فصل: مسألة‏:‏ غسل الميت بالماء الحار والأشنان أو الصابون

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


كتاب الجنائز

يستحب للإنسان ذكر الموت والاستعداد له فإنه روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏أكثروا من ذكر هاذم اللذات فما ذكر في كثير إلا قلله‏,‏ ولا في قليل إلا كثره‏)‏ روى البخاري أوله وإذا مرض استحب له أن يصبر ويكره الأنين لما روي عن طاوس أنه كرهه ولا يتمنى الموت لضر نزل به لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏ولا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وليقل‏:‏ اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي‏,‏ وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي‏)‏ وقال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن صحيح ويحسن ظنه بربه تعالى قال جابر‏:‏ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ‏(‏يقول قبل موته بثلاث‏:‏ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى‏)‏ رواه مسلم وأبو داود وقال معتمر عن أبيه‏,‏ إنه قال له عند موته‏:‏ حدثني بالرخص‏.‏

فصل‏:‏

ويستحب عيادة المريض قال البراء‏:‏ أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ باتباع الجنائز وعيادة المريض رواه البخاري‏,‏ ومسلم وعن علي ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏ما من رجل يعود مريضا ممسيا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح‏,‏ وكان له خريف في الجنة ومن أتاه مصبحا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي‏,‏ وكان له خريف في الجنة‏)‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن غريب وإذا دخل على المريض دعا له ورقاه قال ثابت لأنس‏:‏ يا أبا حمزة اشتكيت قال أنس‏,‏ أفلا أرقيك برقية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏؟‏ قال‏:‏ بلى قال ‏(‏اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافي‏,‏ شفاء لا يغادر سقما‏)‏ وروى أبو سعيد قال‏:‏ ‏(‏أتى جبريل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ يا محمد اشتكيت‏؟‏ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ بسم الله أرقيك‏,‏ من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس وعين حاسدة الله يشفيك‏)‏ وقال أبو زرعة‏:‏ كلا هذين الحديثين صحيح وروى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإنه لا يرد من قضاء الله شيئا وإنه يطيب نفس المريض‏)‏ رواه ابن ماجه ويرغبه في التوبة والوصية لما روى ابن عمر‏,‏ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده‏)‏ متفق عليه‏.‏

فصل‏:‏

ويستحب أن يلي المريض أرفق أهله به‏,‏ وأعلمهم بسياسته وأتقاهم لله عز وجل ليذكره الله تعالى والتوبة من المعاصي‏,‏ والخروج من المظالم والوصية وإذا رآه منزولا به تعهد بل حلقه بتقطير ماء أو شراب فيه‏,‏ ويندي شفتيه بقطنة ويستقبل به القبلة لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏خير المجالس ما استقبل به القبلة‏)‏ ويلقنه قول ‏"‏ لا إله إلا الله ‏"‏ لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏لقنوا موتاكم لا إله إلا الله‏)‏ رواه مسلم وقال الحسن‏:‏ سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ أي الأعمال أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تموت يوم تموت ولسانك رطب من ذكر الله‏)‏ رواه سعيد ويكون ذلك في لطف ومداراة ولا يكرر عليه‏,‏ ولا يضجره إلا أن يتكلم بشيء فيعيد تلقينه لتكون لا إله إلا الله آخر كلامه نص على هذا أحمد‏,‏ وروي عن عبد الله بن المبارك أنه لما حضره الموت جعل رجل يلقنه ‏"‏ لا إله إلا الله ‏"‏ فأكثر عليه فقال له عبد الله‏:‏ إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم قال الترمذي‏:‏ إنما أراد عبد الله ما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة‏)‏ رواه أبو داود‏,‏ بإسناده وروى سعيد بإسناده عن معاذ بن جبل أنه لما حضرته الوفاة‏,‏ قال‏:‏ أجلسوني فلما أجلسوه قال‏:‏ كلمة سمعتها من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كنت أخبؤها ولولا ما حضرنى من الموت ما أخبرتكم بها سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول‏:‏ ‏(‏من كان آخر كلامه عند الموت أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏,‏ إلا هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب فلقنوها موتاكم فقيل‏:‏ يا رسول الله فكيف هي للأحياء‏؟‏ قال هي أهدم وأهدم‏)‏ قال أحمد‏:‏ ويقرءون عند الميت إذا حضر‏,‏ ليخفف عنه بالقراءة يقرأ ‏[‏يس‏]‏ وأمر بقراءة فاتحة الكتاب وروى سعيد حدثنا فرج بن فضالة‏,‏ عن أسد بن وداعة قال‏:‏ لما حضر غضيف بن حارث الموت حضره إخوانه‏,‏ فقال‏:‏ هل فيكم من يقرأ سورة ‏[‏يس‏]‏ ‏؟‏ قال رجل من القوم‏:‏ نعم قال‏:‏ اقرأ ورتل وأنصتوا فقرأ‏,‏ ورتل وأسمع القوم فلما بلغ‏:‏ ‏{‏فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون‏}‏ [يس: 83] . خرجت نفسه قال أسد بن وداعة‏:‏ فمن حضر منكم الميت فشدد عليه الموت‏,‏ فليقرأ عنده سورة ‏[‏يس‏]‏ فإنه يخفف عنه الموت‏.‏

مسألة‏:‏

قال أبو القاسم‏:‏ ‏[‏وإذا تيقن الموت وجه إلى القبلة‏,‏ وغمضت عيناه وشد لحياه لئلا يسترخي فكه‏,‏ وجعل على بطنه مرآة أو غيرها لئلا يعلو بطنه‏]‏ قوله‏:‏ ‏[‏إذا تيقن الموت‏]‏ يحتمل أنه أراد حضور الموت لأن التوجيه إلى القبلة يستحب تقديمه على الموت واستحبه عطاء والنخعي‏,‏ ومالك وأهل المدينة والأوزاعي‏,‏ وأهل الشام وإسحاق وأنكره سعيد بن المسيب‏,‏ فإنهم لما أرادوا أن يحولوه إلى القبلة قال‏:‏ ما لكم‏؟‏ قالوا‏:‏ نحولك إلى القبلة قال‏:‏ ألم أكن على القبلة إلى يومي هذا‏؟‏ والأول أولى لأن حذيفة قال‏:‏ وجهوني ولأن فعلهم ذلك بسعيد دليل على أنه كان مشهورا بينهم يفعله المسلمون كلهم بموتاهم‏,‏ ولأن خير المجالس ما استقبل به القبلة ويحتمل أن الخرقي أراد تيقن وجود الموت لأن سائر ما ذكره إنما يفعل بعد الموت وهو تغميض الميت‏,‏ فإنه يسن عقيب الموت لما روي عن أم سلمة قالت‏:‏ دخل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه‏,‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج الناس من أهله فقال‏:‏ لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ثم قال‏:‏ اللهم اغفر لأبي سلمة‏,‏ وارفع درجته في المهديين المقربين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين‏,‏ وأفسح له في قبره ونور له فيه‏)‏ أخرجه مسلم وروى شداد بن أوس قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏إذا حضرتم موتاكم‏,‏ فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت‏)‏ رواه أحمد‏,‏ في ‏"‏ المسند ‏"‏ وروى أن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال لابنه حين حضرته الوفاة‏:‏ ادن مني فإذا رأيت روحي قد بلغت لهاتي فضع كفك اليمني على جبهتي‏,‏ واليسري تحت ذقني وأغمضني ويستحب شد لحييه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم‏,‏ فلم يغمض حتى يبرد بقي مفتوحا فيقبح منظره‏,‏ ولا يؤمن دخول الهوام فيه والماء في وقت غسله وقال بكر بن عبد الله المزني‏:‏ ويقول الذي يغمضه‏:‏ بسم الله وعلى وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويجعل على بطنه شيء من الحديد‏,‏ كمرآة أو غيرها لئلا ينتفخ بطنه فإن لم يكن شيء من الحديد فطين مبلول ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه قال أحمد‏:‏ تغمض المرأة عينيه إذا كانت ذات محرم له وقال‏:‏ يكره للحائض والجنب تغميضه‏,‏ وأن تقرباه وكره ذلك علقمة وروى نحوه عن الشافعي وكره الحسن وابن سيرين وعطاء‏,‏ أن يغسل الحائض والجنب الميت وبه قال مالك وقال إسحاق وابن المنذر‏:‏ يغسله الجنب لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏المؤمن ليس بنجس‏)‏ ولا نعلم بينهم اختلافا في صحة تغسيلهما وتغميضهما له ولكن الأولى أن يكون المتولى لأموره‏,‏ في تغميضه وتغسيله طاهرا لأنه أكمل وأحسن

فصل‏:‏

ويستحب المسارعة إلى تجهيزه إذا تيقن موته لأنه أصوب له وأحفظ من أن يتغير‏,‏ وتصعب معافاته قال أحمد‏:‏ كرامة الميت تعجيله وفيما روى أبو داود أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنونى به‏,‏ وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله‏)‏ ولا بأس أن ينتظر بها مقدار ما يجتمع لها جماعة لما يؤمل من الدعاء له إذا صلى عليه ما لم يخف عليه أو يشق على الناس نص عليه أحمد وإن اشتبه أمر الميت‏,‏ اعتبر بظهور أمارات الموت من استرخاء رجليه وانفصال كفيه‏,‏ وميل أنفه وامتداد جلدة وجهه وانخساف صدغيه وإن مات فجأة كالمصعوق‏,‏ أو خائفا من حرب أو سبع أو تردي من جبل انتظر به هذه العلامات‏,‏ حتى يتيقن موته قال الحسن في المصعوق‏:‏ ينتظر به ثلاثا قال أحمد - رحمه الله- ‏:‏ إنه ربما تغير في الصيف في اليوم والليلة قيل‏:‏ فكيف تقول‏؟‏ قال‏:‏ يترك بقدر ما يعلم أنه ميت قيل له‏:‏ من غدوة إلى الليل قال‏:‏ نعم‏.‏

فصل‏:‏

ويسارع في قضاء دينه لما روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه‏)‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن وإن تعذر إيفاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه‏,‏ كما فعل أبو قتادة لما أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بجنازة فلم يصل عليها قال أبو قتادة‏:‏ صل عليها يا رسول الله‏,‏ وعلى دينه فصلى عليه رواه البخاري ويستحب المسارعة إلى تفريق وصيته ليعجل له ثوابها بجريانها على الموصى له‏.‏

فصل‏:‏

ويستحب خلع ثياب الميت لئلا يخرج منه شيء يفسد به ويتلوث بها إذا نزعت عنه‏,‏ ويسجى بثوب يستر جميعه قالت عائشة‏:‏ سجي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بثوب حبرة متفق عليه ولا يترك الميت على الأرض لأنه أسرع لفساده ولكن على سرير أو لوح ليكون أحفظ له‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏(‏فإذا أخذ في غسله ستر من سرته إلى ركبتيه‏)‏ وجملته أن المستحب تجريد الميت عند غسله‏,‏ ويستر عورته بمئزر هذا ظاهر قول الخرقي في رواية الأثرم عن أحمد فقال‏:‏ يغطى ما بين سرته وركبتيه وهذا اختيار أبى الخطاب وهو مذهب ابن سيرين ومالك وأبي حنيفة وروى المروذي عن أحمد‏,‏ أنه قال‏:‏ يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من تحت الثوب قال‏:‏ وكان أبو قلابة إذا غسل ميتا جلله بثوب قال القاضي‏:‏ السنة أن يغسل في قميص رقيق ينزل الماء فيه ولا يمنع أن يصل إلى بدنه ويدخل يده في كم القميص‏,‏ فيمرها على بدنه والماء يصب فإن كان القميص ضيقا فتق رأس الدخاريص وأدخل يده منه وهذا مذهب الشافعي لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غسل في قميصه وقال سعد اصنعوا بي كما صنع برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال أحمد غسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قميصه‏,‏ وقد أرادوا خلعه فنودوا أن لا تخلعوه‏,‏ واستروا نبيكم ولنا أن تجريده أمكن لتغسيله وأبلغ في تطهيره‏,‏ والحي يتجرد إذا اغتسل فكذا الميت ولأنه إذا غسل في ثوبه تنجس الثوب بما يخرج‏,‏ وقد لا يطهر بصب الماء عليه فيتنجس الميت به فأما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذاك خاص له ألا ترى أنهم قالوا‏:‏ نجرده كما نجرد موتانا كذلك روت عائشة قال ابن عبد البر‏:‏ روي ذلك عنها من وجه صحيح فالظاهر أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهورا عندهم‏,‏ ولم يكن هذا ليخفى على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل الظاهر أنه كان بأمره لأنهم كانوا ينتهون إلى رأيه ويصدرون عن أمره في الشرعيات واتباع أمره وفعله أولى من اتباع غيره ولأن ما يخشى من تنجيس قميصه بما يخرج منه كان مأمونا في حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه طيب حيا وميتا‏,‏ بخلاف غيره وإنما قال سعد الحدوا لي لحدا وانصبوا على اللبن نصبا‏,‏ كما صنع برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو ثبت أنه أراد الغسل فأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولى بالاتباع وأما ستر ما بين السرة والركبة فلا نعلم فيه خلافا فإن ذلك عورة وستر العورة مأمور به‏,‏ وقد ‏(‏قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعلي‏:‏ لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت‏)‏ قال ابن عبد البر‏:‏ وروي‏:‏ ‏"‏الناظر من الرجال إلى فروج الرجال كالناظر منهم إلى فروج النساء‏,‏ والمتكشف ملعون‏"‏‏.‏

فصل‏:‏

قال أبو داود‏:‏ قلت لأحمد الصبي يستر كما يستر الكبير أعنى الصبي الميت في الغسل قال‏:‏ أي شيء يستر منه وليست عورته بعورة ويغسله النساء‏؟‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏(‏والاستحباب أن لا يغسل تحت السماء‏,‏ ولا يحضره إلا من يعين في أمره ما دام يغسل‏)‏ وجملة ذلك أن المستحب أن يغسل في بيت وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه مظلما وذكره أحمد فإن لم يكن جعل بينه وبين السماء سترا قال ابن المنذر كان النخعي يحب أن يغسل وبينه وبين السماء سترة وروى أبو داود بإسناده قال‏:‏ أوصى الضحاك أخاه سالمًا قال‏:‏ إذا غسلتنى فاجعل حولى سترًا‏,‏ واجعل بيني وبين السماء سترا وذكر القاضي أن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏أتانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن نغسل ابنته فجعلنا بينها وبين السقف سترا‏)‏ قال‏:‏ وإنما استحب ذلك خشية أن يستقبل السماء بعورته‏,‏ وإنما كره أن يحضره من لا يعين في أمره لأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة ويستحب للحاضرين غض أبصارهم عنه إلا من حاجة‏,‏ وسبب ذلك أنه ربما كان بالميت عيب يكتمه ويكره أن يطلع عليه بعد موته وربما حدث منه أمر يكره الحي أن يطلع منه على مثله‏,‏ وربما ظهر فيه شيء هو في الظاهر منكر فيحدث به فيكون فضيحة له وربما بدت عورته فشاهدها‏,‏ ولهذا أحببنا أن يكون الغاسل ثقة أمينا صالحا ليستر ما يطلع عليه وفي الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏ليغسل موتاكم المأمونون‏)‏ رواه ابن ماجه وروى عنه عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏(‏من غسل ميتا ثم لم يفش عليه‏,‏ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏)‏ رواه ابن ماجه أيضا وفي ‏"‏ المسند ‏"‏ عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة‏,‏ ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏ليله أقربكم منه إن كان يعلم فإن كان لا يعلم فمن ترون أن عنده حظا من ورع وأمانة‏)‏ وقال القاضي‏:‏ لوليه أن يدخل كيف شاء وكلام الخرقي عام في المنع‏,‏ ولعله يقتضي التعميم والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏

وينبغي للغاسل ولمن حضر‏,‏ إذا رأى من الميت شيئا مما ذكرناه ومما يحب الميت ستره أن يستره ولا يحدث به لما رويناه‏,‏ ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏من ستر عورة مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة‏)‏ وإن رأى حسنا مثل أمارات الخير من وضاءة الوجه‏,‏ والتبسم ونحو ذلك استحب إظهاره‏,‏ ليكثر الترحم عليه ويحصل الحث على مثل طريقته والتشبه بجميل سيرته قال ابن عقيل‏:‏ وإن كان الميت مغموصا عليه في الدين والسنة‏,‏ مشهورا ببدعته فلا بأس بإظهار الشر عليه لتحذر طريقته وعلى هذا ينبغي أن يكتم ما يرى عليه من أمارات الخير لئلا يغتر مغتر بذلك‏,‏ فيقتدى به في بدعته‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وتلين مفاصله إن سهلت عليه وإلا تركها‏]‏ معنى تليين المفاصل هو أن يرد ذراعيه إلى عضديه وعضديه إلى جنبيه‏,‏ ثم يردهما ويرد ساقيه إلى فخذيه وفخذيه‏,‏ إلى بطنه ثم يردها ليكون ذلك أبقى للينه‏,‏ فيكون ذلك أمكن للغاسل من تكفينه وتمديده‏,‏ وخلع ثيابه وتغسيله قال أصحابنا‏:‏ ويستحب ذلك في موضعين عقيب موته قبل قسوتها ببرودته‏,‏ وإذا أخذ في غسله وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها تركه لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه ويصير به ذلك إلى المثلة‏.‏

مسألة‏:‏

قال ‏[‏ويلف على يده خرقة‏,‏ فينقى ما به من نجاسة ويعصر بطنه عصرا رفيقا‏]‏ وجملته أنه يستحب أن يغسل الميت على سرير يترك عليه متوجها إلى القبلة منحدرا نحو رجليه‏,‏ لينحدر الماء بما يخرج منه ولا يرجع إلى جهة رأسه ويبدأ الغاسل‏,‏ فيحني الميت حنيا رفيقا لا يبلغ به قريبا من الجلوس لأن في الجلوس أذية له‏,‏ ثم يمر يده على بطنه يعصره عصرا رفيقا ليخرج ما معه من نجاسة لئلا يخرج بعد ذلك‏,‏ ويصب عليه الماء حين يمر يده صبا كثيرا ليخفى ما يخرج منه ويذهب به الماء‏,‏ ويستحب أن يكون بقربه مجمر فيه بخور حتى لا يظهر منه ريح وقال أحمد ـ رحمه الله ـ ‏:‏ لا يعصر بطن الميت في المرة الأولى ولكن في الثانية وقال في موضع آخر‏:‏ يعصر بطنه في الثالثة يمسح مسحا رفيقا مرة واحدة وقال أيضا‏:‏ عصر بطن الميت في الثانية أمكن لأن الميت لا يلين حتى يصيبه الماء ويلف الغاسل على يده خرقة خشنة‏,‏ فينجيه بها لئلا يمس عورته لأن النظر إلى العورة حرام فاللمس أولى‏,‏ ويزيل ما على بدنه من نجاسة لأن الحي يبدأ بذلك في اغتساله من الجنابة ويستحب أن لا يمس بقية بدنه إلا بخرقة قال القاضي‏:‏ يعد الغاسل خرقتين يغسل بإحداهما السبيلين وبالأخرى سائر بدنه‏,‏ فإن كان الميت امرأة حاملا لم يعصر بطنها لئلا يؤذي الولد وقد جاء في حديث رواه الخلال‏,‏ بإسناده عن أم سليم قالت‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏إذا توفيت المرأة فأرادوا غسلها فليبدأ ببطنها‏,‏ فليمسح مسحا رفيقا إن لم تكن حبلى فإن كانت حبلى فلا يحركها‏)‏‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويوضئه وضوءه للصلاة ولا يدخل الماء في فيه‏,‏ ولا في أنفه وإن كان فيهما أذى أزاله بخرقة‏]‏ وجملة ذلك أنه إذا أنجاه وأزال عنه النجاسة‏,‏ بدأ بعد ذلك فوضأه وضوء الصلاة فيغسل كفيه ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها ويجعلها على أصبعه‏,‏ فيمسح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما ويكون ذلك في رفق‏,‏ ثم يغسل وجهه ويتم وضوءه لأن الوضوء يبدأ به في غسل الحي‏,‏ وقد قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للنساء اللاتي غسلن ابنته‏:‏ ‏(‏ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها‏)‏ متفق عليه وفي حديث أم سليم‏:‏ ‏(‏فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلا نقيا بماء وسدر فوضئيها وضوء الصلاة‏,‏ ثم اغسليها‏)‏ ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم كذلك قال سعيد بن جبير‏,‏ والنخعي والثوري وأبو حنيفة وقال الشافعي يمضمضه وينشقه كما يفعل الحي ولنا أن إدخال الماء فاه وأنفه لا يؤمن معه وصوله إلى جوفه‏,‏ فيفضي إلى المثلة به ولا يؤمن خروجه في أكفانه‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويصب عليه الماء فيبدأ بميامنه‏,‏ ويقلبه على جنبيه ليعم الماء سائر جسمه‏]‏ وجملة ذلك أنه إذا وضأه بدأ بغسل رأسه ثم لحيته نص عليه أحمد فيضرب السدر فيغسلهما برغوته‏,‏ ويغسل وجهه ويغسل اليد اليمنى من المنكب إلى الكفين وصفحة عنقه اليمنى وشق صدره وجنبيه وفخذه وساقه‏,‏ يغسل الظاهر من ذلك وهو مستلق ثم يصنع ذلك بالجانب الأيسر ثم يرفعه من جانبه الأيمن‏,‏ ولا يكبه لوجهه فيغسل الظهر وما هناك من وركه وفخذه وساقه ثم يعود فيحرفه على جنبه الأيمن‏,‏ ويغسل شقه الأيسر كذلك هكذا ذكره إبراهيم النخعي والقاضي وهو أقرب إلى موافقة قوله عليه السلام ‏(‏ابدأن بميامنها‏)‏ وهو أشبه بغسل الحي‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويكون في كل المياه شيء من السدر ويضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته‏]‏ هذا المنصوص عن أحمد قال صالح‏:‏ قال أبي‏:‏ الميت يغسل بماء وسدر‏,‏ ثلاث غسلات قلت‏:‏ فيبقى عليه‏؟‏ قال‏:‏ أي شيء يكون هو أنقى له وذكر عن عطاء أن ابن جريج قال له‏:‏ إنه يبقى عليه السدر إذا غسل به كل مرة فقال عطاء‏:‏ هو طهور وفي رواية أبي داود عن أحمد‏,‏ قال‏:‏ قلت يعني لأحمد‏:‏ أفلا تصبون ماء قراحا ينظفه‏؟‏ قال‏:‏ إن صبوا فلا بأس واحتج أحمد بحديث أم عطية ‏(‏أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين توفيت ابنته قال‏:‏ اغسلنها ثلاثا أو خمسا‏,‏ أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر‏,‏ واجعلن في الآخرة كافورا‏)‏ متفق عليه وحديث ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏اغسلوه بماء وسدر‏)‏ متفق عليه وفي حديث أم سليم‏:‏ ‏(‏ثم اغسليها بعد ذلك ثلاث مرات بماء وسدر‏)‏ وذهب كثير من أصحابنا المتأخرين إلى أنه لا يترك مع الماء سدرا يغيره‏,‏ ثم اختلفوا فقال ابن حامد‏:‏ يطرح في كل المياه شيء يسير من السدر لا يغيره ليجمع بين العمل بالحديث ويكون الماء باقيا على طهوريته وقال القاضي وأبو الخطاب‏:‏ يغسل أول مرة بالسدر‏,‏ ثم يغسل بعد ذلك بالماء القراح فيكون الجميع غسلة واحدة ويكون الاعتداد بالآخر دون الأول لأن أحمد‏,‏ - رحمه الله- شبه غسله بغسل الجنابة ولأن السدر إن غير الماء سلبه وصف الطهورية‏,‏ وإن لم يغيره فلا فائدة في ترك يسير لا يؤثر وظاهر كلام أحمد الأول ويكون هذا من قوله دالا على أن تغير الماء بالسدر لا يخرجه عن طهوريته قال بعض أصحابنا‏:‏ يتخذ الغاسل ثلاثة أوان آنية كبيرة يجمع فيها الماء الذي يغسل به الميت يكون بالبعد منه وإناءين صغيرين يطرح من أحدهما على الميت والثالث يغرف به من الكبير في الصغير الذي يغسل به الميت‏,‏ ليكون الكبير مصونا فإذا فسد الماء الذي في الصغير وطار فيه من رشاش الماء‏,‏ كان ما بقي في الكبير كافيا ويضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته‏,‏ ويبلغه سائر بدنه كما يفعل الحي إذا اغتسل‏.‏

فصل‏:‏

فإن لم يجد السدر غسله بما يقوم مقامه ويقرب منه‏,‏ كالخطمى ونحوه لأن المقصود يحصل منه وإن غسله بذلك مع وجود السدر جاز لأن الشرع ورد بهذا لمعنى معقول‏,‏ وهو التنظيف فيتعدى إلى كل ما وجد فيه المعنى‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويستعمل في كل أموره الرفق به‏]‏ ويستحب الرفق بالميت في تقليبه وعرك أعضائه‏,‏ وعصر بطنه وتليين مفاصله وسائر أموره‏,‏ احتراما له فإنه مشبه بالحى في حرمته ولا يأمن إن عنف به أن ينفصل منه عضو فيكون مثلة به‏,‏ وقد قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏كسر عظم الميت ككسر عظم الحي‏)‏ وقال ‏(‏إن الله يحب الرفق في الأمر كله‏)‏‏.‏

مسألة‏:‏

قال ‏[‏والماء الحار والأشنان والخلال يستعمل إن احتيج إليه‏]‏ هذه الثلاثة تستعمل عند الحاجة إليها‏,‏ مثل أن يحتاج إلى الماء الحار لشدة البرد أو لوسخ لا يزول إلا به وكذا الأشنان يستعمل إذا كان على الميت وسخ قال أحمد‏:‏ إذا طال ضنى المريض غسل بالأشنان يعنى أنه يكثر وسخه‏,‏ فيحتاج إلى الأشنان ليزيله والخلال‏:‏ يحتاج إليه لإخراج شيء والمستحب أن يكون من شجرة لينة كالصفصاف ونحوه مما ينقى ولا يجرح‏,‏ وإن لف على رأسه قطنا فحسن ويتتبع ما تحت أظفاره حتى ينقيه فإن لم يحتج إلى شيء من ذلك لم يستحب استعماله وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة المسخن أولى بكل حال لأنه ينقى ما لا ينقى البارد ولنا‏,‏ أن البارد يمسكه والمسخن يرخيه ولهذا يطرح الكافور في الماء ليشده ويبرده والإنقاء يحصل بالسدر إذا لم يكثر وسخه‏,‏ فإن كثر ولم يزل إلا بالحار صار مستحبا‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويغسل الثالثة بماء فيه كافور وسدر ولا يكون فيه سدر صحاح‏]‏ الواجب في غسل الميت مرة واحدة لأنه غسل واجب من غير نجاسة أصابته فكان مرة واحدة‏,‏ كغسل الجنابة والحيض ويستحب أن يغسل ثلاثا كل غسلة بالماء والسدر‏,‏ على ما وصفنا ويجعل في الماء كافور في الغسلة الثالثة ليشده ويبرده ويطيبه لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للنساء اللاتى غسلن ابنته‏:‏ ‏(‏اغسلنها بالسدر وترا ثلاثا‏,‏ أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن واجعلن في الغسلة الأخيرة كافورا‏)‏ وفي حديث أم سليم‏:‏ ‏(‏فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها‏,‏ فاجعلى ماء فيه شيء من كافور وشيء من سدر ثم اجعلى ذلك في جرة جديدة‏,‏ ثم أفرغيه عليها وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها‏)‏ ولا يجعل في الماء سدر صحيح لأنه لا فائدة فيه لأن السدر إنما أمر به للتنظيف‏,‏ والمعد للتنظيف إنما هو المطحون ولهذا لا يستعمله المغتسل به من الأحياء إلا كذلك قال أبو داود‏:‏ قلت لأحمد إنهم يأتون بسبع ورقات من سدر فيلقونها في الماء في الغسلة الأخيرة فأنكر ذلك‏,‏ ولم يعجبه وإذا فرغ من الغسلة الثالثة لم يمر يده على بطن الميت لئلا يخرج منه شيء‏,‏ ويقع في أكفانه قال أحمد‏:‏ ويوضأ الميت مرة واحدة في الغسلة الأولى وما سمعنا إلا أنه يوضأ أول مرة وهذا والله أعلم ما لم يخرج منه شيء‏,‏ ومتى خرج منه شيء أعاد وضوءه لأن ذلك ينقض الوضوء من الحي ويوجبه وإن رأى الغاسل أن يزيد على ثلاث‏,‏ لكونه لم ينق بها أو غير ذلك غسله خمسا أو سبعا‏,‏ ولم يقطع إلا على وتر قال أحمد ولا يزاد على سبع والأصل في هذا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا‏)‏ لم يزد على ذلك وجعل جميع ما أمر به وترا وقال أيضا‏:‏ ‏"‏اغسلنها وترا‏"‏ وإن لم ينق بسبع فالأولى غسله حتى ينقى‏,‏ ولا يقطع إلا على وتر لقوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن‏"‏ ولأن الزيادة على الثلاث إنما كانت للإنقاء وللحاجة إليها‏,‏ فكذلك فيما بعد السبع ولم يذكر أصحابنا أنه يزيد على سبع‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏"‏فإن خرج منه شيء غسله إلى خمس فإن زاد فإلى سبع‏"‏ يعنى إن خرجت نجاسة من قبله أو دبره وهو على مغتسله بعد الثلاث‏,‏ غسله إلى خمس فإن خرج بعد الخامسة غسله إلى سبع ويوضئه في الغسلة التي تلى خروج النجاسة قال صالح‏:‏ قال أبي‏:‏ يوضأ الميت مرة واحدة‏,‏ إلا أن يخرج منه شيء فيعاد عليه الوضوء ويغسله إلى سبع وهو قول ابن سيرين‏,‏ وإسحاق واختار أبو الخطاب أنه يغسل موضع النجاسة ويوضأ ولا يجب إعادة غسله وهو قول الثوري‏,‏ ومالك وأبى حنيفة لأن خروج النجاسة من الحي بعد غسله لا يبطله فكذلك الميت وعن الشافعي كالمذهبين ولنا‏,‏ أن القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة ألا ترى أن الموت جرى مجرى زوال العقل في حق الحي وقد أوجب الغسل في حق الحي‏,‏ فكذلك هذا ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك‏,‏ بماء وسدر‏)‏‏.‏

فصل‏:‏

وإن خرجت منه نجاسة من غير السبيلين فقال أحمد فيما روى أبو داود‏:‏ الدم أسهل من الحدث ومعناه أن الدم الذي يخرج من أنفه أسهل من الحدث في أن لا يعاد له الغسل لأن الحدث ينقض الطهارة بالاتفاق ويسوى بين كثيره وقليله ويحتمل أنه أراد أن الغسل لا يعاد من يسيره كما لا ينقض الوضوء‏,‏ بخلاف الخارج من السبيلين‏.‏

فصل‏:‏

والحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل قال ابن المنذر‏:‏ هذا قول من نحفظ عنه من علماء الأمصار وقال الحسن وسعيد بن المسيب‏:‏ ما مات ميت إلا جنب وقيل عن الحسن‏:‏ إنه يغسل الجنب للجنابة والحائض للحيض ثم يغسلان للموت والأول أولى لأنهما خرجا من أحكام التكليف‏,‏ ولم يبق عليهما عبادة واجبة وإنما الغسل للميت تعبد وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من النظافة والنضارة‏,‏ وهذا يحصل بغسل واحد ولأن الغسل الواحد يجزئ من وجد في حقه موجبان له كما لو اجتمع الحيض والجنابة‏.‏

فصل‏:‏

والواجب في غسل الميت النية‏,‏ والتسمية في إحدى الروايتين وغسله مرة واحدة لأنه غسل تعبد عن غير نجاسة أصابته شرط لصحة الصلاة‏,‏ فوجب ذلك فيه كغسل الجنابة وقد شبه أحمد غسله بغسل الجنابة ولما تعذرت النية والتسمية من الميت اعتبرت في الغاسل‏,‏ لأنه المخاطب بالغسل قال عطاء يجزئه غسلة واحدة إن أنقوه وقال أحمد‏:‏ لا يعجبني أن يغسل واحدة لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏اغسلنها ثلاثا أو خمسا‏)‏ وهذا على سبيل الكراهة دون الإجزاء لما ذكرناه ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في المحرم الذي وقصته ناقته‏:‏ ‏(‏اغسلوه بماء وسدر‏)‏ ولم يذكر عددا وقال ابن عقيل‏:‏ يحتمل أن لا تعتبر النية‏,‏ لأن القصد التنظيف فأشبه غسل النجاسة ولا يصح هذا لأنه لو كان كذلك لما وجب غسل متنظف‏,‏ ولجاز غسله بماء الورد وسائر ما يحصل به التنظيف وإنما هو غسل تعبد أشبه غسل الجنابة‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وينشفه بثوب‏,‏ ويجمر أكفانه‏]‏ وجملته أنه إذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بثوب لئلا يبل أكفانه وفي حديث أم سليم‏:‏ ‏(‏فإذا فرغت منها‏,‏ فألقى عليها ثوبا نظيفا‏)‏ وذكر القاضي في حديث ابن عباس في غسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ فجففوه بثوب ومعنى تجمير أكفانه تبخيرها بالعود وهو أن يترك العود على النار في مجمر‏,‏ ثم يبخر به الكفن حتى تعبق رائحته ويطيب ويكون ذلك بعد أن يرش عليه ماء الورد‏,‏ لتعلق الرائحة به وقد روى عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثا‏)‏ وأوصى أبو سعيد وابن عمر وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود وقال أبو هريرة‏:‏ يجمر الميت ولأن هذا عادة الحي عند غسله‏,‏ وتجمير ثيابه أن يجمر بالطيب والعود فكذلك الميت‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويكفن في ثلاثة أثواب بيض‏,‏ يدرج فيها إدراجا ويجعل الحنوط فيما بينها‏]‏ الأفضل عند إمامنا - رحمه الله- أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يزيد عليها ولا ينقص منها قال الترمذي‏:‏ والعمل عليها عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيرهم وهو مذهب الشافعي ويستحب كون الكفن أبيض لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفن في ثلاثة أثواب بيض ولقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏البسوا من ثيابكم البيض‏,‏ فإنه أطهر وأطيب وكفنوا فيه موتاكم‏)‏ رواه النسائي وحكى عن أبى حنيفة أن المستحب أن يكفن في إزار ورداء وقميص لما روى ابن المغفل‏,‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ كفن في قميصه ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألبس عبد الله بن أبى قميصه وكفنه به رواه النسائي ولنا قول عائشة ـ رضي الله عنه ـا‏:‏ ‏(‏كفن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ثلاثة أثواب بيض سحولية‏,‏ ليس فيها قميص ولا عمامة‏)‏ متفق عليه وهو أصح حديث روى في كفن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعائشة أقرب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأعرف بأحواله ولهذا لما ذكر لها قول الناس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفن في برد قالت‏:‏ قد أتى بالبرد‏,‏ ولكنهم لم يكفنوه فيه فحفظت ما أغفله غيرها وقالت أيضا‏:‏ ‏(‏أدرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبى بكر ثم نزعت عنه‏,‏ فرفع عبد الله بن أبى بكر الحلة وقال‏:‏ أكفن فيها ثم قال‏:‏ لم يكفن فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأكفن فيها فتصدق بها‏)‏ رواه مسلم ولأن حال الإحرام أكمل أحوال الحي وهو لا يلبس المخيط وكذلك حالة الموت أشبه بها وأما إلباس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله بن أبى قميصه‏,‏ فإنما فعل ذلك تكرمة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي وإجابة لسؤاله حين سأله ذلك ليتبرك به أبوه ويندفع عنه العذاب ببركة قميص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل‏:‏ إنما فعل ذلك جزاء لعبد الله بن أبى عن كسوته العباس قميصه يوم بدر والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏

والمستحب أن يؤخذ أحسن اللفائف وأوسعها‏,‏ فيبسط أولا ليكون الظاهر للناس أحسنها فإن هذا عادة الحي يجعل الظاهر أفخر ثيابه‏,‏ ويجعل عليها حنوطا ثم يبسط الثانية التي تليها في الحسن والسعة عليها ويجعل فوقها حنوطا وكافورا‏,‏ ثم يبسط فوقهما الثالثة ويجعل فوقها حنوطا وكافورا ولا يجعل على وجه العليا‏,‏ ولا على النعش شيء من الحنوط لأن الصديق ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ لا تجعلوا على أكفانى حنوطا ثم يحمل الميت مستورا بثوب فيوضع فيها مستلقيا لأنه أمكن لإدراجه فيها ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه ويجعل من الطيب على وجهه ومواضع سجوده ومغابنه لأن الحي يتطيب هكذا‏,‏ ويجعل بقية الحنوط والكافور في قطن ويجعل منه بين أليتيه برفق ويكثر ذلك ليرد شيئا إن خرج منه حين تحريكه‏,‏ ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبان وهو السراويل بلا أكمام ويجعل الباقي على منافذ وجهه‏,‏ في فيه ومنخريه وعينيه لئلا يحدث منهن حادث وكذلك في الجراح النافذة‏,‏ ويترك على مواضع السجود منه لأنها أعضاء شريفة ثم يثنى طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر‏,‏ وإنما استحب ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك ثم يجمع ما فضل عند رأسه ورجليه‏,‏ فيرد على وجهه ورجليه وإن خاف انتشارها عقدها وإذا وضع في القبر حلها‏,‏ ولم يخرق الكفن‏.‏

فصل‏:‏

وتكره الزيادة على ثلاثة أثواب في الكفن لما فيه من إضاعة المال وقد نهى عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويحرم ترك شيء مع الميت من ماله لغير حاجة لما ذكرنا إلا مثل ما روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه ترك تحته قطيفة في قبره‏,‏ فإن ترك نحو ذلك فلا بأس‏.‏

مسألة‏:‏

قال ‏[‏وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جعل المئزر مما يلي جلده ولم يزر عليه القميص‏]‏ التكفين في القميص والمئزر واللفافة غير مكروه وإنما الأفضل الأول‏,‏ وهذا جائز لا كراهة فيه فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألبس عبد الله بن أبى قميصه لما مات رواه البخاري فيؤزر بالمئزر ويلبس القميص ثم يلف باللفافة بعد ذلك وقال أحمد‏:‏ إن جعلوه قميصا فأحب إلى أن يكون مثل قميص الحي‏,‏ له كمان ودخاريص وأزرار ولا يزر عليه القميص‏.‏

فصل‏:‏

قال أبو داود‏:‏ قلت لأحمد‏:‏ يتخذ الرجل كفنه يصلى فيه أياما أو قلت‏:‏ يحرم فيه‏,‏ ثم يغسله ويضعه لكفنه‏؟‏ فرآه حسنا قال‏:‏ يعجبني أن يكون جديدا أو غسيلا وكره أن يلبسه حتى لا يدنسه‏.‏

فصل‏:‏

ويجوز التكفين في ثوبين لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المحرم الذي وقصته دابته‏:‏ ‏(‏اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين‏)‏ رواه البخاري وكان سويد بن غفلة يقول‏:‏ يكفن في ثوبين وقال الأوزاعي‏:‏ يجزئ ثوبان وأقل ما يجزئ ثوب واحد يستر جميعه ‏(‏قالت أم عطية‏:‏ لما فرغنا يعنى من غسل بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألقى إلينا حقوه‏,‏ فقال‏:‏ أشعرنها إياه ولم يزد على ذلك‏)‏ رواه البخاري وقال‏:‏ معنى أشعرنها إياه الففنها فيه قال ابن عقيل‏:‏ العورة المغلظة يسترها ثوب واحد فجسد الميت أولى وقال القاضي‏:‏ لا يجزئ أقل من ثلاثة أثواب لمن يقدر عليها ويروى مثل ذلك عن عائشة واحتج بأنه لو جاز أقل منها لم يجز التكفين بها في حق من له أيتام‏,‏ احتياطا لهم والصحيح الأول وما ذكره القاضي لا يصح فإنه يجوز التكفين بالحسن مع حصول الإجزاء بما دونه‏.‏

فصل‏:‏

قال أحمد‏:‏ يكفن الصبي في خرقة وإن كفن في ثلاثة فلا بأس وكذلك قال إسحاق ونحوه قال سعيد بن المسيب‏,‏ والثوري وأصحاب الرأي وغيرهم لا خلاف بينهم في أن ثوبا يجزئه‏,‏ وإن كفن في ثلاثة فلا بأس لأنه ذكر فأشبه الرجل‏.‏

فصل‏:‏

فإن لم يجد الرجل ثوبا يستر جميعه ستر رأسه‏,‏ وجعل على رجليه حشيشا أو ورقا كما روي عن خباب ‏(‏أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه‏,‏ إلا نمرة فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نغطي رأسه‏,‏ ونجعل على رجليه من الإذخر‏)‏ رواه البخاري فإن لم يجد إلا ما يستر العورة سترها لأنها أهم في الستر بدليل حالة الحياة فإن كثر القتلى وقلت الأكفان‏,‏ كفن الرجلان والثلاثة في الثوب الواحد كما صنع بقتلى أحد قال أنس‏:‏ كثرت قتلى أحد وقلت الثياب قال‏:‏ فكفن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد‏,‏ ثم يدفنون في قبر واحد قال الترمذي‏:‏ حديث أنس حديث حسن غريب‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإن خرج منه شيء يسير بعد وضعه في أكفانه لم يعد إلى الغسل وحمل‏]‏ لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا والوجه في ذلك أن إعادة الغسل فيها مشقة شديدة لأنه يحتاج إلى إخراجه‏,‏ وإعادة غسله وغسل أكفانه وتجفيفها أو إبدالها ثم لا يؤمن مثل هذا في المرة الثانية والثالثة‏,‏ فسقط لذلك ولا يحتاج أيضا إلى إعادة وضوئه ولا غسل موضع النجاسة‏,‏ دفعا لهذه المشقة ويحمل بحاله ويروى عن الشعبي أن ابنة له لما لفت في أكفانها بدا منها شيء فقال الشعبي‏:‏ ارفعوا فأما إن كان الخارج كثيرا فاحشا فمفهوم كلام الخرقي ها هنا أنه يعاد غسله إن كان قبل تمام السبعة لأن الكثير يتفاحش‏,‏ ويؤمن مثله في المرة الثانية لتحفظهم بالشد والتلجم ونحوه ورواه إسحاق بن منصور عن أحمد قال الخلال‏:‏ وخالفه أصحاب أبى عبد الله‏,‏ كلهم رووا عنه‏:‏ لا يعاد إلى الغسل بحال قال‏:‏ والعمل على ما اتفق عليه لما ذكرنا من المشقة فيه ويحتمل أن تحمل الروايتان على حالتين فالموضع الذي قال لا يعاد غسله إذا كان يسيرا ويخفى على المشيعين والموضع الذي أمر بإعادته إذا كان يظهر لهم ويفحش‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإن أحب أهله أن يروه لم يمنعوا‏]‏ وذلك لما روي عن ‏(‏جابر قال‏:‏ لما قتل أبى جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي‏,‏ والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا ينهاني‏)‏ وقالت عائشة‏:‏ ‏(‏رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل‏)‏ وقالت‏:‏ أقبل أبو بكر فتيمم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله‏,‏ ثم بكى فقال‏:‏ بأبى أنت يا نبي الله لا يجمع الله عليك موتتين وهذه أحاديث صحاح‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏والمرأة تكفن في خمسة أثواب‏:‏ قميص ومئزر‏,‏ ولفافة ومقنعة وخامسة تشد بها فخذاها‏]‏ قال ابن المنذر‏:‏ أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب‏,‏ وإنما استحب ذلك لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر لزيادة عورتها على عورته فكذلك بعد الموت ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها‏,‏ وهو أكمل أحوال الحياة استحب إلباسها إياه بعد موتها والرجل بخلاف ذلك‏,‏ فافترقا في اللبس بعد الموت لافتراقهما فيه في الحياة واستويا في الغسل بعد الموت لاستوائهما فيه في الحياة وقد روى أبو داود‏,‏ بإسناده عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت‏:‏ كنت في من غسل أم كلثوم بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند وفاتها فكان أول ما أعطانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحقو‏,‏ ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة‏,‏ ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر قالت‏:‏ ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند الباب معه كفنها يناولناها ثوبا ثوبا إلا أن الخرقي إنما ذكر لفافة واحدة فعلى هذا تشد الخرقة على فخذيها أولا‏,‏ ثم تؤزر بالمئزر ثم يلبس القميص ثم تخمر بالمقنعة‏,‏ ثم تلف بلفافة واحدة وقد أشار إليه أحمد فقال‏:‏ تخمر ويترك قدر ذراع‏,‏ يسدل على وجهها ويسدل على فخذيها الحقو وسئل عن الحقو‏؟‏ فقال‏:‏ هو الإزار قيل‏:‏ الخامسة قال‏:‏ خرقة تشد على فخذيها قيل له‏:‏ قميص المرأة‏؟‏ قال‏:‏ يخيط قيل‏:‏ يكف ويزر‏؟‏ قال‏:‏ يكف ولا يزر عليها والذي عليه أكثر أصحابنا وغيرهم أن الأثواب الخمسة إزار‏,‏ ودرع وخمار ولفافتان‏,‏ وهو الصحيح لحديث ليلى الذي ذكرناه ولما روت أم عطية‏,‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ناولها إزارا ودرعا وخمارا‏,‏ وثوبين‏.‏

فصل‏:‏

قال المروذي‏:‏ سألت أبا عبد الله‏:‏ في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ‏؟‏ قال‏:‏ في لفافتين وقميص لا خمار فيه وكفن ابن سيرين بنتا له قد أعصرت في قميص ولفافتين وروي في بقير ولفافتين قال أحمد‏:‏ البقير القميص الذي ليس له كمان ولأن غير البالغ لا يلزمها ستر رأسها في الصلاة واختلفت الرواية عن أحمد في الحد الذي تصير به في حكم المرأة في الكفن‏,‏ فروي عنه‏:‏ إذا بلغت وهو ظاهر كلامه في رواية المروذي لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار‏)‏ مفهومه أن غيرها لا تحتاج إلى خمار في صلاتها فكذلك في كفنها ولأن ابن سيرين كفن ابنته‏,‏ وقد أعصرت أي قاربت المحيض بغير خمار وروى عن أحمد أكثر أصحابه‏:‏ إذا كانت بنت تسع يصنع بها ما يصنع بالمرأة واحتج بحديث عائشة ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل بها وهي بنت تسع سنين‏)‏ وروي عنها أنها قالت‏:‏ إذا بلغت الجارية تسعا فهي امرأة‏.‏

فصل‏:‏

قال أحمد لا يعجبني أن تكفن في شيء من الحرير وكره ذلك الحسن وابن المبارك وإسحاق قال ابن المنذر‏:‏ ولا أحفظ من غيرهم خلافهم وفي جواز تكفين المرأة بالحرير احتمالان لأن أقيسهما الجواز‏,‏ لأنه من لباسها في حياتها لكن كرهناه لها لأنها خرجت عن كونها محلا للزينة والشهوة‏,‏ وكذلك يكره تكفينها بالمعصفر ونحوه لذلك قال الأوزاعي‏:‏ لا يكفن الميت في الثياب المصبغة إلا ما كان من العصب‏,‏ يعنى ما صنع بالعصب وهو نبت ينبت باليمن‏.‏