فصل: فصل‏:‏ جواز صلاة الجنازة على القبر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

وإذا أدرك الإمام فيما بين تكبيرتين فعن أحمد أنه ينتظر الإمام حتى يكبر معه‏,‏ وبه قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق لأن التكبيرات كالركعات‏,‏ ثم لو فاتته ركعة لم يتشاغل بقضائها وكذلك إذا فاتته تكبيرة والثانية يكبر ولا ينتظر وهو قول الشافعي لأنه في سائر الصلوات متى أدرك الإمام كبر معه‏,‏ ولم ينتظر وليس هذا اشتغالا بقضاء ما فاته وإنما يصلي معه ما أدركه‏,‏ فيجزئه كالذي عقيب تكبير الإمام أو يتأخر عن ذلك قليلا وعن مالك كالروايتين قال ابن المنذر‏:‏ سهل أحمد في القولين جميعا ومتى أدرك الإمام في التكبيرة الأولى فكبر‏,‏ وشرع في القراءة ثم كبر الإمام قبل أن يتمها فإنه يكبر‏,‏ ويتابعه ويقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويدخل قبره من عند رجليه إن كان أسهل عليهم‏]‏ الضمير في قوله ‏"‏ رجليه ‏"‏ يعود إلى القبر أي‏:‏ من عند موضع الرجلين وذلك أن المستحب أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر‏,‏ ثم يسل سلا إلى القبر روي ذلك عن ابن عمر وأنس وعبد الله بن يزيد الأنصاري‏,‏ والنخعي والشعبي والشافعي وقال أبو حنيفة توضع الجنازة على جانب القبر‏,‏ مما يلي القبلة ثم يدخل القبر معترضا لأنه يروى عن على ـ رضي الله عنه ـ ولأن النخعي قال‏:‏ حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول يدخلون موتاهم من قبل القبلة وأن السل شيء أحدثه أهل المدينة ولنا ما روى الإمام أحمد‏,‏ بإسناده عن عبد الله بن يزيد الأنصاري ‏(‏أن الحارث أوصى أن يليه عند موته فصلى عليه ثم دخل القبر‏,‏ فأدخله من رجلى القبر وقال‏:‏ هذا السنة‏)‏ وهذا يقتضي سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وروى ابن عمر وابن عباس ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سل من قبل رأسه سلا‏)‏ وما ذكر عن النخعي لا يصح لأن مذهبه بخلافه ولأنه لا يجوز على العدد الكثير أن يغيروا سنة ظاهرة في الدفن إلا بسبب ظاهر‏,‏ أو سلطان قاهر قال‏:‏ ولم ينقل من ذلك شيء ولو ثبت فسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقدمة على فعل أهل المدينة وإن كان الأسهل عليهم أخذه من قبل القبلة أو من رأس القبر‏,‏ فلا حرج فيه لأن استحباب أخذه من رجلى القبر إنما كان طلبا للسهولة عليهم‏,‏ والرفق بهم فإذا كان الأسهل غيره كان مستحبا قال أحمد - رحمه الله- ‏:‏ كل لا بأس به‏.‏

فصل‏:‏

قال أحمد - رحمه الله- ‏:‏ يعمق القبر إلى الصدر الرجل والمرأة في ذلك سواء كان الحسن وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر وقال سعيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر‏,‏ أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة ولا يعمقوا فإن ما على ظهر الأرض أفضل مما سفل منها وذكر أبو الخطاب أنه يستحب أن يعمق قدر قامة وبسطة وهو قول الشافعي لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏احفروا‏,‏ وأوسعوا وأعمقوا‏)‏ رواه أبو داود ولأن ابن عمر أوصى بذلك في قبره‏,‏ ولأنه أحرى أن لا تناله السباع وأبعد على من ينبشه والمنصوص عن أحمد أن المستحب تعميقه إلى الصدر لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق‏,‏ ويخرج عن العادة وقول النبي‏:‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏أعمقوا‏)‏ ليس فيه بيان لقدر التعميق ولم يصح عن ابن عمر أنه أوصى بذلك في قبره ولو صح عند أبي عبد الله لم يعده إلى غيره إذا ثبت هذا‏,‏ فإنه يستحب تحسينه وتعميقه وتوسيعه للخبر وقد روى زيد بن أسلم قال‏:‏ وقف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قبر فقال‏:‏ ‏(‏اصنعوا كذا‏,‏ اصنعوا كذا‏)‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏ما بي أن يكون يغني عنه شيئا ولكن الله يحب إذا عمل العمل أن يحكم‏)‏ قال معمر وبلغني أنه قال‏:‏ ‏"‏ ولكنه أطيب لأنفس أهله ‏"‏ رواه عبد الرزاق في كتاب الجنائز‏.‏

فصل‏:‏

والسنة أن يلحد قبر الميت‏,‏ كما صنع بقبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال سعد بن أبي وقاص الحدوا لي لحدا وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رواه مسلم ومعنى اللحد‏,‏ أنه إذا بلغ أرض القبر حفر فيه مما يلي القبلة مكانا يوضع الميت فيه فإن كانت الأرض رخوة جعل له من الحجارة شبه اللحد قال أحمد ولا أحب الشق لما روى ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏اللحد لنا والشق لغيرنا‏)‏ رواه أبو داود والنسائي‏,‏ والترمذي وقال‏:‏ هذا حديث غريب فإن لم يمكن اللحد شق له في الأرض ومعنى الشق أن يحفر في أرض القبر شقا يضع الميت فيه ويسقفه عليه بشيء‏,‏ ويضع الميت في اللحد على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه ويضع تحت رأسه لبنة‏,‏ أو حجرا أو شيئا مرتفعا كما يصنع الحي وقد روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ إذا جعلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض ويدنى من الحائط لئلا ينكب على وجهه ويسند من ورائه بتراب‏,‏ لئلا ينقلب قال أحمد - رحمه الله- ‏:‏ ما أحب أن يجعل في القبر مضربة ولا مخدة وقد جعل في قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قطيفة حمراء فإن جعلوا قطيفة فلعلة فإذا فرغوا نصبوا عليه اللبن نصبا ويسد خلله بالطين لئلا يصل إليه التراب‏,‏ وإن جعل مكان اللبن قصبا فحسن لأن الشعبي قال‏:‏ جعل على لحد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ طن قصب فإني رأيت المهاجرين يستحبون ذلك قال الخلال‏:‏ كان أبو عبد الله يميل إلى اللبن‏,‏ ويختاره على القصب ثم ترك ذلك ومال إلى استحباب القصب على اللبن وأما الخشب فكرهه على كل حال ورخص فيه عند الضرورة إذا لم يوجد غيره‏,‏ وأكثر الروايات عن أبى عبد الله استحباب اللبن وتقديمه على القصب لقول سعد‏:‏ انصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقول سعد أولى من قول الشعبي فإن الشعبي لم ير‏,‏ ولم يحضر وأيهما فعله كان حسنا قال حنبل‏:‏ قلت لأبي عبد الله‏:‏ فإن لم يكن لبن‏؟‏ قال ينصب عليه القصب والحشيش وما أمكن من ذلك‏,‏ ثم يهال عليه التراب‏.‏

فصل‏:‏

روى عن أحمد أنه حضر جنازة فلما ألقى عليها التراب قام إلى القبر‏,‏ فحثى عليه ثلاث حثيات ثم رجع إلى مكانه وقال‏:‏ قد جاء عن على وصح أنه حثى على قبر ابن مكفف وروي عنه أنه قال‏:‏ إن فعل فحسن‏,‏ وإن لم يفعل فلا بأس ووجه استحبابه ما روى ‏(‏أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت من قبل رأسه فحثى عليه ثلاثا‏)‏ أخرجه ابن ماجه وعن عامر بن ربيعة ‏(‏أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى على عثمان بن مظعون فكبر عليه أربعا‏,‏ ثم أتى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم عند رأسه‏)‏ رواه الدارقطني وعن جعفر بن محمد عن أبيه ‏(‏أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حثى على الميت ثلاث حثيات بيديه جميعا‏)‏ أخرجه الشافعي في مسنده وفعله على ـ رضي الله عنه ـ وروى عن ابن عباس أنه لما دفن زيد بن ثابت حثى في قبره ثلاثا‏,‏ وقال‏:‏ هكذا يذهب العلم‏.‏

فصل‏:‏

ويقول حين يضعه في قبره ما روي ابن عمر ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا أدخل الميت القبر قال‏:‏ بسم الله وعلى ملة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وروى وعلى سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏)‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن غريب وروى ابن ماجه عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ ‏(‏حضرت ابن عمر في جنازة فلما وضعها في اللحد قال‏:‏ بسم الله‏,‏ وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما أخذ في تسوية اللبن على اللحد قال‏:‏ اللهم أجرها من الشيطان‏,‏ ومن عذاب القبر اللهم جاف الأرض عن جنبيها وصعد روحها‏,‏ ولقها منك رضوانا قلت‏:‏ يا ابن عمر أشيء سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أم قلته برأيك‏؟‏ قال‏:‏ إني إذا لقادر على القول بل سمعته من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏)‏ وروى عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه كان إذا سوى على الميت قال‏:‏ اللهم أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة وذنبه عظيم‏,‏ فاغفر له رواه ابن المنذر‏.‏

فصل‏:‏

إذا مات في سفينة في البحر فقال أحمد - رحمه الله - ‏:‏ ينتظر به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعا يدفنونه فيه حبسوه يوما أو يومين ما لم يخافوا عليه الفساد‏,‏ فإن لم يجدوا غسل وكفن وحنط‏,‏ ويصلى عليه ويثقل بشيء ويلقى في الماء وهذا قول عطاء والحسن قال الحسن‏:‏ يترك في زنبيل‏,‏ ويلقى في البحر وقال الشافعي‏:‏ يربط بين لوحين ليحمله البحر إلى الساحل فربما وقع إلى قوم يدفنونه وإن ألقوه في البحر لم يأثموا والأول أولى لأنه يحصل به الستر المقصود من دفنه وإلقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير والهتك‏,‏ وربما بقي على الساحل مهتوكا عريانا وربما وقع إلى قوم من المشركين فكان ما ذكرناه أولى‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏والمرأة يخمر قبرها بثوب‏]‏ لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافا وقد روى ابن سيرين‏,‏ أن عمر كان يغطى قبر المرأة وروى عن على أنه مر بقوم قد دفنوا ميتا وبسطوا على قبره الثوب فجذبه وقال‏:‏ إنما يصنع هذا بالنساء وشهد أنس بن مالك دفن أبى زيد الأنصاري فخمر القبر بثوب فقال عبد الله بن أنس‏:‏ ارفعوا الثوب‏,‏ إنما يخمر قبر النساء وأنس شاهد على شفير القبر لا ينكر ولأن المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شيء فيراه الحاضرون‏,‏ فإن كان الميت رجلا كره ستر قبره لما ذكرنا وكرهه عبد الله بن يزيد ولم يكرهه أصحاب الرأي وأبو ثور والأول أولى لأن فعل على ـ رضي الله عنه ـ وأنس يدل على كراهته ولأن كشفه أمكن وأبعد من التشبه بالنساء مع ما فيه من اتباع أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويدخلها محرمها‏,‏ فإن لم يكن فالنساء فإن لم يكن فالمشايخ‏]‏ لا خلاف بين أهل العلم في أن أولى الناس بإدخال المرأة قبرها محرمها وهو من كان يحل له النظر إليها في حياتها‏,‏ ولها السفر معه وقد روى الخلال بإسناده عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه قام عند منبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين توفيت زينب بنت جحش فقال‏:‏ ألا إني أرسلت إلى النسوة من يدخلها قبرها فأرسلن من كان يحل له الدخول عليها في حياتها فرأيت أن قد صدقن ولما توفيت امرأة عمر قال لأهلها‏:‏ أنتم أحق بها ولأن محرمها أولى الناس بولايتها في الحياة فكذلك بعد الموت وظاهر كلام أحمد أن الأقارب يقدمون على الزوج قال الخلال‏:‏ استقامت الرواية عن أبى عبد الله أنه إذا حضر الأولياء والزوج‏,‏ فالأولياء أحب إليه فإن لم يكن الأولياء فالزوج أحق من الغريب لما ذكرنا من خبر عمر ولأن الزوج قد زالت زوجيته بموتها والقرابة باقية وقال القاضي‏:‏ الزوج أحق من الأولياء‏,‏ لأن أبا بكر أدخل امرأته قبرها دون أقاربها ولأنه أحق بغسلها منهم فكان أولى بإدخالها قبرها‏,‏ كمحل الوفاق وأيهما قدم فالآخر بعده فإن لم يكن واحد منهما فقد روى عن أحمد أنه قال‏:‏ أحب إلى أن يدخلها النساء لأنه مباح لهن النظر إليها‏,‏ وهن أحق بغسلها وعلى هذا يقدم الأقرب منهن فالأقرب كما في حق الرجل وروى عنه أن النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر ولا يدفن وهذا أصح وأحسن لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين ماتت ابنته أمر أبا طلحة فنزل في قبرها وروى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ‏(‏أيكم لم يقارف الليلة‏؟‏ قال أبو طلحة‏:‏ أنا فأمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنزل فأدخلها قبرها‏)‏ رواه البخاري ورأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ النساء في جنازة‏,‏ فقال‏:‏ ‏"‏ هل تحملن‏؟‏ ‏"‏ قلن‏:‏ لا قال‏:‏ ‏"‏ هل تدلين في من يدلى‏؟‏ ‏"‏ قلن‏:‏ لا قال‏:‏ ‏(‏فارجعن مأزورات غير مأجورات‏)‏ رواه ابن ماجه وهذا استفهام إنكار فدل على أن ذلك غير مشروع لهن بحال وكيف يشرع لهن وقد نهاهن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن اتباع الجنائز‏؟‏ ولأن ذلك لو كان مشروعا لفعل في عصر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو خلفائه ولنقل عن بعض الأئمة‏,‏ ولأن الجنازة يحضرها جموع الرجال وفي نزول النساء في القبر بين أيديهم هتك لهن مع عجزهن عن الدفن‏,‏ وضعفهن عن حمل الميتة وتقليبها فلا يشرع لكن إن عدم محرمها استحب ذلك للمشايخ لأنهم أقل شهوة وأبعد من الفتنة‏,‏ وكذلك من يليهم من فضلاء الناس وأهل الدين لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر أبا طلحة فنزل في قبر ابنته دون غيره‏.‏

فصل‏:‏

فأما الرجل فأولى الناس بدفنه أولاهم بالصلاة عليه من أقاربه لأن القصد طلب الحظ للميت والرفق به قال على‏:‏ ـ رضي الله عنه ـ إنما يلي الرجل أهله ولما توفي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألحده العباس‏,‏ وعلى وأسامة رواه أبو داود ولا توقيف في عدد من يدخل القبر نص عليه أحمد فعلى هذا يكون عددهم على حسب حال الميت وحاجته وما هو أسهل في أمره وقال القاضي‏:‏ يستحب أن يكون وترا لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألحده ثلاثة ولعل هذا كان اتفاقا أو لحاجتهم إليه وقد روى أبو داود عن أبى مرحب أن عبد الرحمن بن عوف نزل في قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ كأنى أنظر إليهم أربعة وإذا كان المتولى فقيها كان حسنا لأنه محتاج إلى معرفة ما يصنعه في القبر‏.‏

مسألة‏:‏

قال ‏[‏ولا يشق الكفن في القبر‏,‏ وتحل العقد‏]‏ أما شق الكفن فغير جائز لأنه إتلاف مستغنى عنه ولم يرد الشرع به‏,‏ وقد قال النبي‏:‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه‏)‏ رواه مسلم وتخريقه يتلفه ويذهب بحسنه وأما حل العقد من عند رأسه ورجليه فمستحب لأن عقدها كان للخوف من انتشارها‏,‏ وقد أمن ذلك بدفنه وقد روى ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعى القبر نزع الأخلة بفيه‏)‏ وعن ابن مسعود وسمرة بن جندب نحو ذلك‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏"‏ ولا يدخل القبر آجرا ولا خشبا‏,‏ ولا شيئا مسته النار ‏"‏ قد ذكرنا أن اللبن والقصب مستحب وكره أحمد الخشب وقال إبراهيم النخعي كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الخشب ولا يستحب الدفن في تابوت لأنه لم ينقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أصحابه وفيه تشبه بأهل الدنيا‏,‏ والأرض أنشف لفضلاته ويكره الآجر لأنه من بناء المترفين وسائر ما مسته النار تفاؤلا بأن لا تمسه النار‏.‏

فصل‏:‏

وإذا فرغ من اللحد أهال عليه التراب‏,‏ ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر ليعلم أنه قبر فيتوقى ويترحم على صاحبه وروى الساجي عن جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رفع قبره عن الأرض قدر شبر وروى القاسم بن محمد‏,‏ قال‏:‏ قلت لعائشة‏:‏ يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء رواه أبو داود ولا يستحب رفعه بأكثر من ترابه نص عليه أحمد‏,‏ وروى بإسناده عن عقبة بن عامر أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا يجعل في القبر من التراب أكثر مما خرج منه حين حفر وروى الخلال بإسناده عن جابر قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يزاد على القبر على حفرته‏)‏ ولا يستحب رفع القبر إلا شيئا يسيرا لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعلي‏,‏ ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ ‏(‏لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته‏)‏ رواه مسلم وغيره والمشرف ما رفع كثيرا بدليل قول القاسم في صفة قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبيه‏:‏ لا مشرفة‏,‏ ولا لاطئة ويستحب أن يرش على القبر ماء ليلتزق ترابه قال أبو رافع ‏(‏سل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سعدا ورش على قبره ماء‏)‏ رواه ابن ماجه وعن جابر ‏(‏أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رش على قبره ماء‏)‏ رواهما الخلال جميعا‏.‏

فصل‏:‏

ولا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة قال أحمد لا بأس أن يعلم الرجل القبر علامة يعرفه بها وقد علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبر عثمان بن مظعون وروى أبو داود بإسناده عن المطلب قال‏:‏ ‏(‏لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن‏,‏ أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فحسر عن ذراعيه ثم حملها‏,‏ فوضعها عند رأسه وقال‏:‏ أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله‏)‏ ورواه ابن ماجه عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من رواية أنس‏.‏

فصل‏:‏

وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه وبه قال مالك وأبو حنيفة‏,‏ والثوري وقال الشافعي‏:‏ تسطيحه أفضل قال‏:‏ وبلغنا أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سطح قبر ابنه إبراهيم وعن القاسم قال‏:‏ رأيت قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بكر وعمر مسطحة ولنا ما روى سفيان التمار أنه قال‏:‏ رأيت قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسنما رواه البخاري بإسناده وعن الحسن مثله ولأن التسطيح يشبه أبنية أهل الدنيا وهو أشبه بشعار أهل البدع‏,‏ فكان مكروها وحديثنا أثبت من حديثهم وأصح فكان العمل به أولى‏.‏

فصل‏:‏

وسئل أحمد عن الوقوف على القبر بعدما يدفن يدعو للميت‏؟‏ قال‏:‏ لا بأس به‏,‏ قد وقف علي والأحنف بن قيس وروى أبو داود بإسناده عن عثمان قال ‏(‏كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا دفن الرجل وقف عليه‏,‏ فقال‏:‏ استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل‏)‏ وروى الخلال بإسناده ومسلم والبخاري عن السرى قال‏:‏ لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة‏,‏ قال‏:‏ اجلسوا عند قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم فإني أستأنس بكم‏.‏

فصل‏:‏

فأما التلقين بعد الدفن فلم أجد فيه عن أحمد شيئا‏,‏ ولا أعلم فيه للأئمة قولا سوى ما رواه الأثرم قال‏:‏ قلت لأبي عبد الله فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل‏,‏ ويقول‏:‏ يا فلان بن فلانة اذكر ما فارقت عليه شهادة أن لا إله إلا الله‏؟‏ فقال‏:‏ ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام‏,‏ حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذاك قال‏:‏ وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم‏,‏ أنهم كانوا يفعلونه وكان ابن عياش يروي فيه ثم قال فيه‏:‏ إنما لأثبت عذاب القبر قال القاضي‏,‏ وأبو الخطاب‏:‏ يستحب ذلك ورويا فيه عن أبي أمامة الباهلي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقف أحدكم عند رأس قبره‏,‏ ثم ليقل‏:‏ يا فلان بن فلانة فإنه يسمع ولا يجيب ثم ليقل‏:‏ يا فلان بن فلانة الثانية‏,‏ فيستوي قاعدا ثم ليقل‏:‏ يا فلان بن فلانة فإنه يقول‏:‏ أرشدنا يرحمك الله‏,‏ ولكن لا تسمعون فيقول‏:‏ اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله‏,‏ وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبيا‏,‏ وبالقرآن إماما فإن منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما فيقول‏:‏ انطلق فما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته ويكون الله تعالى حجته دونهما فقال رجل‏:‏ يا رسول الله‏,‏ فإن لم يعرف اسم أمه‏؟‏ قال‏:‏ فلينسبه إلى حواء‏)‏ رواه ابن شاهين في ‏[‏كتاب ذكر الموت‏]‏ بإسناده‏.‏

فصل‏:‏

سئل أحمد عن تطيين القبور فقال‏:‏ أرجو أن لا يكون به بأس ورخص في ذلك الحسن والشافعي وروى أحمد بإسناده عن نافع عن ابن عمر أنه كان يتعاهد قبر عاصم بن عمر قال نافع وتوفي ابن له وهو غائب‏,‏ فقدم فسألنا عنه فدللناه عليه فكان يتعاهد القبر ويأمر بإصلاحه وروى عن الحسن‏,‏ عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏لا يزال الميت يسمع الأذان ما لم يطين قبره أو قال‏:‏ ما لم يطو قبره‏)‏‏.‏

فصل‏:‏

ويكره البناء على القبر وتجصيصه‏,‏ والكتابة عليه لما روى مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏ قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه‏)‏ زاد الترمذي وأن يكتب عليه وقال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح ولأن ذلك من زينة الدنيا‏,‏ فلا حاجة بالميت إليه وفي هذا الحديث دليل على الرخصة في طين القبر لتخصيصه التجصيص بالنهي ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى على القبر بآجر وأوصى بذلك وأوصى الأسود بن يزيد أن لا تجعلوا على قبري آجرا وقال إبراهيم كانوا يكرهون الآجر في قبورهم وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط وأوصى أبو هريرة حين حضره الموت أن لا تضربوا على فسطاطا‏.‏

فصل‏:‏

ويكره الجلوس على القبر‏,‏ والاتكاء عليه والاستناد إليه والمشي عليه‏,‏ والتغوط بين القبور لما تقدم من حديث جابر وفي حديث أبي مرثد الغنوي‏:‏ ‏(‏لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها‏)‏ صحيح وذكر لأحمد أن مالكا يتأول حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى أن يجلس على القبور أي للخلاء فقال‏:‏ ليس هذا بشيء ولم يعجبه رأى مالك وروى الخلال بإسناده عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏لأن أطأ على جمرة‏,‏ أو سيف أحب إلى من أن أطأ على قبر مسلم ولا أبالى أوسط القبور قضيت حاجتي‏,‏ أو وسط السوق‏)‏ رواه ابن ماجه‏.‏

فصل‏:‏

ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور لقول النبي‏:‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏لعن الله زوارات القبور المتخذات عليهن المساجد والسرج‏)‏ رواه أبو داود والنسائي‏,‏ ولفظه‏:‏ لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو أبيح لم يلعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فعله ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏لعن الله اليهود‏,‏ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏)‏ يحذر مثل ما صنعوا متفق عليه وقالت عائشة‏:‏ إنما لم يبرز قبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لئلا يتخذ مسجدا ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها‏,‏ وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها‏,‏ والصلاة عندها‏.‏

فصل‏:‏

والدفن في مقابر المسلمين أعجب إلى أبى عبد الله من الدفن في البيوت لأنه أقل ضررا على الأحياء من ورثته وأشبه بمساكن الآخرة وأكثر للدعاء له‏,‏ والترحم عليه ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى فإن قيل‏:‏ فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبر في بيته وقبر صاحباه معه‏؟‏ قلنا‏:‏ قالت عائشة إنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدا رواه البخاري ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يدفن أصحابه في البقيع وفعله أولى من فعل غيره‏,‏ وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك ولأنه روي‏:‏ ‏"‏ يدفن الأنبياء حيث يموتون ‏"‏ وصيانة لهم عن كثرة الطراق وتمييزا له عن غيره‏.‏

فصل‏:‏

ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم وكذلك في البقاع الشريفة وقد روى البخاري ومسلم بإسنادهما ‏(‏أن موسى - عليه السلام - لما حضره الموت سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية بحجر‏,‏ قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر‏)‏‏.‏

فصل‏:‏

وجمع الأقارب في الدفن حسن لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏لما دفن عثمان بن مظعون أدفن إليه من مات من أهله‏)‏ ولأن ذلك أسهل لزيارتهم وأكثر للترحم عليهم ويسن تقديم الأب ثم من يليه في السن والفضيلة إذا أمكن‏.‏

فصل‏:‏

ويستحب دفن الشهيد حيث قتل قال أحمد‏:‏ أما القتلى فعلى حديث جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏ادفنوا القتلى في مصارعهم‏)‏ وروى ابن ماجه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم فأما غيرهم فلا ينقل الميت من بلده إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح وهذا مذهب الأوزاعي‏,‏ وابن المنذر قال عبد الله بن أبي مليكة‏:‏ توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشة فحمل إلى مكة فدفن فلما قدمت عائشة أتت قبره ثم قالت‏:‏ والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت‏,‏ ولو شهدتك ما زرتك ولأن ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز وقال أحمد‏:‏ ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسا وسئل الزهري عن ذلك فقال‏:‏ قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة وقال ابن عيينة مات ابن عمر هنا‏,‏ فأوصى أن لا يدفن ها هنا وأن يدفن بسرف‏.‏

فصل‏:‏

وإذا تنازع اثنان من الورثة فقال أحدهما‏:‏ يدفن في المقبرة المسبلة وقال الآخر‏:‏ يدفن في ملكه دفن في المسبلة لأنه لا منة فيه‏,‏ وهو أقل ضررا على الوارث فإن تشاحا في الكفن قدم قول من قال‏:‏ نكفنه من ملكه لأن ضرره على الوارث بلحوق المنة وتكفينه من ماله قليل الضرر وسئل أحمد عن الرجل يوصي أن يدفن في داره قال‏:‏ يدفن في المقابر مع المسلمين‏,‏ إن دفن في داره أضر بالورثة وقال‏:‏ لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره ويوصي أن يدفن فيه فعل ذلك عثمان بن عفان‏,‏ وعائشة وعمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـم

فصل‏:‏

وإذا تشاح اثنان في الدفن في المقبرة المسبلة قدم أسبقهما‏,‏ كما لو تنازعا في مقاعد الأسواق ورحاب المساجد فإن تساويا أقرع بينهما‏.‏

فصل‏:‏

وإن تيقن أن الميت قد بلي وصار رميما‏,‏ جاز نبش قبره ودفن غيره فيه وإن شك في ذلك رجع إلى أهل الخبرة فإن حفر فوجد فيها عظاما دفنها‏,‏ وحفر في مكان آخر نص عليه أحمد واستدل بأن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي وسئل أحمد عن الميت يخرج من قبره إلى غيره فقال‏:‏ إذا كان شيء يؤذيه قد حول طلحة وحولت عائشة وسئل عن قوم دفنوا في بساتين ومواضع رديئة فقال‏:‏ قد نبش معاذ امرأته‏,‏ وقد كانت كفنت في خلقين فكفنها ولم ير أبو عبد الله بأسا أن يحولوا‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر‏]‏ وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يصلي عليها ما لم تدفن‏,‏ فإن دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيرهم روي ذلك عن أبي موسى‏,‏ وابن عمر وعائشة ـ رضي الله عنه ـم وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وقال النخعي‏,‏ والثوري ومالك وأبو حنيفة‏:‏ لا تعاد الصلاة على الميت إلا للولي إذا كان غائبا‏,‏ ولا يصلي على القبر إلا كذلك ولو جاز ذلك لكان قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلى عليه في جميع الأعصار ولنا ما روى ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر رجلا مات‏,‏ فقال‏:‏ فدلوني على قبره فأتى قبره فصلى عليه‏)‏ متفق عليه وعن ابن عباس ‏(‏أنه مر مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قبر منبوذ فأمهم وصلوا خلفه‏)‏ قال أحمد ـ رحمه الله ـ ‏:‏ ومن شك في الصلاة على القبر يروى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ستة وجوه كلها حسان ولأنه من أهل الصلاة‏,‏ فيسن له الصلاة على القبر كالولي وقبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يصلى عليه لأنه لا يصلى على القبر بعد شهر‏.‏

فصل‏:‏

ومن صلى مرة فلا يسن له إعادة الصلاة عليها وإذا صلى على الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلى عليها قال القاضي‏:‏ لا يحسن بعد الصلاة عليه‏,‏ ويبادر بدفنه فإن رجي مجيء الولى آخر إلى أن يجيء إلا أن يخاف تغيره قال ابن عقيل‏:‏ لا ينتظر به أحد لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في طلحة بن البراء ‏(‏اعجلوا به‏,‏ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله‏)‏ فأما من أدرك الجنازة ممن لم يصل فله أن يصلي عليها فعل ذلك علي‏,‏ وأنس وسلمان بن ربيعة وأبو حمزة ومعمر بن سمير‏.‏

فصل‏:‏

ويصلى على القبر‏,‏ وتعاد الصلاة عليه قبل الدفن جماعة وفرادى نص عليهما أحمد وقال‏:‏ وما بأس بذلك قد فعله عدة من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي حديث ابن عباس قال ‏(‏انتهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قبر رطب فصفوا خلفه‏,‏ وكبر أربعا‏)‏ متفق عليه‏.‏

فصل‏:‏

فإن كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من في الجانب الآخر قال‏:‏ وهذا اختيار أبي حفص البرمكي لأنه يمكنه الحضور للصلاة عليه أو على قبره وصلى أبو عبد الله بن حامد على ميت مات في أحد جانبي بغداد وهو في الجانب الآخر لأنه غائب‏,‏ فجازت الصلاة عليه كالغائب في بلد آخر وهذا منتقض بما إذا كان معه في هذا الجانب‏.‏

فصل‏:‏

وتتوقف الصلاة على الغائب بشهر‏,‏ كالصلاة على القبر لأنه لا يعلم بقاؤه من غير تلاش أكثر من ذلك وقال ابن عقيل في أكيل السبع والمحترق بالنار‏:‏ يحتمل أن لا يصلى عليه لذهابه بخلاف الضائع والغريق فإنه قد بقي منه ما يصلى عليه ويصلى عليه إذا غرق قبل الغسل‏,‏ كالغائب في بلد بعيد لأن الغسل تعذر لمانع أشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم صلى على حسب حاله‏.‏

مسألة‏:‏

قال ‏[‏وإن كبر الإمام خمسا كبر بتكبيره‏]‏ لا يختلف المذهب أنه لا يجوز الزيادة على سبع تكبيرات‏,‏ ولا أنقص من أربع والأولى أربع لا يزاد عليها واختلفت الرواية فيما بين ذلك‏,‏ فظاهر كلام الخرقي أن الإمام إذا كبر خمسا تابعه المأموم ولا يتابعه في زيادة عليها رواه الأثرم عن أحمد وروي حرب عن أحمد إذا كبر خمسا لا يكبر معه‏,‏ ولا يسلم إلا مع الإمام قال الخلال‏:‏ وكل من روى عن أبى عبد الله يخالفه وممن لم ير متابعة الإمام في زيادة على أربع الثوري ومالك وأبو حنيفة‏,‏ والشافعي واختارها ابن عقيل لأنها زيادة غير مسنونة للإمام فلا يتابعه المأموم فيها‏,‏ كالقنوت في الركعة الأولى ولنا‏:‏ ما روى عن زيد بن أرقم أنه ‏(‏كبر على جنازة خمسا وقال‏:‏ كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكبرها‏)‏ أخرجه مسلم وسعيد بن منصور وغيرهما وفي رواية سعيد‏:‏ فسئل عن ذلك فقال‏:‏ سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال سعيد‏:‏ ثنا خالد بن عبد الله عن يحيى الجابري عن عيسى مولى لحذيفة‏,‏ أنه كبر على جنازة خمسا فقيل له فقال‏:‏ مولاى وولى نعمتى صلى على جنازة وكبر عليها خمسا وذكر حذيفة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعل ذلك وروى بإسناده أن عليا صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه خمسا وكان أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمسا وروى الخلال بإسناده عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ كل ذلك قد كان أربعا وخمسا وأمر الناس بأربع قال أحمد في إسناد حديث زيد بن أرقم‏:‏ إسناد جيد رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى‏,‏ عن زيد بن أرقم ومعلوم أن المصلين معه كانوا يتابعونه وروى الأثرم عن على ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يكبر على أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير أهل بدر خمسا وعلى سائر الناس أربعا وهذا أولى مما ذكروه فأما إن زاد الإمام عن خمس فعن أحمد أنه يكبر مع الإمام إلى سبع قال الخلال‏:‏ ثبت القول عن أبي عبد الله أنه يكبر مع الإمام إلى سبع‏,‏ ثم لا يزاد على سبع ولا يسلم إلا مع الإمام وهذا قول بكر بن عبد الله المزني وقال عبد الله بن مسعود كبر ما كبر إمامك فإنه لا وقت ولا عدد ووجه ذلك ما روى ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كبر على حمزة سبعا‏)‏ رواه ابن شاهين وكبر على على جنازة أبي قتادة سبعا وعلى سهل بن حنيف ستا وقال‏:‏ إنه بدري وروي أن عمر ـ رضي الله عنه ـ جمع الناس فاستشارهم‏,‏ فقال بعضهم‏:‏ كبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سبعا وقال بعضهم‏:‏ خمسا وقال بعضهم‏:‏ أربعا فجمع عمر الناس على أربع تكبيرات وقال‏:‏ هو أطول الصلاة وقال الحكم بن عتيبة‏:‏ إن عليا ـ رضي الله عنه ـ صلى على سهل بن حنيف‏,‏ فكبر عليه ستا وكانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا فإن زاد على سبع لم يتابعه نص عليه أحمد وقال في رواية أبي داود‏:‏ إن زاد على سبع ينبغي أن يسبح به‏,‏ ولا أعلم أحدا قال بالزيادة على سبع إلا عبد الله بن مسعود فإن علقمة روى أن أصحاب عبد الله قالوا له‏:‏ إن أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمسا فلو وقت لنا وقتا فقال‏:‏ إذا تقدمكم إمامكم فكبروا ما يكبر فإنه لا وقت ولا عدد رواه سعيد والأثرم والصحيح أنه لا يزاد على سبع لأنه لم ينقل ذلك من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا أحد من الصحابة‏,‏ ولكن لا يسلم حتى يسلم إمامه قال ابن عقيل لا يختلف قول أحمد إذا كبر الإمام زيادة على أربع أنه لا يسلم قبل إمامه على الروايات الثلاث‏,‏ بل يتبعه ويقف فيسلم معه قال الخلال العمل في نص قوله وما ثبت عنه أنه يكبر ما كبر الإمام إلى سبع وإن زاد على سبع فلا ولا يسلم إلا مع الإمام وهو مذهب الشافعي في أنه لا يسلم قبل إمامه وقال الثوري‏,‏ وأبو حنيفة ينصرف كما لو قام الإمام إلى خامسة فارقه‏,‏ ولم ينتظر تسليمه قال أبو عبد الله‏:‏ ما أعجب حال الكوفيين سفيان ينصرف إذا كبر الرابعة والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كبر خمسا وفعله زيد بن أرقم وحذيفة وقال ابن مسعود كبر ما كبر إمامك ولأن هذه زيادة قول مختلف فيه‏,‏ فلا يسلم قبل إمامه إذا اشتغل به كما لو صلى خلف من يقنت في صلاة يخالفه الإمام في القنوت فيها ويخالف ما قاسوا عليه من وجهين‏:‏ أحدهما أن الركعة الخامسة لا خلاف فيها والثاني‏,‏ أنها فعل والتكبيرة الزائدة بخلافها وكل تكبيرة قلنا يتابع الإمام فيها فله فعلها‏,‏ وما لا فلا‏.‏

فصل‏:‏

والأفضل أن لا يزيد على أربع لأن فيه خروجا من الخلاف وأكثر أهل العلم يرون التكبير أربعا منهم عمر وابنه وزيد بن ثابت وجابر‏,‏ وابن أبي أوفي والحسن بن علي والبراء بن عازب‏,‏ وأبو هريرة وعقبة بن عامر وابن الحنفية وعطاء‏,‏ والأوزاعي وهو قول مالك وأبي حنيفة‏,‏ والثوري والشافعي لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كبر على النجاشي أربعا متفق عليه وكبر على قبر بعدما دفن أربعا وجمع عمر الناس على أربع ولأن أكثر الفرائض لا تزيد على أربع‏,‏ ولا يجوز النقصان منها وروي عن ابن عباس أنه كبر على الجنازة ثلاثا ولم يعجب ذلك أبا عبد الله وقال‏:‏ قد كبر أنس ثلاثا ناسيا فأعاد ولأنه خلاف ما نقل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأن الصلاة الرباعية إذا نقص منها ركعة بطلت كذلك ها هنا فإن نقص منها تكبيرة عامدا بطلت‏,‏ كما لو ترك ركعة عمدا وإن تركها سهوا احتمل أن يعيدها كما فعل أنس ويحتمل أن يكبرها‏,‏ ما لم يطل الفصل كما لو نسي ركعة ولا يشرع لها سجود سهو في الموضعين‏.‏

فصل‏:‏

قال أحمد - رحمه الله - ‏:‏ يكبر على الجنازة فيجيئون بأخرى‏,‏ يكبر إلى سبع ثم يقطع ولا يزيد على ذلك حتى ترفع الأربع قال أصحابنا‏:‏ إذا كبر على جنازة ثم جيء بأخرى‏,‏ كبر الثانية عليهما وينويهما فإن جيء بثالثة كبر الثالثة عليهن ونواهن‏,‏ فإن جيء برابعة كبر الرابعة عليهن ونواهن ثم يكمل التكبير عليهن إلى سبع‏,‏ ليحصل للرابعة أربع تكبيرات إذ لا يجوز النقصان منهن ويحصل للأولى سبع‏,‏ وهو أكثر ما ينتهى إليه التكبير فإن جيء بخامسة لم ينوها بالتكبير وإن نواها لم يجز لأنه دائر بين أن يزيد على سبع أو ينقص في تكبيرها عن أربع‏,‏ وكلاهما لا يجوز وهكذا لو جيء بثانية بعد الرابعة لم يجز أن يكبر عليها الخامسة لما بينا فإن أراد أهل الجنازة الأولى رفعها قبل سلام الإمام لم يجز لأن السلام ركن لا تتم الصلاة إلا به إذا تقرر هذا‏,‏ فإنه يقرأ في التكبيرة الخامسة الفاتحة وفي السادسة يصلى على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويدعو في السابعة ليكمل لجميع الجنائز القراءة والأذكار كما كمل لهن التكبيرات وذكر ابن عقيل وجها ثانيا قال‏:‏ ويحتمل أن يكبر ما زاد على الأربع متتابعا‏,‏ كما قلنا في القضاء للمسبوق ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كبر سبعا ومعلوم أنه لم يرو أنه قرأ قراءتين والأول أصح لأن الثانية وما بعدها جنائز‏,‏ فيعتبر في الصلاة عليهن شروط الصلاة وواجباتها كالأولى‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏والإمام يقوم عند صدر الرجل ووسط المرأة‏]‏ لا يختلف المذهب في أن السنة أن يقوم الإمام في صلاة الجنازة حذاء وسط المرأة‏,‏ وعند صدر الرجل أو عند منكبيه وإن وقف في غير هذا الموقف خالف سنة الموقف وأجزأه وهذا قول إسحاق‏,‏ ونحوه قول الشافعي إلا أن بعض أصحابه قال‏:‏ يقوم عند رأس الرجل وهو مذهب أبي يوسف ومحمد لما روي عن أنس ‏(‏أنه صلى على رجل فقام عند رأسه‏,‏ ثم صلى على امرأة فقام حيال وسط السرير فقال له العلاء بن زياد‏:‏ هكذا رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام على الجنازة مقامك منها ومن الرجل مقامك منه‏؟‏ قال‏:‏ نعم فلما فرغ‏,‏ قال‏:‏ احفظوا‏)‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن وقال أبو حنيفة‏:‏ يقوم عند صدر الرجل والمرأة لأنهما سواء فإذا وقف عند صدر الرجل فكذا المرأة وقال مالك‏:‏ يقف من الرجل عند وسطه لأنه يروى مثل هذا عن ابن مسعود ويقف من المرأة عند منكبيها لأن الوقوف عند أعاليها أمثل وأسلم ولنا‏,‏ ما روى سمرة قال‏:‏ ‏(‏صليت وراء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها‏)‏ متفق عليه وحديث أنس الذي ذكرناه والمرأة تخالف الرجل في الموقف‏,‏ فجاز أن تخالفه ها هنا ولأن قيامه عند وسط المرأة أستر لها من الناس فكان أولى فأما قول من قال‏:‏ يقف عند رأس الرجل فغير مخالف لقول من قال بالوقوف عند الصدر لأنهما متقاربان فالواقف عند أحدهما واقف عند الآخر‏,‏ والله أعلم‏.‏