فصل: فصل‏:‏ اختلاط موتى المسلمين بموتى المشركين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

فإن اجتمع جنائز رجال ونساء فعن أحمد فيه روايتان‏:‏ إحداهما يسوى بين رءوسهم وهذا اختيار القاضي‏,‏ وقول إبراهيم وأهل مكة ومذهب أبي حنيفة لأنه يروي عن ابن عمر أنه كان يسوي بين رءوسهم وروى سعيد‏,‏ بإسناده عن الشعبي أن أم كلثوم بنت على وابنها زيد بن عمر توفيا جميعا فأخرجت جنازتاهما‏,‏ فصلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رءوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما وبإسناده عن حبيب بن أبي ثابت قال‏:‏ قدم سعيد بن جبير على أهل مكة‏,‏ وهم يسوون بين الرجل والمرأة إذا صلى عليهما فأرادهم على أن يجعلوا رأس المرأة عند وسط الرجل فأبوا عليه والرواية الثانية‏,‏ أن يصف الرجال صفا والنساء صفا ويجعل وسط النساء عند صدور الرجال وهذا اختيار أبي الخطاب ليكون موقف الإمام عند صدر الرجل ووسط المرأة وقال سعيد‏:‏ حدثني خالد بن يزيد بن أبى مالك الدمشقي قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ رأيت واثلة بن الأسقع يصلي على جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعت‏,‏ فيصف الرجال صفا ثم يصف النساء خلف الرجال رأس أول امرأة يضعها عند ركبة آخر الرجال‏,‏ ثم يصفهن ثم يقوم وسط الرجال وإذا كانوا رجالا كلهم صفهم‏,‏ ثم قام وسطهم وهذا يشبه مذهب مالك وقول سعيد بن جبير وما ذكرناه أولى لأنه مدلول عليه بفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا حجة في قول أحد خالف فعله أو قوله والله أعلم‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ولا يصلى على القبر بعد شهر‏]‏ وبهذا قال بعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم‏:‏ يصلى عليه أبدا واختاره ابن عقيل لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنين حديث صحيح‏,‏ متفق عليه وقال بعضهم يصلى عليه ما لم يبل جسده وقال أبو حنيفة‏:‏ يصلي عليه الولي إلى ثلاث ولا يصلي عليه غيره بحال وقال إسحاق‏:‏ يصلي عليه الغائب إلى شهر والحاضر إلى ثلاث ولنا‏,‏ ما روى سعيد بن المسيب ‏(‏أن أم سعد ماتت والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر‏)‏ أخرجه الترمذي وقال أحمد‏:‏ أكثر ما سمعنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر ولأنها مدة يغلب على الظن بقاء الميت فيها‏,‏ فجازت الصلاة عليه فيها كما قبل الثلاث وكالغائب‏,‏ وتجويز الصلاة عليه مطلقا باطل بقبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه لا يصلى عليه الآن اتفاقا وكذلك التحديد ببلى الميت فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يبلى‏,‏ ولا يصلى على قبره فإن قيل‏:‏ فالخبر دل على الجواز بعد شهر فكيف منعتموه‏؟‏ قلنا‏:‏ تحديده بالشهر دليل على أن صلاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت عند رأسه ليكون مقاربا للحد‏,‏ وتجوز الصلاة بعد الشهر قريبا منه لدلالة الخبر عليه ولا يجوز بعد ذلك لعدم وروده‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا تشاح الورثة في الكفن جعل بثلاثين درهما‏,‏ فإن كان موسرا فبخمسين‏)‏ وجملة ذلك أنه يستحب تحسين كفن الميت بدليل ما روى مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر رجلا من أصحابه قبض‏,‏ فكفن في كفن غير طائل فقال‏:‏ ‏(‏إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه‏)‏ ويستحب تكفينه في البياض لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏البسوا من ثيابكم البياض فإنه أطهر وأطيب‏,‏ وكفنوا فيها موتاكم‏)‏ رواه النسائي وكفن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ثلاثة أثواب سحولية وإن تشاح الورثة في الكفن جعل كفنه بحسب حاله إن كان موسرا كان كفنه رفيعا حسنا‏,‏ ويجعل على حسب ما كان يلبس في حال الحياة وإن كان دون ذلك فعلى حسب حاله وقول الخرقي‏:‏ ‏"‏ جعل بثلاثين درهما وإن كان موسرا فبخمسين ‏"‏ ليس هو على سبيل التحديد‏,‏ إذ لم يرد فيه نص ولا فيه إجماع والتحديد إنما يكون بأحدهما‏,‏ وإنما هو تقريب فلعله كان يحصل الجيد والمتوسط في وقته بالقدر الذي ذكره وقد روى عن ابن مسعود‏,‏ أنه أوصى أن يكفن بنحو من ثلاثين درهما والمستحب أن يكفن في جديد إلا أن يوصي الميت بغير ذلك فتمتثل وصيته كما روي عن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ كفنوني في ثوبي هذين‏,‏ فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت وإنما هما للمهنة والتراب وذهب ابن عقيل إلى أن التكفين في الخليع أولى لهذا الخبر والأول أولى لدلالة قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفعل أصحابه عليه‏.‏

فصل‏:‏

ويجب كفن الميت لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر به‏,‏ ولأن سترته واجبة في الحياة فكذلك بعد الموت ويكون ذلك من رأس ماله مقدما على الدين والوصية والميراث لأن حمزة ومصعب بن عمير ـ رضي الله عنه ـ ما لم يوجد لكل واحد منهما إلا ثوب‏,‏ فكفن فيه ولأن لباس المفلس مقدم على قضاء دينه فكذلك كفن الميت ولا ينتقل إلى الوارث من مال الميت إلا ما فضل عن حاجته الأصلية‏,‏ وكذلك مئونة دفنه وتجهيزه وما لا بد للميت منه فأما الحنوط والطيب‏,‏ فليس بواجب ذكره أبو عبد الله بن حامد ولأنه لا يجب في الحياة فكذلك بعد الموت وقال القاضي‏:‏ يحتمل أنه واجب لأنه مما جرت العادة به وليس بصحيح فإن العادة جرت بتحسين الكفن وليس بواجب‏.‏

فصل‏:‏

وكفن المرأة ومئونة دفنها من مالها إن كان لها مال وهذا قول الشعبي‏,‏ وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم‏:‏ يجب على الزوج واختلفوا عن مالك فيه واحتجوا بأن كسوتها ونفقتها واجبة عليه فوجب عليه كفنها كسيد العبد والوالد ولنا‏,‏ أن النفقة والكسوة تجب في النكاح للتمكن من الاستمتاع ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة وقد انقطع ذلك بالموت‏,‏ فأشبه ما لو انقطع بالفرقة في الحياة ولأنها بانت منه بالموت فأشبهت الأجنبية وفارقت المملوك‏,‏ فإن نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته والولد تجب نفقته بالقرابة ولا يبطل ذلك بالموت بدليل أن السيد والوالد أحق بدفنه وتوليه إذا تقرر هذا فإنه إن لم يكن لها مال‏,‏ فعلى من تلزمه نفقتها من الأقارب فإن لم يكن ففي بيت المال كمن لا زوج لها‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ والسقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر‏,‏ غسل وصلى عليه السقط‏:‏ الولد تضعه المرأة ميتا أو لغير تمام‏,‏ فأما إن خرج حيا واستهل فإنه يغسل ويصلى عليه بغير خلاف قال ابن المنذر‏:‏ أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته واستهل صلى عليه وإن لم يستهل‏,‏ فقال أحمد‏:‏ إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلى عليه وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وإسحاق‏,‏ وصلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتا وقال الحسن وإبراهيم والحكم وحماد‏,‏ ومالك والأوزاعي وأصحاب الرأي‏:‏ لا يصلي عليه حتى يستهل وللشافعي قولان كالمذهبين لما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏الطفل لا يصلى عليه ولا يرث‏,‏ ولا يورث حتى يستهل‏)‏ رواه الترمذي ولأنه لم يثبت له حكم الحياة ولا يرث ولا يورث‏,‏ فلا يصلى عليه كمن دون أربعة أشهر ولنا ما روى المغيرة‏,‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏والسقط يصلى عليه‏)‏ رواه أبو داود والترمذي وفي لفظ رواية الترمذي‏:‏ ‏[‏والطفل يصلى عليه‏]‏ وقال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح وذكره أحمد واحتج به وبحديث أبى بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ ما أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل‏,‏ ولأنه نسمة نفخ فيه الروح فيصلى عليه كالمستهل فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر في حديثه الصادق المصدوق أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر وحديثهم‏,‏ قال الترمذي‏:‏ قد اضطرب الناس فيه فرواه بعضهم موقوفا قال الترمذي‏:‏ كأن هذا أصح من المرفوع وأما الإرث فلأنه لا تعلم حياته حال موت مورثه وذلك من شرط الإرث والصلاة من شرطها أن تصادف من كانت فيه حياة‏,‏ وقد علم ذلك بما ذكرنا من الحديث ولأن الصلاة عليه دعاء له ولوالديه وخير‏,‏ فلا يحتاج فيها إلى الاحتياط واليقين لوجود الحياة بخلاف الميراث فأما من لم يأت له أربعة أشهر فإنه لا يغسل‏,‏ ولا يصلى عليه ويلف في خرقة ويدفن ولا نعلم فيه خلافا‏,‏ إلا عن ابن سيرين فإنه قال‏:‏ يصلى عليه إذا علم أنه نفخ فيه الروح وحديث الصادق المصدوق يدل على أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد أربعة أشهر وقبل ذلك فلا يكون نسمة‏,‏ فلا يصلى عليه كالجمادات والدم‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏فإن لم يتبين أذكر هو أم أنثى‏,‏ سمى اسما يصلح للذكر والأنثى‏]‏ هذا على سبيل الاستحباب لأنه يروى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال ‏(‏سموا أسقاطكم فإنهم أسلافكم‏)‏ رواه ابن السماك بإسناده قيل‏:‏ إنهم إنما يسمون ليدعوا يوم القيامة بأسمائهم فإذا لم يعلم هل السقط ذكر أو أنثى سمى اسما يصلح لهما جميعا كسلمة‏,‏ وقتادة وسعادة وهند‏,‏ وعتبة وهبة الله ونحو ذلك‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ وتغسل المرأة زوجها قال ابن المنذر‏:‏ أجمع أهل العلم على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات قالت عائشة‏:‏ لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا نساؤه رواه أبو داود وأوصى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس وكانت صائمة‏,‏ فعزم عليها أن تفطر فلما فرغت من غسله ذكرت يمينه فقالت‏:‏ لا أتبعه اليوم حنثا فدعت بماء فشربت وغسل أبا موسى امرأته أم عبد الله‏,‏ وأوصى جابر بن زيد أن تغسله امرأته قال أحمد ليس فيه اختلاف بين الناس‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس المشهور عن أحمد أن للزوج غسل امرأته وهو قول علقمة وعبد الرحمن بن يزيد بن الأسود‏,‏ وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن‏,‏ وقتادة وحماد ومالك‏,‏ والأوزاعي والشافعي وإسحاق وعن أحمد رواية ثانية‏,‏ ليس للزوج غسلها وهو قول أبي حنيفة والثوري لأن الموت فرقة تبيح أختها وأربعا سواها‏,‏ فحرمت النظر واللمس كالطلاق ولنا ما روي ابن المنذر أن عليا ـ رضي الله عنه ـ غسل فاطمة ـ رضي الله عنه ـا واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكروه‏,‏ فكان إجماعا ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعائشة‏:‏ ـ رضي الله عنه ـا ‏(‏لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك‏)‏ رواه ابن ماجه والأصل في إضافة الفعل إلى الشخص أن يكون للمباشرة وحمله على الأمر يبطل فائدة التخصيص ولأنه أحد الزوجين فأبيح له غسل صاحبه كالآخر‏,‏ والمعنى فيه أن كل واحد من الزوجين يسهل عليه إطلاع الآخر على عورته دون غيره لما كان بينهما في الحياة ويأتي بالغسل على أكمل ما يمكنه‏,‏ لما بينهما من المودة والرحمة وما قاسوا عليه لا يصح لأنه يمنع الزوجة من النظر وهذا بخلافه‏,‏ ولأنه لا فرق بين الزوجين إلا بقاء العدة ولا أثر لها بدليل‏,‏ ما لو مات المطلق ثلاثا فإنه لا يجوز لها غسله مع العدة ولأن المرأة لو وضعت حملها عقب موته كان لها غسله ولا عدة عليها وقول الخرقي وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس ‏"‏ يعني به‏,‏ أنه يكره له غسلها مع وجود من يغسلها سواه لما فيه من الخلاف والشبهة ولم يرد أنه محرم فإن غسلها لو كان محرما لم تبحه الضرورة‏,‏ كغسل ذوات محارمه والأجنبيات‏.‏

فصل‏:‏

فإن طلق امرأته ثم مات أحدهما في العدة وكان الطلاق رجعيا‏,‏ فحكمهما حكم الزوجين قبل الطلاق لأنها زوجة تعتد للوفاة وترثه ويرثها ويباح له وطؤها وإن كان بائنا لم يجز لأن اللمس والنظر محرم حال الحياة‏,‏ فبعد الموت أولى وإن قلنا‏:‏ إن الرجعية محرمة لم يبح لأحدهما غسل صاحبه لما ذكرناه‏.‏

فصل‏:‏

وحكم أم الولد حكم المرأة فيما ذكرنا وقال ابن عقيل‏:‏ يحتمل أن لا يجوز لها غسل سيدها لأن عتقها حصل بالموت ولم يبق علقة من ميراث ولا غيره وهذا قول أبي حنيفة ولنا أنها في معنى الزوجة في اللمس والنظر والاستمتاع‏,‏ فكذلك في الغسل والميراث ليس من المقتضى بدليل الزوجين إذا كان أحدهما رقيقا‏,‏ والاستبراء ها هنا كالعدة ولأنها إذا ماتت يلزمه كفنها ودفنها ومؤنتها بخلاف الزوجة فأما غير أم الولد من الإماء فيحتمل أن لا يجوز لها غسل سيدها لأن الملك انتقل فيها إلى غيره‏,‏ ولم يكن بينهما من الاستمتاع ما تصير به في معنى الزوجات ولو مات قبل الدخول بامرأته احتمل أن لا يباح لها غسله لذلك والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏

وإن كانت الزوجة ذمية فليس لها غسل زوجها لأن الكافر لا يغسل المسلم‏,‏ لأن النية واجبة في الغسل والكافر ليس من أهلها وليس لزوجها غسلها لأن المسلم لا يغسل الكافر‏,‏ ولا يتولى دفنه ولأنه لا ميراث بينهما ولا موالاة‏,‏ وقد انقطعت الزوجية بالموت ويتخرج جواز ذلك بناء على جواز غسل المسلم الكافر‏.‏

فصل‏:‏

وليس لغير من ذكرنا من الرجال غسل أحد من النساء ولا أحد من النساء غسل غير من ذكرنا من الرجال وإن كن ذوات رحم محرم وهذا قول أكثر أهل العلم وحكى عن أبي قلابة أنه غسل ابنته واستعظم أحمد هذا‏,‏ ولم يعجبه وقال‏:‏ أليس قد قيل‏:‏ استأذن على أمك وذلك لأنها محرمة حال الحياة فلم يجز غسلها كالأجنبية وأخته من الرضاع فإن دعت الضرورة إلى ذلك بأن لا يوجد من يغسل المرأة من النساء‏,‏ فقال مهنا‏:‏ سألت أحمد عن الرجل يغسل أخته إذا لم يجد نساء قال‏:‏ لا قلت‏:‏ فكيف يصنع‏؟‏ قال‏:‏ يغسلها وعليها ثيابها يصب عليها الماء صبا قلت لأحمد‏:‏ وكذلك كل ذات محرم تغسل وعليها ثيابها‏؟‏ قال‏:‏ نعم وقال الحسن ومحمد ومالك‏:‏ لا بأس بغسل ذات محرم عند الضرورة فأما إن مات رجل بين نسوة أجانب أو امرأة بين رجال أجانب‏,‏ أو مات خنثى مشكل فإنه ييمم وهذا قول سعيد بن المسيب والنخعي‏,‏ وحماد ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر وحكى أبو الخطاب رواية ثانية أنه يغسل من فوق القميص‏,‏ يصب عليه الماء من فوق القميص صبا ولا يمس وهو قول الحسن وإسحاق ولنا‏,‏ ما روى تمام الرازي في ‏"‏فوائده‏"‏ بإسناده عن مكحول عن واثلة قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال‏)‏ ولأن الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف‏,‏ ولا إزالة النجاسة بل ربما كثرت ولا يسلم من النظر فكان العدول إلى التيمم أولى‏,‏ كما لو عدم الماء‏.‏

فصل‏:‏

وللنساء غسل الطفل بغير خلاف قال ابن المنذر‏:‏ أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير قال أحمد‏:‏ لهن غسل من له دون سبع سنين وقال الحسن‏:‏ إذا كان فطيما أو فوقه وقال الأوزاعي‏:‏ ابن أربع أو خمس وقال أصحاب الرأي‏:‏ الذي لم يتكلم - ولنا‏,‏ أن من له دون السبع لم نؤمر بأمره بالصلاة ولا عورة له فأشبه ما سلموه‏,‏ فأما من بلغ السبع ولم يبلغ عشرا فحكى أبو الخطاب فيه روايتين والصحيح أن من بلغ عشرا ليس للنساء غسله لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ ‏(‏وفرقوا بينهم في المضاجع‏)‏ وأمر بضربهم للصلاة لعشر ومن دون العشر يحتمل أن يلحق بمن دون السبع لأنه في معناه‏,‏ ويحتمل أن لا يلحق به لأنه يفارقه في أمره بالصلاة وقربه من المراهقة فأما الجارية الصغيرة‏,‏ فلم ير أبو عبد الله أن يغسلها الرجل وقال‏:‏ النساء أعجب إلى وذكر له أن الثوري يقول‏:‏ تغسل المرأة الصبي والرجل الصبية قال‏:‏ لا بأس أن تغسل المرأة الصبي‏,‏ وأما الرجل يغسل الصبية فلا أجترئ عليه إلا أن يغسل الرجل ابنته الصغيرة فإنه يروى عن أبي قلابة أنه غسل بنتا له صغيرة والحسن قال‏:‏ لا بأس أن يغسل الرجل ابنته‏,‏ إذا كانت صغيرة وكره غسل الرجل الصغيرة سعيد والزهري قال الخلال‏:‏ القياس التسوية بين الغلام والجارية لولا أن التابعين فرقوا بينهما فكرهه أحمد لذلك وسوى أبو الخطاب بينهما‏,‏ فجعل فيهما روايتين جريا على موجب القياس والصحيح ما عليه السلف من أن الرجل لا يغسل الجارية‏,‏ والتفرقة بين عورة الغلام والجارية لأن عورة الجارية أفحش ولأن العادة معاناة المرأة للغلام الصغير ومباشرة عورته في حال تربيته‏,‏ ولم تجر العادة بمباشرة الرجل عورة الجارية في الحياة فكذلك حالة الموت والله أعلم فأما الصبي إذا غسل الميت‏,‏ فإن كان عاقلا صح غسله صغيرا كان أو كبيرا لأنه يصح طهارته فصح أن يطهر غيره كالكبير فصل‏:‏ ويصح أن يغسل المحرم الحلال‏,‏ والحلال المحرم لأن كل واحد منهما تصح طهارته وغسله فكان له أن يغسل غيره‏.‏

فصل‏:‏

ولا يصح غسل الكافر للمسلم لأنه عبادة وليس الكافر من أهلها وقال مكحول في امرأة توفيت في سفر‏,‏ ومعها ذو محرم ونساء نصارى‏:‏ يغسلها النساء وقال سفيان في رجل مات مع نساء ليس معهن رجل قال‏:‏ إن وجدوا نصرانيا أو مجوسيا‏,‏ فلا بأس إذا توضأ أن يغسله ويصلى عليه النساء وغسلت امرأة علقمة امرأة نصرانية ولم يعجب هذا أبا عبد الله وقال‏:‏ لا يغسله إلا مسلم وييمم لأن الكافر نجس‏,‏ فلا يطهر غسله المسلم ولأنه ليس من أهل العبادة فلا يصح غسله للمسلم كالمجنون وإن مات كافر مع مسلمين لم يغسلوه‏,‏ سواء كان قريبا لهم أو لم يكن ولا يتولوا دفنه إلا أن لا يجدوا من يواريه وهذا قول مالك وقال أبو حفص العكبري‏:‏ يجوز له غسل قريبه الكافر‏,‏ ودفنه وحكاه قولا لأحمد وهو مذهب الشافعي لما روي عن على ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏قلت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ إن عمك الشيخ الضال قد مات فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ اذهب فواره‏)‏ ولنا أنه لا يصلى عليه‏,‏ ولا يدعو له فلم يكن له غسله وتولى أمره‏,‏ كالأجنبي والحديث إن صح يدل على مواراته له وذلك إذا خاف من التعيير به‏,‏ والضرر ببقائه قال أحمد - رحمه الله- في يهودي أو نصراني مات‏,‏ وله ولد مسلم‏:‏ فليركب دابة وليسر أمام الجنازة وإذا أراد أن يدفن رجع‏,‏ مثل قول عمر ـ رضي الله عنه ـ‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏والشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل ولم يصل عليه‏]‏ يعني إذا مات في المعترك‏,‏ فإنه لا يغسل رواية واحدة وهو قول أكثر أهل العلم‏,‏ ولا نعلم فيه خلافا إلا عن الحسن وسعيد بن المسيب‏,‏ قالا‏:‏ يغسل الشهيد ما مات ميت إلا جنبا والاقتداء بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه في ترك غسلهم أولى فأما الصلاة عليه فالصحيح أنه لا يصلى عليه وهو قول مالك‏,‏ والشافعي وإسحاق وعن أحمد رواية أخرى‏,‏ أنه يصلى عليه اختارها الخلال وهو قول الثوري وأبي حنيفة إلا أن كلام أحمد في هذه الرواية يشير إلى أن الصلاة عليه مستحبة غير واجبة قال في موضع‏:‏ إن صلى عليه فلا بأس به وفي موضع آخر‏,‏ قال‏:‏ يصلي وأهل الحجاز لا يصلون عليه وما تضره الصلاة‏,‏ لا بأس به وصرح بذلك في رواية المروذي فقال‏:‏ الصلاة عليه أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأ فكأن الروايتين في استحباب الصلاة‏,‏ لا في وجوبها إحداهما يستحب لما روى عقبة أن ‏(‏النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج يوما‏,‏ فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر‏)‏ متفق عليه وعن ابن عباس ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى على قتلى أحد‏)‏ ولنا ما روى جابر ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم‏,‏ ولم يغسلهم ولم يصل عليهم‏)‏ متفق عليه ولأنه لا يغسل مع إمكان غسله فلم يصل عليه‏,‏ كسائر من لم يغسل وحديث عقبة مخصوص بشهداء أحد فإنه صلى عليهم في القبور بعد ثماني سنين‏,‏ وهم لا يصلون على القبر أصلا ونحن لا نصلي عليه بعد شهر وحديث ابن عباس يرويه الحسن بن عمارة وهو ضعيف‏,‏ وقد أنكر عليه شعبة رواية هذا الحديث وقال‏:‏ إن جرير بن حازم يكلمني في أن لا أتكلم في الحسن بن عمارة وكيف لا أتكلم فيه وهو يروي هذا الحديث ثم نحمله على الدعاء إذا ثبت هذا فيحتمل أن ترك غسل الشهيد لما تضمنه الغسل من إزالة أثر العبادة المستحسنة شرعا فإنه جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏والذي نفسى بيده‏,‏ لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة‏,‏ واللون لون دم والريح ريح مسك‏)‏ رواه البخاري وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏ليس شيء أحب إلى الله عز وجل من قطرتين وأثرين‏:‏ أما الأثران فأثر في سبيل الله‏,‏ وأثر في فريضة من فرائض الله تعالى‏)‏ رواه الترمذي وقال‏:‏ هو حديث حسن وقد جاء ذكر هذه العلة في الحديث‏,‏ فإن عبد الله بن ثعلبة قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏زملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في سبيل الله إلا يأتي يوم القيامة يدمي لونه لون الدم‏,‏ وريحه ريح المسك‏)‏ رواه النسائي ويحتمل أن الغسل لا يجب إلا من أجل الصلاة إلا أن الميت لا فعل له فأمرنا بغسله لنصلي عليه‏,‏ فمن لم تجب الصلاة عليه لم يجب غسله كالحي ويحتمل أن الشهداء في المعركة يكثرون فيشق غسلهم‏,‏ وربما يكون فيهم الجراح فيتضررون فعفي عن غسلهم لذلك وأما سقوط الصلاة عليهم فيحتمل أن تكون علته كونهم أحياء عند ربهم‏,‏ والصلاة إنما شرعت في حق الموتي ويحتمل أن ذلك لغناهم عن الشفاعة لهم فإن الشهيد يشفع في سبعين من أهله فلا يحتاج إلى شفيع‏,‏ والصلاة إنما شرعت للشفاعة‏.‏

فصل‏:‏

فإن كان الشهيد جنبا غسل وحكمه في الصلاة عليه حكم غيره من الشهداء وبه قال أبو حنيفة وقال مالك‏:‏ لا يغسل لعموم الخبر وعن الشافعي كالمذهبين ولنا ما روي ‏(‏أن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد‏,‏ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ما شأن حنظلة‏؟‏ فإني رأيت الملائكة تغسله فقالوا‏:‏ إنه جامع ثم سمع الهيعة فخرج إلى القتال‏)‏ رواه ابن إسحاق في ‏"‏ المغازي ‏"‏ ولأنه غسل واجب لغير الموت‏,‏ فلم يسقط بالموت كغسل الجنابة وحديثهم لا عموم له فإنه قضية في عين ورد في شهداء أحد وحديثنا خاص في حنظلة‏,‏ وهو من شهداء أحد فيجب تقديمه إذا ثبت هذا فمن وجب الغسل عليه بسبب سابق على الموت‏,‏ كالمرأة تطهر من حيض أو نفاس ثم تقتل فهي كالجنب للعلة التي ذكرناها ولو قتلت في حيضها أو نفاسها‏,‏ لم يجب الغسل لأن الطهر من الحيض شرط في الغسل أو في السبب الموجب فلا يثبت الحكم بدونه فأما إن أسلم‏,‏ ثم استشهد فلا غسل عليه لأنه روي أن أصيرم بني عبد الأشهل أسلم يوم أحد ثم قتل‏,‏ فلم يؤمر بغسله‏.‏

فصل‏:‏

والبالغ وغيره سواء وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد‏,‏ وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ لأنه ليس من أهل القتال ولنا أنه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم‏,‏ أشبه البالغ ولأنه أشبه البالغ في الصلاة عليه والغسل إذا لم يقتله المشركون فيشبهه في سقوط ذلك عنه بالشهادة‏,‏ وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان وعمير بن أبي وقاص أخو سعد وهما صغيران‏,‏ والحديث عام في الكل وما ذكره يبطل بالنساء‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ودفن في ثيابه وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نحي عنه‏]‏ أما دفنه بثيابه فلا نعلم فيه خلافا‏,‏ وهو ثابت بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ‏(‏ادفنوهم بثيابهم‏)‏ وروي أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس‏,‏ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏أمر بقتلي أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم‏)‏ وليس هذا بحتم‏,‏ لكنه الأولى وللولي أن ينزع عنه ثيابه ويكفنه بغيرها وقال أبو حنيفة‏:‏ لا ينزع عنه شيء لظاهر الخبر ولنا‏,‏ ما روي ‏(‏أن صفية أرسلت إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلا آخر‏)‏ رواه يعقوب بن شيبة‏,‏ وقال‏:‏ هو صالح الإسناد فدل على أن الخيار للولي والحديث الآخر يحمل على الإباحة والاستحباب إذا ثبت هذا فإنه ينزع عنه من لباسه ما لم يكن من عامة لباس الناس من الجلود والفراء والحديد قال أحمد‏:‏ لا يترك عليه فرو‏,‏ ولا خف ولا جلد وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وقال مالك‏:‏ لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا محشو لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏ادفنوهم بثيابهم‏)‏ وهذا عام في الكل‏,‏ وما رويناه أخص فكان أولى‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإن حمل وبه رمق غسل وصلى عليه‏]‏ معنى قوله‏:‏ ‏"‏رمق‏"‏ أي حياة مستقرة فهذا يغسل‏,‏ ويصلى عليه وإن كان شهيدا لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏غسل سعد بن معاذ وصلى عليه‏,‏ وكان شهيدا رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحله‏,‏ فحمل إلى المسجد فلبث فيه أياما حتى حكم في بني قريظة‏,‏ ثم انفتح جرحه فمات‏)‏ وظاهر كلام الخرقي أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل وصلى عليه وإن مات في المعترك‏,‏ أو عقب حمله لم يغسل ولم يصل عليه ونحو هذا قول مالك‏,‏ قال‏:‏ إن أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة‏,‏ غسل وقال أحمد في موضع‏:‏ إن تكلم أو أكل أو شرب‏,‏ صلى عليه وقول أصحاب أبي حنيفة نحو من هذا وعن أحمد أنه سئل عن المجروح إذا بقي في المعترك يوما إلى الليل ثم مات فرأى أن يصلي عليه وقال أصحاب الشافعي‏:‏ إن مات حال الحرب‏,‏ لم يغسل ولم يصل عليه وإلا فلا والصحيح‏:‏ التحديد بطول الفصل‏,‏ أو الأكل لأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة وطول الفصل يدل على ذلك وقد ثبت اعتباره في كثير من المواضع وأما الكلام والشرب‏,‏ وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشيء منها لأنه يروى ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال يوم أحد‏:‏ من ينظر ما فعل سعد بن الربيع‏؟‏ فقال رجل‏:‏ أنا أنظر لك يا رسول الله فنظر فوجده جريحا به رمق‏,‏ فقال له‏:‏ إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات‏؟‏ قال‏:‏ فأنا في الأموات فأبلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنى السلام وذكر الحديث قال‏:‏ ثم لم أبرح أن مات‏)‏ وروى أن أصيرم بنى عبد الأشهل وجد صريعا يوم أحد‏,‏ فقيل له‏:‏ ما جاء بك‏؟‏ قال‏:‏ أسلمت ثم جئت وهما من شهداء أحد دخلا في عموم قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏ادفنوهم بدمائهم وثيابهم‏)‏ ولم يغسلهم‏,‏ ولم يصل عليهم وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب وفي قصة أهل اليمامة‏,‏ عن ابن عمر أنه طاف في القتلى فوجد أبا عقيل الأنيفي قال‏:‏ فسقيته ماء‏,‏ وبه أربعة عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل فخرج الماء من جراحاته كلها‏,‏ فلم يغسل وفي فتوح الشام‏:‏ أن رجلا قال‏:‏ أخذت ماء لعلي أسقي ابن عمي إن وجدت به حياة فوجدت الحارث بن هشام فأردت أن أسقيه فإذا رجل ينظر إليه‏,‏ فأومأ لي أن أسقيه فذهبت إليه لأسقيه فإذا آخر ينظر إليه‏,‏ فأومأ لي أن أسقيه فلم أصل إليه حتى ماتوا كلهم ولم يفرد أحد منهم بغسل ولا صلاة‏,‏ وقد ماتوا بعد انقضاء الحرب‏.‏

فصل‏:‏

فإن كان الشهيد عاد عليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو وقال القاضي‏:‏ يغسل ويصلى عليه لأنه مات بغير أيدي المشركين‏,‏ أشبه ما لو أصابه ذلك في غير المعترك ولنا ما روى أبو داود عن ‏(‏رجل من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏:‏ أغرنا على حى من جهينة‏,‏ فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه فأخطأه فأصاب نفسه بالسيف‏,‏ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بثيابه ودمائه‏,‏ وصلى عليه فقالوا‏:‏ يا رسول الله أشهيد هو‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏,‏ وأنا له شهيد‏)‏ وعامر بن الأكوع بارز مرحبا يوم خيبر فذهب يسفل له فرجع سيفه على نفسه‏,‏ فكانت فيها نفسه فلم يفرد عن الشهداء بحكم ولأنه شهيد المعركة فأشبه ما لو قتله الكفار وبهذا فارق‏,‏ ما لو كان في غير المعترك فأما إن سقط من دابته أو وجد ميتا ولا أثر به‏,‏ فإنه يغسل نص عليه أحمد وتأول الحديث‏:‏ ‏(‏ادفنوهم بكلومهم‏)‏ فإذا كان به كلم لم يغسل وهذا قول أبي حنيفة في الذي يوجد ميتا لا أثر به وقال الشافعي‏:‏ لا يغسل بحال لاحتمال أنه مات بسبب من أسباب القتال ولنا أن الأصل وجوب الغسل‏,‏ فلا يسقط بالاحتمال ولأن سقوط الغسل في محل الوفاق مقرون بمن كلم فلا يجوز حذف ذلك عن درجة الاعتبار‏.‏

فصل‏:‏

ومن قتل من أهل العدل في المعركة‏,‏ فحكمه في الغسل والصلاة عليه حكم من قتل في معركة المشركين لأن عليا لم يغسل من قتل معه وعمار أوصى أن لا يغسل‏,‏ وقال‏:‏ ادفنونى في ثيابى فإنى مخاصم قال أحمد‏:‏ قد أوصى أصحاب الجمل‏:‏ إنا مستشهدون غدا فلا تنزعوا عنا ثوبا‏,‏ ولا تغسلوا عنا دما ولأنه شهيد المعركة أشبه قتيل الكفار وهذا قول أبي حنيفة وقال الشافعي في أحد قوليه‏:‏ يغسلون لأن أسماء غسلت ابنها عبد الله بن الزبير والأول أولى لما ذكرناه‏,‏ وأما عبد الله بن الزبير فإنه أخذ وصلب فهو كالمقتول ظلما وليس بشهيد المعركة وأما الباغي‏,‏ فقال الخرقي‏:‏ من قتل منهم غسل وكفن‏,‏ وصلى عليه ويحتمل إلحاقه بأهل العدل لأنه لم ينقل إلينا غسل أهل الجمل وصفين من الجانبين ولأنهم يكثرون في المعترك فيشق غسلهم‏,‏ فأشبهوا أهل العدل فأما الصلاة على أهل العدل فيحتمل أن لا يصلى عليهم لأننا شبهناهم بشهداء معركة المشركين في الغسل فكذلك في الصلاة‏,‏ ويحتمل أن يصلى عليهم لأن عليا ـ رضي الله عنه ـ صلى عليهم‏.‏

فصل‏:‏

فأما الشهيد بغير قتل كالمبطون والمطعون‏,‏ والغرق وصاحب الهدم والنفساء‏,‏ فإنهم يغسلون ويصلى عليهم لا نعلم فيه خلافا إلا ما يحكى عن الحسن‏:‏ لا يصلى على النفساء لأنها شهيدة ولنا ‏(‏أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى على امرأة ماتت في نفاسها‏,‏ فقام وسطها‏)‏ متفق عليه ‏(‏وصلى على سعد بن معاذ وهو شهيد‏)‏ وصلى المسلمون على عمر وعلى ـ رضي الله عنهما ـ وهما شهيدان وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏الشهداء خمسة‏:‏ المطعون‏,‏ والمبطون والغرق وصاحب الهدم‏,‏ والشهيد في سبيل الله‏)‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن صحيح متفق عليه وعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏الشهادة سبع سوى القتل‏)‏ وزاد على ما ذكر في هذا الخبر‏:‏ ‏"‏ صاحب الحريق وصاحب ذات الجنب‏,‏ والمرأة تموت بجمع شهيدة ‏"‏ وكل هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترك غسل الشهيد في المعركة لما يتضمنه من إزالة الدم المستطاب شرعا أو لمشقة غسلهم‏,‏ لكثرتهم أو لما فيهم من الجراح ولا يوجد ذلك ها هنا‏.‏

فصل‏:‏

فإن اختلط موتى المسلمين بموتي المشركين‏,‏ فلم يميزوا صلى على جميعهم ينوي المسلمين قال أحمد‏:‏ ويجعلهم بينه وبين القبلة ثم يصلى عليهم وهذا قول مالك‏,‏ والشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ إن كان المسلمون أكثر صلى عليهم وإلا فلا لأن الاعتبار بالأكثر‏,‏ بدليل أن دار المسلمين الظاهر فيها الإسلام لكثرة المسلمين بها وعكسها دار الحرب لكثرة من بها من الكفار ولنا‏,‏ أنه أمكن الصلاة على المسلمين من غير ضرر فوجب كما لو كانوا أكثر‏,‏ ولأنه إذا جاز أن يقصد بصلاته ودعائه الأكثر جاز قصد الأقل ويبطل ما قالوه بما إذا اختلطت أخته بأجنبيات‏,‏ أو ميتة بمذكيات ثبت الحكم للأقل دون الأكثر‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏والمحرم يغسل بماء وسدر‏,‏ ولا يقرب طيبا ويكفن في ثوبيه ولا يغطي رأسه‏,‏ ولا رجلاه‏]‏ إنما كان كذلك لأن المحرم لا يبطل حكم إحرامه بموته فلذلك جنب ما يجنبه المحرم من الطيب وتغطية الرأس‏,‏ ولبس المخيط وقطع الشعر روى ذلك عن عثمان وعلي‏,‏ وابن عباس وبه قال عطاء والثوري والشافعي‏,‏ وإسحاق وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة‏:‏ يبطل إحرامه بالموت‏,‏ ويصنع به كما يصنع بالحلال وروي ذلك عن عائشة وابن عمر وطاوس لأنها عبادة شرعية‏,‏ فبطلت بالموت كالصلاة والصيام ولنا ما روى ابن عباس ‏(‏أن رجلا وقصه بعيره‏,‏ ونحن مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبا‏,‏ ولا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبدا‏)‏ وفي رواية ‏"‏ ملبيا ‏"‏ متفق عليه فإن قيل‏:‏ هذا خاص له لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا قلنا‏:‏ حكم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في واحد حكمه في مثله إلا أن يرد تخصيصه‏,‏ ولهذا ثبت حكمه في شهداء أحد في سائر الشهداء وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏حكمى على الواحد حكمى على الجماعة‏)‏ قال أبو داود‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ في هذا الحديث خمس سنن كفنوه في ثوبيه أي يكفن في ثوبين وأن يكون في الغسلات كلها سدر‏,‏ ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا ويكون الكفن من جميع المال وقال أحمد في موضع‏:‏ يصب عليه الماء صبا‏,‏ ولا يغسل كما يغسل الحلال وإنما كره عرك رأسه ومواضع الشعر كي لا يتقطع شعره واختلف عنه في تغطية رجليه‏,‏ فروى حنبل عنه‏:‏ لا تغطي رجلاه وهو الذي ذكره الخرقي وقال الخلال‏:‏ لا أعرف هذا في الأحاديث ولا رواه أحد عن أبي عبد الله غير حنبل وهو عندي وهم من حنبل‏,‏ والعمل على أنه يغطي جميع المحرم إلا رأسه لأن إحرام الرجل في رأسه‏,‏ ولا يمنع من تغطية رجليه في حياته فكذلك في مماته واختلفوا عن أحمد في تغطية وجهه فنقل عنه إسماعيل بن سعيد‏:‏ لا يغطي وجهه لأن في بعض الحديث‏:‏ ‏(‏ولا تخمروا رأسه ولا وجهه‏)‏ ونقل عنه سائر أصحابه‏:‏ لا بأس بتغطية وجهه لحديث ابن عباس الذي رويناه‏,‏ وهو أصح ما روي فيه وليس فيه إلا المنع من تغطية الرأس ولأن إحرام الرجل في رأسه‏,‏ ولا يمنع من تغطية وجهه في الحياة فبعد الموت أولى ولم ير أن يلبس المحرم المخيط بعد موته‏,‏ كما لا يلبسه في حياته وإن كان الميت امرأة محرمة ألبست القميص وخمرت‏,‏ كما تفعل ذلك في حياتها ولم تقرب طيبا لأنه يحرم عليها في حياتها فكذلك بعد موتها‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإن سقط من الميت شيء غسل‏,‏ وجعل معه في أكفانه‏]‏ وجملته أنه إذا بان من الميت شيء وهو موجود غسل‏,‏ وجعل معه في أكفانه قاله ابن سيرين ولا نعلم فيه خلافا وقد روي عن أسماء‏,‏ أنها غسلت ابنها فكانت تنزعه أعضاء كلما غسلت عضوا طيبته‏,‏ وجعلته في كفنه ولأن في ذلك جمع أجزاء الميت في موضع واحد وهو أولى من تفريقها‏.‏

فصل‏:‏

فإن لم يوجد إلا بعض الميت فالمذهب أنه يغسل‏,‏ ويصلى عليه وهو قول الشافعي ونقل ابن منصور عن أحمد أنه لا يصلي على الجوارح قال الخلال‏:‏ ولعله قول قديم لأبي عبد الله والذي استقر عليه قول أبي عبد الله أنه يصلي على الأعضاء وقال أبو حنيفة‏,‏ ومالك‏:‏ إن وجد الأكثر صلى عليه وإلا فلا لأنه بعض لا يزيد على النصف فلم يصل عليه‏,‏ كالذي بان في حياة صاحبه كالشعر والظفر ولنا إجماع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ قال أحمد‏:‏ صلى أبو أيوب على رجل‏,‏ وصلى عمر على عظام بالشام وصلى أبو عبيدة على رءوس بالشام رواهما عبد الله بن أحمد بإسناده وقال الشافعي‏:‏ ألقى طائر يدا بمكة من وقعة الجمل‏,‏ فعرفت بالخاتم وكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة وكان ذلك بمحضر من الصحابة‏,‏ ولم نعرف من الصحابة مخالفا في ذلك ولأنه بعض من جملة تجب الصلاة عليها فيصلي عليه كالأكثر‏,‏ وفارق ما بان في الحياة لأنه من جملة لا يصلى عليها والشعر والظفر لا حياة فيه‏.‏

فصل‏:‏

وإن وجد الجزء بعد دفن الميت غسل‏,‏ وصلى عليه ودفن إلى جانب القبر أو نبش بعض القبر ودفن فيه‏,‏ ولا حاجة إلى كشف الميت لأن ضرر نبش الميت وكشفه أعظم من الضرر بتفرقة أجزائه‏.‏

فصل‏:‏

والمجدور والمحترق‏,‏ والغريق إذا أمكن غسله غسل وإن خيف تقطعه بالغسل صب عليه الماء صبا‏,‏ ولم يمس فإن خيف تقطعه بالماء لم يغسل وييمم إن أمكن‏,‏ كالحي الذي يؤذيه الماء وإن تعذر غسل الميت لعدم الماء ييمم وإن تعذر غسل بعضه دون بعض‏,‏ غسل ما أمكن غسله وييمم الباقي كالحي سواء‏.‏

فصل‏:‏

فإن مات في بئر ذات نفس‏,‏ فأمكن معالجة البئر بالأكسية المبلولة تدار في البئر حتى تجتذب بخاره ثم ينزل من يطلعه أو أمكن إخراجه بكلاليب من غير مثلة‏,‏ لزم ذلك لأنه أمكن غسله من غير ضرر فلزم كما لو كان على ظهر الأرض وإذا شك في زوال بخاره‏,‏ أنزل إليه سراج أو نحوه فإن انطفأ فالبخار باق وإن لم ينطفئ فقد زال‏,‏ فإنه يقال‏:‏ لا تبقي النار إلا فيما يعيش فيه الحيوان وإن لم يمكن إخراجه إلا بمثلة ولم يكن إلى البئر حاجة طمت عليه‏,‏ فكانت قبره وإن كان طمها يضر بالمارة أخرج بالكلاليب سواء أفضى إلى المثلة أو لم يفض لأن فيه جمعا بين حقوق كثيرة نفع المارة‏,‏ وغسل الميت وربما كانت المثلة في بقائه أعظم لأنه يتقطع وينتن فإن نزل على البئر قوم فاحتاجوا إلى الماء‏,‏ وخافوا على أنفسهم فلهم إخراجه وجها واحدا‏,‏ وإن حصلت مثلة لأن ذلك أسهل من تلف نفوس الأحياء ولهذا لو لم يجد من السترة إلا كفن الميت واضطر الحي إليه‏,‏ قدم الحي ولأن حرمة الحي وحفظ نفسه‏,‏ أولى من حفظ الميت عن المثلة لأن زوال الدنيا أهون على الله من قتل مسلم ولأن الميت لو بلع مال غيره شق بطنه لحفظ مال الحي وحفظ النفس أولى من حفظ المال‏,‏ والله أعلم‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإن كان شاربه طويلا أخذ وجعل معه‏]‏ وجملته أن شارب الميت إن كان طويلا استحب قصه وهذا قول الحسن وبكر بن عبد الله‏,‏ وسعيد بن جبير وإسحاق وقال أبو حنيفة ومالك‏:‏ لا يؤخذ من الميت شيء لأنه قطع شيء منه فلم يستحب‏,‏ كالختان واختلف أصحاب الشافعي كالقولين ولنا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم‏)‏ والعروس يحسن ويزال عنه ما يستقبح من الشارب وغيره‏,‏ ولأن تركه يقبح منظره فشرعت إزالته كفتح عينيه وفمه شرع ما يزيله‏,‏ ولأنه فعل مسنون في الحياة لا مضرة فيه فشرع بعد الموت كالاغتسال ويخرج على هذا الختان لما فيه من المضرة فإذا أخذ الشعر جعل معه في أكفانه لأنه من الميت‏,‏ فيستحب جعله في أكفانه كأعضائه وكذلك كل ما أخذ من الميت من شعر أو ظفر أو غيرهما فإنه يغسل ويجعل معه في أكفانه كذلك‏.‏

فصل‏:‏

فأما الأظفار إذا طالت ففيها روايتان‏:‏ إحداهما لا تقلم قال أحمد‏:‏ لا تقلم أظفاره‏,‏ وينقى وسخها وهو ظاهر كلام الخرقي لقوله‏:‏ والخلال يستعمل إن احتيج إليه والخلال يزال به ما تحت الأظفار لأن الظفر لا يظهر كظهور الشارب فلا حاجة إلى قصه والثانية يقص إذا كان فاحشا نص عليه لأنه من السنة‏,‏ ولا مضرة فيه فيشرع أخذه كالشارب ويمكن أن تحمل الرواية الأولى على ما إذا لم تكن فاحشة وأما العانة فظاهر كلام الخرقي أنها لا تؤخذ لتركه ذكرها وهو قول ابن سيرين ومالك‏,‏ وأبي حنيفة لأنه يحتاج في أخذها إلى كشف العورة ولمسها وهتك الميت‏,‏ وذلك محرم لا يفعل لغير واجب ولأن العورة مستورة يستغني بسترها عن إزالتها وروى عن أحمد أن أخذها مسنون وهو قول الحسن وبكر بن عبد الله‏,‏ وسعيد بن جبير وإسحاق لأن سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت ولأنه شعر إزالته من السنة فأشبه الشارب والأول أولى ويفارق الشارب العانة لأنه ظاهر يتفاحش لرؤيته‏,‏ ولا يحتاج في أخذه إلى كشف العورة ولا مسها فإذا قلنا بأخذها فإن حنبلا روى أن أحمد سئل‏:‏ ترى أن تستعمل النورة‏؟‏ قال‏:‏ الموسى أو مقراض يؤخذ به الشعر من عانته وقال القاضي‏:‏ تزال بالنورة لأنه أسهل‏,‏ ولا يمسها ووجه قول أحمد أنه فعل سعد والنورة لا يؤمن أن تتلف جلد الميت‏.‏

فصل‏:‏

فأما الختان فلا يشرع لأنه إبانة جزء من أعضائه وهذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن بعض الناس أنه يختن حكاه الإمام أحمد والأول أولى لما ذكرناه ولا يحلق رأس الميت لأنه ليس من السنة في الحياة وإنما يراد لزينة أو نسك‏,‏ ولا يطلب شيء من ذلك ها هنا‏.‏

فصل‏:‏

وإن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات لم ينزع إن كان طاهرا وإن كان نجسا فأمكن إزالته من غير مثلة أزيل لأنه نجاسة مقدور على إزالتها من غير مضرة وإن أفضى إلى المثلة لم يقلع‏,‏ وصار في حكم الباطن كما لو كان حيا وإن كان على الميت جبيرة يفضي نزعها إلى مثلة مسحت كمسح جبيرة الحي وإن لم يفض إلى مثلة‏,‏ نزعت فغسل ما تحتها قال أحمد في الميت تكون أسنانه مربوطة بذهب‏:‏ إن قدر على نزعه من غير أن يسقط بعض أسنانه نزعه وإن خاف أن يسقط بعضها تركه‏.‏

فصل‏:‏

ومن كان مشنجا‏,‏ أو به حدب أو نحو ذلك فأمكن تمديده بالتليين والماء الحار‏,‏ فعل ذلك وإن لم يكن إلا بعنف تركه بحاله فإن كان على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشتهر بالمثلة‏,‏ ترك في تابوت أو تحت مكبة مثل ما يصنع بالمرأة لأنه أصون له‏,‏ وأستر لحاله‏.‏

فصل‏:‏

ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شيء من الخشب أو الجريد مثل القبة يترك فوقه ثوب ليكون أستر لها وقد روي أن فاطمة بنت رسول الله ـ رضي الله عنه ـا أول من صنع لها ذلك بأمرها‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويستحب تعزية أهل الميت‏]‏ لا نعلم في هذه المسألة خلافا‏,‏ إلا أن الثوري قال‏:‏ لا تستحب التعزية بعد الدفن لأنه خاتمة أمره ولنا عموم قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏من عزى مصابا فله مثل أجره‏)‏ رواه الترمذي وقال‏:‏ هو حديث غريب وروي ابن ماجه‏,‏ في ‏"‏ سننه ‏"‏ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده‏,‏ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من مؤمن يعزى أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة‏)‏ وقال أبو برزة‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة‏)‏ قال الترمذي‏:‏ هذا ليس إسناده بالقوى والمقصود بالتعزية تسلية أهل المصيبة‏,‏ وقضاء حقوقهم والتقرب إليهم والحاجة إليها بعد الدفن كالحاجة إليها قبله‏.‏

فصل‏:‏

ويستحب تعزية جميع أهل المصيبة‏,‏ كبارهم وصغارهم ويخص خيارهم والمنظور إليه من بينهم ليستن به غيره‏,‏ وذا الضعف منهم عن تحمل المصيبة لحاجته إليها ولا يعزى الرجل الأجنبي شواب النساء مخافة الفتنة‏.‏

فصل‏:‏

ولا نعلم في التعزية شيئا محدودا‏,‏ إلا أنه يروى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏عزى رجلا فقال‏:‏ رحمك الله وآجرك‏)‏ رواه الإمام أحمد وعزى أحمد أبا طالب فوقف على باب المسجد فقال‏:‏ أعظم الله أجركم‏,‏ وأحسن عزاءكم وقال بعض أصحابنا‏:‏ إذا عزى مسلما بمسلم قال‏:‏ أعظم الله أجرك وأحسن عزاك ورحم الله ميتك واستحب بعض أهل العلم أن يقول ما روى جعفر بن محمد‏,‏ عن أبيه عن جده قال‏:‏ ‏(‏لما توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجاءت التعزية‏,‏ سمعوا قائلا يقول‏:‏ إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل ما فات‏,‏ فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب‏)‏ رواه الشافعي‏,‏ في ‏"‏ مسنده ‏"‏ وإن عزى مسلما بكافر قال‏:‏ أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك‏.‏

فصل‏:‏

وتوقف أحمد - رحمه الله- عن تعزية أهل الذمة وهي تخرج على عيادتهم‏,‏ وفيها روايتان‏:‏ إحداهما لا نعودهم فكذلك لا نعزيهم لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏لا تبدءوهم بالسلام‏)‏ وهذا في معناه والثانية‏,‏ نعودهم لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏(‏أتى غلاما من اليهود كان مرض يعوده فقعد عند رأسه فقال له‏:‏ أسلم فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه‏,‏ فقال له‏:‏ أطع أبا القاسم فأسلم فقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقول‏:‏ الحمد لله الذي أنقذه بي من النار‏)‏ رواه البخاري فعلى هذا نعزيهم فنقول في تعزيتهم بمسلم‏:‏ أحسن الله عزاءك وغفر لميتك وعن كافر‏:‏ أخلف الله عليك‏,‏ ولا نقص عددك ويقصد زيادة عددهم لتكثر جزيتهم وقال أبو عبد الله بن بطة يقول‏:‏ أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل دينك فأما الرد من المعزى فبلغنا عن أحمد بن الحسين‏,‏ قال‏:‏ سمعت أبا عبد الله وهو يعزى في عبثر ابن عمه وهو يقول‏:‏ استجاب الله دعاك‏,‏ ورحمنا وإياك‏.‏