فصل: فصل: وجود اللقطة في دار الحرب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

قال أحمد‏,‏ في من عنده رهون قد أتى عليها زمان لا يعرف صاحبها‏:‏ يبيعها ويتصدق بثمنها‏,‏ فإن جاء صاحبها غرمها له وهذا محمول على من استوفى ديونه التي رهن الرهن بها فأما من لم يستوف دينه فإن كان قد أذن له في بيعها‏,‏ باعها واستوفى دينه من ثمنها وتصدق بالباقي‏,‏ وإن لم يكن أذن له في بيعها رفعها إلى الحاكم ليبيعها ويقبضه حقه من ثمنها‏,‏ ويتصدق بباقيه‏.‏

فصل‏:‏

نقل الفضل بن زياد عن أحمد إذا تنازع صاحب الدار والساكن في دفن في الدار‏,‏ فقال كل واحد منهما‏:‏ أنا دفنته بين كل واحد منهما ما الذي دفن فكل من أصاب الوصف فهو له وذلك لأن ما يوجد في الأرض من الدفن مما عليه علامة المسلمين‏,‏ فهو لقطة واللقطة تستحق بوصفها ولأن المصيب للوصف في الظاهر هو من كان ذلك في يده‏,‏ فكان أحق به كما لو تنازعه أجنبيان فوصفه أحدهما‏.‏

فصل‏:‏

ومن وجد لقطة في دار الحرب‏,‏ فإن كان في الجيش فقال أحمد‏:‏ يعرفها سنة في دار الإسلام ثم يطرحها في المقسم إنما عرفها في دار الإسلام لأن أموال أهل الحرب مباحة‏,‏ ويجوز أن تكون لمسلم ولأنه قد لا يمكنه المقام في دار الحرب لتعريفها ومعناه ـ والله أعلم ـ يتمم التعريف في دار الإسلام فأما ابتداء التعريف فيكون في الجيش الذي هو فيه لأنه يحتمل أن تكون لأحدهم‏,‏ فإذا قفل أتم التعريف في دار الإسلام فأما إن كان دخل دارهم بأمان فينبغي أن يعرفها في دارهم لأن أموالهم محرمة عليه فإذا لم تعرف‏,‏ ملكها كما يملكها في دار الإسلام وإن كان في الجيش طرحها في المقسم بعد التعريف لأنه وصل إليها بقوة الجيش فأشبهت مباحات دار الحرب إذا أخذ منها شيئا وإن دخل إليهم متلصصا‏,‏ فوجد لقطة عرفها في دار الإسلام لأن أموالهم مباحة له ثم يكون حكمها حكم غنيمته ويحتمل أن تكون غنيمة له‏,‏ لا تحتاج إلى تعريف لأن الظاهر أنها من أموالهم وأموالهم غنيمة‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإن كان الملتقط قد مات فصاحبها غريم بها‏]‏

وجملة ذلك أن الملتقط إذا مات‏,‏ واللقطة موجودة بعينها قام وارثه مقامه في إتمام تعريفها إن مات قبل الحول ويملكها بعد إتمام التعريف‏,‏ فإن مات بعد الحول ورثها الوارث كسائر أموال الميت‏,‏ ومتى جاء صاحبها أخذها من الوارث كما يأخذها من الموروث‏,‏ فإن كانت معدومة العين فصاحبها غريم للميت بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال أو بقيمتها إن لم تكن كذلك‏,‏ فيأخذ ذلك من تركته إن اتسعت لذلك وإن ضاقت التركة زاحم الغرماء ببدلها سواء تلفت بعد الحلول بفعله أو بغير فعله لأنها قد دخلت في ملكه بمضي الحول وإن علم أنها تلفت قبل الحول بغير تفريطه‏,‏ فلا ضمان عليه ولا شيء لصاحبها لأنها أمانة في يده تلفت بغير تفريطه فلم يضمنها‏,‏ كالوديعة وكذلك إن تلفت بعد الحول قبل تملكها من غير تفريط على رأي من رأى أنها لا تدخل في ملكه حتى يتملكها وقد مضي الكلام في ذلك فأما إن لم يعلم تلفها‏,‏ ولم يجدها في تركته فظاهر كلام الخرقي أن صاحبها غريم بها سواء كان قبل الحول أو بعده لأن الأصل بقاؤها ويحتمل أن لا يلزم الملتقط شيء‏,‏ ويسقط حق صاحبها لأن الأصل براءة ذمة الملتقط منها ويحتمل أن تكون قد تلفت بغير تفريطه فلا تشغل ذمته بالشك ويحتمل أنه إن كان الموت قبل الحول فلا شيء عليه لأنها كانت أمانة عنده‏,‏ ولم تعلم جنايته فيها والأصل براءة ذمته منها وإن مات بعد الحول فهي في تركته لأن الأصل بقاؤها إلى ما بعد الحول‏,‏ ودخولها في ملكه ووجوب بدلها عليه فإن قيل‏:‏ فقد قلتم إن صاحبها لو جاء بعد بيع الملتقط لها أو هبته‏,‏ لم يكن له إلا بدلها فلم قلتم إنها إذا انتقلت إلى الوارث يملك صاحبها أخذها‏؟‏ قلنا‏:‏ لأن الوارث خليفة الموروث وإنما يثبت له الملك فيها على الوجه الذي كان ثابتا لموروثه‏,‏ وملك موروثه فيها كان مراعاة مشروطا بعدم مجيء صاحبها فكذلك ملك وارثه بخلاف ملك المشتري والمتهب‏,‏ فإنهما يملكان ملكا مستقرا‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإن كان صاحبها جعل لمن وجدها شيئا معلوما فله أخذه إن كان التقطها بعد أن بلغه الجعل‏]‏

وجملة ذلك أن الجعالة في رد الضالة والآبق وغيرهما جائزة وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا والأصل في ذلك قول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 72‏]‏‏.‏

وروى أبو سعيد ‏(‏أن ناسا من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتوا حيا من أحياء العرب‏,‏ فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا‏:‏ هل فيكم راق‏؟‏ فقالوا‏:‏ لم تقرونا‏,‏ فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا فجعلوا لهم قطيع شياه فجعل رجل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل‏,‏ فبرأ الرجل فأتوهم بالشاء فقالوا‏:‏ لا نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسألوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ وما أدراك أنها رقية‏؟‏ خذوها‏,‏ واضربوا لي معكم بسهم‏)‏ رواه البخاري ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإن العمل قد يكون مجهولا كرد الآبق والضالة ونحو ذلك‏,‏ ولا تنعقد الإجارة فيه والحاجة داعية إلى ردهما وقد لا يجد من يتبرع به‏,‏ فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه مع جهالة العمل لأنها غير لازمة بخلاف الإجارة‏,‏ ألا ترى أن الإجارة لما كانت لازمة افتقرت إلى تقدير مدة والعقود الجائزة كالشركة والوكالة لا يجب تقدير مدتها‏,‏ ولأن الجائزة لكل واحد منهما تركها فلا يؤدي إلى أن يلزمه مجهول عنده بخلاف اللازمة إذا ثبت هذا‏,‏ فإذا قال‏:‏ من رد على ضالتي أو عبدي الآبق أو خاط لي هذا القميص أو بنى لي هذا الحائط‏,‏ فله كذا وكذا صح وكان عقدا جائزا لكل واحد منهما الرجوع فيه قبل حصول العمل لكن إن رجع الجاعل قبل التلبس بالعمل‏,‏ فلا شيء عليه وإن رجع بعد التلبس به فعليه للعامل أجرة مثله لأنه إنما عمل بعوض‏,‏ فلم يسلم له وإن فسخ العامل قبل إتمام العمل فلا شيء له لأنه أسقط حق نفسه حيث لم يأت بما شرط عليه العوض‏,‏ ويصير كعامل المضاربة إذا فسخ قبل ظهور الربح ولا بد أن يكون العوض معلوما والفرق بينه وبين العمل من وجهين أحدهما أن الحاجة تدعو إلى كون العمل مجهولا بأن لا يعلم موضع الضالة والآبق ولا حاجة تدعو إلى جهالة العوض والثاني أن العمل لا يصير لازما‏,‏ فلم يجب كونه معلوما والعوض يصير لازما بإتمام العمل فوجب كونه معلوما ويحتمل أن تجوز الجعالة مع جهالة العوض إذا كانت الجهالة لا تمنع التسليم‏,‏ نحو أن يقول‏:‏ من رد عبدي الآبق فله نصفه ومن رد ضالتي فله ثلثها فإن أحمد قال‏:‏ إذا قال الأمير في الغزو‏:‏ من جاء بعشرة رءوس فله رأس جاز وقالوا‏:‏ إذا جعل جعلا لمن يدله على قلعة أو طريق سهل‏,‏ وكان الجعل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولا كجارية يعينها العامل فيخرج ها هنا مثله فأما إن كانت الجهالة تمنع التسليم‏,‏ لم تصح الجعالة وجها واحدا وإن كان العمل معلوما مثل أن يقول‏:‏ من رد عبدي من البصرة‏,‏ أو بنى لي هذا الحائط أو خاط قميصي هذا فله كذا صح لأنه إذا صح مع الجهالة فمع العلم أولى وإن علقه بمدة معلومة‏,‏ فقال‏:‏ من رد لي عبدي من العراق في شهر فله دينار أو من خاط قميصي هذا في اليوم فله درهم صح لأن المدة إذا جازت مجهولة‏,‏ فمع التقدير أولى فإن قيل‏:‏ الصحيح من المذهب أن مثل هذا لا يجوز في الإجارة فكيف أجزتموه في الجعالة‏؟‏ قلنا‏:‏ الفرق بينهما من وجوه أحدها أن الجعالة يحتمل فيها الغرر‏,‏ وتجوز مع جهالة العمل والمدة بخلاف الإجارة الثاني أن الجعالة عقد جائز فلا يلزمه بالدخول فيها مع الغرر ضرر‏,‏ بخلاف الإجارة فإنها عقد لازم فإذا دخل فيها مع الغرر‏,‏ لزمه ذلك الثالث أن الإجارة إذا قدرت بمدة لزمه العمل في جميعها ولا يلزمه العمل بعدها‏,‏ فإذا جمع بين تقدير المدة والعمل فربما عمله قبل المدة فإن قلنا‏:‏ يلزمه العمل في بقية المدة فقد لزمه من العمل أكثر من المعقود عليه‏,‏ وإن قلنا‏:‏ لا يلزمه فقد خلا بعض المدة من العمل إن انقضت المدة قبل عمله فألزمناه إتمام العمل‏,‏ فقد لزمه العمل في غير المدة المعقود عليها وإن قلنا‏:‏ لا يلزمه العمل فما أتى بالمعقود عليه من العمل بخلاف مسألتنا‏,‏ فإن العمل الذي يستحق به الجعل هو عمل مقيد بمدة إن أتى به فيها استحق الجعل ولا يلزمه شيء آخر‏,‏ وإن لم يف به فيها فلا شيء له إذا ثبت هذا فإنما يستحق الجعل من عمل العمل بعد أن بلغه ذلك‏,‏ لأنه عوض يستحق بعمل فلا يستحقه من لم يعمل كالأجر في الإجارة‏.‏

فصل‏:‏

ويجوز أن يجعل الجعل في الجعالة لواحد بعينه‏,‏ فيقول له‏:‏ إن رددت عبدي فلك دينار فلا يستحق الجعل من يرده سواه ويجوز أن يجعله لغير معين فيقول‏:‏ من رد عبدي فله دينار فمن رده استحق الجعل ويجوز أن يجعل لواحد في رده شيئا معلوما ولآخر أكثر منه أو أقل ويجوز أن يجعل للمعين عوضا‏,‏ ولسائر الناس عوضا آخر لأنه يجوز أن يكون الأجر في الإجارة مختلفا مع التساوي في العمل فهاهنا أولى فإن قال‏:‏ من رد لقطتي فله دينار فردها ثلاثة فلهم الدينار بينهم أثلاثا لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العوض‏,‏ فاشتركوا في العوض كالأجر في الإجارة فإن قيل‏:‏ أليس لو قال‏:‏ من دخل هذا النقب فله دينار فدخله جماعة استحق كل واحد منهم دينارا كاملا‏,‏ فلم لا يكون ها هنا كذلك‏؟‏ قلنا‏:‏ لأن كل واحد من الداخلين دخل دخولا كاملا كدخول المنفرد فاستحق العوض كاملا‏,‏ وها هنا لم يرده واحد منهم كاملا إنما اشتركوا فيه فاشتركوا في عوضه فنظير مسألة الدخول ما لو قال‏:‏ من رد عبدا من عبيدي فله دينار فرد كل واحد منهم عبدا ونظير مسألة الرد ما لو قال‏:‏ من نقب السور فله دينار فنقب ثلاثة نقبا واحدا فإن جعل لواحد في ردها دينارا‏,‏ ولآخر دينارين ولثالث ثلاثة فرده الثلاثة فلكل واحد منهم ثلث ما جعل له لأنه عمل ثلث العمل‏,‏ فاستحق ثلث المسمى فإن جعل لواحد دينارا ولآخرين عوضا مجهولا فردوه معا‏,‏ فلصاحب الدينار ثلاثة وللآخرين أجر عملهما وإن جعل لواحد شيئا في ردها فردها هو وآخران معه‏,‏ وقالا‏:‏ رددنا معاونة له استحق جميع الجعل ولا شيء لهما وإن قالا‏:‏ رددناه لنأخذ العوض لأنفسنا فلا شيء لهما‏,‏ وله ثلث الجعل لأنه عمل ثلث العمل فاستحق ثلث الجعل ولم يستحق الآخران شيئا لأنهما عملا من غير جعل وهذا كله مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا‏.‏

فصل‏:‏

وإن قال‏:‏ من رد عبدي من بلد كذا فله دينار فرده إنسان من نصف طريق ذلك البلد‏,‏ استحق نصف الجعل لأنه عمل نصف العمل وكذلك لو قال‏:‏ من رد عبدي فله دينار فرد أحدهما فله نصف الدينار لأنه رد نصف العبدين وإن رد العبد من غير البلد المسمى‏,‏ فلا شيء له لأنه لم يجعل في رده منه شيئا فأشبه ما لو جعل في رد أحد عبديه شيئا فرد الآخر ولو قال‏:‏ من رد عبدي فله دينار فرده إنسان إلى نصف الطريق فهرب منه‏,‏ لم يستحق شيئا لأنه شرط الجعل برده ولم يرده وكذلك لو مات كما لو استأجره لخياطة ثوب فخاطه‏,‏ ولم يسلمه حتى تلف لم يستحق أجرة فإن قيل‏:‏ فإن كان الجاعل قال‏:‏ من وجد لقطتي فله دينار فقد وجد الوجدان‏؟‏ قلنا‏:‏ قرينة الحال تدل على اشتراط الرد والمقصود هو الرد لا الوجدان المجرد‏,‏ وإنما اكتفى بذكر الوجدان لأنه سبب الرد فصار كأنه قال‏:‏ من وجد لقطتي فردها على‏.‏

فصل‏:‏

والجعالة تساوي الإجارة في اعتبار العلم بالعوض وما كان عوضا في الإجارة جاز أن يكون عوضا في الجعالة‏,‏ وما لا فلا وفي أن ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة من الأعمال جاز أخذه عليه في الجعالة‏,‏ وما لا يجوز أخذ الأجرة عليه في الإجارة مثل الغناء والزمر وسائر المحرمات لا يجوز أخذ الجعل عليه‏,‏ وما يختص فاعله أن يكون من أهل القربة مما لا يتعدى نفعه فاعله كالصلاة والصيام‏,‏ لا يجوز أخذ الجعل عليه فإن كان مما يتعدى نفعه كالأذان والإقامة والحج‏,‏ ففيه وجهان كالروايتين في الإجارة ويفارق الإجارة في أنه عقد جائز وهي لازمة‏,‏ وأنه لا يعتبر العلم بالمدة ولا بمقدار العمل ولا يعتبر وقوع العقد مع واحد معين فعلى هذا متى شرط عوضا مجهولا‏,‏ كقوله‏:‏ إن رددت عبدي فلك ثوب أو فلك سلبه أو شرط عوضا محرما كالخمر والحر‏,‏ أو غير مقدور عليه كقوله‏:‏ من رد عبدي فله ثلثه أو من رد عبدي فله أحدهما فرده إنسان استحق أجر المثل لأنه عمل عملا بعوض لم يسلم له‏,‏ فاستحق أجره كما في الإجارة‏.‏

فصل‏:‏

ومن رد لقطة أو ضالة أو عمل لغيره عملا غير رد الآبق‏,‏ بغير جعل لم يستحق عوضا لا نعلم في هذا خلافا لأنه عمل يستحق به العوض مع المعاوضة فلا يستحق مع عدمها‏,‏ كالعمل في الإجارة فإن اختلفا في الجعل فقال‏:‏ جعلت لي في رد لقطتي كذا فأنكر المالك فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل معه وإن اتفقا على العوض‏,‏ واختلفا في قدره فالقول قول المالك لأن الأصل عدم الزائد المختلف فيه ولأن القول قوله في أصل العوض‏,‏ فكذلك في قدره كرب المال في المضاربة ويحتمل أن يتحالفا كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن‏,‏ والأجير والمستأجر إذا اختلفا في قدر الأجر فعلى هذا إن تحالفا فسخ العقد ووجب أجر المثل وكذلك الحكم إن اختلفا في المسافة فقال‏:‏ جعلت لك الجعل على ردها من حلب فقال‏:‏ بل على ردها من حمص وإن اختلفا في عين العبد الذي جعل الجعل في رده‏,‏ فقال‏:‏ رددت العبد الذي شرطت لي الجعل فيه قال‏:‏ بل شرطت لك الجعل في العبد الذي لم ترده فالقول قول المالك لأنه أعلم بشرطه ولأنه ادعى عليه شرطا في هذا العقد فأنكره والأصل عدم الشرط‏.‏

فصل‏:‏

أما رد العبد الآبق‏,‏ فإنه يستحق الجعل برده وإن لم يشرط له روي هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وبه قال شريح‏,‏ وعمر بن عبد العزيز ومالك وأصحاب الرأي وقد روي عن أحمد أنه لم يكن يوجب ذلك قال ابن منصور‏:‏ سئل أحمد عن جعل الآبق‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدري‏,‏ قد تكلم الناس فيه لم يكن عنده فيه حديث صحيح فظاهر هذا أنه لا جعل له فيه وهو ظاهر قول الخرقي فإنه قال‏:‏ ‏"‏ وإذا أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه ‏"‏ ولم يذكر جعلا وهذا قول النخعي والشافعي‏,‏ وابن المنذر لأنه عمل لغيره عملا من غير أن يشرط له عوضا فلم يستحق شيئا كما لو رد جمله الشارد ووجه الرواية الأولى‏,‏ ما روى عمرو بن دينار وابن أبي مليكة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جعل في جعل الآبق‏,‏ إذا جاء به خارجا من الحرم دينارا وأيضا فإنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم في زمنهم مخالفا‏,‏ فكان إجماعا ولأن في شرط الجعل في ردهم حثا على رد الإباق وصيانة لهم عن الرجوع إلى دار الحرب وردتهم عن دينهم‏,‏ وتقوية أهل الحرب بهم فينبغي أن يكون مشروعا لهذه المصلحة وبهذا فارق رد الشارد فإنه لا يفضي إلى ذلك والرواية الأخرى أقرب إلى المصلحة لأن الأصل عدم الوجوب‏,‏ والخبر المروي في هذا مرسل وفيه مقال ولم يثبت الإجماع فيه ولا القياس‏,‏ فإنه لم يثبت اعتبار الشرع لهذه المصلحة المذكورة فيه ولا تحققت أيضا فإنه ليس الظاهر هربهم إلى دار الحرب إلا في المجلوب منها‏,‏ إذا كانت قريبة وهذا بعيد فيهم فأما على الرواية الأولى فقد اختلفت الرواية في قدر الجعل‏,‏ فروي عن أحمد أنه عشرة دراهم أو دينار إن رده من المصر‏,‏ وإن رده من خارجه ففيه روايتان إحداهما يلزمه دينار أو اثنا عشر درهما‏,‏ للخبر المروي فيه ولأن ذلك يروى عن عمر وعلي رضي الله عنهما والثانية له أربعون درهما إن رده من خارج المصر اختارها الخلال‏,‏ وهو قول ابن مسعود وشريح فروى أبو عمرو الشيباني قال‏:‏ قلت لعبد الله بن مسعود‏:‏ إني أصبت عبيدا إباقا فقال‏:‏ لك أجر وغنيمة فقلت‏:‏ هذا الأجر فما الغنيمة‏؟‏ قال‏:‏ من كل رأس أربعين درهما وقال أبو إسحاق‏:‏ أعطيت الجعل في زمن معاوية أربعين درهما وهذا يدل على أنه مستفيض في العصر الأول قال الخلال‏:‏ حديث ابن مسعود أصح إسنادا وروي عن عمر بن عبد العزيز‏,‏ أنه قال‏:‏ إذا وجده على مسيرة ثلاث فله ثلاثة دنانير وقال أبو حنيفة‏:‏ إن رده من مسيرة ثلاثة أيام فله أربعون درهما‏,‏ وإن كان من دون ذلك يرضخ له على قدر المكان الذي تعنى إليه ولا فرق عند إمامنا بين أن يزيد الجعل على قيمة العبد أو لا يزيد وبهذا قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة‏:‏ إن كان قليل القيمة نقص الجعل من قيمته درهما لئلا يفوت عليه العبد جميعه ولنا عموم الدليل‏,‏ ولأنه جعل يستحق في رد الآبق فاستحقه وإن زاد على قيمته كما لو جعله له صاحبه‏,‏ ويستحقه إن مات سيده في تركته وبهذا قال أبو حنيفة وقال أبو يوسف‏:‏ إن كان الذي رده من ورثة المولى سقط الجعل ولنا أن هذا عوض عن عمله فلا يسقط بالموت‏,‏ كالأجر في الإجارة وكما لو كان من غير ورثة المولى إذا ثبت هذا فلا فرق بين كون من رده معروفا برد الإباق أو لم يكن وبهذا قال أصحاب الرأي وقال مالك‏:‏ إن كان معروفا بذلك‏,‏ استحق الجعل وإلا فلا ولنا الخبر والأثر المذكور من غير تفريق‏,‏ ولأنه رد آبقا فاستحق الجعل كالمعروف بردهم‏.‏