فصل: ذكر شيعة بني العباس:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)



.سنة ثمان وعشرين ومائة:

.ذكر قتل الحارث سريج وغلبه الكرماني على مرو:

قد تقدم ذكر أمان يزيد بن الوليد للحارث بن سريج وعوده من بلاد المشركين إلى بلاد الإسلام وا كان وبين نصر من الاختلاف.
فلما ولي ابن هبيرة العراق كتب إلى نصر بعهده على خراسان فبايع لمروان بن محمد، فقال الحارث: إنما آمنتني يزيد ولم يؤمني مروان، ولا يجيز مروان أمان يزيد، فلا أمنه. فخاف نصراً.فأرسل إليه نصر يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن الفرقة وإكماع العدو، فلم يجبه إلى ما أراد وخرج فعسكر، وأرسل إلى نصر: اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، وأمر الحارث جهم بن صفوان، رأس الجهمية، وهو مولى راسب، أن يقرأ سيرته وما يدعوه إليه على الناس. فلما سمعوا ذلك كثروا وكثر جماع، وأرسل الحارث إلى نصر ليعزل سالم بن أحوز عن شرطته وبغير عماله ويقر الأمر بينهما أن يختاروا رجالاً يسمون لهم قوماً يعملون بكتاب الله، فاختار نصر مقاتل بن سليمان ومقاتل ابن حيان، واختار الحارث المغيرة بن شعبة الجهضمي ومعاذ بن جبلة، وأمر نصر كابه أن يكتب ما يرضي هؤلاء الأربعة من السنن وما يختارونه من العمال فيوليهم ثغر سمر قند وطخارستان، وكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات الود. فأرسل إليه نصر: إن كنت تزعم أنكم تهدمون سور دمشق وتزيلون ملك بني أمية فخذ مني خمسمائة رأس ومائتي بعير واحمل من الأموال ماشئت وآلة الحرب وسر، فلعمري لئن كنت صاحب ما ذكرت إني لفي يدك، وغن كنت لست ذلك فقد أهلكت عشيرتك.
فقال الحارث: قد علمت أن هذا حق ولكن لا يبايعني عليه من صحبني. فقال نصر: فقد ظهر أنهم ليسوا على رأيك، فاذكر الله في عشرين الفا من ربعة واليمن يهلكون فيما بينكم. وعرض عليه نصر أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف، فلم يقبل، فقال له نصر: فابدأ بالكرماني فإن قتلته فأنا في طاعتك. فلم يقبل.
ثم تراضيا بأن جكما جهم بن صفوان ومقاتل بن حيان، فحكما بأن يعتزل نصر وأن يكون الأمر شورى، فلم يقبل نصر. فخالفه الحارث واتهم نصر قوماً من أصحابه أنهم كاتبوا الحارث فاعتذروا إليه فقبل عذرهم.
وقدم عليه جمع من أهل خراسان حين سمعوا بالفتنة، منهم: عاصم بن عمير الصريمي، وأبو الذيال الناجي، ومسلم بن عبد الرحمن وغيرهم، وأمر الحارث أن تقرأ سيرته في الأسواق والمساجد وعلى باب نصر، فقرئت، فأتاه حلق كثير، وقرأها رجل على باب نصر، فضربه غلمان نصر، فنابذهم الحارث وتجهزوا للحرب، ودل رجل من أهل مرو الحارث على نقب في سورها،فمضى الحارث إليه فنقبه ودخل المدينة من ناحية باب بالين، فقاتلهم جهم ابن مسعود الناجي فقتل جهم وانهبوا منزل سالم بن أحوز وقتلوا من كان يحرس باب بالين، وذلك يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة. وعدل الحارث في سكة السعد فرأى أعين مولى حيان، فقاتله فقتل أعين.
وكب سالم حين أصبح وأمر منادياً فنادى: من جاء برأس فله ثلاثمائة. فلم تطلع الشمس حتى انهزم وقاتلهم الليل كله، وأتى سالم عسك الحارث فقتل كاتبه، واسمه يزيد بن داوود، وقتل الرجل الذي دل الحارث على النقب.
وأرسل نصر إلى الكرماني فأتاه على عهد وعنده جماعة، فوقع بين سالم بن أحوز ومقدام بن نعيم كلام، فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه، فأعان كل واحد منهما نفر من الحاضرين، فخاف الكرماني أن يكون مكراً من نصر فقام وتعلقوا به فلم يجلس وركب فرسه ورجع وقال: أراد نصر الغدر بي.
وأسر يومئذ جهم بن صفوان، وكان مع الكرماني، فقتل، وأرسل الحارث ابنه حاتماً إلى الكرماني، فقال له محمد بن المثنى: هما عدواك دعهما يضربان. فلما كان الغد ركب الكرماني إلى باب ميدان يزيد فقاتل أصحاب نصر، وأقبل الكرماني إلى باب حرب بن عامر ووجه أصحابه إلى نصر بوم الأربعاء فترموا ثم تحاجزوا، ولم يكن بينهم يوم الخميس قتال، والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الأزد وصلوا إلى الكرماني، فأخذ الللواء بيده فقاتل به، وانهزم أصحاب نصر وأخذوا لهم ثمانين فرساً، وصرع تميم بن نصر وأخذوا له برذونين، وسقط سالم بن أحوز فحمل إلى عسكر نصر. فلما كان بعض. فلما كان بعض الليل خرج نصر من مرو، وقتل عصمة بن عبد الله الأسدي، فكان يحمي أصحاب نصر، واقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزم أصحاب الكرماني في آخر يوم، وهم الأزدوربيعة، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشر ربيعة واليمن قد دخل الحارث السوق وقتل ابن الأقطع! يعني بن سيار، ففت في أعضاد المضرية، وهم أصحاب نصر، فانهزموا، وترجل تميم بن نصر فقاتل.
فلما هزمت اليمانية مضراً أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيرونني بانهزامكم وأنا كاف، فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرماني. فأخذ عليه نصر العهود بذلك. وقدم على نصر عبد الحكيم بن سعد العودي وأبو جعفر عيسى ابن جرز من مكة، فقال نصر لعبد الحكيم العودي، وهم بطن من الأزد: أما ترى ما فعل سفهاء قومك؟ فقال: بل سفهاء قومك طالت ولايتها بولايتك وصيرت الولاية لقومك دون ربيعة واليمن فبطروا، وفي ربيعة واليمن علماء وسفهاء، فغلب السفهاء العلماء. فقال أبو جعفر عيس لنصر: أيها الأمير حسبك من الولاية وهذه الأمور، فإنه قد أظلك أمر عظيم، سيقوم رجل مجهول النسب يظهر السواد ويدعو إلى دولة تكون فيغلب على الأمر وأنتم تنظرون. فقال نصر: ما أشبه أن يكون كما تقول لقلة الوفاء وسء ذات البين! فقال: إن الحارث مقتول مصلوب، وما الكرماني من ذلك ببعيد.
فلما خرج نصر من مروغلب عليها الكرماني وخطب الناس فآمنهم وهدم الدور ونهب الأموال، فأنكر الحارث عليه ذلك، فهم الكرماني به ثم تركه.
واعتزل بشر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف وقال للحارث: إنما قاتلت معك طلب العدل، فأما إذا أنت مع الكرماني فما تقاتل إلا ليقال غلب الحارث، وهؤلاء يقاتلون عصبيةً، فلست مقاتلاً معك، فنحن الفئة العادلة لا نقاتل إلا من يقاتلنا.
وأتى الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمةً ودخل البلد، وأتى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر سورى، فأبى الكرماني، فانتقل الحارث عنه وأقاموا أياماً.
ثم إن الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمةً ودخل البلد، وأتى الكرماني فاقتتلوا فاشتد القتال بينهم، فانهزم الحارث وقتلوا مابين اثلمة وعسكرهم والحارث على بغل، فانزل عنه وركب فرساً وبقي في مائة، فقتل عند شجرة زيتون أو غبيراء، وقتل أخوه سوادة وغيرهما.
وقيل: كان سبب قتله أن الكرماني خرج إلى بشر بن جرموز، الذي ذكرنا اعتزاله، ومعه الحارث بن سريج، فأقام الكرماني أياماً بينه وبين عسكر بشر فرسخان، ثم قرب منه ليقاتله، فندم الحارث على اتباع الكرماني وقال: لا تعجل إلى قتالهم فأنا أردهم عليك. فخرج في عشرةفوارس، فاتى عسكر بشر فأقام معهم، وخرج المضرية أصحاب الحارثمن عسكر الكرماني إليه، فلم يبق مع الكرماني مضري غير سلمة بن أبي عبد الله: فإنه قال: لم أر الحارث من عسكر الكرماني إليه، فلم يبق مع الكرماني مضري غي سلمة بن أبي عبد الله: فإنه قال: لم أر الحارث إلا غادراً. وغير المهلب بن إياس فإنه قال: لم أر الحارث قط إلا في خيل تطرد، فقاتلهم الكرماني مراراً يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء.
ثم إن الحارث ارتحل بعد أيام فنقب سور مرو ودخلها وتبعه الكرماني فدخلها أيضاً، فقالت المضرية للحارث: تركنا الخنادق فهو يومنا وقد فررت غير مرة فترجل. فقال: أنا لكم فارساً خير مني لكم راجلاً. فقالوا: لا نرضى إلا أن تترجل، وترجل فاقتتلوا هم والكرماني، فقتل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدة من فرسان تميم وانهزم الباقون وصفت مرو لليمن،هدموا دور المضرية فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل، شعر.
يا مدخل الذل على قومه ** بعداً وسحقاً لك من هالك

شؤمك أردى مضراً كلها ** وحز من قومك بالحارك

ما كانت الأزد وأشياعها ** تطمع في عمرو ولا مالك

ولا بني سعدٍ إذا ألجموا ** كل طمر لونه حالك

عمرو ومالك وسعد بطون من تميم. وقيلك بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة وقالت أم كثير الضبية، شعر:
لابارك الله في أنثى وعذبها ** تزوجت مضرياً آخر الدهر

أبلغ رجال تميمٍ قول موجعةٍ ** أحللتموها بدار الذل والفقر

إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم ** حتى تعبدوا رجال الأزد في الظهر

إني استحيت لكم من بعد طاعتكم ** هذا المزوني يجبيكم على قهر

.ذكر شيعة بني العباس:

وفي هذه السنة وجه إبراهيم الإمام أبا مسلم الخراساني، واسمه عبد الرحمن بن مسلم، إلى خراسان، وعمره تسع عشرة سنة، وكتب إلى أصحابه: غني قد أمرته بأمري فاسمعوا له وأطيعوا، فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك. فأتاهم، فلم يقبلوا قوله وخرجوا من قابل فالتقوا بمكة عند إبراهيم، فأعلمه أبو سملم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره. فقال إبراهيم قد عرضت هذا الأمر على غير واحد وأبوه علي.
وكان قد عرضه على سليمان بن كثير، فقال: لا ألي على اثنين أبداً. ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه قد أجمع رأيه على أبي مسلم، وأمرهم بالسمع والطاعة له، ثم قال له: إنك رجل منا أهل البيت، احفظ وصيتي، انظر هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن بين أظهرهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، فاتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بلعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ، يعني سليمان بن كثير، ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني.
وسيرد من خبر أبي مسلم غير هذا إن شاء الله تعالى.

.ذكر قتل الضحاك الخارجي:

قد ذكرنا محاصرة الضحاك بن قيس الخارجي عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بواسط، فلما طال عليه الحصار أشير عليه بأن يدفعه عن نفسه إلى مروان، فارسل ابن عمر إليه: إن مقامكم على ليس يسيء، هذا مروان فسيروا إليه فإن قتلته فأنا معك. فصالحه وخرج إليه وصلى خلفه، فانصرف إلى الكوفة، وأقام ابن عمر بواسط، وكاتب أهل الموصل الضحاك ليقدم عليهم لمكنوه منها، فسار في جماعة من جنوده بعد عشرين شهراً حتى انتهى إليها، وعليها يومئذ لمروان رجل من بني شيبان يقال له القطران بن أكمة، ففتح أهل الموصل البلد، فدخله الضجحاك وقاتلهم القطران ومن معه من أهله وهم عدة يسيرة حتى قتلوا، واستولى الضحاك على الموصل وكورها.
وبلغ مروان خبره وهو محاصر حمص مشتغل بقتال أهلها، فكتب إلى ابنه عبد الله، وهو خليفته بالجزيرة، يأمره أن يسير إلى نصيبين في من معه يمنع الضحاك عن توسط الجزيرة، فسار إليها في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، وسار الضحاك إلى نصيبين فحصر عبد الله فيها، وكان مع الضحاك ما زيدي على مائة ألف، ووجه قائدين من قواده إلى الرقة في أربعة آلاف أو خمسة آلاف، فقاتله من بها، فوجه إلهيم مروان من رحلهم عنها ثم إن مروان سار إلى الضحاك فالتقوا بنواحي كفرتوثا من أعمال مارين فقاتله يومه أجمع فملا كان عند لمساء ترجل الضحاك ومعه من ذوي الثبات وأرباب البصائر نحو من ستة آلاف، ولم يعلم أكثر أهل عسكره بما كان، فأحدقت بهم خيول مروان وألحوا عليهم في القتال حتى قتلوهم عند العتمة، وانصرف من بقي من أصحاب الضحاك عند العتمة إلى عسكرهم ولم يعلموا بقتل الضحاك ولم يعلم به مروان أيضاً. وجاء بعض من عاينه إلى أصحابه فأخبرهم، فبكوا وناحوا عليه، وخرج قائد من قواده إلى مروان فأخبره، فأرسل معه النيران والشمع فطافوا عليه فوجدوه قتيلا وفي وجهه وفي رأسه أكثر من عشرين ضربة، فكبروا، فعرف عسكر الضحاك أنهم قد علموا بقتله، وبعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة فطيف به فيها.
وقيل: إن الضحاك والخيبري إنما قتلا سنة تسع وعشرين.

.ذكر قتل الخيبري وولاية شيبان:

ولما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبري واقاموا يومئذ وغادوه القتال من بعد الغد وصافوه وصافهم، وكان سليمان بن شهشام بن عبد الملك مع الخيبري، وكان قبله مع الضحاك. وقد ذكرنا سبب قدومه.
وقيل: بل قدم على الضحاك وهو بنصيبين في أكثر من ثلاثة آلاف من أهل بيته ومواليه، فتزوج أخت شيبان الحروري الذي بويع بعد قتل الخيبري، فحمل الخيبري على مروان في نحو من أربعمائة فارس من الشراة، فهزم مروان، وهو في القلب، وخرج مروان من العسكر منهزماً، ودخل الخيبري ومن معه عسكره ينادون بشعارهم ويقتلون من أدركوا حتى انتهوا إلى خيمة مروان نفسه فقطعوا أطنابها، وجلس الخيبري على فرشه. وميمنة مروان وعليها ابنه عبد الله ثابتة، وميسرته ثابتة، وعليها إسحاق بن مسلم العقيلي، فملا رأى أهل العسكر قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيدهم بهمد الخيم فتلوا الخيبري وأصحابه جميعاً في خيمة مروان وحولها.
وبلغ مروان الخبر وقد جاز العسكر بخمسة أميال أو ستة منهزماً، فانصرف إلى عسكره ورد خيوله عن مواقعها وبات ليلته في عسكره، وانصرف أهل عسكر الخيبري فولوا عليهم شيبان وبايعوه، فقاتلهم مروان بعد ذلم بالكراديس وأبطل الصف منذ يومئذ.

.ذكر خبر أبي حمزة الخارجي مع طالب الحق:

كان اسم أبي حمزة الخارجي المختار بن عوف الأزدي السلمي البصري، وكان أول مرة أنه كان من الخوارج الإباضية، يوافي كل سنة مكة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق في آخر سنة ثمان وعشرين، فقال له: يا رجل أسمع كلاماً حسناً وأراك تدعوا إلى حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومه.
فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أو حمزة على الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان. وكان أبو حمزة اجتاز مرة بمعدن بني سليم، والعامل عليه كثير بن عبد الله، فسمع كلام أبي حمزة فجلده أربعين سوطاً، فلما ملك أبو حمزة المدينة وافتتحها تغيب كثير حتى كان من أمرهما ما كان.

.ذكر عدة حوادث:

في هذه السنة سير مروان يزيد بن هبيرة إلى العراق لقتال من به من الخوارج في قول.
وحج بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وهو عامل مكة والمدينة.
وكان بالعراق عمال الضحاك الخارجي وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعلى قضاء البصرة ثمامة بن عبد الله بن أنس، وبخراسان نصر بن سيار والفتنة بها قائمة.
وفيه مات عاصم بن أبي النجود صاحب القراءات. ويعقوب بت عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي المدني. وفيها توفي جابر بن يزيد الجعفي، وكان من غلاة الشيعة يقول بالرجعة، وفيها مات محمد بن مسلم بن تدروس أبو الزبير المكي. وجامع بن شداد. وأبو قبيل المعافري واسمه حيي بن هانئ المضرب؛ قبيل بفتح القاف، وكسر الباء الموحدة.
وسعيد بن مسروق الثوري والد سفيان، وكان ثقة في الحديث. ثم دخلت:

.سنة تسع وعشرين ومائة:

.ذكر شيبان الحروري إلى أن قتل:

وهو شيبان بن عبد العزيز أبو الدلف اليشكري.
وكان سبب هلاكه أن الخوارج لما بايعوه يعد قتل الخيبري أقام يقاتل مروان، وتفرق عن شيبان كثير من أصحاب الطمع، فبقي في نحو أربعين ألفاً، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم، فارتحلوا وتبعهم مروان حتى انتهوا إلى الموصل، فعسكروا شرقي دجلة وعقدوا جسوراً عليها من عسكرهم إلى المدينة، فكانت ميرتهم ومرافقهم منها، وخندق مروان بإزائهم، وكان الخوارج قد نزلوا بالكار ومروان بخصة، وكان أهل الموصل يقاتلون مع الخوارج، فأقام مروان ستة أشهر يقاتلهلم، وقيل تسعة أشهر.
وأتي مروان بابن أخ لسليمان بن هشام يقال له أمية بن معاوية بن هشام، وكان مع عمه سليمان في عسكر شيبان أسيراً، فقطع يديه وضرب عنقه، وعمه ينظر إليه.
وكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا بجميع من معه إلى العراق، وعلى الكوفة المثنى بن عمران العائذي، عائذة قريش، وهو خليفة للخوارج بالعراق، فلقي ابن هبيرة بعين التمر فاقتتلوا قتالاً شديداً وانصرفت الخوارج ثم اجتمعوا بالكوفة بالنخيلة، فهزمهم ابن هبيرة. ثم اجتمعوا بالبصرة، فأرسل سيبان إليهم عبيدة بن سوار في خيل عظيمة، فالتقوا بالبصرة، فانهزمت الخوارج وقتل عبيدة، واستباح ابن هبيرة عسكرهم فلم يكن لهم همة بالعراق، واستولى ابن هبيرة على العراق.
وكان منصور بن جمهور مع الخوارج فانهزم وغلب علا الماهين وعلى الجبل أجمع، وسار ابن هبيرة إلى واسط فأخذ ابن عمر فحبسه، ووجه نباتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب، وهو على كور الأهواز، فسمع سليمان الخبر فأرسل إلى نباتة داو بن حاتم، فالتقوا بالمرتان على شاطئ دجيل، فانهزم الناس وقتل داود بن حاتم.
وكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره بإرسال عامر بن ضبارة المي إليه فسيره في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، فبلغ شيبان خبره فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في جمع، فلقوا عامراً بالسن فهزموه ومن معه، فجدخل السن وتحصن فيه، وجعل مروان يمده بالجنود على طريق البر حتى ينتهوا إلى السن، فكثر جمع عامر.
وكان منصور بن جمهور يمد شيبان من الجبل بالأموال، فلما كثر من مع عامر نهض إلى الجون والخوارج فقاتلهم فهزمهم، وقتل الجون، وسار ابن ضبارة مصعداً إلى الموصل.
فلما انتهى خبر قتل الجون إلى سيبان ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين العسكرين فارتحل بمن معه من الخوارج، وقدم عامر على مروان بالموصل، فسيره في جمع كثير في أثر شيبان، فإن أقام أقام، وإن سار سار، وأن لا يبداه قتال، فإن قاتله شيبان قاتله، وإن أمسك أمسك عنه، وإن ارتحل ابتعه. فكان على ذلك حتى مر على الجبل وخرج على بيضاء فارس وبها عبد الله بن معاوية بن حبيب بن حعفر في جموعكثيرة، فلم يتهيأ الأمر بينهما، فسار حتى نزل ججيرفت من كرمان، وأقبل عامر بن ضبارة حتى نزل بإزاء ابن معاوية أياماً، ثم ناهضه وقاتله، فانهزم ابن معاوية فلحق بهراة، وسار ابن ضبارة بمن معه فلقي شيبان بجيرفت فاقتلوا قتالاً شديداً فانهزمت الخوارج واستبيح عسكرهم، ومضى شيبان إلى سجستان فهلك بها، وذلك في سنة ثلاثين ومائة.
وقيل: بل كان قتال مروان وسيبان على الموصل مقدار شهر ثم انهزم شيبان حتى لحق بفارس وعامر بن ضبارة يتبعه، وسار شيبان إلى جزيرة ابن كاوان، ثم خرج منها إلى عمان، فقتله جلندى بن مسعود بن جيفر بن جلندي الأزدي سنة أربع وثلاثين ومائة؛ ونذكره هناك إن شاء الله تعالى. وركب سليمان ومن معه من أهله ومواليه السفن إلى السند.
ولما ولي السفاح الخلافة حضر عنده سليمان، فأكرمه وأعطاه يده فقلبها فلما رأى ذلك سديف مولى السفاح أقبل عليه وقال:
لا يغرنك ما ترى من رجال ** إن تحت الضلوع داءً دوياً

فضع السيف وارفع السوط حتى ** لا ترى فو ظهرها أموياً

فأقبل عليه سليمان، وقال: قتلتني أيها الشيخ! وقام السفاح فدخل، فأخذ سليمان فقتل.
وانصرف مروان بعد مسير شيبان عن الموصل إلى منزله بحران فأقام بها حتى سار إلى الزاب.

.ذكر إظهار الدعوة العباسية بخراسان:

وفي هذه السنة شخص أبو سملم الخراساني من خراسان إلى إبراهيم الإمام، وكان يختلف منه إلى خراسان ويعود إليه.
فلما كانت هذه السنة كتب إبراهيم إلى أبي مسلم يستدعيه ليسأله عن أخبار الناس، فسار نحوه في النصف من مادى الآخرة مع سبعين نفساً من النقباء، فلما صاروا بالدنانقان من أرض خاسان عرض له كامل، فسأله عن مقصده، فقال: الحج، ثم خلا به أبو مسلم فدعاه فأجابه؛ ثم سار أبو مسلم إلى نسا، وعاملهم سليمان بن قيس السلمي لنصر بن سيار، فلما قرب منها ارسل الفضل بن سليمان الطوسي إلى أسيد بن عبد الله الخزاعي ليعلمه قدومه، فدخل قرية من قرى نسا فلقي رجلاً من الشيعة فسأله عن أسيد، فانتهره وقال له: إنه كان في هذه القرية شاً، سعى إلى العامل برجلين قيل إنهما داعيان؛ فأخذهما وأخذ الأحجم بن عبد الله وغيلان بن فضالة وغالب بن سعيد وهاجر ابن عثمان، فانصرف الفضل إلى أبي مسلم وأخبره، فتنكب الطريق، وأرسل طرخان الحمال يستدعي أسيداً ومن قدر عليه من الشيعة، فدعا له أسيداً، فأتاه، فسأله عن الأخبار، فقال: قدم الأزهر بن شعيب وعبد الملك بن سعد بكتب الإمام إليك فخلفا الكتب عندي وخرجا فأخذوا فلا أدري من سعى بهما. قال: فأين الكتب؟ فأتاه بها.
ثم سار حتى أتى قومس وعليها بن بديل العجلي، فأتاهم بيهس فقال: أينتريدون؟ قالوا: الحج، وأتاه هو بقومس كتاب إبراهيم الإمام إليه وإلى سليمان بن كثير يقول لأبي مسلم فيه: إني قد بعثت إليك براية النصر، فارجع من حيث لقيك كتابي ووجه إلي قحطبة بما معك يوافني به في الموسم.
فامصرف أبو مسلم إلى خراسان ووجه قحطبة إلى الإمام بما معه من الأموال والعروض، فلما كانوا بنيسابور عرض لهم صاحب المسلحة فسألهم عن حالهم، فقالوا: اردنا الحج فبلغنا عن الطريق شيء خفناه. فأمر المفضل بن السرقي السلمي بإزعاجهم، فخلا به أبو مسلم وعرض عليه أمرهم فأجابه، وأقام عندهم حتى ارتحلوا على مهل.
فقدم أبو مسلم مرو فدفه كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير يأمره فيه بإظهار الدعوة، فنصبوا أبا مسلم وقالوا: رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم أو بعد ممن أجابهم، فأمروه بإظهار أمرهم والدعاء إليهم.
فنزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين على أبي الحكم عيسى ابن أعين النقيب، ووجه منها أبا داود النقيب ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستنا فما دون بلخ فأمرهما بإظهار الدعوة في شهر رمضان، وكان نزلوه في هذهالقرية في شعبان ووجه نصر بن صبيح التميمي وشريك إلى الطالقان. ووجه الجهم بن عطية إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في رمضان لخمس بقين منه، فإن أعجلهم عدوهم دون الوقت بالأذى والمكروه فقد حل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم ويجردوا السيوف ويجاهدوا أعداء الله، ومن شغله منهم عدوهم عن الوقت فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت.
ثم تحول أبو مسلم من عند أبي الحكم فنزل قرية سفيذنج، فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي لليلتين خلتا من رمضان، والكرماني وسيبان يقاتلان نصر بن سيار، فبص ملمسم دعاته في الناس وأظهر أمره، فأتاه في ليلة واحدة أهل ستين قرية، فما كان ليلة الخميس لخمس بقين من رمضان من السنة عقد اللواء الذي بعث به الإمام الذي يدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً، وعقد الراية التي بعث بها إليه، وهي التي تدعى السحاب، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً، وهو يتلو: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} الحج: 39، ولبسوا السواد هو وسليمان بن كثير وإخوة سليمان ومواليه ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، وأوقدوا النيران لليلتهم لسيعتهم من سكان ربع خرقا، وكانت علامتهم، فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدين، وتأول الظل والسحاب أن السحاب يطبق الأرض وأن الأرض كما لا تخلو من الظل كذلك لا تخلو من خليفة عباسي إلى آخر الدهر.
وقدم على أبي مسلم الدعاة بمن أجاب الدعوة، فكان أول من قدم عليه أهل التقادم مع أبي الوضاح في تسعمائة راجل وأربعة فرسان، ومن أهل هرمز قره ججماعة، وقدم أهل التقادم مع أبي القاسم محرز بن إبراهيم الجوباني في ألف وثلاثمائة راجل وستة عشر فارساً، فيهم من الدعاة أبو العباس المروزي. فجعل أهل التقادم يكبرون من ناحيتهم ويجيبهم أهل التقادم بالتكبير، فدخلوا عسكر أبي مسلم بسفيذنج بعد ظهوره بيومين. وحصن أبو سملم حصن سفيذنج ورمه وسد دروبها.
فلما حضر عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة، ونصب له منبراً بالعسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكان بنو أمية يبدأون بالخطبة قبل الصلاة وبالأذان والإقامة، وأمر أبو سملم أيضاً سليمان بن كثير بست تكبيرات تباعاً، ثم يقرأ ويركع بالسابعة ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعاً، ثم يقرأ ويركع بالسادسة ويفتح الخطبة بالتكبير ثم يختمها بالقرآن.
وكان بنو أمية يكبرون في الولى أربع تكبيرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث تكبيرات.
فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو سملم والشيعة إلى طعام قد اعده لهم، فأكلوا مستبشرين.
وكان أبو مسلم وهو في الخندق إذا كتب ألى نصر بن سيار كتاباً يكتب: للأمير نصر، فلما قوي أبو مسلم بمن اجتمع إليه بدأ بنفسه، فكتب إلى نصر: أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه عير أقواماً في القرآن فقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السييء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً} [غافر: 42- 43] فتعاظم نصر الكتاب وكسر له إحدى عينيه وقال: هذا كتاب ما له جواب.
وكان من الأحداث وأبو مسلم بسفيذنج أن نصراً وجه مولى له يقال له يزيد لمحاربة أبي مسلم بعد ثمانية عشر شهراً من ظهوره، فوجه إليه أبو مسلم مالك بن لهيثم الخزاعي، فالتقوا بقرية ألين، فدعاهم مالك إلى الرضا من آل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستكبروا عن ذلك، فقاتلهم مالك، وهو في نحو مائتين من أول النهار إلى العصر؛ وقدم على أبي مسلم صالح بن سليمان الضبي وإبراهيم بن زيد وزياد بن عيسى، فسيرهم إلى مالك، فقوي بهم، وكان قدومهم إليه مع العصر، فقال مولى نصر: إن تركنا هؤلاء الليلة أتتهم أمدادهم، فاحملوا على القوم. فحملوا عليهم، واشتد القتال، فحمل عبد الله الطائي على مولى نصر فأسره وانهزم أصحابه، فأرسل الطائي بأسيره إلى أبي مسلم ومعه رؤوس القتلى، فنصب الرؤوس وأحسن إلى يزيد مولى نصر وعالجه حتى اندمت جراحه، وقال له: إن شئت أن تقيم معنا فقد أرشدك الله، وإن كرهت فارجع إى مولاك سالماً وأعطنا عهد الله أنك لا تحاربنا ولا تكذب علينا وأن تقول فينا ما رأيت. فرجع إلى مولاه. وقال أبو سملم: إن هذا سيرد عنكم أهل الورع والصلاح فما نحن عندهم على الإسلام، وكذلك كان عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان واستحلال الدماء والأموال والفروج.
فملا قدم يزيد على نصر قال: لا مرحباً! فوالله ما ساتبقاك القوم إلا ليتخذوك حجة علينا. فقال: يزيد: هو والله ما ظننت، وقد استحلفوني أن لا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم والله يصلون الصلاة لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون القرآن، ويذكرون الله كثيراً، ويدعون إلى ولاية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما أحسب أمرهم إلا سعلو، ولولا أنك مولاي لما رجعت إليك ولأقمت معهم. فهذه أول حرب كانت بينهم.
وفي هذه السنة غلب خازم بن خزيمة على مرو الروذ وقتل عامل نصر بن سيار.
وكان سبب ذلك أنه لما أراد الخروج بمرو الروذ، وهو من شيعة بني العباس، منعه بنو تميم، فقال: إنما أنا رجل منكم أريد أن أغلب على مرو، فإن ظفرت فهي لكم، وإن قتلت فقد كفيتم أمري. فكفوا عنه، فعسكر بقرية يقال لها كنج رستاق، وقدم عليه من عند أبي مسلم النضر بن صيح، فلما أمسى خازم بيت أهل مرو فقتل بشر بن جعفر السعدي عامل نصر بن سيار عليها في أول ذي القعدة وبعث بالفتح إلى أبي مسلم مع ابنه خزيمة بن خازم.
وقد قيل في أمر أبي مسلم غير ما ذكرنا، والذي قيل: إن إبراهيم الإمام زوج أبا مسلم لما توجه إلى خراسان ابنة أبي النجم وساق عنه صداقها، وكتب إلى البقاء بالسمع والطاعة، وكان أبو مسلم من أهل خطرنية من سواد الكوفة، وكان قخهرماناً لإدريس بن معقل العجلي، فصار أمره ومنتهى ولائه لمحمد ابن علي، قم لابنه إبراهيم بن محمد، ثم للأئمة من ولد محمد، فقدم خراسان وهو حديث السن، فلم يقبله سليمان بن كثير وخاف أن لا يقوى على أمرهم فرد.
وكان أبو دواد خالد بن إبراهيم غائباً خلف نهر بلخ، فلما رجع إلى مرو أقرأوه كتاب الإمام إبراهيم، فسأل عن أبي مسلم، فأخبره أن سليمان بن كثير رده،فجمع النقباء وقال لهم: أتاكم كتاب الإمام فيمن بعثه إليكم فرددتموه، فما حجتكم؟ فقال سليمان: حداثة سنة وتخوفاً أن لا يقدر على هذا الأمر فخفنا على من دعونا وعلى أنفسنا. فقال: أو داود: هل فيكم أحد ينكر أن الله تعالى أبعث، صلى الله عليه وسلم، واصفاه وبعثه إلى جميع خلقه؟ وقالوا: لا. قال أفتشكون أن الله أنزل عليه كتابه فيه حلاله وحرامه وشرائعه وأنباؤه وأخبر بما كان قبله وبما يكون بعده؟ قالوا: لا. قال: أفتشكون أن الله قبضه إليه بعد أن أدى ما عليه من رسالة ربه؟ قالوا.لا. قال: أفتظنون أن العلم الذي أنزل إليه رفع معه أو خلفه؟ قالوا: بل خلفه؟ قالوا: بل خلفه. قال: أفتظنون خلفه عند غير عترته وأهل بيته الأقرب فالأقرب؟ قالوا: لا. قال: أفتشكون أن أهل هذا البيت معدن العلم وأصحاب ميراث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي علمه الله؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأراكم قد شككتم في أمركم ورددتم عليهم علمهم، ولو لم يعلموا أن هذا الرجل الذي ينبغي له أن يقوم بأمرهم لم يبعثوه إليكم. وهو لا يتهم في نصرتهم وموالاتهم والقيام بحقهم.
فبعثوا إلى أبي مسلم فردوه من قومس بقول أبي دواد وولوه أمرهم وأطاعوه، فلم تزل في نفس أبي مسلم على سليمان بن كثير، ولم يزل يعرفها لأبي داود.
وبث الدعاة في أقطار خراسان، فدخل الناس أفواجاً وكثروا، وفشت الدعاة بخراسان كلها، وكتب إليه إبراهيم الإمام أن يوافيه في موسم سنة تسع وعشرين ليأمره بأمره في إظهار دعوته وأن يقدم معه قحطبة بن شبيب ويجمل إليه ما اجتمع عنده من الأموال. ففعل ذلك وسار في جماعة من النقباء والشيعة، فلقيه كتاب الإمام يأمره بالرجوع إلى خراسان وإظهار الدعوة بها؛ وذكر قريباً مما تقدم من تسيير المال مع قحطبة وأن قحطبة سار فنزل بنواحي جرجان، فاستدعى خالد بن برمك وأبا عون فقدما عليه ومعهما ما اجتمع عندهما من مال الشيعة، فأخذ منهما وسار نحو إبراهيم الإمام.