَفْسه وِقَايَة عَنْهُ وَغَيْر ذَلِكَ.
4390- قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّه بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَة الدُّنْيَا، وَبَيْن مَا عِنْده، فَاخْتَارَ مَا عِنْده فَبَكَى أَبُو بَكْر وَبَكَى، وَقَالَ: فَدَيْنَاك بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا» هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ: «فَبَكَى أَبُو بَكْر وَبَكَى» مَعْنَاهُ بَكَى كَثِيرًا، ثُمَّ بَكَى. وَالْمُرَاد بِزَهْرَةِ الدُّنْيَا نَعِيمهَا وَأَعْرَاضهَا وَحُدُودهَا، وَشَبَّهَهَا بِزَهْرَةِ الرَّوْض. وَقَوْله: «فَدَيْنَاك» دَلِيل لِجَوَازِ التَّفْدِيَة، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه مَرَّات. وَكَانَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْد الْمُخَيَّر، فَبَكَى حُزْنًا عَلَى فِرَاقه، وَانْقِطَاع الْوَحْي، وَغَيْره مِنْ الْخَيْر دَائِمًا. وَإِنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عَبْدًا» وَأَبْهَمَهُ، لِيَنْظُر فَهْم أَهْل الْمَعْرِفَة، وَنَبَاهَة أَصْحَاب الْحِذْق.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاس عَلَيَّ فِي مَاله وَصُحْبَته أَبُو بَكْر» قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ أَكْثَرُهُمْ جُودًا وَسَمَاحَة لَنَا بِنَفْسِهِ وَمَاله، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَنِّ الَّذِي هُوَ الِاعْتِدَاد بِالصَّنِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَذَى مُبْطِل لِلثَّوَابِ، وَلِأَنَّ الْمِنَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَبُول ذَلِكَ، وَفِي غَيْره.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْر خَلِيلًا، وَلَكِنَّ أُخُوَّةَ الْإِسْلَام» وَفِي رِوَايَة: «لَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدْ اِتَّخَذَ اللَّه صَاحِبكُمْ خَلِيلًا» قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ: أَصْلُ الْخُلَّة الِافْتِقَار وَالِانْقِطَاع، فَخَلِيلُ اللَّه الْمُنْقَطِع إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: لِقَصْرِهِ حَاجَته عَلَى اللَّه تَعَالَى، وَقِيلَ: الْخُلَّة الِاخْتِصَاص، وَقِيلَ: الِاصْطِفَاء، وَسُمِّيَ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا لِأَنَّهُ وَالَى فِي اللَّه تَعَالَى، وَعَادَى فيه.
وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ تَخَلَّقَ بِخِلَالٍ حَسَنَةٍ، وَأَخْلَاق كَرِيمَة، وَخُلَّة اللَّه تَعَالَى لَهُ نَصْره وَجَعْله إِمَامًا لِمَنْ بَعْده.
وَقَالَ اِبْن فَوْرَكٍ: الْخُلَّة صَفَاء الْمَوَدَّة بِتَخَلُّلِ الْأَسْرَار.
وَقِيلَ: أَصْلهَا الْمَحَبَّة، وَمَعْنَاهُ الْإِسْعَاف وَالْإِلْطَاف، وَقِيلَ: الْخَلِيل مَنْ لَا يَتَّسِعُ قَلْبه لِغَيْرِ خَلِيله. وَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ حُبَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يُبْقِ فِي قَلْبه مَوْضِعًا لِغَيْرِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَجَاءَ فِي أَحَادِيث أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّه» فَاخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ هَلْ الْمَحَبَّة أَرْفَعُ مِنْ الْخُلَّة، أَمْ الْخُلَّة أَرْفَع؟ أَمْ هُمَا سَوَاء؟ فَقَالَتْ طَائِفَة: هُمَا بِمَعْنًى، فَلَا يَكُونُ الْحَبِيبُ إِلَّا خَلِيلًا، وَلَا يَكُونُ الْخَلِيل إِلَّا حَبِيبًا، وَقِيلَ: الْحَبِيب أَرْفَع، لِأَنَّهَا صِفَة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: الْخَلِيل أَرْفَعُ، وَقَدْ ثَبَتَتْ خُلَّة نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْحَدِيث، وَنَفَى أَنْ يَكُون لَهُ خَلِيل غَيْره، وَأَثْبَتَ مَحَبَّته لِخَدِيجَةَ، وَعَائِشَةَ وَأَبِيهَا، وَأُسَامَة وَأَبِيهِ، وَفَاطِمَة وَابْنَيْهَا، وَغَيْرهمْ. وَمَحَبَّة اللَّه تَعَالَى لِعَبْدِهِ تَمْكِينه مِنْ طَاعَته، وَعِصْمَته، وَتَوْفِيقه، وَتَيْسِير أَلْطَافه، وَهِدَايَته، وَإِفَاضَة رَحْمَته عَلَيْهِ. هَذِهِ مَبَادِيهَا، وَأَمَّا غَايَتُهَا فَكَشْفُ الْحُجُب عَنْ قَلْبه حَتَّى يَرَاهُ بِبَصِيرَتِهِ، فَيَكُون كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح: «فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعه الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَره» إِلَى آخِره. هَذَا كَلَام الْقَاضِي.
وَأَمَّا قَوْل أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره مِنْ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ: سَمِعْت خَلِيلِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا يُخَالِف هَذَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيّ يَحْسُنُ فِي حَقّه الِانْقِطَاع إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِد خَوْخَة إِلَّا خَوْخَة أَبِي بَكْر» الْخَوْخَة بِفَتْحِ الْخَاء، وَهِيَ الْبَاب الصَّغِير بَيْن الْبَيْتَيْنِ. أَوْ الدَّارَيْنِ، وَنَحْوه. وَفيه فَضِيلَة وَخِصِّيصَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ. وَفيه أَنَّ الْمَسَاجِد تُصَانُ عَنْ تَطَرُّق النَّاس إِلَيْهَا فِي خَوْخَات وَنَحْوهَا إِلَّا مِنْ أَبْوَابهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ مُهِمَّةٍ.
4391- سبق شرحه بالباب.
4392- سبق شرحه بالباب.
4393- سبق شرحه بالباب.
4394- سبق شرحه بالباب.
4395- قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَّا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ» هُمَا بِكَسْرِ الْخَاء. فَأَمَّا الْأَوَّل فَكَسْرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْخِلّ بِمَعْنَى الْخَلِيل.
وَأَمَّا قَوْله (مِنْ خِلّه) فَبِكَسْرِ الْخَاء عِنْد جَمِيع الرُّوَاة فِي جَمِيع النُّسَخ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعهمْ.
قَالَ: وَالصَّوَاب الْأَوْجَه فَتْحُهَا.
قَالَ: وَالْخُلَّة وَالْخِلّ وَالْخِلَال وَالْمُخَالَلَة وَالْخَلَالَة وَالْخَلْوَة الْإِخَاء وَالصَّدَاقَة، أَيْ بَرِئْت إِلَيْهِ مِنْ صَدَاقَتِهِ الْمُقْتَضِيَة الْمُخَالَلَة. هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَالْكَسْر صَحِيح كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَات، أَيْ أَبْرَأ إِلَيْهِ مِنْ مُخَالَّتِي إِيَّاهُ. وَذَكَرَ اِبْن الْأَثِير أَنَّهُ رُوِيَ بِكَسْرِ الْخَاء وَفَتْحهَا، وَأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْخُلَّة بِالضَّمِّ الَّتِي هِيَ الصَّدَاقَة.
4396- قَوْله: «بَعَثَهُ عَلَى جَيْش ذَات السَّلَاسِل» هُوَ بِفَتْحِ السِّين الْأُولَى وَكَسْر الثَّانِيَة، وَهُوَ مَاء لِبَنِي جُذَام بِنَاحِيَةِ الشَّام. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ بِضَمِّ السِّين الْأُولَى، وَكَذَا ذَكَرَهُ اِبْن الْأَثِير فِي نِهَايَة الْغَرِيب، وَأَظُنُّهُ اِسْتَنْبَطَهُ مِنْ كَلَام الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح، وَلَا دَلَالَة فيه، وَالْمَشْهُور وَالْمَعْرُوف فَتْحهَا، وَكَانَتْ هَذِهِ الْغَزْوَة فِي جُمَادَى الْأُخْرَى سَنَة ثَمَان مِنْ الْهِجْرَة. وَكَانَتْ مُؤْتَة قَبْلهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَة ثَمَان أَيْضًا.
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بْن عَسَاكِر: كَانَتْ ذَات السَّلَاسِل بَعْد مُؤْتَة فِيمَا ذَكَرَهُ أَهْل الْمَغَازِي، إِلَّا اِبْن إِسْحَاق فَقَالَ: قَبْلهَا.
قَوْله: «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْك: قَالَ عَائِشَة قُلْت: مِنْ الرِّجَال قَالَ: أَبُوهَا قُلْت: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَر فَعَدَّ رِجَالًا» هَذَا تَصْرِيح بِعَظِيمِ فَضَائِل أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَفيه دَلَالَة بَيِّنَة لِأَهْلِ السُّنَّة فِي تَفْضِيل أَبِي بَكْر، ثُمَّ عُمَر، عَلَى جَمِيع الصَّحَابَة.
4397- قَوْله: «سُئِلَتْ عَائِشَةُ: مَنْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْلِفًا لَوْ اِسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْر، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْد أَبِي بَكْر؟ قَالَتْ: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْد عُمَر؟ قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح، ثُمَّ اِنْتَهَتْ إِلَى هَذَا» يَعْنِي وَقَفْت عَلَى أَبِي عُبَيْدَة. هَذَا دَلِيل لِأَهْلِ السُّنَّة فِي تَقْدِيم أَبِي بَكْر ثُمَّ عُمَر لِلْخِلَافَةِ مَعَ إِجْمَاع الصَّحَابَة. وَفيه دَلَالَة لِأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ خِلَافَة أَبِي بَكْر لَيْسَتْ بِنَصٍّ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِلَافَته صَرِيحًا، بَلْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَة عَلَى عَقْد الْخِلَافَة لَهُ، وَتَقْدِيمه لِفَضِيلَتِهِ. وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ نَصّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْره لَمْ تَقَعْ الْمُنَازَعَة مِنْ الْأَنْصَار وَغَيْرهمْ أَوَّلًا، وَلَذَكَرَ حَافِظُ النَّصِّ مَا مَعَهُ، وَلَرَجَعُوا إِلَيْهِ، لَكِنْ تَنَازَعُوا أَوَّلًا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَصٌّ، ثُمَّ اِتَّفَقُوا عَلَى أَبِي بَكْر، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْر.
وَأَمَّا مَا تَدَّعِيهِ الشِّيعَة مِنْ النَّصّ عَلَى عَلِيٍّ، وَالْوَصِيَّة إِلَيْهِ، فَبَاطِلٌ لَا أَصْل لَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَالِاتِّفَاق عَلَى بُطْلَان دَعْوَاهُمْ مِنْ زَمَن عَلِيّ، وَأَوَّل مَنْ كَذَّبَهُمْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِقَوْلِهِ: مَا عِنْدنَا إِلَّا مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَة الْحَدِيث، وَلَوْ كَانَ عِنْده نَصّ لَذَكَرَهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّام، وَلَا أَنَّ أَحَدًا ذَكَرَهُ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
4398- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ حِين قَالَتْ: «يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ جِئْت فَلَمْ أَجِدْك؟ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَائْتِي أَبَا بَكْر» فَلَيْسَ فيه نَصّ عَلَى خِلَافَته، وَأَمْر بِهَا، بَلْ هُوَ إِخْبَارٌ بِالْغَيْبِ الَّذِي أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ. وَاَللَّه أَعْلَم.
4399- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة: «اِدْعِي لِي أَبَاك أَبَا بَكْر وَأَخَاك حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُول قَائِل: أَنَا أَوْلَى يَأْبَى اللَّه وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْر» هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ الْمُعْتَمَدَة: «أَنَا أَوْلَى» بِتَخْفِيفِ: «أَنْ وَلَا» أَيْ يَقُولُ: أَنَا أَحَقُّ، وَلَيْسَ كَمَا يَقُول: بَلْ يَأْبَى اللَّه وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْر. وَفِي بَعْضهَا أَنَا أَوْلَى أَيْ أَنَا أَحَقّ بِالْخِلَافَةِ قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَة أَجْوَدُهَا، وَرَوَاهُ بَعْضهمْ: «أَنَا وَلِي» بِتَخْفِيفِ النُّون وَكَسْر اللَّام أَيْ أَنَا أَحَقُّ، وَالْخِلَافَة لِي. وَعَنْ بَعْضهمْ: «أَنَا وَلَّاهُ» أَيْ أَنَا الَّذِي وَلَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْضُهُمْ: «أَنَّى وَلَّاهُ» تَشْدِيد النُّون أَيْ كَيْف وَلَّاهُ؟ فِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة ظَاهِرَة لِفَضْلِ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، وَإِخْبَار مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا سَيَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْد وَفَاته، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَأْبَوْنَ عَقْد الْخِلَافَة لِغَيْرِهِ. وَفيه إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ سَيَقَعُ نِزَاع، وَوَقَعَ كُلُّ ذَلِكَ.
وَأَمَّا طَلَبُهُ لِأَخِيهَا مَعَ أَبِي بَكْر فَالْمُرَاد أَنَّهُ يَكْتُبُ الْكِتَاب. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أُوَجِّه إِلَى أَبِي بَكْر وَابْنه وَأَعْهَد» وَلِبَعْضِ رُوَاة الْبُخَارِيّ: «وَآتِيه» بِأَلِفٍ مَمْدُودَة وَمُثَنَّاة فَوْق وَمُثَنَّاة تَحْت مِنْ الْإِتْيَان.
قَالَ الْقَاضِي: وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَيْسَ كَمَا صَوَّبَ، بَلْ الصَّوَاب اِبْنه بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَة وَالنُّون، وَهُوَ أَخُو عَائِشَة، وَتُوَضِّحُهُ رِوَايَة مُسْلِم: «أَخَاك»، وَلِأَنَّ إِتْيَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَعَذَّرًا أَوْ مُتَعَسَّرًا، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ حُضُور الْجَمَاعَة، وَاسْتَخْلَفَ الصِّدِّيق لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجه أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْت عَائِشَة. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
4400- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْم صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكْر: أَنَا» إِلَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا اِجْتَمَعْنَ فِي اِمْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة» قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ دَخَلَ الْجَنَّة بِلَا مُحَاسَبَةٍ وَلَا مُجَازَاة عَلَى قَبِيح الْأَعْمَال، وَإِلَّا فَمُجَرَّد الْإِيمَان يَقْتَضِي دُخُول الْجَنَّة بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى.
4401- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي كَلَام الْبَقَرَة وَكَلَام الذِّئْب وَتَعَجُّب النَّاس مِنْ ذَلِكَ، «فَإِنِّي أُومِن بِهِ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَمَا هُمَا» ثُمَّ قَالَ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ثِقَة بِهِمَا لِعِلْمِهِ بِصِدْقِ إِيمَانهمَا، وَقُوَّة يَقِينهمَا، وَكَمَال مَعْرِفَتهمَا لِعَظِيمِ سُلْطَان اللَّه وَكَمَال قُدْرَته. فَفيه فَضِيلَة ظَاهِرَة لِأَبِي بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا. وَفيه جَوَاز كَرَامَات الْأَوْلِيَاء وَخَرْق الْعَوَائِد، وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَة.
قَوْله: «قَالَ الذِّئْب: مَنْ لَهَا يَوْم السَّبُع يَوْم لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي» رُوِيَ: «السَّبُع» بِضَمِّ الْبَاء وَإِسْكَانهَا، الْأَكْثَرُونَ عَلَى الضَّمِّ.
قَالَ الْقَاضِي: الرِّوَايَة بِالضَّمِّ، وَقَالَ أَهْل اللُّغَة: هِيَ سَاكِنَةٌ، وَجَعْله اِسْمًا لِلْمَوْضِعِ الَّذِي عِنْده الْمَحْشَر يَوْم الْقِيَامَة، أَيْ مَنْ لَهَا يَوْم الْقِيَامَة؟ وَأَنْكَرَ بَعْض أَهْل اللُّغَة أَنْ يَكُونَ هَذَا اِسْمًا لِيَوْمِ الْقِيَامَة، وَقَالَ بَعْض أَهْل اللُّغَة: يُقَالُ: سَبَّعْت الْأَسَد إِذَا دَعَوْته، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا مَنْ لَهَا يَوْم الْفَزَع؟ وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم الْفَزَع، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَاد مَنْ لَهَا يَوْم الْإِهْمَال؟ مِنْ أَسَبَعْت الرَّجُل أَهْمَلْته، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْم السَّبْع بِالْإِسْكَانِ عِيد كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة يَشْتَغِلُونَ فيه بِلَعِبِهِمْ، فَيَأْكُلُ الذِّئْبُ غَنَمَهُمْ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيّ: يَوْم السَّبُع أَيْ يَوْمَ يَطْرُدُك عَنْهَا السَّبُع، وَبَقِيت أَنَا فيها لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي لِفِرَارِك مِنْهُ، فَأَفْعَلُ فيها مَا أَشَاءُ. هَذَا كَلَام الْقَاضِي.
وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ: هُوَ بِالْإِسْكَانِ أَيْ يَوْم الْقِيَامَة، أَوْ يَوْم الذُّعْر. وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ آخَرُونَ هَذَا لِقَوْلِهِ: يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي، وَيَوْم الْقِيَامَة لَا يَكُون الذِّئْبُ رَاعِيهَا، وَلَا لَهُ بِهَا تَعَلُّق. وَالْأَصَحّ مَا قَالَهُ آخَرُونَ، وَسَبَقَتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا عِنْد الْفِتَن حِين تَتْرُكهَا النَّاس هَمَلًا لَا رَاعِي لَهَا نُهْبَةً لِلسِّبَاعِ فَجَعَلَ السَّبُع لَهَا رَاعِيًا أَيْ مُنْفَرِدًا بِهَا، وَتَكُونُ بِضَمِّ الْبَاء. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْله: «فَتَكَنَّفَهُ النَّاس» أَيْ أَحَاطُوا بِهِ، وَالسَّرِير هُنَا النَّعْش.
قَوْله: «فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ» هُوَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الرَّاء، وَمَعْنَاهُ لَمْ يَفْجَأنِي إِلَّا ذَلِكَ. وَقَوْله: «بِرَجُلٍ» هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ: «بِرَجُلٍ» بِالْبَاءِ أَيْ لَمْ يَفْجَأنِي الْأَمْر فِي الْحَال إِلَّا بِرَجُلٍ. وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَضِيلَة أَبِي بَكْر وَعُمَر، وَشَهَادَة عَلِيّ لَهُمَا، وَحُسْن ثَنَائِهِ عَلَيْهِمَا، وَصِدْق مَا كَانَ يَظُنُّهُ بِعُمَر قَبْل وَفَاته رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.