فصل: فصل: لا تصح هبة الحمل في البطن واللبن في الضرع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

ومتى قلنا‏:‏ إن القبض شرط في الهبة لم تصح الهبة فيما لا يمكن تسليمه كالعبد الآبق والجمل الشارد والمغصوب لغير غاصبه ممن لا يقدر على أخذه من غاصبه وبهذا يقول أبو حنيفة‏,‏ والشافعي لأنه عقد يفتقر إلى القبض فلم يصح في ذلك كالبيع وإن وهب المغصوب لغاصبه‏,‏ أو لم يتمكن من أخذه منه صح لأنه ممكن قبضه وليس لغير الغاصب القبض إلا بإذن الواهب فإن وكل المالك الغاصب في تقبيضه صح وإن وكل المتهب الغاصب في القبض له‏,‏ فقبل ومضى زمن يمكن قبضه فيه صار مقبوضًا‏,‏ وملكه المتهب وبرئ الغاصب من ضمانه وإن قلنا‏:‏ القبض ليس بشرط في الهبة فما لا يعتبر فيه القبض من ذلك احتمل أن لا يعتبر في صحة هبته القدرة على التسليم وهو قول أبي ثور لأنه تمليك بغير عوض أشبه الوصية ويحتمل أن لا تصح هبته لأنه لا يصح بيعه‏,‏ فلم تصح هبته كالحمل في البطن وكذلك يخرج في هبة الطير في الهواء والسمك في الماء‏,‏ إذا كان مملوكًا‏.‏

فصل‏:‏

ولا تصح هبة الحمل في البطن واللبن في الضرع وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي‏,‏ وأبو ثور لأنه مجهول معجوز عن تسليمه وفي الصوف على الظهر وجهان بناء على صحة بيعه ومتى أذن له في جز الصوف وحلب الشاة‏,‏ كان إباحة وإن وهب دهن سمسمه قبل عصره أو زيت زيتونه أو جفته‏,‏ لم يصح وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا ولا تصح هبة المعدوم‏,‏ كالذي تثمر شجرته أو تحمل أمته لأن الهبة عقد تمليك في الحياة فلم تصح في هذا كله‏,‏ كالبيع‏.‏

فصل‏:‏

ولا يصح تعليق الهبة بشرط لأنها تمليك لمعين في الحياة فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع فإن علقها على شرط‏,‏ كقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأم سلمة‏:‏ ‏(‏إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك‏)‏ كان وعدًا وإن شرط في الهبة شروطا تنافي مقتضاها نحو أن يقول‏:‏ وهبتك هذا بشرط أن لا تهبه‏,‏ أو لا تبيعه أو بشرط أن تهبه أو تبيعه أو بشرط أن تهب فلانا شيئا يصح الشرط وفي صحة الهبة وجهان‏,‏ بناء على الشروط الفاسدة في البيع وإن وقت الهبة فقال‏:‏ وهبتك هذا سنة ثم يعود إلى لم يصح لأنه عقد تمليك لعين‏,‏ فلم يصح مؤقتا كالبيع‏.‏

فصل‏:‏

وإن وهب أمة واستثنى ما في بطنها صح في قياس قول أحمد‏,‏ في من أعتق أمة واستثنى ما في بطنها لأنه تبرع بالأم دون ما في بطنها فأشبه العتق وبه يقول في العتق النخعي وإسحاق‏,‏ وأبو ثور وقال أصحاب الرأي‏:‏ تصح الهبة ويبطل الاستثناء ولنا أنه لم يهب الولد فلم يملك الموهوب له‏,‏ كالمنفصل وكالموصى به‏.‏

فصل‏:‏

وإذا كان له في ذمة إنسان دين فوهبه له‏,‏ أو أبرأه منه أو أحله منه صح‏,‏ وبرئت ذمة الغريم منه وإن رد ذلك ولم يقبله لأنه إسقاط‏,‏ فلم يفتقر إلى القبول كإسقاط القصاص والشفعة وحد القذف وكالعتق والطلاق وإن قال‏:‏ تصدقت به عليك صح‏,‏ فإن القرآن ورد في الإبراء بلفظ الصدقة بقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 92‏]‏‏.‏ وإن قال‏:‏ عفوت لك عنه صح لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 237‏]‏‏.‏ يعني به الإبراء من الصداق وإن قال‏:‏ أسقطته عنك صح لأنه أتى بحقيقة اللفظ الموضوع له وإن قال‏:‏ ملكتك إياه صح لأنه بمنزلة هبته إياه‏.‏

فصل‏:‏

وإن وهب الدين لغير من هو في ذمته أو باعه إياه‏,‏ لم يصح وبه قال في البيع أبو حنيفة والثوري وإسحاق قال أحمد‏:‏ إذا كان لك على رجل طعام قرضا‏,‏ فبعه من الذي هو عليه بنقد ولا تبعه من غيره بنقد ولا نسيئة وإذا أقرضت رجلا دراهم أو دنانير‏,‏ فلا تأخذ من غيره عرضا بما لك عليه وقال الشافعي‏:‏ إن كان الدين على معسر أو مماطل أو جاحد له‏,‏ لم يصح البيع لأنه معجوز عن تسليمه وإن كان على مليء باذل له ففيه قولان أحدهما يصح لأنه ابتاع بمال ثابت في الذمة فصح‏,‏ كما لو اشترى في ذمته ويشترط أن يشتريه بعين أو يتقابضان في المجلس‏,‏ لئلا يكون بيع دين بدين ولنا أنه غير قادر على تسليمه فلم يصح كبيع الآبق فأما هبته‏,‏ فيحتمل أن لا تصح كالبيع ويحتمل أن تصح لأنه لا غرر فيها على المتهب‏,‏ ولا الواهب فتصح كهبة الأعيان‏.‏

فصل‏:‏

تصح البراءة من المجهول‏,‏ إذا لم يكن لهما سبيل إلى معرفته وقال أبو حنيفة‏:‏ تصح مطلقا وقال الشافعي‏:‏ لا تصح إلا أنه إذا أراد ذلك قال‏:‏ أبرأتك من درهم إلى ألف لأن الجهالة إنما منعت لأجل الغرر فإذا رضي بالجملة‏,‏ فقد زال الغرر وصحت البراءة ولنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لرجلين اختصما إليه في مواريث درست‏:‏ ‏(‏اقتسما‏,‏ وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحالا‏)‏ رواه أبو داود ولأنه إسقاط‏,‏ فصح في المجهول كالعتاق والطلاق وكما لو قال‏:‏ من درهم إلى ألف ولأن الحاجة داعية إلى تبرئة الذمة‏,‏ ولا سبيل إلى العلم بما فيها فلو وقف صحة البراءة على العلم لكان سدا لباب عفو الإنسان عن أخيه المسلم‏,‏ وتبرئة ذمته فلم يجز ذلك كالمنع من العتق وأما إن كان من عليه الحق يعلمه‏,‏ ويكتمه المستحق خوفا من أنه إذا علمه لم يسمح بإبرائه منه فينبغي أن لا تصح البراءة فيه لأن فيه تغريرا بالمشتري‏,‏ وقد أمكن التحرز منه وقال أصحابنا‏:‏ لو أبرأه من مائة وهو يعتقد أنه لا شيء له عليه وكان له عليه مائة‏,‏ ففي صحة البراءة وجهان أحدهما صحتها لأنها صادفت ملكه فأسقطته‏,‏ كما لو علمها والثاني لا تصح لأنه أبرأه مما لا يعتقد أنه عليه فلم يكن ذلك إبراء في الحقيقة وأصل الوجهين ما لو باع مالا كان لموروثه‏,‏ يعتقد أنه باق لمورثه وكان مورثه قد مات وانتقل ملكه إليه‏,‏ فهل يصح‏؟‏ فيه وجهان وللشافعي قولان في البيع وفي صحة الإبراء وجهان‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويقبض للطفل أبوه أو وصيه‏,‏ أو الحاكم أو أمينه بأمره‏]‏

وجملة ذلك أن الطفل لا يصح قبضه لنفسه ولا قبوله لأنه ليس من أهل التصرف‏,‏ ووليه يقوم مقامه في ذلك فإن كان له أب أمين فهو وليه لأنه أشفق عليه وأقرب إليه‏,‏ وإن مات أبوه الأمين وله وصى فوليه وصيه لأن الأب أقامه مقام نفسه‏,‏ فجرى مجرى وكيله وإن كان الأب غير مأمون لفسق أو جنون أو مات عن غير وصي‏,‏ فأمينه الحاكم ولا يلي ماله غير هؤلاء الثلاثة وأمين الحاكم يقوم مقامه وكذلك وكيل الأب والوصي‏,‏ فيقوم كل واحد منهم مقام الصبي في القبول والقبض إن احتيج إليه لأن ذلك قبول لما للصبي فيه حظ فكان إلى الولى كالبيع والشراء ولا يصح القبض والقبول من غير هؤلاء قال أحمد‏,‏ في رواية صالح في صبي وهبت له هبة أو تصدق عليه بصدقة‏,‏ فقبضت الأم ذلك وأبوه حاضر فقال‏:‏ لا أعرف للأم قبضا ولا يكون إلا للأب وقال عثمان رضي الله عنه‏:‏ أحق من يحوز على الصبي أبوه وهذا مذهب الشافعي‏,‏ ولا أعلم فيه خلافا لأن القبض إنما يكون من المتهب أو نائبه والوالي نائب بالشرع فصح قبضه له‏,‏ أما غيره فلا نيابة له ويحتمل أن يصح القبض والقبول من غيرهم عند عدمهم لأن الحاجة داعية إلى ذلك فإن الصبي قد يكون في مكان لا حاكم فيه وليس له أب ولا وصى ويكون فقيرا لا غنى به عن الصدقات‏,‏ فإن لم يصح قبض غيرهم له انسد باب وصولها إليه فيضيع ويهلك‏,‏ ومراعاة حفظه عن الهلاك أولى من مراعاة الولاية فعلى هذا للأم القبض له وكل من يليه من أقاربه وغيرهم وإن كان الصبي مميزا‏,‏ فحكمه حكم الطفل في قيام وليه مقامه لأن الولاية لا تزول عنه قبل البلوغ‏,‏ إلا أنه إذا قبل لنفسه وقبض لها صح لأنه من أهل التصرف فإنه يصح بيعه وشراؤه بإذن الولي‏,‏ فهاهنا أولى ولا يحتاج إلى إذن الولى ها هنا لأنه محض مصلحة ولا ضرر فيه فصح من غير إذن وليه‏,‏ كوصيته وكسب المباحات ويحتمل أن يقف صحة القبض منه على إذن وليه دون القبول لأن القبض يحصل به مستوليا على المال‏,‏ فلا يؤمن تضييعه له وتفريطه فيه فيتعين حفظه عن ذلك بوقفه على إذن وليه كقبضه لوديعته وأما القبول‏,‏ فيحصل له به الملك من غير ضرر فجاز من غير إذن كاحتشاشه واصطياده‏.‏

فصل‏:‏

فإن وهب الأب لابنه شيئا‏,‏ قام مقامه في القبض والقبول إن احتيج إليه قال ابن المنذر‏:‏ أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارا بعينها أو عبدا بعينه‏,‏ وقبضه له من نفسه وأشهد عليه أن الهبة تامة هذا قول مالك‏,‏ والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروينا معنى ذلك عن شريح‏,‏ وعمر بن عبد العزيز ثم إن كان الموهوب مما يفتقر إلى قبض اكتفى بقوله‏:‏ قد وهبت هذا لابني وقبضته له لأنه يغني عن القبول كما ذكرنا ولا يغني قوله‏:‏ قد قبلته لأن القبول لا يغني عن القبض وإن كان مما لا يفتقر اكتفى بقوله‏:‏ قد وهبت هذا لابني ولا يحتاج إلى ذكر قبض ولا قبول قال ابن عبد البر‏:‏ أجمع الفقهاء على أن هبة الأب لابنه الصغير في حجره لا يحتاج إلى قبض‏,‏ وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض وإن وليها أبوه لما رواه مالك عن الزهري‏,‏ عن ابن المسيب أن عثمان قال‏:‏ من نحل ولدا له صغيرا لم يبلغ أن يحوز نحلة‏,‏ فأعلن ذلك وأشهد على نفسه فهي جائزة‏,‏ وإن وليها أبوه وقال القاضي‏:‏ لا بد في هبة الولد من أن يقول‏:‏ قد قبلته وهذا مذهب الشافعي لأن الهبة عندهم لا تصح إلا بإيجاب وقبول وقد ذكرنا من قبل أن قرائن الأحوال ودلالتها تغني عن لفظ القبول ولا أدل على القبول من كون القابل هو الواهب فاعتبار لفظ لا يفيد معنى من غير ورود الشرع به تحكم لا معنى له‏,‏ مع مخالفته لظاهر حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته وليس هذا مذهبا لأحمد فقد قال في رواية حرب في رجل أشهد بسهم من ضيعته وهي معروفة لابنه‏,‏ وليس له ولد غيره فقال‏:‏ أحب إلى أن يقول عند الإشهاد‏:‏ قد قبضته له قيل له‏:‏ فإن سها‏؟‏ قال‏:‏ إذا كان مفرزًا رجوت فقد ذكر أحمد أنه يكتفى بقوله‏:‏ قد قبضته وأنه يرجو أن يكتفى مع التمييز بالإشهاد فحسب وهذا موافق للإجماع المذكور عن سائر العلماء وقال بعض أصحابنا‏:‏ يكتفى بأحد لفظين إما أن يقول‏:‏ قد قبلته‏,‏ أو قبضته لأن القبول يغني عن القبض وظاهر كلام أحمد ما ذكرناه ولا فرق بين الأثمان وغيرها فيما ذكرنا وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وقال مالك‏:‏ إن وهب له ما يعرف بعينه كالأثمان‏,‏ لم يجز إلا أن يضعها على يد غيره لأن الأب قد يتلف ذلك ويتلف بغير سببه‏,‏ ولا يمكن أن يشهد على شيء بعينه فلا ينفع القبض شيئا ولنا أن ذلك مما لا تصح هبته فإذا وهبه لابنه الصغير‏,‏ وقبضه له وجب أن تصح كالعروض‏.‏

فصل‏:‏

وإن كان الواهب للصبي غير الأب من أوليائه فقال أصحابنا‏:‏ لا بد من أن يوكل من يقبل للصبي‏,‏ ويقبض له ليكون الإيجاب منه والقبول‏,‏ والقبض من غيره كما في البيع بخلاف الأب فإنه يجوز أن يوجب ويقبل ويقبض لكونه يجوز أن يبيع لنفسه والصحيح عندي أن الأب وغيره في هذا سواء لأنه عقد يجوز أن يصدر منه ومن وكيله‏,‏ فجاز له أن يتولى طرفيه كالأب وفارق البيع فإنه لا يجوز أن يوكل من يشتري له ولأن البيع عقد معاوضة ومرابحة‏,‏ فيتهم في عقده لنفسه والهبة محض مصلحة لا تهمة فيها وهو ولى فيه‏,‏ فجاز أن يتولى طرفي العقد كالأب ولأن البيع إنما منع منه لما يأخذه من العوض لنفسه من مال الصبي‏,‏ وهو ها هنا يعطى ولا يأخذ فلا وجه لمنعه من ذلك وتوقيفه على توكيل غيره‏,‏ ولأننا قد ذكرنا أنه يستغنى بالإيجاب والإشهاد عن القبض والقبول فلا حاجة إلى التوكيل فيهما مع غناه عنهما‏.‏

فصل‏:‏

فأما الهبة من الصبي لغيره فلا تصح‏,‏ سواء أذن فيها الولي أو لم يأذن لأنه محجور عليه لحظ نفسه فلم يصح تبرعه كالسفيه وأما العبد فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده لأنه مال لسيده‏,‏ وماله مال لسيده فلا يجوز له إزالة ملك سيده عنه بغير إذنه كالأجنبي وله أن يقبل الهبة بغير إذن سيده نص عليه أحمد لأنه تحصيل للمال لسيده‏,‏ فلم يعتبر إذنه فيه كالالتقاط وما وهبه لسيده‏,‏ لأنه من اكتسابه فأشبه اصطياده‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإذا فاضل بين ولده في العطية أمر برده‏,‏ كأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏]‏

وجملة ذلك أنه يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية وإذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل فإن خص بعضهم بعطيته‏,‏ أو فاضل بينهم فيها أثم ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين إما رد ما فضل به البعض وإما إتمام نصيب الآخر قال طاوس‏:‏ لا يجوز ذلك‏,‏ ولا رغيف محترق وبه قال ابن المبارك وروى معناه عن مجاهد وعروة وكان الحسن يكرهه ويجيزه في القضاء وقال مالك‏,‏ والليث والثوري والشافعي‏,‏ وأصحاب الرأي‏:‏ ذلك جائز وروى معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح لأن أبا بكر رضي الله عنه نحل عائشة ابنته جذاذ عشرين وسقا‏,‏ دون سائر ولده واحتج الشافعي بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث النعمان بن بشير‏:‏ ‏(‏أشهد على هذا غيري‏)‏ فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها ولأنها عطية تلزم بموت الأب فكانت جائزة‏,‏ كما لو سوى بينهم ولنا ما روى النعمان بن بشير قال‏:‏ ‏(‏تصدق على أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرة بنت رواحة‏:‏ لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجاء أبي إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليشهده على صدقته فقال‏:‏ أكل ولدك أعطيت مثله‏؟‏ قال‏:‏ لا قال‏:‏ فاتقوا الله‏,‏ واعدلوا بين أولادكم قال‏:‏ فرجع أبي فرد تلك الصدقة‏)‏ وفي لفظ قال‏:‏ ‏"‏ فاردده ‏"‏ وفي لفظ قال‏:‏ ‏"‏ فأرجعه ‏"‏ وفي لفظ‏:‏ ‏"‏ لا تشهدني على جور ‏"‏ وفي لفظ‏:‏ ‏"‏ فأشهد على هذا غيري ‏"‏ وفي لفظ‏:‏ ‏"‏ سو بينهم ‏"‏ وهو حديث صحيح متفق عليه وهو دليل على التحريم لأنه سماه جورا‏,‏ وأمر برده وامتنع من الشهادة عليه والجور حرام‏,‏ والأمر يقتضي الوجوب ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه‏,‏ كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها وقول أبي بكر لا يعارض قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يحتج به معه ويحتمل أن أبا بكر رضي الله عنه خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغير ذلك من فضائلها ويحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده‏,‏ أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت قبل ذلك ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه وأقل أحواله الكراهة‏,‏ والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات وقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏فأشهد على هذا غيري‏)‏ ليس بأمر لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب ولا خلاف في كراهة هذا وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده مع أمره برده‏,‏ وتسميته إياه جورا وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على التناقض والتضاد ولو أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره‏,‏ ولم يرد وإنما هذا تهديد له على هذا فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه والله أعلم‏.‏