فصل: سنة تسع عشرة ومائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)



.سنة تسع عشرة ومائة:

.ذكر قتل خاقان:

لما دخل أسد الختل كتب ابن السايجي إلى خاقان، وهوبنواكث، يعلمه دخول أسد الختل وتفرق جنوده فيها وأنه يحتال مضيعة، فلما أتاه كتابه أمر أصحابه بالجهاز وسار، فلما أحس ابن السايجي بمجيء خاقان بعث إلى أسد: اخرج عن الختل فإن خاقان قد أظلك. فشتم الرسول ولم يصدقه.
فبعث ابن السايجي: إني لم أكذبك وأنا الذي أعلمته دخولك وتفرق عسكرك، وأنها فرصة له، وسألته المدد، فغن لقيك على هذه الحال ظفر بك وعاتنب العرب أبداً ما بقيت واستطال على خاقان واشتدت مؤونته، وقال: أخرجت العرب من بلادك ورددت عليك ملكك.
فعرف أسد أنه قد صدقه فأمر بالأثقال أن تقدم وجعل عليها إبراهيم بن عاصم العقيلي وأخرج معه المشيخة، فسارت الأثقال ومعها أهل الصغانيان وصغان خذاه، وأقبل أسد من الختل نحو الجبل الملح يريد أن يخوض نهر بلخ، وقد قطع إبرايهم بن عاصم بالسبي وما أصلبوا، وأشرف أسد على النهر فأقام يومه، فلما كان الغد عبر النهر في مخاض1ه، وجعل الناس يعبرونن فادركهام خاقان فقتل من لم يقطع النهلأ، وكانت المسلحة على الأزد وتميم، فقاتلوا خاقان وانكشفوا.
وأقبل خاقان وظن المسلمون أنه لا يعبر إليهم النره، فلما نظر خاقان إلى النهر أمر الترك بعبوره، فعبرونه، ودخل المسلمون عسكرهم وأخذ الترك ما رأوه خارجاً، وخرج الغلمان فضاربوهم بالعمد فعادوا، وبات أسد والمسلمون وعببأ أصحابه من الليل، فلما أصبح لم يرد خاقان، فاستشار أصحابه، فقالوا له: اقبل العافية. قال: ما هذه عافة! هذه بلية! إن خاقان أصاب أمس من الجند والسلاح وما منعه اليوم منا إلا أنه قجد أخبره بعض من اخذه من الأسرى بموضع الأثقال أمامنا فار طمعاً فيها.
فارتحل وبعث الطلائع، فلما أمسى استشار الناس في النزول أو المير، فقال الناس: اقبل العافية، وما عسشى أن يكون ذهاب الأموال بعافيتنا وعافية أهل خراسان! ونصر بن سيار مطرق. فقال له أسد: ما لك لا تتكلم؟ قال: أيها الأمير خلتان كلتاهما لك، لإن تسر تغث من مع الأثقال وتخلصهم، فإن انتهيت وقد هلكوا فقد قطعت مشقة لا بد من قطعها. فقبل رأيه وسار بقية يومه، ودعا أسد سعيداً الصغير مولى باهلة، وكان فارساً بأرض الختل، وكتب معه كتاباً إلى إبراهيم يأمره بالاستعداد ويخبره بمسير خاقان إليه وقال له: لتجد السير. فطلب منه فرسه الذبوب، فقال أسد: لعمري لئن جدت نفسك وبخلت عليك بالفرس إني إذاً للئيم. فدفعه إليه، فأخذ معه جنيباً وسار.
فلما حاذى الترك وقد ساروا نحو الأثقال طلبته طلائعهم فركب الذبوب فلم يلحقوه، فأتى إبراهيم بالكتاب. وسار خاقان إلى الأثقال، وقد خندق إبراهيم خندقاً، فأتاهم وهم قيام عليه، فأمر الصغد بقتلاهم فهزمهم المسلمون، وصعد خاقان تلا فجعل ينظر ليرى عورة يأتي منها، وهكذا كان يفعل، فلما صعد التل رأى خلف العسكر جزيرة دونها مخاضة فدعا بعض قواد الترك فأمرهم أن يقطعوا فوق العسكر حتى يصيروا إلى الجزيرة ثم ينحدروا حتى يأتوا عسكر المسلمين من خلفهم وأن يبدأوا بالأعاجم واهل الصغانيان، وقال لهم: إن رجعوا إليكم دخلنا نحن. ففعلوا ودخلوا من ناحية الأعاجم فقتلوا صغان خذاه وعامة أصحابه وأخذوا أموالهم، ودخلوا عسكر إبراهيم فأخذوا جميع ما فيه، وترك المسلمون التعبية واجتمعوا في موضع وأحسوا بالهلاك، وإذا رهج قد ارتفع، وإذا أسد في جنده قد أتاهم، فارتفعت الترك عنهم إلى الموضع الذي كان فيه خاقان، وإبراهيم يعجب من كفهم وقد ظفروا وقتلوا من قتلوا وهو لا يطمع في أسد، وكان أسد قد أغذ المسير وأقبل حتى وقف على التل الذي كان عليه خاقان، وتنحى خاقان إلى ناحية الجبل، فخرج إلى أسد من كان بقي مع الأثقال وقد قتل منهم بشراً كثيراً.
ومضى خاقان بالأسرى والجمال الموقرة والجواري، وأمر خاقان رجلاً كان معه من أصحاب الحارث بن سريج فنادى أسداً: قد كان لك فيما وراء النهر مغزى، إنك لشديد الحرص، وقد كان عن الختل مندوحة وهي أرض آبائي وأجدادي. فقال سد: لعل الله أن ينتقم منك.
ويسار أسد إلى بلخ فعسكر في مرجها حتى أتى الشتاء، ثم فرق الناس في الدور ودخل المدينة، وكان الحارث بن سريج بناحية طخارستان فانضم إلى خاقان. فلما كان وسط الشتاء أقبل خاقان، وكان لما فارق أسد أتى كخارستان فأقام عند جبوية، فأقبل فأتى الجوزجان وبث الغارات.
وسبب مجيئه أن الحارث أخبره أنه لا نهوض بأسد فلم يبق معه كثير جند ونزل جزة، فأتى الخبر إلى أسد بنزول خاقان بجزة، فأمر بالنيران فرفعت بالمدينة، فجاء الناس من الرساتيق إليها، فأصبح أسد وصلى صلاة العيد، عيد الأضحى، وخطب الناس، وقال: إن عدوا الله الحارث بن سريج استجلب الطاغية ليطفئ نو الله ويبدل دينه والله مذله إن شاء الله، وإن عدوكم قد أصاب من إخوانكم من أصاب، وإن يرد الله نصركم لم يضركم قلتكم وكثرتهم، فاستنصروا الله، وإن أقرب ما يكون العبد من ربه إذا وضع جبهته له، وإني نازل ووضاع جبهتي، فاسجدوا له وادعوا مخلصين. ففعلوا ورفعوا رؤوسهم ولا يشكون في الفتح، ثم نزل وضحى وشارور الناس في المسير إلى خاقان، قال قوم: تحفظ مدينة بلخ وتكتب إلى خالد والخليفة تستمده. وقال قوم: تأخذ في طريق زم فتسبق خاقان إلى مرو. وقال قوم: بل تخرج إليهم. فوافق هذا رأي أسد، وكان عزم على لقائهم، فخرج بالناس ركعيتين ططولهما، ثم استقبل القبلة ونادى في الناس: اعوا الله تعالى، وأطال الدعاء، فلما فرغ قال: نصرتم ورب الكعبة إن شاء الله تعالى! ثم سار، فلما جاز قنطرة عطاء نزل وأراد المقام حتى يتلاحق به الناس، ثم أمر بالرحيل وقال: لا حاجة بنا إلى المتخلفين.
ثم ارتحل وعلى مقدمته سالم بن منصور البجلي في ثلاثمائة، فلقي ثلاثمائة من الترك طليعة لخاقان، فأسر قائدهم وسبعة معه، وهرب بقيتهم، فأتي به أسد فبكى التركي، فقال: ما يبكيك؟ قال: لست أبكي لنفسي ولكني أبكي لهلاك خاقان، إنه قد فرق جنوده بينه وبين مرو.
فسار أسد حتى شارف مدينة الجوزيجان فنزل عليها على فرسخين من خاقان، وكان قد استباحها خاقان، فلما أصبحوا تراءى العسكران، فقال خاقان للحارث بن سريج: أم تكن أخبرتين أن أسداً لا حراك به وهذه العساكر قد أقبلت من هذا؟ قال: هذا محمد بن المثنى ورايته.
فبعث خاقان طليعة وقال: انظروا هل ترون على الإبل سريراً وكراسي؟ فعادواإليه فأخبروه أنهم رأوها، فقال خاقان: هذا أسد.
وسار أسد قدر غلوة، فلقيه سالم بن جناح فقال: أبشر أيها الأمير قد حزرتم ولا يبلغون أربعة آلاف، وأرجوا أن يكون خاقان عقير الله. فصف أسد أصحابه، وعبى خاقان أصحابه، فلما التقوا حمل الحارث ومن معه من الصغد وغيهم، وكانوا ميمنة خاقان على ميسره أسد، فهزمهم فلم يردهم شيء دون رواق أسد، وحملت ميمنة أسد وهم الجوزجان والأزد وتميم عليهم، فانهزم الحارث ومن معه وانهزمت الترك جيمعها، وحمل الناس جميعاً فتفرق الترك في الأرض لا يلوون على أحد، فتبعهم الناس مقدار ثلاثة فراسخ يقتلون من يقدرون عليه حتى انتهوا إلى أغنامهم وأخذوا منها أكثر من مائة ألف وخمسين ألف رأس ودواب كثيرة.
وأخذ خاقان طريقاً في الجبل والحارث يحميه وسا منهزماً، فقال الجوزجاني لعثمان بن عبد الله بن الشخير: إني لأعلم ببلادي وبطرقها فهل تتبعني لعنلا نهلك خاقان؟ قال: نعم، فاخذا طريقاً وسارا ومن معهما حتى أشسرفوا على خاقان فأوقعوا به، فولى منهزماً، فحوى المسلمون عسكر الترك وما فيه من الأموال، ووجدوا فيه من نساء العرب والموليات من نساء الترك من كل شيء. ووحل بخاقان برذونه فحماه الحارث بن سريج، ولم يعلم الناس أنه خاقان، وأراد الخصي الذي لخاقان أن يحمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها، واستنقذوا من كان مع خاقان من لمسلمين.
وتتبع أسد خيل الترك التي فرقها في الغارة إلى مرو الوذ وغيها فقتل من قدر عليه منهم ولم ينج منهم غير القليل، ورجع إلى بلخ. وكان بشر الكرماني فب السرايا فيصيبون من الترك الرجل والرجلين وأكثر.
ومضى خاقان إلى طخارستان واقام عند جبوية الخزلجي، ثم ارتحل إللا بلادده، فلما ورد أشروسنة تلقاه خرابغره أو خاناجزه جد كاووس أبي أفشين بكل ما قدر عليه، وكان ما بينهما متباعداً، إلا أنه أحب أن يتخذ عنده يداً. ثم أتى خاقان بلاده واستعد لحرب ومحاصرة سمرقند، وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون. فلاعب خاقان يوماً كورصول بالنرد على خطر، فنازعا، فضرب كورصول يد خاقان وكسرها وتنحى وجمع جمعاً، وبلغه أن خاقان قد حلف ليكسرن يده، فبيت خاقان فقتله، وتفرقت التك وتركوه مجرداً، فأتاه نفر من الترك فدفنوه. واشتغلت الترك يغير بعضها على بعض، فعند ذلك طمع أهل الصغد في الرجعة إليها.
وأرسل أسد مبشراً إلى هشام بن عبد الملك بما فتح الله عليهم وبقتل خاقان، فلم يصدقه وقال للربيع حاجبه: لا أظن هذا صادقاً، اذهب فعده ثم سله عما يقول، ففعل ما أمره به، فأخبره بما أخبر به هشاماً، ثم أرسل أسد مبشراً آخر فوقف على بابا هشام وكبر، فأجابه هشام بالتكبير، فلما انتهى إليه أخبره بالفتح، فسجد شكراً لله تعالى، فحسدت القيسية أسداً وقالوا لهشام: اكتب بطلب مقاتل بن حيان النبطي، ففعل فسيره أسد إلى هشام، فلما دخل عليه أخبره بما كان، فقال له هشام: حاجتك؟ قال: إن يزيد بن المهلب أخذ من أبي مائة ألف درهم بغير حق فاستحلفه على ذلك. فكتب إلى أسد فردها عليه، وقسمها مقاتل بين ورثة حيان على كتاب الله تعالى.
قال أبو الهندي يذكر هذه الوقعة:
أبا منذرٍ رمت الأمور وقستها ** وساءلت عنها كالحريص المساوم

فما كان ذو رأي من الناس قسته ** برأيك إلا مثلي رأي البهائم

أبا منذرٍ لولا مسيرك لم يكن ** عراق ولا انقادت ملوك الأعاجم

ولا حج بيت الله من حج راكباً ** ولا عمر البطحاء بعد المواسم

وكم من قتيل بين سانٍ وجزة ** كسير الأيادي من ملوك قماقم

تركت بأرض الجوزجان تزوره ** سباع وعقبان لحز الغلاصم

وذي سوقةٍ فيه منٍ السيف خبطة ** به رمق ملقى لحوم الحوائم

فمن هاربٍ منا ومن دائن لنا ** أسيرٍ يقاسي مبهمات الأداهم

فدتك نفوس من تميم وعامر ** ومن مضر الحمراء عند المآزم

هم أطمعوا خاقان فينا فأصبحت ** حلائبه ترجو خلو المغانم

وكان ابن السايجي الذي أخبر أسداً بميء خاقان قد استخلفه السبل على مملكته عند موته وأوصاه بثلاث خصان، قال: لا تستطل على أهل الختل استطالتي عليهم، فإني ملك وأنت لست بملك إنما أنت رجل منهم، وقال له: اطلب الخيش حتى ترده إلى بلادكم، فإنه الملك بعدي؛ وكان الحنيش قد هرب إلى الصين؛ وقال له: لا تحاربوا العرب وادفعوها عنكم بكل حيلة. فقال له ابن السايجي: أما تركي الاستطالة عليهم وردي الحنيش فهو الرأي، وأما قولك لا تحاربوا العرب، فكيف وقد كنت أكثر الملوك محاربة لهم؟ قال السبل: قد جربت قوتكم بقوتي فما رأيتكم تقعون مني موقعاً، وكنت إذا حاربتهم لم أفلت إلا حرضاً، وإنكم إذا حاربتموهم هلكتم فهذا الذي كره إلى ابن السايجي محاربة العرب.

.ذكر قتل الممغيرة بن سعيد وبيان:

في هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في ستة نفر، وكانوا يسمون الوصفاء، وكان المغيرة ساحراً، وكان يقول: لو أردت أن حيي عاداً وثموداً وقروناً بين ذلك كثيراً لفعلت.
وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم بظهر الكوفة وهو يخطب فقال:: أطعوني ماء؛ فقال يحيى بن نوفل في ذلك:
أخالد لا جزاك الله خيراً ** وأير في حر امك من أمير

وكنت لدى المغيرة عبد سوء ** تبول من المخافة للزئير

وقلت لما اصابك أطعموني ** شراباً ثم بلت على السرير

لأعلاج ثمانية وشيخٍ ** كبير السن ليس بذي نصير

فأرسل خالد فأخذهم وأمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع وأمر بالقصب والنفط فأحضرا فأحرقهم، وارسل إلى مالك بن أعين الجرمي فسأله، فصدقه، فتركه.
وكان رأي المغيرة التجسيم، يقول: إن الله على صورة رجل على رأسه تاج، وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء ويقول ما لا ينطق به لسان؛ تعالى الله عن ذلك، يقول: إن الله تعالى لما أراد أن يخلق تكلم باسمه الأعظم فطار فروقع على تاجه، ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات، فلما رأى المعاصي ارفض عرقاً، فاجتمع من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والآخر عذب نير، ثم اطلع في البحر فرأى ظله فذهب ليأخذه فطار فأدركه فقلع عبيني ذلك الظل ومحقه فخلق من عينيه الشمس وسماء أخرى، وخلق من البحر الملح الكفار، ومن البحر العذب المؤمنين، وكان يقول بإلهية علي وتكفير أبي بكر وعمر وسائر الصحابة إلا من ثبت مع علي، وكان يقول: إن الأنبياء لم يختلفوا في شيء من الشرائع، وكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل نهر أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسة، وكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد علاى القبور.
وجاء المغيرة إلى محمد الباقر فقال له: أقرر أنك تعلم الغيب حتى أجبي لك العراق. فنهره وطرده. وجاء إلى ابنه جعفر بن محمد الصادق فقال له مثل ذلك، فقال: أعوذ بالله! وكان الشعبي يقول للمغيرة: ما فعل الإمام؟ فيقول: لأتتهزأ به؟ فيقول: لا إنما أتهزأ بك.
وأما بيان فإنه يقول بإلهية علي وإن الحسن والحسين إلهان، ومحمد بن الحنفية بعدهم، ثم بعده ابنه أو هشام بن محمد بنوع من التناسخ، وكان يقول: إن الله تعالى بفنى جميعه إلا وجهه، ويحتج بقوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}. تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً. وادعى النبوة، وزعم أنه المراد بقوله تعالى: {هذا بيان للناس} آل عمران: 138.

.ذكر خبر الخوارج هذه السنة:

وفي هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقب كثارة، وهو من الموصل من شيبان.
فقيل: وكان سبب خروجه أنه خرج يريد الحج، فأمره غلامه يبتاع له خلا بدرهم، فأتاه بخمر، فأمره بردها وأخذ الدرهم، فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء بهلول إلى عامل القرية، وهي من السواد، فكلمه، فقال العامل: الخمر خير منك ومن قولك. فمضى في حجه وقد عزم على الخروج،فلقي بمكة من كان على مثل رأيه، فاتعدوا قرية من قرى الموصل، فاجتمعوا بها، وهم أربعون رجلاً، وأمروا عليهم بهلولاً، وكتموا أمرهم وجعلوا لا يمرون بعامل إلا أخبروه أنهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال وأخذوا دواب البريد، فلما انتهوا إلى القرية التي ابتاع الغلام بها الخمر قال بهلول: نبدأ بهذا العامل فنقلته. فقال أصحابه: نحن نريد قتل خالد، فإن بدأنا بهذا شهر أمرنا وحذرنا خالد وغيره، فنشدناك الله أن نقتل هذا فيفلت منا خالد، الذي يهدم المساجد ويبني البيع والكنائس ويولي المجوس على المسلمين وينكح أهل الذمة المسلمات لعلنا نقتله فيريح الله من. قال: والله لا أدع ما يلزمني لما بعده وأرجو أن أقتل هذا وخالداً، فقتله، فعلم بهم الناس أنهم خوارج، وهربوا، وخرجت البريد إلى خالد فأعلموه بهم ولا يدرون من رئيسهم.
فخرج خالد من واسط وأتى الحيرة، وكان بها جند قد قدموا من الشام مدداً لعامل الهند، فأمرهم خالد بقتاله وقال: من قتل منهم رجلاً أعطيته عطاء سوى ما أخذ في الشام وأعفيته من الخروج إلى هند. فساعوا إلى ذلك، فتوجه مقدمهم، وهو من بني القين، ومعه ستمائة منهم، فضم إليه خالد مائتين من الشرط، فالتقوا على الفرات، فقال القيني لمن معه من الشرط: لا تكونوا معنا ليكون الظفر له ولأصحابه. وخرج إليهم بهلول فحمل على القيني فطعنه فأنفذه وانهزم أهل الشام والشرط، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم حتى بلغوا الكوفة.
فأما أهل الشام فكانوا على خيل جياد ففاتوه، وأما شرط الكوفة فأدركهم، فقالوا: أتق الله فينا فإنا مكرهون مظهرون، فجعل يقرع رؤوسهم بالرمح ويقول: النجاء. فوجد بهلول مع القيني بدرة فأخذها.
وكان في الكوفة ستة يرن رأي بهلول فخرجوا إليه فقتلوا بصريفين، فخرج بهلول ومعه البدرة قالك من قتل هؤلاء حت أعطيه هذه البدرة؟ فجاء قوم فقالوا: نحن قتلناهم، وهم يظنونه من عند خالد، فقال بهلول لأهل القرية: اصدق هؤلاء؟ قالوا: نعم، فقتلهم وترك أهل القرية.
وبلغت الهزيمة خالداً وما فعل بصريفين، فوجه إليه قائداً من شيبان أحد بني حوشب بن يزيد بن رويم، فلقيه فيما بين الموصل والكوفة، فانهزم أهل الكوفة فأتوا خالداً. فارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل إلى هشام بن عبيد الملك يخبره بهم ويسأله جنداً، فكتب إليه هشام: وجه إليه كثارة بن بشر. وكان هشام لا يعرف بهلولاً إلى بلقبه، فكتب إليه العامل أن الخارج هو كثارة. ثم قال بهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئاً، يعني خالداً، فبم لا نطلب الرأس الذي سلط خالداً؟ فسار يريد هشاماً بالشام، فخاف عمال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسير خالد جنداً من العراق، وسير عامل الجزيرة جنداً من الجزيرة، ووجه هشام جنداً من الشام واجتمعوا بدير بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول إليهم، وقيل التقوا بكحيل دون الموصل، فنزل بهلول على باباب الدير وهو في سبعين وحمل عليهم فقتل منهم نفراً عامة نهاره، وكانوا عشرين ألفاً، فأكثر فيهم القتل والجراح، ثم إن بهلولاً وأصحابه عقروا دوابهم وترجلوا فاتلوا قتالاً شديداً، فقتل كثير من أصحاب بهلول، فطعن بهلول فصرع، فقال له أصحابه: ول أمرنا. فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيباني، وإن هلك فأمروا عمرو اليشكري. ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وخلاهم فقال الضحاك بن قيس يرثي بهلولاً:
بدلت بعد أبي بشرٍ وصحبته ** قوماً علي مع الأحزاب أعواناً

كأنهم لم يكونوا من صحابتنا ** ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا

يا عين أذري دموعاً منك تهتانا ** وابكي لنا صحبةً بانوا وإخوانا

خلوا لنا ظاهر الدنياوبطانها ** وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا

فلما قلتل بهلول خرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل.
وخرج البختري صاحب الأشهب، وبهذا كان يعرف، على خالد في ستين، فوجه إليه خالد السمط بن مسلم البجلي في أربعة آلاف، قالتقوا بناحية الفرات، فانهزمت الخوارج، فتقلاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.
ثم خرج وزير السختياني على خالد بالحيرة في نفر، فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحداً إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال، فوجه إليه خالد جنداً فقاتلوا عامة أصحابه وأثخن بالجراح، وأتي به خالد، وأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالداً ما سمع منه فلم يقتله وحبسه عنده، وكان يؤتى به في الليل فيحادثه. فسعي بخالد إلى هشام وقيل: أخذ حورياً قد قتل وحرق وأباح لأموال فجعله سميراً، فغضب هشام وكتب إليه يأمره بقتله، وكان خالد يقول: إني أنفس به عن الموت، فأخر قتله، فكتب إليه هشام ثانياً يذمه ويأمره بقتله وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفراً معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ: {قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون} [التوبة: 81].

.ذكر خروج الصحاري بن شبيب:

وفي هذه السنة خرج الصحاري بن شبيب بن يزيد بناحية جبل، وكان قد أتى خالداً يسأله الفريضة، فقال خالد: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟ فمضى، وندم خاد وخاف أن يفتق عليه فتقاً، فطلبه لم يرجع إليه وسار حتى جبل، وبها نفر من بني تيم اللات بن ثعلبة، فأخبرهم، فقالوا: وما ترجو من ابن النصرانية؟ كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: والله ما أردت الفريضة، وما أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني ثم أقتله بفلان، يعني بفلان رجلاً من قعدة الصفرية، وكان خالد قتله صبراً، ثم دعاهم إلى الخروج معه، فتبعه منهم ثلاثون رجلاً وخرج بهم، فبلغ خبره خالداً وقال: قد كنت خفتها منه؛ ثم وجه إليه خالد جنداً، فلقوه بناحية المناذر، فقاتلهم قتالاً شديداً فقتلوه وجميع أصحابه.

.ذكر غزو أسدٍ الختل:

وفيها غزا أسد الختل، فوجه مصعب بن عمرو الخزاعي إليها، فسار فنزل بقرب بدر طرخان فطلب الأمان ليخرج إلى اسد، فآمنه مصعب، فسيره إلى أسد، فسأله أن يقبل منه ألف ألف درهم، فأبى أسد وقال: إنك دخلتها وأنت غريب من أهل الباميان، أخرج من الختل كما دخلت. قال بدرطرخان: فأنت دخلت إلى خراسان على عشرة من الدواب ولو خرجت منها لم تحتمل على خمسمائة بعير وغير ذلك، إني دخلت الختل شاباً فاردد علي شبباب وخذ ما كسبت منها.
فغضب أسد ورده إلى مصعب ليمكنه من العود إلى حصنه، فوصل بدرطرخان مع مولى لأسد إلى مصعب، فاخذه سلمة بن عبيد الله، وهو من الموالي، وقال: إن الأمير يندم على تركه وحبسه عنده.
وأقبل أسد بالناس، فقال لمجشر بن مزاحم: كيف أنت؟ قال مجشر: كنت أمس أحسن حالاً مني اليوم، كان بدرطرخان في أدينا وعرض ما عرض، فلا الأمير قبل منه ما عرض عليه ولا هو شد يديه عليه ولكنه خلى سبيله وأمر بإدخاله حصنه. فندم أسد عند ذلك وأرسل إلى مصعب يسأله: هل دخل بدرطرخان حصنه ظام لا؟ فجاء الرسول فوجده عند سلمة بن عبيد الله، فحوله أسد إليه وأمر به فقطعت يده، وقال: من هاهنا من أولياء أبي فديك رجل من الأزد كان بدرطرخان قد قتله؟ فقالم رجل مكن الأزد فقال: أنا فقال: أضرب عنقه، ففعل. وغلب أسد على القلعة العظمى وبقيت قلعة فوقها صغيرة وفيها ولده وأمواله فلم يوصل إليها. وفرق أسد العسكر في أودية الختل فملأ أيديهم من الغنائم والسبي، وهرب أهله إلى الصين.

.ذكر عدة حوادث:

في هذه السنة غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم. وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك وحج معه ابن شهاب الزهري. وكان العامل على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام المخزومي، وعلى العراق والمشرق كله خالد القسري، وعلى خراسان أخوه أسد، وقيل: كان أسد قد هلك في هذه السنة واستخلف عليها جعفر بن حنظلة البهراني وقيل: إنما هلك أسد سنة عشرين ومائة، وعلى ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها غزا مروان بن محمد أرمينية فدخل بلاد اللان وسار فيها حتى خرج منها إلى بلاد الخزر فمر ببلنجر وسمندر وانتهى إلى البيضاء التي يكون فيها خاقان، فهرب خاقان منه.
وفيها توفي حبيب بن أبي ثابت. وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي. وقيس بن سعد المكي. وسليمان بن موسى الأشدق. وإياس بن سلمة بن الأكوع ثم دخلت: