فصل: أحدهما: إذا عجل المكاتب الكتابة قبل محلها

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


كتاب المكاتب

الكتابة‏:‏ إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدى مؤجلا سميت كتابة لأن السيد يكتب بينه وبينه كتابا بما اتفقا عليه وقيل‏:‏ سميت كتابة من الكتب‏,‏ وهو الضم لأن المكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض ومنه سمي الخرز كتابا لأنه يضم أحد الطرفين إلى الآخر بخرزه وقال الحريري‏:‏

وكاتبين وما خطت أناملهم ** حرفا ولا قرءوا ما خط في الكتب

وقال ذو الرمة في ذلك المعنى‏:‏

وفراء غرفية أثأى خوارزها ** مشلشل ضيعته بينها الكتب

يصف قربة يسيل الماء من بين خرزها وسميت الكتيبة كتيبة لانضمام بعضها إلى بعض‏,‏ والمكاتب يضم بعض نجومه إلى بعض والنجوم ها هنا الأوقات المختلفة لأن العرب كانت لا تعرف الحساب وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم‏,‏ كما قال بعضهم‏:‏

إذا سهيل أول الليل طلع ** فابن اللبون الحق والحق جذع

فسميت الأوقات نجوما والأصل في الكتابة الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا‏}‏ وأما السنة فما روى سعيد‏,‏ عن سفيان عن الزهري عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة‏,‏ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏(‏إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدي فلتحتجب منه‏)‏ وروى سهل بن حنيف‏,‏ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏(‏من أعان غارما أو غازيا أو مكاتبا في كتابته‏,‏ أظله الله يوم لا ظل إلا ظله‏)‏ في أحاديث كثيرة سواهما وأجمعت الأمة على مشروعية الكتابة‏.‏

فصل‏:‏

إذا سأل العبد سيده مكاتبته استحب له إجابته‏,‏ إذا علم فيه خيرا ولم يجب ذلك في ظاهر المذهب وهو قول عامة أهل العلم منهم الحسن‏,‏ والشعبي ومالك والثوري‏,‏ والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد أنها واجبة‏,‏ إذا دعا العبد المكتسب الصدوق سيده إليها فعليه إجابته وهو قول عطاء والضحاك‏,‏ وعمرو بن دينار وداود وقال إسحاق‏:‏ أخشى أن يأثم إن لم يفعل ولا يجبر عليه ووجه ذلك قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا‏)‏ وظاهر الأمر الوجوب وروي أن سيرين أبا محمد بن سيرين‏,‏ كان عبدا لأنس بن مالك فسأله أن يكاتبه فأبى‏,‏ فأخبر سيرين عمر بن الخطاب بذلك فرفع الدرة على أنس وقرأ عليه‏:‏ ‏{‏والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا‏}‏ فكاتبه أنس ولنا‏,‏ أنه إعتاق بعوض فلم يجب كالاستسعاء‏,‏ والآية محمولة على الندب وقول عمر رضي الله عنه يخالف فعل أنس ولا خلاف بينهم في أن من لا خير فيه لا تجب إجابته قال أحمد‏:‏ الخير صدق‏,‏ وصلاح ووفاء بمال الكتابة ونحو هذا قال إبراهيم‏,‏ وعمرو بن دينار وغيرهما وعبارتهم في ذلك مختلفة‏,‏ قال ابن عباس‏:‏ غنى وإعطاء للمال وقال مجاهد‏:‏ غنى وأداء وقال النخعي‏:‏ صدق‏,‏ ووفاء وقال عمرو بن دينار‏:‏ مال وصلاح وقال الشافعي‏:‏ قوة على الكسب وأمانة وهل تكره كتابة من لا كسب له أو لا‏؟‏ قال القاضي‏:‏ ظاهر كلام أحمد كراهيته وكان ابن عمر رضي الله عنه يكرهه وهو قول مسروق‏,‏ والأوزاعي وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يكره ولم يكرهه الشافعي‏,‏ وإسحاق وابن المنذر وطائفة من أهل العلم ‏(‏لأن جويرية بنت الحارث‏,‏ كاتبها ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- تستعينه في كتابتها فأدى عنها كتابتها‏,‏ وتزوجها‏)‏ واحتج ابن المنذر ‏(‏بأن بريرة كاتبت ولا حرفة لها ولم ينكر ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏)‏ ووجه الأول ما ذكرنا في عتقه وينبغي أن ينظر في المكاتب‏,‏ فإن كان ممن يتضرر بالكتابة ويضيع لعجزه عن الإنفاق على نفسه ولا يجد من ينفق عليه‏,‏ كرهت كتابته وإن كان يجد من يكفيه مؤنته لم تكره كتابته لحصول النفع بالحرية من غير ضرر فأما جويرية‏,‏ فإنها كانت ذات أهل ومال وكانت ابنة سيد قومه فإذا عتقت‏,‏ رجعت إلى أهلها فأخلف الله لها خيرا من أهلها فتزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصارت إحدى أمهات المؤمنين‏,‏ وأعتق الناس ما كان بأيديهم من قومها حين بلغهم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تزوجها وقالوا‏:‏ أصهار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ير امرأة أعظم بركة على قومها منها وأما بريرة‏,‏ فإن كتابتها تدل على إباحة ذلك وأنه ليس بمنكر ولا خلاف فيه‏,‏ وإنما الخلاف في كراهته قال مسروق‏:‏ إذا سأل العبد مولاه المكاتبة فإن كان له مكسبة أو كان له مال فليكاتبه‏,‏ وإن لم يكن له مال ولا مكسبة فليحسن ملكته ولا يكلفه إلا طاقته‏.‏

فصل‏:‏

ولا تصح الكتابة إلا ممن يصح تصرفه فأما المجنون والطفل‏,‏ فلا تصح مكاتبتهما لرقيقهما ولا مكاتبة سيدهما لهما وأما الصبي المميز فإن كاتب عبده بإذن وليه‏,‏ صح ويحتمل أن لا يصح بناء على قولنا‏:‏ إنه لا يصح بيعه بإذن وليه ولأن هذا عقد إعتاق‏,‏ فلم يصح منه كالعتق بغير مال فأما إن لم يأذن وليه فيه فلا يصح بحال‏,‏ وإن كان المميز سيده صح وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي‏:‏ لا يصح فيهما جميعا بحال لأنه ليس بمكلف فأشبه المجنون ولنا‏,‏ أنه يصح تصرفه وبيعه بإذن وليه فصحت منه الكتابة بذلك كالمكلف‏,‏ ودليل صحة تصرفه قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح‏}‏ والابتلاء الاختبار له بتفويض التصرف إليه ليعلم هل يقع منه على وجه المصلحة أو لا‏؟‏ وهل يغبن في بيعه وشرائه أو لا‏؟‏ وإيجاب السيد لعبده المميز المكاتبة إذن له في قبولها إذا ثبت هذا‏,‏ فإن كان السيد المكاتب طفلا أو مجنونا فلا حكم لتصرفه ولا قوله وإن كاتب المكلف عبده الطفل أو المجنون لم يثبت لهذا التصرف حكم الكتابة الصحيحة ولا الفاسدة لأنه لا حكم لقولهما‏,‏ ولكن إن قال‏:‏ إن أديتما إلى فأنتما حران فأديا عتق بالصفة لا بالكتابة‏,‏ وما في أيديهما لسيدهما وإن لم يقل ذلك لم يعتقا ذكره أبو بكر وقال القاضي‏:‏ يعتقان وهو مذهب الشافعي لأن الكتابة تتضمن معنى الصفة‏,‏ فيحصل العتق ها هنا بالصفة المحضة كما لو قال‏:‏ إن أديت إلى فأنت حر، ولنا أنه ليس بصفة صريحا ولا معنى وإنما هو عقد باطل فأشبه البيع الباطل‏.‏

فصل‏:‏

وإذا كاتب الذمي عبده المسلم‏,‏ صح لأنه عقد معاوضة أو عتق بصفة وكلاهما يصح منه وإذا ترافعا إلى الحاكم بعد الكتابة‏,‏ نظر في العقد فإن كان موافقا للشرع أمضاه سواء ترافعا قبل إسلامهما أو بعده‏,‏ وإن كاتب كتابة فاسدة مثل أن يكون العوض خمرا أو خنزيرا‏,‏ أو غير ذلك من أنواع الفساد ففيه ثلاث مسائل‏:‏ إحداها‏:‏ أن يكونا قد تقابضا حال الكفر فتكون الكتابة ماضية‏,‏ والعتق حاصل لأن ما تم في حال الكفر لا ينقصه الحاكم ويحكم بالعتق‏,‏ سواء ترافعا قبل الإسلام أو بعده الثانية‏:‏ تقابضا بعد الإسلام ثم ترافعا إلى الحاكم فإنه يعتق أيضا لأن هذه كتابة فاسدة‏,‏ ويكون حكمها حكم الكتابة الفاسدة المعقودة في الإسلام على ما سنذكره -إن شاء الله تعالى- الثالثة‏:‏ ترافعا قبل قبض العوض الفاسد‏,‏ أو قبض بعضه فإن الحاكم يرفع هذه الكتابة ويبطلها لأنها كتابة فاسدة‏,‏ لم يتصل بها قبض تنبرم به ولا فرق بين إسلامهما أو إسلام أحدهما فيما ذكرناه‏,‏ لأن التغليب لحكم الإسلام وقال أبو حنيفة‏:‏ إذا كاتبه على خمر ثم أسلما لم يفسد العقد‏,‏ ويؤدي قيمة الخمر لأن الكتابة كالنكاح ولو أمهرها خمرا ثم أسلما‏,‏ بطل الخمر ولم يبطل النكاح ولنا أن هذا عقد لو عقده المسلم كان فاسدا‏,‏ فإذا أسلما قبل التقابض أو أحدهما حكم بفساده كالبيع الفاسد‏,‏ ويفارق النكاح فإنه لو عقده المسلم بخمر كان صحيحا وإن أسلم مكاتب الذمي لم تنفسخ الكتابة لأنها وقعت صحيحة‏,‏ ولا يجبر على إزالة ملكه لأنه خارج بالكتابة عن تصرف الكافر فيه فإن عجز أجبر على إزالة ملكه عنه حينئذ وإن اشترى مسلما‏,‏ فكاتبه لم تصح الكتابة لأن الشراء باطل ولم يثبت له به ملك وإن أسلم عبده فكاتبه بعد إسلامه‏,‏ لم تصح كتابته لأنه يلزمه إزالة ملكه عنه والكتابة لا تزيل الملك فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وقال القاضي‏:‏ له كتابته لأنه يخرج بها عن تصرف سيده فيه‏,‏ فإن عجز عاد رقيقا قنا وأجبر على إزالة ملكه عنه حينئذ‏.‏

فصل‏:

وإن كاتب الحربي عبده‏,‏ صحت كتابته سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يصح لأن ملكه ناقص وحكي عن مالك أنه لا يملك‏,‏ بدليل أن للمسلم تملكه عليه ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم‏}‏ وهذه الإضافة إليهم تقتضي صحة أملاكهم فتقتضي صحة تصرفاتهم فإذا ثبت هذا فإذا كاتب عبده‏,‏ ثم دخلا مستأمنين إلينا لم يتعرض الحاكم لهما وإن ترافعا إليه‏,‏ نظر بينهما فإن كانت كتابتهما صحيحة ألزمهما حكمها‏,‏ وإن كانت فاسدة بين لهما فسادها وإن جاءا وقد قهر أحدهما صاحبه‏,‏ بطلت الكتابة لأن العبد إن قهر سيده ملكه فبطلت كتابته لخروجه عن ملك سيده وإن قهره السيد على إبطال الكتابة‏,‏ ورده رقيقا بطلت لأن دار الكفر دار قهر وإباحة ولهذا لو قهر حر حرا على نفسه ملكه وإن دخلا من غير قهر‏,‏ فقهر أحدهما الآخر في دار الإسلام لم تبطل الكتابة وكانا على ما كانا عليه قبله لأن دار الإسلام دار حظر‏,‏ لا يؤثر فيها القهر إلا بالحق وإن دخلا مستأمنين ثم أرادا الرجوع إلى دار الحرب لم يمنعا وإن أراد السيد الرجوع‏,‏ وأخذ المكاتب معه فأبى المكاتب الرجوع معه لم يجبر لأنه بالكتابة زال ملكه وسلطانه عنه‏,‏ وإنما له في ذمته حق ومن له في ذمة غيره حق لا يملك إجباره على السفر معه لأجله ويقال للسيد‏:‏ إن أردت الإقامة في دار الإسلام لتستوفي مال الكتابة‏,‏ فاعقد الذمة وأقم إن كانت مدتها طويلة وإن أردت توكيل من يقبض لك نجوم الكتابة‏,‏ فافعل فإذا أدى نجوم الكتابة عتق ثم هو مخير‏,‏ إن أحب أن يقيم في دار الإسلام عقد على نفسه الذمة وإن أحب الرجوع‏,‏ لم يمنع‏.‏

وإن عجز وفسخ السيد كتابته عاد رقيقا‏,‏ ويرد إلى سيده والأمان له باق لأنه من مال سيده وسيده عقد الأمان لنفسه وماله‏,‏ فإذا انتقض الأمان في نفسه بعوده لم ينتقض في ماله‏.‏

وإن كاتبه في دار الحرب‏,‏ فهرب ودخل إلينا بطلت الكتابة فإن ملكه زال عنه بقهره على نفسه‏,‏ فأشبه ما لو قهره على غيره من ماله وسواء جاءنا مسلما أو غير مسلم وإن جاءنا بإذن سيده فالكتابة بحالها لأنه لم يقهر سيده فإذا دخل إلينا بأمان بإذن سيده‏,‏ ثم سبى المسلمون سيده وقتل انتقلت الكتابة إلى ورثته كما لو مات حتف أنفه‏,‏ وإن من عليه الإمام أو فاداه أو هرب‏,‏ فالكتابة بحالها وإن استرقه الإمام فالمكاتب موقوف‏,‏ إن عتق سيده فالكتابة بحالها وإن مات أو قتل‏,‏ فالمكاتب للمسلمين مبق على ما بقي من كتابته يعتق بأدائه إليهم‏,‏ وولاؤه لهم وإن عجز فهو رقيق لهم‏.‏

وإن أراد المكاتب الأداء قبل عتق سيده وموته‏,‏ أدى إلى الحاكم أو إلى أمينه وكان المال المقبوض موقوفا‏,‏ على ما ذكرناه ويعتق المكاتب بالأداء وسيده رقيق‏,‏ لا يثبت له ولاء قال أبو بكر‏:‏ يكون الولاء للمسلمين وقال القاضي‏:‏ يكون موقوفا فإن عتق سيده فهو له وإن مات على رقه‏,‏ فهو للمسلمين وإن كان استرقاق سيده بعد عتق المكاتب وثبوت الولاء عليه فقال القاضي‏:‏ يكون ولاؤه موقوفا‏,‏ فإن عتق السيد كان الولاء له وإن قتل أو مات على رقه‏,‏ بطل الولاء لأنه رقيق لا يورث فيبطل الولاء‏,‏ لعدم مستحقه وينبغي أن يكون للمسلمين لأن مال من لا وارث له للمسلمين فكذلك الولاء والله أعلم‏.‏

فصل‏:‏

وإن كاتب المرتد عبده فعلى قول أبي بكر‏:‏ الكتابة باطلة لأن ملكه زال بردته وعلى الظاهر من المذهب كتابته موقوفة‏,‏ إن أسلم تبينا أنها كانت صحيحة وإن قتل أو مات على ردته بطلت وإن أدى في ردته‏,‏ لم يحكم بعتقه ويكون موقوفا فإن أسلم سيده‏,‏ تبينا صحة الدفع إليه وعتقه وإن قتل أو مات على ردته فهو باطل‏,‏ والعبد رقيق وإن كاتبه وهو مسلم ثم ارتد‏,‏ وحجر عليه لم يكن للعبد الدفع إليه ويؤدي إلى الحاكم ويعتق بالأداء وإن دفع إلى المرتد‏,‏ كان موقوفا كما ذكرنا‏.‏

وإن كاتب المسلم عبده المرتد صحت كتابته لأنه يصح بيعه‏,‏ فإذا أدى عتق وإن أسلم‏,‏ فهو على كتابته‏.‏

فصل‏:‏

وكتابة المريض صحيحة فإن كان مرض الموت المخوف اعتبر من ثلثه لأنه بيع ماله بماله‏,‏ فجرى مجرى الهبة وكذلك يثبت الولاء على المكاتب لكونه معتقا فإن خرج من الثلث‏,‏ كانت الكتابة لازمة وإن لم يخرج من الثلث لزمت الكتابة في قدر الثلث‏,‏ وسائره موقوف على إجازة الورثة فإن أجازت جازت‏,‏ وإن ردتها بطلت وهذا قول الشافعي وقال أبو الخطاب في ‏"‏ رءوس المسائل ‏"‏‏:‏ تجوز الكتابة من رأس المال لأنه عقد معاوضة‏,‏ أشبه البيع‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ وإذا كاتب عبده أو أمته على أنجم فأديت الكتابة‏,‏ فقد صار العبد حرا وولاؤه لمكاتبه ‏]‏ في هذه المسألة ثلاثة فصول‏:‏

أحدها‏:

أن ظاهر هذا الكلام أن الكتابة لا تصح حالة‏,‏ ولا تجوز إلا مؤجلة منجمة وهو ظاهر المذهب وبه قال الشافعي وقال مالك وأبو حنيفة‏:‏ تجوز حالة لأنه عقد على عين‏,‏ فإذا كان عوضه في الذمة جاز أن يكون حالا كالبيع ولنا‏,‏ أنه روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أنهم عقدوا الكتابة ولم ينقل عن واحد منهم أنه عقدها حالة‏,‏ ولو جاز ذلك لم يتفق جميعهم على تركه ولأن الكتابة عقد معاوضة‏,‏ يعجز عن أداء عوضها في الحال فكان من شرطه التأجيل كالسلم على مذهب أبي حنيفة‏,‏ ولأنها عقد معاوضة يلحقه الفسخ من شرطه ذكر العوض فإذا وقع على وجه يتحقق فيه العجز عن العوض لم يصح‏,‏ كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند محله ويفارق البيع لأنه لا يتحقق فيه العجز عن العوض لأن المشتري يملك المبيع‏,‏ والعبد لا يملك شيئا وما في يده لسيده وفي التنجيم حكمتان إحداهما يرجع إلى المكاتب‏,‏ وهي التخفيف عليه لأن الأداء مفرقا أسهل ولهذا تقسط الديون على المعسرين عادة تخفيفا عليهم والأخرى‏,‏ للسيد وهي أن مدة الكتابة تطول غالبا فلو كانت على نجم واحد‏,‏ لم يظهر عجزه إلا في آخر المدة فإذا عجز عاد إلى الرق‏,‏ وفاتت منافعه في مدة الكتابة كلها على السيد من غير نفع حصل له وإذا كانت منجمة نجوما‏,‏ فعجز عن النجم الأول فمدته يسيرة وإن عجز عما بعده‏,‏ فقد حصل للسيد نفع بما أخذه من النجوم قبل عجزه إذا ثبت هذا فأقله نجمان فصاعدا وهذا مذهب الشافعي ونقل عن أحمد أنه قال‏:‏ من الناس من يقول‏:‏ نجم واحد ومنهم من يقول‏:‏ نجمان ونجمان أحب إلى وهذا يحتمل أن يكون معناه‏,‏ إني أذهب إلى أنه لا يجوز إلا نجمان ويحتمل أن يكون المستحب نجمين ويجوز نجم واحد قال ابن أبي موسى‏:‏ هذا على طريق الاختيار وإن جعل المال كله في نجم واحد‏,‏ جاز لأنه عقد يشترط فيه التأجيل فجاز أن يكون إلى أجل واحد كالمسلم‏,‏ ولأن اعتبار التأجيل ليتمكن من تسليم العوض وهذا يحصل بنجم واحد ووجه الأول ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ الكتابة على نجمين‏,‏ والإيتاء من الثاني وهذا يقتضي أن هذا أقل ما تجوز عليه الكتابة لأن أكثر من نجمين يجوز بالإجماع وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه غضب على عبد له فقال‏:‏ لأعاقبنك ولأكاتبنك على نجمين ولو كان يجوز أقل من هذا‏,‏ لعاقبه به في الظاهر وفي حديث بريرة أنها أتت عائشة رضي الله عنها فقالت‏:‏ يا أم المؤمنين إني كاتبت أهلي على تسع أواق‏,‏ في كل عام أوقية فأعينيني ولأن الكتابة مشتقة من الضم وهو ضم نجم إلى نجم‏,‏ فدل ذلك على افتقارها إلى نجمين والأول أقيس ولا بد أن تكون النجوم معلومة ويعلم في كل نجم قدر ما يؤديه ولا يشترط تساوي النجوم‏,‏ ولا قدر المؤدى في كل نجم فإذا قال‏:‏ كاتبتك على ألف إلى عشر سنين تؤدى عند انقضاء كل سنة مائة أو قال‏:‏ تؤدى منها مائة عند انقضاء خمس سنين‏,‏ وباقيها عند تمام العشرة أو قال‏:‏ تؤدى في آخر العام الأول مائة وتسعمائة عند انقضاء السنة العاشرة فكل هذا جائز وإن قال‏:‏ تؤدى في كل عام مائة جاز ويكون أجل كل مائة عند انقضاء السنة‏,‏ وظاهر قول القاضي وأصحاب الشافعي أنه لا يصح لأنه لم يتبين وقت الأداء من العام ولنا‏,‏ أن بريرة قالت‏:‏ كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية ولأن الأجل إذا علق بمدة تعلق بأحد طرفيها فإن كان بحرف ‏"‏ إلى ‏"‏ تعلق بأولها‏,‏ كقوله‏:‏ إلى شهر رمضان وإن كان بحرف ‏"‏ في ‏"‏ كان إلى آخرها لأنه جعل جميعها وقتا لأدائها فإذا أدى في آخرها كان مؤديا لها في وقتها‏,‏ فلم يتعين عليه الأداء قبله كتأدية الصلاة في آخر وقتها وإن قال‏:‏ يؤديها في عشر سنين أو‏:‏ إلى عشر سنين لم يجز لأنه نجم واحد ومن أجاز الكتابة على نجم واحد أجازه وإن قال‏:‏ يؤدى بعضها في نصف المدة‏,‏ وباقيها في آخرها لم يجز لأن البعض مجهول يقع على القليل والكثير‏.‏

الفصل الثاني‏:

أنه إذا كاتبه على أنجم مدة معلومة صحت الكتابة‏,‏ وعتق بأدائها سواء نوى بالكتابة الحرية أو لم ينو وسواء قال‏:‏ فإذا أديت إلي‏,‏ فأنت حر أو لم يقل وبهذا قال أبو حنيفة وقال الشافعي‏:‏ لا يعتق حتى يقول‏:‏ إذا أديت إلى فأنت حر أو ينوي بالكتابة الحرية ويحتمل في مذهبنا مثل ذلك لأن لفظ الكتابة يحتمل المخارجة ويحتمل العتق بالأداء‏,‏ فلا بد من تمييز أحدهما عن الآخر ككنايات العتق ولنا أن الحرية موجب عقد الكتابة‏,‏ فتثبت عند تمامه كسائر أحكامه ولأن الكتابة عقد وضع للعتق‏,‏ فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته كالتدبير وما ذكروه من استعمال الكتابة في المخارجة إن ثبت فليس بمشهور‏,‏ فلم يمنع وقوع الحرية به كسائر الألفاظ الصريحة على أن اللفظ المحتمل ينصرف بالقرائن إلى أحد محتمليه‏,‏ كلفظ التدبير في معاشه أو غير ذلك وهو صريح في الحرية فهاهنا أولى‏.‏

الفصل الثالث‏:

أنه لا يعتق قبل أداء جميع الكتابة‏,‏ قال أحمد في عبد بين رجلين كاتباه على ألف‏,‏ فأدى تسعمائة ثم أعتق أحدهما نصيبه قال‏:‏ لا يعتق إلا نصف المائة وقد روي عن عمر وابنه‏,‏ وزيد بن ثابت وعائشة وسعيد بن المسيب والزهري‏,‏ أنهم قالوا‏:‏ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم رواه عنهم الأثرم وبه قال القاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء وقتادة‏,‏ والثوري وابن شبرمة ومالك‏,‏ والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي وروي ذلك عن أم سلمة وروى سعيد‏,‏ بإسناده عن أبي قلابة قال‏:‏ ‏(‏كن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يحتجبن من مكاتب ما بقي عليه دينار‏)‏ وبإسناده عن عطاء أن ابن عمر كاتب غلاما على ألف دينار‏,‏ فأدى إليه تسعمائة دينار وعجز عن مائة دينار فرده ابن عمر في الرق ‏,‏ وذكر أبو بكر والقاضي وأبو الخطاب أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة وعجز عن ربعها عتق لأنه يجب رده إليه فلا يرد إلى الرق بعجزه عنه‏,‏ لأنه عجز عن أداء حق هو له لا حق للسيد فلا معنى لتعجيزه فيما يجب رده إليه وقال علي رضي الله عنه‏:‏ يعتق منه بقدر ما أدى لما روى ابن عباس‏,‏ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا أصاب المكاتب حدا أو ميراثا ورث بحساب ما عتق منه‏,‏ ويؤدى المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي دية عبد‏)‏ رواه الترمذي وقال حديث حسن وروي عن عمر‏,‏ وعلي رضي الله عنهما أنه إذا أدى الشطر فلا رق عليه وروي ذلك عن النخعي وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏:‏ إذا أدى قدر قيمته‏,‏ فهو غريم وقضى به شريح وقال الحسن في المكاتب‏:‏ إذا عجز استسعى بعد العجز سنتين ولنا ما روى سعيد‏,‏ ثنا هشيم عن حجاج عن عمرو بن شعيب‏,‏ عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏(‏أيما رجل كاتب غلامه على مائة أوقية‏,‏ فعجز عن عشر أواق فهو رقيق‏)‏ وعن عمرو بن شعيب عن أبيه‏,‏ عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏(‏المكاتب عبد ما بقي عليه درهم‏)‏ رواه أبو داود ولأنه عوض عن المكاتب‏,‏ فلا يعتق قبل أدائه كالقدر المتفق عليه ولأنه لو أعتق بعضه‏,‏ لسرى إلى باقيه كما لو باشره بالعتق فإن العتق لا يتبعض في الملك فأما حديث ابن عباس‏,‏ فمحمول على مكاتب لرجل مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بكتابته وأنكر الآخر‏,‏ فأدى إلى المقر أو ما أشبهها من الصور جمعا بين الأخبار‏,‏ وتوفيقا بينهما وبين القياس ولأن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏إذا كان لإحداكن مكاتب فملك ما يؤدى فلتحتجب منه‏)‏ دليل على اعتبار جميع ما يؤدى‏,‏ ويجوز أن يتوقف العتق على أداء الجميع وإن جاز رد بعضه إليه كما لو قال‏:‏ إذا أديت إلى ألفا‏,‏ فأنت حر ولله على رد ربعها إليك فإنه لا يعتق قبل أداء جميعها وإن وجب عليه رد بعضها‏.‏

فصل‏:‏

وتجوز الكتابة على كل مال يجوز السلم فيه لأنه مال يثبت في الذمة مؤجلا في معاوضة‏,‏ فجاز ذلك فيه كعقد السلم فإن كان من الأثمان وكان في البلد نقد واحد‏,‏ جاز إطلاقه لأنه ينصرف بالإطلاق إليه فجاز ذلك فيه كالبيع‏,‏ وإن كان فيه نقود أحدها أغلب في الاستعمال جاز الإطلاق أيضا وانصرف إليه عند الإطلاق‏,‏ كما لو انفرد وإن كانت مختلفة متساوية في الاستعمال وجب بيانه بجنسه‏,‏ وما يتميز به من غيره من النقود وإن كان من غير الأثمان وجب وصفه بما يوصف به في السلم وما لا يصح في السلم فيه لا يجوز أن يكون عوضا في الكتابة لأنه عقد معاوضة يثبت عوضه في الذمة‏,‏ فلم يجز بعوض مجهول كالسلم فإن كاتبه على عبد مطلق لم يصح ذكره أبو بكر وهو قول الشافعي وذكر القاضي فيه وجهين أحدهما‏:‏ لا يجوز والآخر‏:‏ يجوز وهو قول أبي حنيفة‏,‏ ومالك لأن العتق معنى لا يلحقه الفسخ فجاز أن يكون الحيوان المطلق عوضا فيه كالعقل ولنا‏,‏ أن ما لا يجوز أن يكون عوضا في البيع والإجارة لا يجوز أن يكون عوضا في الكتابة كالثوب المطلق‏,‏ ويفارق العقل لأنه بدل عن متلف مقدر في الشرع وهاهنا عوض في عقد فأشبه البيع‏,‏ ولأن الحيوان الواجب في العقل ليس بحيوان مطلق بل هو مقيد بجنسه وسنه‏,‏ فلم يصح الإلحاق به ولأن الحيوان المطلق لا تجوز الكتابة عليه بغير خلاف بين الناس فيما علمناه وإنما الخلاف في العبد المطلق‏,‏ ولم يرد به الشرع بدلا في موضع علمناه إذا ثبت هذا فإن من صحح الكتابة به أوجب له عبدا وسطا‏,‏ وهو السندي ويكون وسطا من السنديين في قيمته كقولنا في الصداق‏,‏ ولا تصح الكتابة على حيوان مطلق غير العبد فيما علمناه ولا على ثوب‏,‏ ولا دار ولذلك لا تجوز على ثوب من ثيابه ولا عمامة من عمائمه‏,‏ ولا غير ذلك من المجهولات وإن وصف ذلك بأوصاف السلم صح وممن أجاز الكتابة على العبيد الحسن‏,‏ وسعيد بن جبير والنخعي والزهري‏,‏ وابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي وروي ذلك عن أبي برزة‏,‏ وحفصة رضي الله عنهما‏.‏

فصل‏:‏

وتصح الكتابة على خدمة ومنفعة مباحة لأنها أحد العوضين في الإجارة فجاز أن تكون عوضا في الكتابة كالأثمان ويشترط العلم بها‏,‏ كما يشترط في الإجارة فإن كاتبه على خدمة شهر ودينار صح ولا يحتاج إلى ذكر الشهر‏,‏ وكونه عقيب العقد لأن إطلاقه يقتضي ذلك وإن عين الشهر لوقت لا يتصل بالعقد مثل أن يكاتبه في المحرم على خدمته في رجب ودينار‏,‏ صح أيضا كما يجوز أن يؤجره داره شهر رجب في المحرم وقال أصحاب الشافعي‏:‏ لا يجوز على شهر لا يتصل بالعقد ويشترطون ذكر ذلك ولا يجوزون إطلاقه بناء على قولهم في الإجارة وقد سبق ذكر الخلاف فيه‏,‏ في باب الإجارة ويشترط كون الدينار المذكور مؤجلا لأن الأجل شرط في عقد الكتابة فإن جعل محل الدينار بعد الشهر بيوم أو أكثر صح بغير خلاف نعلمه وإن جعل محله في الشهر أو بعد انقضائه‏,‏ صح أيضا وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وقال القاضي‏:‏ لا يصح لأنه يكون نجما واحدا وهذا لا يصح لأن الخدمة كلها لا تكون في وقت محل الدينار وإنما يوجد جزء منها يسير مقاربا له وسائرها فيما سواه‏,‏ ولأن الخدمة بمنزلة العوض الحاصل في ابتداء مدتها ولهذا يستحق عوضها جميعه عند العقد فيكون محلها غير محل الدينار‏,‏ وإنما جازت حالة لأن المنع من الحلول في غيرها لأجل العجز عنه في الحال وهذا غير موجود في الخدمة فجازت حالة وإن جعل محل الدينار قبل الخدمة‏,‏ وكانت الخدمة غير متصلة بالعقد بحيث يكون الدينار مؤجلا والخدمة بعده‏,‏ جاز وإن كانت الخدمة متصلة بالعقد لم يتصور كون الدينار قبله ولم تجز في أوله لأنه يكون حالا‏,‏ ومن شرطه التأجيل‏.‏

فصل‏:‏

وإن كاتبه على خدمة مفردة في مدة واحدة مثل أن كاتبه على خدمة شهر معين‏,‏ أو سنة معينة فحكمه حكم الكتابة على نجم واحد على ما مضى من القول فيه ويحتمل أن يكون كالكتابة على أنجم‏,‏ لأن الخدمة تستوفى في أوقات متفرقة بخلاف المال فإن جعله على شهر بعد شهر‏,‏ كأن كاتبه في أول المحرم على خدمة فيه وفي رجب‏,‏ صح لأنه على نجمين وإن كاتبه على منفعة في الذمة معلومة كخياطة ثياب عينها أو بناء حائط وصفه‏,‏ صح أيضا إذا كاتبه على نجمين وإن قال‏:‏ كاتبتك على أن تخدمني هذا الشهر وخياطة كذا عقيب الشهر‏,‏ صح في قول الجميع وإن قال‏:‏ على أن تخدمني شهرا من وقتي هذا وشهرا عقيب هذا الشهر صح أيضا وعند الشافعي‏,‏ لا يصح ولنا أنه كاتبه على نجمين فصح‏,‏ كالتي قبلها‏.‏

فصل‏:

وإذا كاتب العبد وله مال فماله لسيده‏,‏ إلا أن يشترطه المكاتب وإن كانت له سرية أو ولد فهو لسيده وبهذا قال الثوري والحسن بن صالح‏,‏ وأبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي وقال الحسن‏:‏ وعطاء‏,‏ والنخعي وسليمان بن موسى وعمرو بن دينار‏,‏ ومالك وابن أبي ليلى في المكاتب‏:‏ ماله له ووافقنا عطاء‏,‏ وسليمان بن موسى والنخعي وعمرو بن دينار‏,‏ ومالك في الولد واحتج لهم بما روى عمر‏,‏ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال‏:‏ ‏(‏من أعتق عبدا وله مال فالمال للعبد‏)‏ ولنا‏,‏ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏من باع عبدا وله مال فماله للبائع‏,‏ إلا أن يشترطه المبتاع‏)‏ متفق عليه والكتابة بيع ولأنه باعه نفسه فلم يدخل معه غيره‏,‏ كولده وأقاربه ولأنه هو وماله كانا لسيده فإذا وقع العقد على أحدهما‏,‏ بقي الآخر على ما كان عليه كما لو باعه لأجنبي وحديثهم ضعيف قد ذكرنا ضعفه‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ وولاؤه لمكاتبه ‏]‏

لا نعلم خلافا بين أهل العلم‏,‏ في أن ولاء المكاتب لسيده إذا أدى إليه وبه يقول مالك والشافعي‏,‏ وأصحاب الرأي وذلك لأن الكتابة إنعام وإعتاق له لأن كسبه كان لسيده بحكم ملكه إياه فرضي به عوضا عنه وأعتق رقبته عوضا عن منفعته المستحقة له بحكم الأصل‏,‏ فكان معتقا له منعما عليه فاستحق ولاءه لقوله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏الولاء لمن أعتق‏)‏ وفي حديث بريرة‏,‏ أنها قالت‏:‏ كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فقالت عائشة‏:‏ إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة‏,‏ ويكون ولاؤك لي فعلت فرجعت بريرة إلى أهلها فذكرت ذلك لهم‏,‏ فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم وهذا يدل على أن ثبوت الولاء على المكاتب لسيده كان متقررا عندهم والله أعلم‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ويعطى مما كوتب عليه الربع لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوهم من مال الله الذي آتاكم‏}‏‏]‏

الكلام في الإيتاء في خمسة فصول‏:‏ وجوبه وقدره وجنسه‏,‏ ووقت جوازه ووقت وجوبه‏:‏

أما الأول‏:‏

فإنه يجب على السيد إيتاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الشافعي وإسحاق وقال بريدة‏,‏ والحسن والنخعي والثوري‏,‏ ومالك وأبو حنيفة‏:‏ ليس بواجب لأنه عقد معاوضة فلا يجب فيه الإيتاء‏,‏ كسائر عقود المعاوضات ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوهم من مال الله الذي آتاكم‏}‏ وظاهر الأمر الوجوب قال علي رضي الله عنه في تفسيرها‏:‏ ضعوا عنهم ربع مال الكتابة وعن ابن عباس‏,‏ رضي الله عنهما قال‏:‏ ضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئا وتخالف الكتابة سائر العقود فإن القصد بها الرفق بالعبد بخلاف غيرها‏,‏ ولأن الكتابة يستحق بها الولاء على العبد مع المعاوضة فلذلك يجب أن يستحق العبد على السيد شيئا فإن قيل‏:‏ المراد بالإيتاء إعطاؤه سهما من الصدقة‏,‏ أو الندب إلى التصدق عليه وليس ذلك بواجب بدليل أن العقد يوجب العوض عليه‏,‏ فكيف يقتضي إسقاط شيء منه‏؟‏ قلنا‏:‏ أما الأول فإن عليا وابن عباس رضي الله عنهما فسراه بما ذكرناه‏,‏ وهما أعلم بتأويل القرآن وحمل الأمر على الندب يخالف مقتضى الأمر فلا يصار إليه إلا بدليل وقولهم‏:‏ إن العقد يوجب عليه‏,‏ فلا يسقط عنه قلنا‏:‏ إنما يجب للرفق به عند آخر كتابته مواساة له وشكرا لنعمة الله تعالى‏,‏ كما تجب الزكاة مواساة من النعم التي أنعم الله تعالى بها على عبده ولأن العبد ولى جمع هذا المال وتعب فيه‏,‏ فاقتضى الحال مواساته منه كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإطعامه من الطعام الذي ولى حره ودخانه واختص هذا بالوجوب لأن فيه معونة على العتق‏,‏ وإعانة لمن يحق على الله تعالى عونه فإن أبا هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏ثلاثة حق على الله تعالى عونهم‏,‏ المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف‏)‏ أخرجه الترمذي‏,‏ وقال‏:‏ حديث حسن‏.‏

الفصل الثاني‏:‏

في قدره وهو الربع ذكره الخرقي وأبو بكر‏,‏ وغيرهما من أصحابنا وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وقال قتادة‏:‏ العشر وقال الشافعي وابن المنذر‏:‏ يجزئ ما يقع عليه الاسم وهو قول مالك إلا أنه عنده مستحب لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏من مال الله الذي آتاكم‏}‏ ‏(‏ومن‏)‏ للتبعيض‏,‏ والقليل بعض فيكتفى به وقال ابن عباس‏:‏ ضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئا ولأنه قد ثبت أن المكاتب لا يعتق حتى يؤدى جميع الكتابة بما ذكرنا من الأخبار‏,‏ ولو وجب إيتاؤه الربع لوجب أن يعتق إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة ولا يجب عليه أداء مال يجب رده إليه وروي عن ابن عمر‏,‏ أنه كاتب عبدا له على خمسة وثلاثين ألفا فأخذ منه ثلاثين وترك له خمسة ولنا‏,‏ ما روى أبو بكر بإسناده عن علي رضي الله عنه ‏(‏عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوهم من مال الله الذي آتاكم‏}‏ فقال‏:‏ ربع الكتابة‏)‏ وروي موقوفا على علي ولأنه مال يجب إيتاؤه مواساة بالشرع فكان مقدرا‏,‏ كالزكاة ولأن حكمة إيجابه الرفق بالمكاتب وإعانته على تحصيل العتق‏,‏ وهذا لا يحصل باليسير الذي هو أقل ما يقع عليه الاسم فلم يجز أن يكون هو الواجب وقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوهم من مال الله‏}‏ وإن ورد غير مقدر‏,‏ فإن السنة تبينه وتبين قدره كالزكاة‏.‏

الفصل الثالث‏:‏

في جنسه‏,‏ إن قبض مال الكتابة ثم أعطاه منه جاز لأن الله تعالى أمر بالإيتاء منه وإن وضع عنه بما وجب عليه‏,‏ جاز لأن الصحابة رضي الله عنهم فسروا الإيتاء بذلك ولأنه أبلغ في النفع‏,‏ وأعون على حصول العتق فيكون أفضل من الإيتاء وتحصل دلالة الآية عليه من طريق التنبيه وإن أعطاه من جنس مال الكتابة من غيره‏,‏ جاز ويحتمل أن لا يلزم المكاتب قبوله وهو ظاهر كلام الشافعي لأن الله تعالى أمر بالإيتاء منه ولنا أنه لا فرق في المعنى بين الإيتاء منه وبين الإيتاء من غيره‏,‏ إذا كان من جنسه فوجب أن يتساويا في الإجزاء وغير المنصوص إذا كان في معناه ألحق به‏,‏ وكذلك جاز الحط وليس هو بإيتاء لما كان في معناه وإن آتاه من غير جنسه‏,‏ مثل أن يكاتبه على دراهم فيعطيه دنانير أو عروضا لم يلزمه قبوله لأنه لم يؤته منه ولا من جنسه ويحتمل الجواز لأن الرفق به يحصل به‏.‏

الفصل الرابع‏:‏

في وقت جوازه‏,‏ وهو من حين العقد لقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم‏}‏ وذلك يحتاج إليه من حين العقد وكلما عجله كان أفضل لأنه يكون أنفع كالزكاة‏.‏

الفصل الخامس‏:

في وقت وجوبه‏,‏ وهو حين العتق لأن الله تعالى أمر بإيتائه من المال الذي آتاه وإذا آتى المال عتق فيجب إيتاؤه حينئذ قال علي رضي الله عنه الكتابة على نجمين‏,‏ والإيتاء من الثاني فإن مات السيد قبل إيتائه فهو دين في تركته لأنه حق واجب فهو كسائر ديونه وإن ضاقت التركة عنه وعن غيره من الديون‏,‏ تحاصوا في التركة بقدر حقوقهم ويقدم ذلك على الوصايا لأنه دين وقد قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الدين قبل الوصية والله الموفق‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ وإن عجلت الكتابة قبل محلها‏,‏ لزم السيد الأخذ وعتق من وقته في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله -رحمه الله- والرواية الأخرى‏,‏ إذا ملك ما يؤدى فقد صار حرا ‏]‏

الكلام في هذه المسألة في فصلين‏:‏

أحدهما‏:‏

فيما إذا عجل المكاتب الكتابة قبل محلها فالمنصوص عن أحمد أنه يلزم قبولها‏,‏ ويعتق المكاتب وذكر أبو بكر فيه رواية أخرى أنه لا يلزم قبول المال إلا عند نجومه لأن بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حق له ولم يرض بزواله‏,‏ فلم يزل كما لو علق عتقه على شرط لم يعتق قبله والصحيح في المذهب‏:‏ الأول وهو مذهب الشافعي‏,‏ إلا أن القاضي قال‏:‏ أطلق أحمد والخرقي هذا القول وهو مقيد بما لا ضرر في قبضه قبل محله كالذي لا يفسد‏,‏ ولا يختلف قديمه وحديثه ولا يحتاج إلى مؤنة في حفظه ولا يدفعه في حال خوف يخاف ذهابه‏,‏ فإن اختل أحد هذه الأمور لم يلزم قبضه مثل أن يكون مما يفسد كالعنب‏,‏ والرطب والبطيخ أو يخاف تلفه كالحيوان‏,‏ فإنه ربما تلف قبل المحل ففاته مقصوده وإن كان مما يكون حديثه خيرا من قديمه لم يلزمه أيضا أخذه لأنه ينقص إلى حين الحلول‏,‏ وإن كان مما يحتاج إلى مخزن كالطعام والقطن لم يلزمه أيضا لأنه يحتاج في إبقائه إلى وقت المحل إلى مؤنة‏,‏ فيتضرر بها ولو كان غير هذا إلا أن البلد مخوف‏,‏ يخاف نهبه لم يلزمه أخذه لأن في أخذه ضررا لم يرض بالتزامه وكذلك لو سلمه إليه في طريق مخوف‏,‏ أو موضع يتضرر بقبضه فيه لم يلزمه قبضه ولم يعتق المكاتب ببذله قال القاضي‏:‏ والمذهب عندي أن في قبضه تفصيلا‏,‏ على حسب ما ذكرناه في السلم ولأنه لا يلزم الإنسان التزام ضرر لم يقتضه العقد ولو رضي بالتزامه وأما ما لا ضرر في قبضه فإذا عجله‏,‏ لزم السيد أخذه وذكر أبو بكر أنه يلزمه قبوله من غير تفصيل اعتمادا على إطلاق أحمد القول في ذلك‏,‏ وهو ظاهر إطلاق الخرقي لما روى الأثرم بإسناده عن أبي بكر بن حزم أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين‏,‏ إني كاتبت على كذا وكذا وإني أيسرت بالمال فأتيته به‏,‏ فزعم أنه لا يأخذها إلا نجوما فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ يا يرفأ خذ هذا المال فاجعله في بيت المال‏,‏ وأد إليه نجوما في كل عام وقد عتق هذا فلما رأى ذلك سيده أخذ المال وعن عثمان بنحو هذا ورواه سعيد بن منصور‏,‏ في سننه عن عمر وعثمان جميعا قال‏:‏ حدثنا هشيم عن ابن عوف‏,‏ عن محمد بن سيرين أن عثمان قضى بذلك ولأن الأجل حق لمن عليه الدين فإذا قدمه فقد رضي بإسقاط حقه‏,‏ فسقط كسائر الحقوق فإن قيل‏:‏ إذا علق عتق عبده على فعل في وقت ففعله في غيره لم يعتق‏,‏ فكذلك إذا قال‏:‏ إذا أديت إلى ألفا في رمضان فأداه في شعبان لم يعتق قلنا‏:‏ تلك صفة مجردة لا يعتق إلا بوجودها‏,‏ والكتابة معاوضة يبرأ فيها بأداء العوض فافترقا وكذلك لو أبرأه من العوض في المكاتبة‏,‏ عتق ولو أبرأه من المال في الصفة المجردة لم يعتق والأولى‏,‏ -إن شاء الله تعالى- ما قاله القاضي في أن ما كان في قبضه ضرر لم يلزمه‏,‏ قبضه ولم يعتق ببذله لما ذكره من الضرر الذي لم يقتضه العقد وخبر عمر رضي الله عنه لا دلالة فيه على وجوب قبض ما فيه ضرر ولأن أصحابنا قالوا‏:‏ لو لقيه في بلد آخر‏,‏ فدفع إليه نجوم الكتابة أو بعضها فامتنع من أخذها لضرر فيه من خوف أو مؤنة حمل‏,‏ لم يلزمه قبوله لما عليه من الضرر فيه وإن لم يكن فيه ضرر لزمه قبضه كذا ها هنا وكلام أحمد‏,‏ -رحمه الله- محمول على ما إذا لم يكن في قبضه ضرر وكذلك قول الخرقي وأبي بكر‏.‏

فصل‏:‏

إذا أحضر المكاتب مال الكتابة‏,‏ أو بعضه ليسلمه فقال السيد‏:‏ هذا حرام‏,‏ أو غصب لا أقبله منك سئل العبد عن ذلك فإن أقر به‏,‏ لم يلزم السيد قبوله لأنه لا يلزمه أخذ المحرم ولا يجوز له وإن أنكر‏,‏ وكانت للسيد بينة بدعواه لم يلزمه قبوله وتسمع بينته لأن له حقا في أن لا يقتضي دينه من حرام‏,‏ ولا يأمن من أن يرجع صاحبه عليه به وإن لم تكن له بينة فالقول قول العبد مع يمينه‏,‏ فإن نكل عن اليمين لم يلزم السيد قبوله أيضا وإن حلفه‏,‏ قيل للسيد‏:‏ إما أن تقبضه وإما أن تبرئه ليعتق فإن قبضه وكان تمام كتابته عتق‏,‏ ثم ينظر فإن ادعى أنه حرام مطلقا لم يمنع منه لأنه لا يقر به لأحد وإنما تحريمه فيما بينه وبين الله تعالى‏,‏ وإن ادعى أنه غصبه من فلان لزمه دفعه إليه إن ادعاه لأن قوله‏:‏ وإن لم يقبل في حق المكاتب فإنه يقبل في حق نفسه‏,‏ كما لو قال رجل لعبد في يد غيره‏:‏ هذا حر وأنكر ذلك من العبد في يده لم يقبل قوله عليه فإن انتقل إليه بسبب من الأسباب‏,‏ لزمته حريته وإن أبرأه من مال الكتابة حين امتنع المكاتب من قبضه لم يلزمه قبضه لأنه لم يبق له عليه حق وإن لم يبرئه ولم يقبضه كان له دفع ذلك إلى الحاكم‏,‏ ويطالبه بقبضه فينوب الحاكم في قبضه عنه ويعتق العبد‏,‏ كما رويناه عن عمر وعثمان في قبضهما مال الكتابة حين امتنع المكاتب من قبضه‏.‏

فصل‏:‏

وإذا كاتبه على جنس لم يلزمه قبض غيره‏,‏ فلو كاتبه على دنانير لم يلزمه قبض دراهم ولا عرض‏,‏ وإن كاتبه على دراهم لم يلزمه أخذ الدنانير ولا العروض وإن كاتبه على عرض موصوف‏,‏ لم يلزمه قبض غيره وإن كاتبه على نقد فأعطاه من جنسه خيرا منه وكان ينفق فيما ينفق فيه الذي كاتبه عليه‏,‏ لزمه أخذه لأنه زاده خيرا وإن كان لا ينفق في بعض البلدان التي ينفق فيها ما كاتبه عليه لم يلزمه قبوله لأن عليه فيه ضررا‏.‏

الفصل الثاني‏:‏

إذا ملك ما يؤدي‏,‏ فالصحيح أنه لا يعتق حتى يؤدي روي ذلك عن عمر وابنه وزيد وعائشة رضي الله عنهم فإنهم قالوا‏:‏ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وهو قول أكثر أهل العلم‏,‏ وعن أحمد رضي الله عنه رواية أخرى أنه إذا ملك ما يؤدى عتق لما روى سعيد قال‏:‏ حدثنا سفيان عن الزهري‏,‏ عن نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏(‏إذا كان لإحداكن مكاتب‏,‏ وكان عنده ما يؤدى فلتحتجب منه‏)‏ ورواه أبو داود وابن ماجه‏,‏ والترمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح فأمرهن بالحجاب بمجرد ملكه لما يؤديه ولأنه مالك لوفاء مال الكتابة أشبه ما لو أداه فعلى هذه الرواية‏,‏ يصير حرا بملك الوفاء فمتى امتنع منه أجبره الحاكم عليه وإن هلك ما في يديه قبل الأداء صار دينا في ذمته وقد صار حرا ووجه الرواية الأولى‏,‏ ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‏,‏ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏(‏المكاتب عبد ما بقي عليه درهم‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد وأيما عبد كاتب على مائة دينار‏,‏ فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد‏)‏ رواه سعيد وفي رواية‏:‏ ‏(‏من كاتب عبده على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق أو قال‏:‏ إلا عشرة دراهم‏,‏ ثم عجز فهو رقيق‏)‏ رواه الترمذي وقال‏:‏ هذا حديث حسن غريب ولأنه عتق علق بعوض‏,‏ فلم يعتق قبل أدائه كما لو قال‏:‏ إذا أديت إلى ألفا فأنت حر فعلى هذه الرواية إن أدى عتق‏,‏ وإن لم يؤد لم يعتق فإن امتنع من الأداء فقال أبو بكر‏:‏ يؤديه الإمام منه ولا يكون ذلك عجزا‏,‏ ولا يملك السيد الفسخ وهو قول أبي حنيفة ويحتمل كلام الخرقي أنه إذا لم يؤد‏,‏ عجزه السيد إن أحب فإنه قال إذا لم يؤد نجما حتى حل نجم آخر‏,‏ عجزه السيد إن أحب وعاد عبدا غير مكاتب ونحوه قال الشافعي فإنه قال‏:‏ إن شاء عجز نفسه‏,‏ وامتنع من الأداء ووجهه أن العبد لا يجبر على اكتساب ما يؤديه في الكتابة فلا يجبر على الأداء كسائر العقود الجائزة ووجه الأول‏,‏ أنه يثبت للعقد استحقاق الحرية بملك ما يؤدى فلم يملك إبطالها كما لو أدى فإن تلف المال قبل أدائه‏,‏ جاز بعجزه واسترقاقه وجها واحدا‏.‏

مسألة‏:

قال‏:‏ ‏[‏ وإذا أدى بعض كتابته ومات وفي يده وفاء وفضل فهو لسيده في إحدى الروايتين والأخرى‏,‏ لسيده بقية كتابته والباقي لورثته ‏]‏

يحتمل أن هذه المسألة مبنية على ما قبلها فإذا قلنا‏:‏ إنه لا يعتق بملك ما يؤدى فقد مات رقيقا فانفسخت الكتابة بموته‏,‏ وكان ما في يده لسيده وإن قلنا‏:‏ إنه عتق بملك ما يؤدى فقد مات حرا وعليه لسيده بقية كتابته لأنه دين له عليه‏,‏ والباقي لورثته قال القاضي‏:‏ الأصح أنه تنفسخ الكتابة بموته ويموت عبدا وما في يده لسيده رواه الأثرم بإسناده عن عمر وزيد‏,‏ والزهري وبه قال إبراهيم وعمر بن عبد العزيز وقتادة‏,‏ والشافعي لما ذكرناه في التي قبلها ولأنه مات قبل أداء مال الكتابة فوجب أن تنفسخ‏,‏ كما لو لم يكن له مال ولأنه عتق علق بشرط مطلق فينقطع بالموت‏,‏ كما لو قال‏:‏ إذا أديت إلى ألفا فأنت حر والرواية الثانية يعتق‏,‏ ويموت حرا ولسيده بقية كتابته وما فضل لورثته روي ذلك عن علي‏,‏ وابن مسعود ومعاوية وبه قال عطاء والحسن وطاوس‏,‏ وشريح والنخعي والثوري‏,‏ والحسن بن صالح ومالك وإسحاق‏,‏ وأصحاب الرأي إلا أن أبا حنيفة قال‏:‏ يكون حرا في آخر جزء من حياته وهذا قول القاضي ووجه هذه الرواية ما قدمنا في التي قبلها‏,‏ ولأنها معاوضة لا تنفسخ بموت أحد المتعاقدين فلا تنفسخ بموت الآخر كالبيع‏,‏ ولأن العبد أحد من تمت به الكتابة فلم تنفسخ بموته كالسيد والأولى أولى وتفارق الكتابة البيع لأن كل واحد من المتعاقدين غير معقود عليه ولا يتعلق العقد بعينه‏,‏ فلم ينفسخ بتلفه والمكاتب هو المعقود عليه والعقد يتعلق بعينه‏,‏ فإذا تلف قبل تمام الأداء انفسخ العقد كما لو تلف المبيع قبل قبضه‏,‏ ولأنه مات قبل وجود شرط حريته ويتعذر وجوده بعد موته‏.‏

فصل‏:‏

وإذا مات ولم يخلف وفاء فلا خلاف في المذهب أن الكتابة تنفسخ بموته‏,‏ ويموت عبدا وما في يده لسيده وهو قول أهل الفتوى من أئمة الأمصار إلا أن يموت بعد أداء ثلاثة أرباع الكتابة عند أبي بكر والقاضي ومن وافقهما‏,‏ فإنه يموت حرا في مقتضى قولهم وقال مالك‏:‏ إن كان له ولد حر انفسخت الكتابة‏,‏ وإن كان له مملوك في كتابته أجبر على دفع المال كله إن كان له مال وإن لم يكن له مال‏,‏ أجبر على الاكتساب والأداء وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه يعتق منه بقدر ما أدى وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏(‏إذا أصاب المكاتب حدا‏,‏ أو ميراثا ورث بقدر ما أدى ويؤدى المكاتب بحصة ما أدى‏)‏ وعن عمر‏,‏ وعلي والنخعي‏:‏ إذا أدى الشطر فلا رق عليه وقال ابن مسعود‏:‏ إذا أدى قدر قيمته‏,‏ فهو غريم وقد ذكرنا الجواب عن هذه الأقوال كلها فيما تقدم بما أغنى عن إعادته -إن شاء الله تعالى-‏.‏

فصل‏:‏

ولا تنفسخ الكتابة بالجنون لأنها عقد لازم فلم تنفسخ بالجنون‏,‏ كالرهن وفارق الموت لأن العقد على العين والموت يفوت العين‏,‏ بخلاف الجنون ولأن القصد من الكتابة العتق والموت ينافيه‏,‏ ولهذا لا يصح عتق الميت والجنون لا ينافيه بدليل صحة عتق المجنون فعلى هذا إن أدى إليه المال‏,‏ عتق لأن السيد إذا قبض منه فقد استوفى حقه الذي كان عليه وله أخذ المال من يده‏,‏ فيتضمن ذلك براءته من المال فيعتق بحكم العقد وإن لم يؤد‏,‏ كان للسيد أن يحضره عند الحاكم وتثبت الكتابة بالبينة فيبحث الحاكم عن ماله‏,‏ فإن وجد له مالا سلمه في الكتابة وعتق‏,‏ وإن لم يجد له مالا جعل له أن يعجزه ويلزمه الإنقاق عليه لأنه عاد قنا‏,‏ ثم إن وجد له الحاكم بعد ذلك مالا يفى بمال الكتابة أبطل فسخ السيد لأن الباطن بان بخلاف ما حكم به فبطل حكمه‏,‏ كما إذا أخطأ النص وحكم بالاجتهاد إلا أنه يرد على السيد ما أنفقه من حين الفسخ لأنه لم يكن مستحقا عليه في الباطن وإن أفاق فأقام البينة أنه كان قد دفع إليه مال الكتابة‏,‏ بطل أيضا فسخ السيد ولا يرد عليه ما أنفقه لأنه أنفق عليه مع علمه بحريته فكان متطوعا بذلك‏,‏ فلم يرجع به وينبغي أن يستحلف السيد الحاكم أنه ما استوفى مال الكتابة وهذا قول أصحاب الشافعي ولم يذكره أصحابنا وهو حسن لأنه استوفاه‏,‏ والمجنون لا يعبر عن نفسه فيدعيه فيقوم الحاكم مقامه في استحلافه عليه‏.‏

فصل‏:‏

وقتل المكاتب كموته في انفساخ الكتابة على ما أسلفناه من الخلاف‏,‏ سواء كان القاتل السيد أو الأجنبي ولا قصاص على قاتله الحر لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فإن كان القاتل سيده ولم يخلف وفاء انفسخت الكتابة وعاد ما في يده إلى سيده ولم يجب عليه شيء لأنه لو وجب لوجب له فإن قيل‏:‏ فالقاتل لا يستحق بالقتل شيئا من تركة المقتول قلنا‏:‏ ها هنا لا يرجع إليه مال المكاتب ميراثا‏,‏ بل بحكم ملكه عليه لزوال الكتابة وإنما يمنع القاتل الميراث خاصة‏,‏ ألا ترى أن من له دين مؤجل إذا قتل من عليه الحق حل دينه‏؟‏ وفي رواية‏:‏ وأم الولد إذا قتلت سيدها عتقت وإن كان المكاتب قد خلف وفاء‏,‏ وقلنا‏:‏ إن الكتابة تنفسخ بموته فالحكم كذلك وإن قلنا‏:‏ لا تنفسخ بموته فله القيمة على سيده تصرف إلى ورثته كما لو كانت الجناية على بعض أطرافه في حياته فإن كان الوفاء يحصل بإيجاب القيمة ولا يحصل بدونها‏,‏ وجبت كما لو خلف وفاء لأن دية المقتول كتركته في قضاء ديونه منها‏,‏ وانصرافها إلى وراثه بينهم على فرائض الله تعالى ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يخلف وارثا‏,‏ أو لا يخلف وارثا وذكر القاضي أنه إذا لم يخلف وارثا سوى سيده لم تجب القيمة عليه بحال ولنا‏,‏ أن من لا وارث له يصرف ماله إلى المسلمين ولا حق لسيده فيه لأن صرفه إلى سيده بطريق الإرث والقاتل لا ميراث له وإن كان القاتل أجنبيا‏,‏ وجبت القيمة لسيده إلا في الموضع الذي لا تنفسخ الكتابة فإنها تجب لورثته والله أعلم‏.‏