فصل: فَصْلٌ: َإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.فَصْلٌ: َإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا:

قَالَ: (وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا لَمْ يُمَكَّنْ أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِنَا سَنَةً وَيَقُولُ لَهُ الْإِمَامُ: إنْ أَقَمْتَ تَمَامَ السَّنَةِ وَضَعْتُ عَلَيْك الْجِزْيَةُ) وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةٍ دَائِمَةٍ فِي دَارِنَا إلَّا بِالِاسْتِرْقَاقِ أَوْ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ عَيْنًا لَهُمْ وَعَوْنًا عَلَيْنَا فَتَلْتَحِقُ الْمَضَرَّةُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَيُمَكَّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ الْيَسِيرَةِ؛ لِأَنَّ فِي مَنْعِهَا قَطْعَ الْمِيرَةِ وَالْجَلَبِ وَسَدَّ بَابِ التِّجَارَةِ، فَفَصَلْنَا بَيْنَهُمَا بِسَنَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ فَتَكُونُ الْإِقَامَةُ لِمَصْلَحَةِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ إنْ رَجَعَ بَعْدَ مَقَالَةِ الْإِمَامِ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ إلَى وَطَنِهِ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَكَثَ سَنَةً فَهُوَ ذِمِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ سَنَةً بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ إلَيْهِ صَارَ مُلْتَزِمًا الْجِزْيَةَ فَيَصِيرُ ذِمِّيًّا، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَقِّتَ فِي ذَلِكَ مَا دُونَ السَّنَةِ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ (وَإِذَا أَقَامَهَا بَعْدَ مَقَالَةِ الْإِمَامِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا) لِمَا قُلْنَا (ثُمَّ لَا يُتْرَكُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ)؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَا يُنْقَضُ، كَيْفَ وَأَنَّ فِيهِ قَطْعَ الْجِزْيَةِ وَجَعْلَ وَلَدِهِ حَرْبًا عَلَيْنَا وَفِيهِ مَضَرَّةٌ بِالْمُسْلِمِينَ.
الشَّرْحُ:
(فَصْلٌ): فَصَلَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَمَّا قَبْلَهَا لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهَا، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ، وَالْعَيْنُ: هُوَ الْجَاسُوسُ، وَالْعَوْنُ: الظَّهِيرُ عَلَى الْأَمْرِ وَالْجَمْعُ الْأَعْوَانُ، وَالْمِيرَةُ: الطَّعَامُ يَمْتَارُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَارَ يَمِيرُ، وَالْجَلَبُ وَالْأَجْلَابُ الَّذِينَ يَجْلِبُونَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ.
وَقَوْلُهُ (بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ) يُقَالُ تَقَدَّمَ إلَيْهِ الْأَمِيرُ بِكَذَا أَوْ فِي كَذَا إذَا أَمَرَهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُوَقِّتَ فِي ذَلِكَ مَا دُونَ السَّنَةِ) يَعْنِي أَنَّ تَقْدِيرَ الْحَوْلِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بَلْ لَوْ قَدَّرَ الْإِمَامُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَاهُ جَازَ لَكِنْ إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ مُدَّةً فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْحَوْلُ (فَإِذَا أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي دَارِنَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا) قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ: فَإِذَا مَضَتْ سَنَةٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ كَانَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِمُجَاوَزَةِ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ فَيُعْتَبَرُ الْحَوْلُ بَعْدَمَا صَارَ ذِمِّيًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ السَّنَةَ يَأْخُذُ الْخَرَاجَ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ سَنَةً بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ صَارَ مُلْتَزِمًا لِلْجِزْيَةِ. (فَإِنْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَاشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ فَإِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَهُوَ ذِمِّيٌّ)؛ لِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الرَّأْسِ، فَإِذَا الْتَزَمَهُ صَارَ مُلْتَزِمًا الْمَقَامَ فِي دَارِنَا، أَمَّا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِيهَا لِلتِّجَارَةِ، وَإِذَا لَزِمَهُ خَرَاجُ الْأَرْضِ فَبَعْدَ ذَلِكَ تَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ لِسَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِلُزُومِ الْخَرَاجِ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ.
وَقَوْلُهُ (فِي الْكِتَابِ) فَإِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَهُوَ ذِمِّيٌّ تَصْرِيحٌ بِشَرْطِ الْوَضْعِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ جَمَّةٌ فَلَا تَغْفُلْ عَنْهُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (فَإِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَهُوَ ذِمِّيٌّ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَكَذَلِكَ لَوْ لَزِمَهُ عَشْرٌ فِي قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِأَنْ اشْتَرَى أَرْضًا عُشْرِيَّةً لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِنْ مُؤَنِ الْأَرْضِ (لِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الرَّأْسِ) إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَحْكَامِ دَارِنَا، فَلَمَّا رَضِيَ بِوُجُوبِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ رَضِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا، وَقَوْلُهُ (فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِهِ) أَيْ وُجُوبِ الْخَرَاجِ وَقَوْلُهُ (فِي الْكِتَابِ) أَيْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (فَإِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَهُوَ ذِمِّيٌّ تَصْرِيحٌ مِنْ مُحَمَّدٍ بِشَرْطِ الْوَضْعِ) أَيْ بِأَنَّ وَضْعَ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ شَرْطٌ فِي جَعْلِهِ ذِمِّيًّا، وَالْمُرَادُ مِنْ وَضْعِ الْخَرَاجِ الْتِزَامُ خَرَاجِ أَرْضٍ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبِهِ وَهُوَ الزِّرَاعَةُ أَوْ تَعْطِيلُهَا عَنْهَا مَعَ التَّمَكُّنِ، وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ.
وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، لِأَنَّهُ لَمَّا اشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ وَحَكَمَ الشَّرْعُ فِيهَا بِوُجُوبِ الْخَرَاجِ صَارَ مُلْتَزِمًا حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، كَذَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِيهَا لِلتِّجَارَةِ.
وَقَوْلُهُ (فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْوَضْعَ شَرْطٌ (أَحْكَامٌ جَمَّةٌ فَلَا تَغْفُلْ عَنْهُ) أَيْ عَنْ شَرْطِ الْوَضْعِ وَهِيَ الْمَنْعُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَجَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي إتْلَافِ خَمْرِهِ وَخِنْزِيرِهِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَتْلِهِ خَطَأً، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ إنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ كَوْنِهِ ذِمِّيًّا لَا قَبْلَهُ، وَبِوَضْعِ الْخَرَاجِ يَصِيرُ ذِمِّيًّا فَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يُغْفَلَ عَنْ شَرْطِ الْوَضْعِ. (وَإِذَا دَخَلَتْ حَرْبِيَّةٌ بِأَمَانٍ فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا صَارَتْ ذِمِّيَّةً)؛ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ الْمُقَامَ تَبَعًا لِلزَّوْجِ (وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ فَتَزَوَّجَ ذِمِّيَّةً لَمْ يَصِرْ ذِمِّيًّا)؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَيَرْجِعُ إلَى بَلَدِهِ فَلَمْ يَكُنْ مُلْتَزِمًا الْمُقَامَ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا دَخَلَتْ حَرْبِيَّةٌ بِأَمَانٍ) ظَاهِرٌ، وَكَذَا عَكْسُهُ، (وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَتَرَكَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِمْ فَقَدْ صَارَ دَمُهُ مُبَاحًا بِالْعَوْدِ)؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ أَمَانَهُ (وَمَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَالِهِ عَلَى خَطَرٍ، فَإِنْ أُسِرَ أَوْ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَقُتِلَ سَقَطَتْ دُيُونُهُ وَصَارَتْ الْوَدِيعَةُ فَيْئًا) أَمَّا الْوَدِيعَةُ فَلِأَنَّهَا فِي يَدِهِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِهِ فَيَصِيرُ فَيْئًا تَبَعًا لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ فَلِأَنَّ إثْبَاتَ الْيَدِ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْمُطَالَبَةِ وَقَدْ سَقَطَتْ، وَيَدُ مَنْ عَلَيْهِ أَسْبَقُ إلَيْهِ مِنْ يَدِ الْعَامَّةِ فَيَخْتَصُّ بِهِ فَيَسْقُطُ (وَإِنْ قُتِلَ وَلَمْ يُظْهَرْ عَلَى الدَّارِ فَالْقَرْضُ الْوَدِيعَةُ لِوَرَثَتِهِ) وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَمْ تَصِرْ مَغْنُومَةً فَكَذَلِكَ مَالُهُ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَاقٍ فِي مَالِهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى وَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
الشَّرْحُ:
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ) خَلَا أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ يَدَ الْمُودِعِ كَيَدِهِ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الدَّارِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا فَلَمْ تَكُنْ يَدُ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمُودِعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمُودِعِ إذَا اتَّفَقَا عِصْمَةً وَقْتَ الْإِيدَاعِ، وَفِي صُورَةِ النَّقْضِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَتْ دَارَ عِصْمَةٍ. قَالَ: (وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ قِتَالٍ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يُصْرَفُ الْخَرَاجُ) قَالُوا: هُوَ مِثْلُ الْأَرَاضِي الَّتِي أَجْلَوْا أَهْلَهَا عَنْهَا وَالْجِزْيَةِ وَلَا خُمُسَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِمَا الْخُمُسُ اعْتِبَارًا بِالْغَنِيمَةِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ وَكَذَا عُمَرُ وَمُعَاذٌ، وَوُضِعَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يُخَمَّسْ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِمُبَاشَرَةِ الْغَانِمِينَ وَبِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَحَقَّ الْخُمُسَ بِمَعْنًى وَاسْتَحَقَّهُ الْغَانِمُونَ بِمَعْنًى، وَفِي هَذَا السَّبَبِ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الْخُمُسِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ) يُقَالُ وَجَفَ الْفَرَسُ أَوْ الْبَعِيرُ غَدَا وَجِيفًا وَأَوْجَفَهُ صَاحِبُهُ إيجَافًا.
وَقَوْلُهُ (وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ) أَيْ أَعْمَلُوا خَيْلَهُمْ وَرِكَابَهُمْ فِي تَحْصِيلِهِ.
وَالْجَلَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ الْخُرُوجُ عَنْ الْوَطَنِ أَوْ الْإِخْرَاجُ، يُقَالُ جَلَا السُّلْطَانُ الْقَوْلَ عَلَى أَوْطَانِهِمْ وَأَجْلَاهُمْ فَجَلَوْا: أَيْ أَخْرَجَهُمْ فَخَرَجُوا، كِلَاهُمَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى.
وَقَوْلُهُ (وَالْجِزْيَةِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْأَرَاضِي أَيْ هُوَ مِثْلُ الْأَرَاضِي الَّتِي أَجْلَوْا عَنْهَا أَهْلَهَا وَمِثْلُ الْجِزْيَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَرَاضِيِ الَّتِي أَجْلَوْا عَنْهَا أَهْلَهَا وَفِي الْجِزْيَةِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فِيهَا أَيْ فِي الْأَرَاضِي وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ) أَيْ وَلِأَنَّ مَا أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمَالِ.
وَقَوْلُهُ (مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ) يَعْنِي بَلْ بِوُقُوعِ الرُّعْبِ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ مِنْ قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ (بِخِلَافِ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْغَنِيمَةَ بِتَأْوِيلِ الْمَغْنُومِ (مَمْلُوكٌ) بِسَبَبَيْنِ وَهُمَا مُبَاشَرَةُ الْغَانِمِينَ وَقُوَّةُ الْمُسْلِمِينَ (فَاسْتَحَقَّ الْخُمُسَ بِمَعْنًى) وَهُوَ الرُّعْبُ (وَاسْتَحَقَّ الْغَانِمُونَ الْبَاقِيَ بِمَعْنًى) وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الْغَانِمِينَ الْقِتَالَ (وَفِي هَذَا) أَيْ فِيمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ (السَّبَبُ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ أَنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الْخُمُسِ (وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَلَهُ امْرَأَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ وَمَالٌ أَوْدَعَ بَعْضَهُ ذِمِّيًّا وَبَعْضَهُ حَرْبِيًّا وَبَعْضَهُ مُسْلِمًا فَأَسْلَمَ هَاهُنَا ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَذَلِكَ كُلُّهُ فَيْءٌ) أَمَّا الْمَرْأَةُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمْ حَرْبِيُّونَ كِبَارٌ وَلَيْسُوا بِأَتْبَاعٍ، وَكَذَلِكَ مَا فِي بَطْنِهَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا لِمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلِأَنَّ الصَّغِيرَ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ وِلَايَتِهِ، وَمَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، وَكَذَا أَمْوَالُهُ لَا تَصِيرُ مُحْرَزَةً بِإِحْرَازِهِ نَفْسَهُ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَبَقِيَ الْكُلُّ فَيْئًا وَغَنِيمَةً (وَإِنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ فَظُهِرَ عَلَى الدَّارِ فَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ) تَبَعًا لِأَبِيهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا تَحْتَ وِلَايَتِهِ حِينَ أَسْلَمَ إذْ الدَّارُ وَاحِدَةٌ (وَمَا كَانَ مِنْ مَالٍ أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَهُوَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ فِي يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ وَيَدُهُ كَيَدِهِ (وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَيْءٌ) أَمَّا الْمَرْأَةُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ فَلِمَا قُلْنَا.
وَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ الْحَرْبَى؛ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَعْصُومًا؛ لِأَنَّ يَدَ الْحَرْبِيِّ لَيْسَتْ يَدًا مُحْتَرَمَةً.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ لِمَا قُلْنَا مِنْ قَبْلُ) أَيْ فِي بَابِ الْغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ وَزَوْجَتُهُ فَيْءٌ لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ حَرْبِيَّةٌ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ) ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَمَا كَانَ مِنْ مَالٍ أَوْدَعَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا) إنَّمَا قَيَّدَ بِالْإِيدَاعِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غَصْبًا فِي أَيْدِيهِمَا يَكُونُ فَيْئًا لِعَدَمِ النِّيَابَةِ (قَوْلُهُ فَلِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ حَرْبِيُّونَ كِبَارٌ وَلَيْسُوا بِأَتْبَاعٍ. (وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَهُ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ هُنَاكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ أَرَاقَ دَمًا مَعْصُومًا (لِوُجُودِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ) لِكَوْنِهِ مُسْتَجْلِبًا لِلْكَرَامَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ أَصْلُهَا الْمُؤْثِمَةُ؛ لِحُصُولِ أَصْلِ الزَّجْرِ بِهَا وَهِيَ ثَابِتَةٌ إجْمَاعًا، وَالْمُقَوَّمَةُ كَمَالٍ فِيهِ لِكَمَالِ الِامْتِنَاعِ بِهِ فَيَكُونُ وَصْفًا فِيهِ فَتَتَعَلَّقُ بِمَا عُلِّقَ بِهِ الْأَصْلُ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} الْآيَةَ.
جَعَلَ التَّحْرِيرَ كُلَّ الْمُوجِبِ رُجُوعًا إلَى حَرْفِ الْفَاءِ أَوْ إلَى كَوْنِهِ كُلَّ الْمَذْكُورِ فَيَنْتَفِي غَيْرُهُ، وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤْثِمَةَ بِالْآدَمِيَّةِ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ خُلِقَ مُتَحَمِّلًا أَعْبَاءَ التَّكْلِيفِ، وَالْقِيَامَ بِهَا بِحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ، وَالْأَمْوَالُ تَابِعَةٌ لَهَا.
أَمَّا الْمُقَوَّمَةُ فَالْأَصْلُ فِيهَا الْأَمْوَالُ؛ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ يُؤْذِنُ بِجَبْرِ الْفَائِتِ وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ النُّفُوسِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ التَّمَاثُلَ، وَهُوَ فِي الْمَالِ دُونَ النَّفْسِ فَكَانَتْ النُّفُوسُ تَابِعَةً، ثُمَّ الْعِصْمَةُ الْمُقَوَّمَةُ فِي الْأَمْوَالِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ؛ لِأَنَّ الْعِزَّةَ بِالْمَنَعَةِ فَكَذَلِكَ فِي النُّفُوسِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ مَنَعَةِ الْكَفَرَةِ؛ لِمَا أَنَّهُ أَوْجَبَ إبْطَالَهَا.
وَالْمُرْتَدُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ حُكْمًا لِقَصْدِهِمَا الِانْتِقَالَ إلَيْهَا.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَهُ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ هُنَاكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةَ فِي الْخَطَإِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ لِأَنَّهُ أَرَاقَ دَمًا مَعْصُومًا لِوُجُودِ الْعَاصِمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ لِكَوْنِهِ مُسْتَجْلِبًا لِلْكَرَامَةِ) وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ نِعْمَةً وَكَرَامَةً فَتُعَلَّقَ بِمَا لَهُ أَثَرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَةِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ إذْ بِهِ تَحْصُلُ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ لَا بِالدَّارِ الَّتِي هِيَ جَمَادٌ لَا أَثَرَ لَهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ أَرَاقَ دَمًا مَعْصُومًا إنْ كَانَ خَطَأً فَفِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَفِيهِ الْقِصَاصُ كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (وَهَذَا) أَيْ وُجُوبُ الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ إنَّمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى وُجُودِ الْعَاصِمِ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ (لِأَنَّ الْعِصْمَةَ أَصْلُهَا الْمُؤَثِّمَةُ لِحُصُولِ أَصْلِ الزَّجْرِ بِهَا) فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِقَتْلٍ يَنْزَجِرُ عَنْهُ نَظَرًا إلَى الْجِبِلَّةِ السَّلِيمَةِ عَنْ الْمَيْلِ عَنْ الِاعْتِدَالِ (وَهِيَ ثَابِتَةٌ) فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (إجْمَاعًا) فَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِعَدَمِ الْإِثْمِ عَلَى مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ (وَالْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ كَمَالٍ فِيهِ) أَيْ فِي أَصْلِ الْعِصْمَةِ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْإِثْمُ وَالْمَالُ كَانَ ذَلِكَ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ فِي الْمَنْعِ مِنْ الَّذِي وَجَبَ فِيهِ الْإِثْمُ دُونَ الْمَالِ، فَكَانَتْ الْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ وَصْفًا زَائِدًا عَلَى الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ الْمُؤَثِّمَةُ (فَتُعَلَّقُ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَصْلُ) وَهُوَ الْعِصْمَةُ الْمُؤَثِّمَةُ وَالْعِصْمَةُ الْمُؤَثِّمَةُ تَعَلَّقَتْ بِالْإِسْلَامِ، فَالْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ كَذَلِكَ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الْحَرْبِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا, وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُؤَوِّلُ هَذِهِ الْآيَةَ بِاَلَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرُوا، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ أَيْضًا.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَيَّزَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ الْمُخْتَصِّ بِالْقَتْلِ، فَجَعَلَ الْحُكْمَ فِي الْأَوَّلِ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إلَى أَهْلِهِ} وَفِي الثَّانِي الْكَفَّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ذُكِرَ بِحَرْفِ الْفَاءِ فَإِنَّهُ لِلْجَزَاءِ وَالْجَزَاءُ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ كَافِيًا، فَإِذَا كَانَ كَافِيًا كَانَ كُلُّ الْمُوجِبِ ضَرُورَةً.
وَالثَّانِي أَنَّهُ كُلُّ الْمَذْكُورِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ غَيْرِهِ لِأَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِي مِثْلِهِ إخْرَاجُ الْعَبْدِ عَنْ عُهْدَةِ الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحَادِثَةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيَانِ كُلِّ الْحُكْمِ بِلَا إخْلَالٍ، فَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ تَتِمَّةِ هَذَا الْحُكْمِ لَذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِ الْبَيَانِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤَثِّمَةَ بِالْآدَمِيَّةِ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى عَدَمِ الْعِصْمَةِ الْمُقَوِّمَةِ الْمُوجِبَةِ لِلدِّيَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ أَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُقَوِّمَةَ لَيْسَتْ بِوَصْفِ كَمَالٍ فِي الْعِصْمَةِ الْمُؤَثِّمَةِ فَتَكُونُ تَابِعَةً لَهَا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤَثِّمَةَ بِالْآدَمِيَّةِ (لِأَنَّ الْآدَمِيَّ خُلِقَ مُتَحَمِّلًا أَعْبَاءَ التَّكَالِيفِ) أَيْ أَثْقَالَهَا، وَمَنْ خُلِقَ لِشَيْءٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ فَالْآدَمِيُّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِأَعْبَاءِ التَّكَالِيفِ (وَالْقِيَامُ بِهَا بِحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ) أَيْ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ لَهُ الْقِيَامُ بِهَا إذَا كَانَ حَرَامَ التَّعَرُّضِ، فَالْآدَمِيُّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حَرَامَ التَّعَرُّضِ مُطْلَقًا، إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ ذَلِكَ فِي الْكَافِرِ بِعَارِضِ الْكُفْرِ، فَإِذَا زَالَ الْكُفْرُ بِالْإِسْلَامِ عَادَ إلَى الْأَصْلِ (وَالْأَمْوَالُ تَابِعَةٌ لَهَا) أَيْ لِلْآدَمِيَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ الْعِصْمَةُ الْمُؤَثِّمَةُ لَهَا لِأَنَّهَا خُلِقَتْ فِي الْأَصْلِ مُبَاحَةً، وَإِنَّمَا صَارَتْ مَعْصُومَةً لِتَمَكُّنِ الْآدَمِيِّ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي حَاجَتِهِ فَكَانَتْ تَابِعَةً لِلْآدَمِيَّةِ (أَمَّا الْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ فَالْأَصْلُ فِيهَا الْأَمْوَالُ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ يُؤْذِنُ بِجَبْرِ الْفَائِتِ) لِأَنَّ الْمُتَقَوِّمَ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ وَاجِبَ الْإِبْقَاءِ وَالدَّوَامِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ (وَذَلِكَ) أَيْ جَبْرُ الْفَائِتِ (فِي الْأَمْوَالِ دُونَ النُّفُوسِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمِثْلِ صُورَةً وَمَعْنًى أَوْ مَعْنًى فَقَطْ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ النُّفُوسِ وَمَا يُجْبَرُ بِهِ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ (فَكَانَتْ النُّفُوسُ تَابِعَةً) لِلْأَمْوَالِ فِي الْعِصْمَةِ، وَمِنْ هَذَا عُلِمَ أَنَّ الْعِصْمَةَ الْمُؤَثِّمَةَ أَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ فِي شَيْءٍ وَالْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ أَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ فِي شَيْءٍ آخَرَ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِكَمَالٍ فِي الْآخَرِ وَلَا وَصْفٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ فِي الْأَمْوَالِ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ لِأَنَّهَا عِزَّةٌ وَالْعِزَّةُ بِالْمَنَعَةِ، فَالْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ فِي الْأَمْوَالِ بِالْمَنَعَةِ وَالدَّارُ إنَّمَا تَكُونُ بِالْمَنَعَةِ فَلِهَذَا تَعَرَّضَ لِذِكْرِهَا، وَإِذَا كَانَتْ الْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ فِي الْأَمْوَالِ بِالْمَنَعَةِ فَكَذَلِكَ فِي النُّفُوسِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا لِمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ لَا مَنَعَةَ لِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ مَنَعَةِ الْكُفْرِ لِمَا أَنَّهُ أَوْجَبَ إبْطَالَهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَنَعَةٌ لَا يُوجَدُ الْإِحْرَازُ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْإِحْرَازُ لَا تُوجَدُ الْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ لَا تَجِبُ الدِّيَةُ، وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ، خَلَا أَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنْ لَا يَمْلِكُوا أَمْوَالَنَا بِالْإِحْرَازِ إلَى الدَّارِ كَمَا قَالَ بِهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَدَفَعَهُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ الشَّرْعَ أَسْقَطَ اعْتِبَارَ مَنَعَتِهِمْ حَالَ كَوْنِهِمْ فِي دَارِهِمْ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ خُرُوجُهُمْ إلَى دَارِنَا وَأَحْرَزُوا أَمْوَالَنَا بِالْيَدِ الْحَافِظَةِ وَالنَّاقِلَةِ فَقَدْ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ كَمَا مَرَّ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمِلْكَ لَا مَحَالَةَ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمُرْتَدُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّهُمَا مُحْرَزَانِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ ذَاتًا فَيَجِبُ أَنْ يَتَقَوَّمَا وَلَمْ يَتَقَوَّمَا حَتَّى لَا تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَتْلِهِمَا وَكَوْنُ الْمُسْتَأْمَنِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ حُكْمًا لِقَصْدِهِ الِانْتِقَالَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْصِدُهُ هَرَبًا مِنْ الْقَتْلِ (وَمَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ قَتَلَ حَرْبِيًّا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَأَسْلَمَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِلْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً خَطَأً فَتُعْتَبَرُ بِسَائِرِ النُّفُوسِ الْمَعْصُومَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِلْإِمَامِ أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ (وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ)؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مَعْصُومَةٌ، وَالْقَتْلَ عَمْدٌ، وَالْوَلِيَّ مَعْلُومٌ وَهُوَ الْعَامَّةُ أَوْ السُّلْطَانُ.
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَقَوْلُهُ (وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ) مَعْنَاهُ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ وَهُوَ الْقَوَدُ عَيْنًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ أَنْفَعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْقَوَدِ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ وِلَايَةُ الصُّلْحِ عَلَى الْمَالِ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ)؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْعَامَّةِ وَوِلَايَتُهُ نَظَرِيَّةٌ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ إسْقَاطُ حَقِّهِمْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً إلَخْ) وَاضِحٌ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الْعَامَّةُ أَوْ السُّلْطَانُ بِأَنَّ التَّرَدُّدَ فِيمَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْقِصَاصِ يُوجِبُ سُقُوطَهُ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ إذَا قَتَلَ عَنْ وَفَاءٍ وَلَهُ وَارِثٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِمَامَ هَاهُنَا نَائِبٌ عَنْ الْعَامَّةِ فَصَارَ كَأَنَّ الْوَلِيَّ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ.

.(بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ):

قَالَ: (أَرْضُ الْعَرَبِ كُلُّهَا أَرْضُ عُشْرٍ، وَهِيَ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إلَى أَقْصَى حَجَرٍ بِالْيَمَنِ بِمَهْرَةَ إلَى حَدِّ الشَّامِ وَالسَّوَادُ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إلَى عَقَبَةِ حُلْوَانَ، وَمِنْ الثَّعْلَبِيَّةِ وَيُقَالُ مِنْ الْعَلَثِ إلَى عَبَّادَانَ)؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَرَاضِي الْعَرَبِ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ فَلَا يَثْبُتُ فِي أَرَاضِيِهِمْ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي رِقَابِهِمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْخَرَاجِ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُقَرَّ أَهْلُهَا عَلَى الْكُفْرِ كَمَا فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ وَمُشْرِكُو الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ، وَعُمَرُ حِينَ فَتَحَ السَّوَادَ وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَوَضَعَ عَلَى مِصْرَ حِينَ افْتَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَكَذَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الشَّامِ.
الشَّرْحُ:
بَابُ: الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ.
لَمَّا ذَكَرَ مَا يَصِيرُ بِهِ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا شَرَعَ فِي بَيَانِ الْخَرَاجِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ الْعُشْرَ اسْتِطْرَادًا لِأَنَّ سَبَبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ، وَقَدَّمَهُ عَلَى الْخَرَاجِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْوَظَائِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَالْعُشْرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ أَحَدُ أَجْزَاءِ الْعَشَرَةِ، وَالْخَرَاجُ اسْمٌ لَمَا يُخْرَجُ مِنْ غَلَّةِ الْأَرْضِ أَوْ الْغُلَامِ، ثُمَّ سُمِّيَ مَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ خَرَاجًا فَيُقَالُ أَدَّى فُلَانٌ خَرَاجَ أَرْضِهِ وَأَدَّى أَهْلُ الذِّمَّةِ خَرَاجَ رُءُوسِهِمْ: يَعْنِي الْجِزْيَةَ.
وَالْعُذَيْبُ مَاءٌ لِتَمِيمٍ، وَالْحَجَرُ بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى الصَّخْرِ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي أَمَالِي أَبِي يُوسُفَ: الصَّخْرُ مَوْضِعُ الْحَجَرِ، وَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَوَى بِسُكُونِ الْجِيمِ وَفَسَّرَهُ بِالْجَانِبِ فَقَدْ حَرَّفَ.
وَمَهْرَةُ بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ اسْمُ رَجُلٍ، وَقِيلَ اسْمُ قَبِيلَةٍ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْإِبِلُ الْمَهْرِيَّةُ سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَقَامُ بِهِ فَيَكُونُ بِمَهْرَةَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ بِالْيَمَنِ، وَهَذَا طُولُهَا، وَمِنْ يَبْرِينَ وَالدَّهْنَاءِ وَرَمْلِ عَالِجٍ أَسْمَاءُ مَوَاضِعَ إلَى مَشَارِفِ الشَّامِ: أَيْ قُرَاهَا عَرْضُهَا، وَالسَّوَادُ: أَيْ أَرَاضِي سَوَادِ الْعِرَاقِ: أَيْ قُرَاهَا سُمِّيَ بِالسَّوَادِ لِخُضْرَةِ أَشْجَارِهِ وَزُرُوعِهِ، وَحَدُّهُ عَرْضًا مِنْ الْعُذَيْبِ إلَى عُقْبَةِ حُلْوَانَ وَهُوَ اسْمُ بَلَدٍ، وَمِنْ الثَّعْلَبِيَّةِ وَهِيَ مَنَازِلُ الْبَادِيَةِ إلَى عَبَّادَانِ وَهُوَ حِصْنٌ صَغِيرٌ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ طُولُهُ.
وَقِيلَ فِي مَوْضِعٍ الثَّعْلَبِيَّةُ الْعَلْثُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْعَلَوِيَّةِ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِرَاقِ شَرْقِيَّ دِجْلَةَ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. قَالَ: (وَأَرْضُ السَّوَادِ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا يَجُوزُ بَيْعُهُمْ لَهَا وَتَصَرُّفُهُمْ فِيهَا)؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ أَرْضًا عَنْوَةً وَقَهْرًا لَهُ أَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَيَضَعَ عَلَيْهَا وَعَلَى رُءُوسِهِمْ الْخَرَاجَ فَتَبْقَى الْأَرَاضِي مَمْلُوكَةً لِأَهْلِهَا وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي فِي أَوَّلِ بَابِ الْغَنَائِمِ. قَالَ (: وَكُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا أَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ)؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْعُشْرُ أَلْيَقُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَكَذَا هُوَ أَخَفُّ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْخَارِجِ. (وَكُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَأُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ) وَكَذَا إذَا صَالَحَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ابْتِدَاءِ التَّوْظِيفِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْخَرَاجُ أَلْيَقُ بِهِ، وَمَكَّةُ مَخْصُوصَةٌ مِنْ هَذَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَهَا عَنْوَةً وَتَرَكَهَا لِأَهْلِهَا، وَلَمْ يُوَظِّفْ الْخَرَاجَ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَوَصَلَ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ، وَمَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ وَاسْتُخْرِجَ مِنْهَا عَيْنٌ فَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ)؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْضِ النَّامِيَةِ، وَنَمَاؤُهَا بِمَائِهَا فَيُعْتَبَرُ السَّقْيُ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَوْ بِمَاءِ الْخَرَاجِ.
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ وَالْخَرَاجُ أَلْيَقُ بِهِ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَإِنَّ فِيهِ تَغْلِيظًا لِوُجُوبِهِ وَإِنْ لَمْ يُزْرَعْ، وَالْكَافِرُ أَلْيَقُ بِالْعُقُوبَةِ وَالتَّغْلِيظِ.
وَكَانَ الْقِيَاسُ «فِي أَرْضِ مَكَّةَ أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّةً لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً: أَيْ قَهْرًا، لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَظِّفْ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ»، وَكَمَا لَا رِقَّ عَلَى الْعَرَبِ فَكَذَا لَا خَرَاجَ فِي أَرْضِهِمْ (قَوْلُهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، إلَى قَوْلِهِ: فَهِيَ أَرْضُ خَرَاجٍ) يَعْنِي سَوَاءٌ قُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ أَوْ أُقِرَّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، وَذُكِرَ لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ. قَالَ: (وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَيِّزِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ) وَمَعْنَاهُ بِقُرْبِهِ (فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ)، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْعُشْرِ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ (وَالْبَصْرَةُ عِنْدَهُ عُشْرِيَّةٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ)؛ لِأَنَّ حَيِّزَ الشَّيْءِ يُعْطَى لَهُ حُكْمُهُ، كَفِنَاءِ الدَّارِ يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الدَّارِ حَتَّى يَجُوزَ لِصَاحِبِهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ.
وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْبَصْرَةِ أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّةً؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْخَرَاجِ، إلَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ وَظَّفُوا عَلَيْهَا الْعُشْرَ فَتُرِكَ الْقِيَاسُ لِإِجْمَاعِهِمْ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ أَحْيَاهَا بِبِئْرٍ حَفَرَهَا أَوْ بِعَيْنٍ اسْتَخْرَجَهَا أَوْ مَاءِ دِجْلَةَ أَوْ الْفُرَاتِ أَوْ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ فَهِيَ عُشْرِيَّةٌ) وَكَذَا إنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ السَّمَاءِ (وَإِنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ الْأَنْهَارِ الَّتِي احْتَفَرَهَا الْأَعَاجِمُ) مِثْلَ نَهْرِ الْمَلِكِ وَنَهْرِ يَزْدَجْرِدْ (فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اعْتِبَارِ الْمَاءِ إذْ هُوَ السَّبَبُ لِلنَّمَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَوْظِيفُ الْخَرَاجِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُسْلِمِ كَرْهًا فَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْمَاءُ؛ لِأَنَّ السَّقْيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ دَلَالَةُ الْتِزَامِهِ.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَيِّزِهَا) قِيلَ هَذَا الْإِطْلَاقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمُحْيِي مُسْلِمًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ ذِمِّيًّا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيِّزِ أَرْضِ الْعُشْرِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ مُسْلِمًا وَجَبَ أَنْ يُقَيَّدَ قَوْلُهُمْ الْمُسْلِمُ لَا يُبْتَدَأُ بِتَوْظِيفِ الْخَرَاجِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ صَنِيعٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَهُوَ السَّقْيُ مِنْ مَاءِ الْخَرَاجِ، إذْ الْخَرَاجُ يَجِبُ جَبْرًا لِلْمُقَاتِلَةِ فَيَخْتَصُّ وُجُوبُ الْخَرَاجِ بِمَا يُسْقَى بِمَاءٍ حَمَتْهُ الْمُقَاتِلَةُ، وَالْمَاءُ الَّذِي حَمَتْهُ الْمُقَاتِلَةُ مَاءُ الْخَرَاجِ، فَلِهَذَا يَجِبُ الْخَرَاجُ إذَا سَقَاهُ بِمَاءِ الْخَرَاجِ، إلَى هَذَا أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ وَالْبَصْرَةُ عِنْدَهُ عُشْرِيَّةٌ) جَوَابُ إشْكَالٍ يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّ الْإِحْيَاءَ فِي حَيِّزِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ يَجْعَلُ الْأَرْضَ خَرَاجِيَّةً، وَالْبَصْرَةُ فِي حَيِّزِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ وَإِنْ أَحْيَا فِيهَا مُسْلِمٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ ذَلِكَ لَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ (قَوْلُهُ لِأَنَّ حَيِّزَ الشَّيْءِ يُعْطِي لَهُ حُكْمَهُ) دَلِيلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَذْهَبِهِ (قَوْلُهُ كَفِنَاءِ الدَّارِ) يَعْنِي فِنَاءَ الدَّارِ يُعْطِي لَهُ حُكْمَ الدَّارِ فِي حَقِّ الِانْتِفَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفِنَاءُ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِ الدَّارِ لِاتِّصَالِهِ بِمِلْكِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا تُعْطَى هَذِهِ الْأَرْضُ الْمُحْيَاةُ حُكْمَ جِوَارِهَا لِاتِّصَالِهَا بِهِ، وَلَا يُظَنُّ فِي إعَادَةِ قَوْلِهِ:وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْبَصْرَةِ أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّةً تَكْرَارٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ وَالثَّانِي ذَكَرَهُ شَرْحًا لِذَلِكَ.
وَنَهْرُ الْمَلِكِ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ مِنْ بَغْدَادَ، وَيَزْدَجْرِدُ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ (قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ قَبْلُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْعُشْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْضِ النَّامِيَةِ وَنَمَاؤُهَا بِمَائِهَا. قَالَ (: وَالْخَرَاجُ الَّذِي وَضَعَهُ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ مِنْ كُلِّ جَرِيبٍ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ قَفِيزٌ هَاشِمِيٌّ وَهُوَ الصَّاعُ وَدِرْهَمٌ، وَمِنْ جَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَمِنْ جَرِيبِ الْكَرْمِ الْمُتَّصِلِ وَالنَّخِيلِ الْمُتَّصِلِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ) وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ عُمَرَ، فَإِنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ حَتَّى يَمْسَحَ سَوَادَ الْعِرَاقِ، وَجَعَلَ حُذَيْفَةَ مُشْرِفًا عَلَيْهِ، فَمَسَحَ فَبَلَغَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ وَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ مَا قُلْنَا، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ.
وَلِأَنَّ الْمُؤَنَ مُتَفَاوِتَةٌ فَالْكَرْمُ أَخَفُّهَا مُؤْنَةً وَالْمَزَارِعَ أَكْثَرُهَا مُؤْنَةً وَالرُّطَبُ بَيْنَهُمَا، وَالْوَظِيفَةُ تَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِهَا فَجُعِلَ الْوَاجِبُ فِي الْكَرْمِ أَعْلَاهَا وَفِي الزَّرْعِ أَدْنَاهَا وَفِي الرُّطَبَةِ أَوْسَطَهَا.
قَالَ: (وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَصْنَافِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْبُسْتَانِ وَغَيْرِهِ يُوضَعُ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الطَّاقَةِ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ وَقَدْ اعْتَبَرَ الطَّاقَةَ فِي ذَلِكَ فَنَعْتَبِرُهَا فِيمَا لَا تَوْظِيفَ فِيهِ.
قَالُوا: وَنِهَايَةُ الطَّاقَةِ أَنْ يَبْلُغَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الْخَارِجِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الْإِنْصَافِ لِمَا كَانَ لَنَا أَنْ نُقَسِّمَ الْكُلَّ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَالْبُسْتَانُ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَشْجَارٌ أُخَرُ، وَفِي دِيَارِنَا وَظَّفُوا مِنْ الدَّرَاهِمِ فِي الْأَرَاضِي كُلِّهَا وَتُرِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ.
قَالَ (فَإِنْ لَمْ تُطِقْ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا نَقَصَهُمْ الْإِمَامُ) وَالنُّقْصَانُ عِنْدَ قِلَّةِ الرِّيعِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عُمَرَ: لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ، فَقَالَا: لَا بَلْ حَمَّلْنَاهَا مَا تُطِيقُ، وَلَوْ زِدْنَا لَأَطَاقَتْ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النُّقْصَانِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عِنْدَ زِيَادَةِ الرِّيعِ يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالنُّقْصَانِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَزِدْ حِينَ أُخْبِرَ بِزِيَادَةِ الطَّاقَةِ، (وَإِنْ غَلَبَ عَلَى أَرْضِ الْخَرَاجِ الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا أَوْ اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ فَاتَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ، وَهُوَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْخَرَاجِ، وَفِيمَا إذَا اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَاتَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَكَوْنُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ أَوْ يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْخَارِجِ.
قَالَ (وَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ)؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ كَانَ ثَابِتًا وَهُوَ الَّذِي فَوَّتَهُ.
قَالُوا: مَنْ انْتَقِلْ إلَى أَخَسِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ خَرَاجُ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَ الزِّيَادَةَ، وَهَذَا يُعْرَفُ وَلَا يُفْتَى بِهِ كَيْ لَا يَتَجَرَّأَ الظَّلَمَةُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَالْخَرَاجُ الَّذِي وَضَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) اعْلَمْ أَنَّ الْخَرَاجَ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَرَاجُ وَظِيفَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ فِي الذِّمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ (فِي كُلِّ جَرِيبٍ) وَهُوَ أَرْضٌ طُولُهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهَا سِتُّونَ بِذِرَاعِ الْمَلِكِ كِسْرَى وَهُوَ يَزِيدُ عَلَى ذِرَاعِ الْعَامَّةِ بِقَبْضَةٍ (قَفِيزٌ هَاشِمِيٌّ وَهُوَ الصَّاعُ) مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ عَلَى مَا قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتْوَاهُ أَوْ مِمَّا يُزْرَعُ فِيهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (وَدِرْهَمٌ) قَوْلُهُ فَالْكَرْمُ أَخَفُّهَا يَعْنِي وَأَكْثَرُهَا رِيعًا لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْأَبَدِ بِلَا مُؤْنَةٍ (وَالْمَزَارِعُ أَكْثَرُهَا مُؤْنَةً) لِاحْتِيَاجِهَا إلَى الزِّرَاعَةِ وَإِلْقَاءُ الْبَذْرِ فِي كُلِّ عَامٍ (وَالرُّطَبُ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهَا تَبْقَى أَعْوَامًا وَلَا تَدُومُ دَوَامَ الْكُرُومِ فَكَانَتْ مُؤْنَتُهَا فَوْقَ مُؤْنَةِ الْكُرُومِ وَدُونَ مُؤْنَةِ الْمَزَارِعِ.
وَخَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ كَالْخُمُسِ وَالسُّدُسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَوْظِيفُ عُمَرَ) فَنَعْتَبِرُ فِيهِ الطَّاقَةَ كَمَا اعْتَبَرَهَا فِي الْمُوَظَّفِ، وَمِنْ الْإِنْصَافِ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى النِّصْفِ (قَوْلُهُ وَالْبُسْتَانُ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ) ظَاهِرٌ (وَإِنْ غَلَبَ عَلَى أَرْضِ الْخَرَاجِ الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ عَنْهَا فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ) بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ فَاتَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَهُوَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ الْمُعْتَبَرُ فِي الْخَرَاجِ، وَفِيمَا إذَا اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ أَيْ اسْتَأْصَلَهُ حَرٌّ شَدِيدٌ أَوْ بَرْدٌ شَدِيدٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا خَرَاجَ أَيْضًا (لِأَنَّهُ فَاتَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ) الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَ النَّمَاءِ الْحَقِيقِيِّ (فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَكَوْنُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ) فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً لِلتِّجَارَةِ فَمَضَى عَلَيْهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ نَوَاهَا لِلْخِدْمَةِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ نَامِيَةً فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ (أَوْ) يُقَالُ (يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْخَارِجِ) يَعْنِي أَنَّ النَّمَاءَ التَّقْدِيرِيَّ كَانَ قَائِمًا مَقَامَ الْحَقِيقِيِّ، فَلَمَّا وُجِدَ الْحَقِيقِيُّ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ وَقَدْ هَلَكَ فَيَهْلَكُ مَعَهُ الْخَرَاجُ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَاصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ لَمْ تَسْقُطْ الْأُجْرَةُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَرَاجِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ إلَى وَقْتِ هَلَاكِ الزَّرْعِ لَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ الْأَجْرُ كَالْخَرَاجِ لِأَنَّهُ وُضِعَ عَلَى مِقْدَارِ الْخَارِجِ إذَا صَلُحَتْ الْأَرْضُ لِلزِّرَاعَةِ، فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ جَازَ إسْقَاطُهُ وَالْأَجْرُ لَمْ يُوضَعْ عَلَى مِقْدَارِ الْخَارِجِ فَجَازَ إيجَابُهُ وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ.
ثُمَّ قَالَ مَشَايِخُنَا: مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْخَرَاجَ يَسْقُطُ بِالِاصْطِلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ أَنْ تُزْرَعَ الْأَرْضُ ثَانِيًا، أَمَّا إذَا بَقِيَ فَلَا يَسْقُطُ الْخَرَاجُ.
قَالَ (وَإِنْ عَطَّلَهَا صَاحِبُهَا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ) إذَا عَطَّلَ الْأَرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ صَاحِبُهَا فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ كَانَ ثَابِتًا وَهُوَ الَّذِي فَوَّتَهُ.
قِيلَ هَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ وَالْمَالِكُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَعَطَّلَهَا، أَمَّا إذَا عَجَزَ الْمَالِكُ عَنْ الزِّرَاعَةِ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ قُوَّتِهِ وَأَسْبَابِهِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ مُزَارَعَةً وَيَأْخُذَ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ وَيُمْسِكَ الْبَاقِيَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ آجَرَهَا وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ شَاءَ زَرَعَهَا بِنَفَقَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ ذَلِكَ بَاعَهَا وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ حَجْرٍ وَهُوَ ضَرَرٌ وَلَكِنَّهُ إلْحَاقُ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ لِلْعَامَّةِ (قَوْلُهُ قَالُوا) يَعْنِي الْمَشَايِخَ (مَنْ انْتَقَلَ إلَى أَخَسِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) بِأَنْ كَانَتْ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ لِلْأَعْلَى وَهُوَ الزَّعْفَرَانُ مَثَلًا فَزَرَعَ الشَّعِيرَ مَثَلًا (وَجَبَ خَرَاجُ الزَّعْفَرَانِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَ الزِّيَادَةَ، وَهَذَا يُعْرَفُ وَلَا يُفْتَى بِهِ كَيْ لَا يَتَجَرَّأَ الظَّلَمَةُ عَلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ) وَرُدَّ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ الْكِتْمَانُ وَأَنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوا كَانَ فِي مَوْضِعِهِ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَوْ أَفْتَيْنَا بِذَلِكَ لَادَّعَى كُلُّ ظَالِمٍ فِي أَرْضٍ لَيْسَ شَأْنُهَا ذَلِكَ أَنَّهَا قَبْلَ هَذَا كَانَتْ تُزْرَعُ الزَّعْفَرَانَ فَيَأْخُذُ خَرَاجَ ذَلِكَ وَهُوَ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ. (وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ عَلَى حَالِهِ)؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ فَيُعْتَبَرُ مُؤْنَةً فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ فَأَمْكَنَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُسْلِمُ أَرْضَ الْخَرَاجِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَيُؤْخَذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ لِمَا قُلْنَا)، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ اشْتَرَوْا أَرَاضِيَ الْخَرَاجِ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ وَأَخْذِ الْخَرَاجِ وَأَدَائِهِ لِلْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (وَلَا عُشْرَ فِي الْخَارِجِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ وَجَبَا فِي مَحِلَّيْنِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا يَتَنَافَيَانِ.
وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ»، وَلِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْجَوْرِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا، وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً؛ وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ فِي أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً قَهْرًا، وَالْعُشْرُ فِي أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا طَوْعًا، وَالْوَصْفَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَسَبَبُ الْحَقَّيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ إلَّا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْعُشْرِ تَحْقِيقًا وَفِي الْخَرَاجِ تَقْدِيرًا، وَلِهَذَا يُضَافَانِ إلَى الْأَرْضِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الزَّكَاةُ مَعَ أَحَدِهِمَا.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْخَرَاجِ) ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ احْتِرَازٌ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُتَقَشِّفَةُ وَهْم طَائِفَةٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ إنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْحِرَاثَةِ فَقَالَ: مَا دَخَلَ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إلَّا ذَلُّوا» ظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالذُّلِّ الْتِزَامُ الْخَرَاجِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا اشْتَغَلُوا بِالزِّرَاعَةِ وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَقَعَدُوا عَنْ الْجِهَادِ كَرَّ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ وَجَعَلَهُمْ أَذِلَّةً، وَلِأَنَّ الصَّغَارَ إنْ كَانَ قَائِمًا يَكُونُ فِي الْوَضْعِ ابْتِدَاءً وَأَمَّا بَقَاءً فَلَا، بِخِلَافِ خَرَاجِ الرُّءُوسِ فَإِنَّهُ ذُلٌّ وَصَغَارٌ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً فَلِذَلِكَ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ وَجَبَا فِي مَحَلَّيْنِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ) يَعْنِي وَلِمَصْرِفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَمَّا اخْتِلَافُ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّ الْخَرَاجَ فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ وَالْعُشْرَ فِي الْخَارِجِ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ السَّبَبِ فَلِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ تَقْدِيرًا، وَسَبَبُ الْعُشْرِ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ تَحْقِيقًا.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْمَصْرِفِ فَإِنَّ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ الْمُقَاتِلَةُ وَمَصْرِفَ الْعُشْرِ الْفُقَرَاءُ (فَلَا يَتَنَافَيَانِ) لِأَنَّ التَّنَافِيَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ (وَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ») رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْلُهُ وَالْوَصْفَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ لِأَنَّ الطَّوْعَ ضِدُّ الْكُرْهِ الْحَاصِلِ مِنْ الْقَهْرِ، وَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعْ السَّبَبَانِ لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمَانِ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا يُضَافَانِ إلَى الْأَرْضِ) يُقَالُ عُشْرُ الْأَرْضِ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الزَّكَاةُ مَعَ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْعُشْرُ أَوْ الْخَرَاجُ.
صُورَتُهُ: رَجُلٌ اشْتَرَى أَرْضَ عُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ مَعَ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَلَيْهِ زَكَاةَ التِّجَارَةِ مَعَ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَمَفْرَعُهُمَا تَوَهُّمُ اخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ أَنَّ مَحَلَّ الْعُشْرِ الْخَارِجُ وَمَحَلَّ الزَّكَاةِ عَيْنُ مَالِ التِّجَارَةِ وَهُوَ الْأَرْضُ فَلَمْ يَجْتَمِعَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَوُجُوبُ أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْآخَرِ كَالدَّيْنِ مَعَ الْعُشْرِ.
وَلَنَا أَنَّ الْمَحَلَّ وَاحِدٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُؤْنَةُ الْأَرْضِ النَّامِيَةِ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَظِيفَةُ الْمَالِ النَّامِي وَهُوَ الْأَرْضُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجِبُ بِسَبَبِ مِلْكِ مَالٍ وَاحِدٍ حَقَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا لَا تَجِبُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ بِاعْتِبَارِ مَالٍ وَاحِدٍ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
قُلْنَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ صَارَا وَظِيفَتَيْنِ لَازِمَتَيْنِ لِهَذِهِ الْأَرْضِ فَلَا يَسْقُطَانِ بِإِسْقَاطِ الْمَالِكِ وَهُوَ أَسْبَقُ ثُبُوتًا مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ الَّتِي كَانَ وُجُوبُهَا بِنِيَّةٍ فَلِهَذَا بَقِيَتْ عُشْرِيَّةً وَخَرَاجِيَّةً كَمَا كَانَتْ وَبِقَوْلِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ وُجُوبِ الدَّيْنِ مَعَ الْعُشْرِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ لِلْعَبْدِ وَالْعُشْرَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا فَيَجِبَانِ وَإِنْ كَانَا بِسَبَبِ مِلْكٍ وَاحِدٍ، وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ. (وَلَا يَتَكَرَّرُ الْخَرَاجُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ فِي سَنَةٍ)؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يُوَظِّفْهُ مُكَرَّرًا، بِخِلَافِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ عُشْرًا إلَّا بِوُجُوبِهِ فِي كُلِّ خَارِجٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

.(بَابُ الْجِزْيَةِ):

(وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ فَتَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ) كَمَا «صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفٍ وَمِائَتَيْ حُلَّةٍ»، وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ التَّرَاضِي فَلَا يَجُوزُ التَّعَدِّي إلَى غَيْرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ (وَجِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ وَضْعَهَا إذَا غَلَبَ الْإِمَامُ عَلَى الْكُفَّارِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ الظَّاهِرِ الْغِنَى فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا يَأْخُذُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ.
وَعَلَى وَسَطِ الْحَالِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمًا) وَهَذَا عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ مَا يَعْدِلُ الدِّينَارَ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ «لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمُعَاذٍ خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ.
وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ كَالذَّرَارِيِّ وَالنِّسْوَانِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْتَظِمُ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ.
وَمَذْهَبُنَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ فَتَجِبُ عَلَى التَّفَاوُتِ بِمَنْزِلَةِ خَرَاجِ الْأَرْضِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ وَجَبَ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِكَثْرَةِ الْوَفْرِ وَقِلَّتِهِ، فَكَذَا أُجْرَتُهُ هُوَ بَدَلُهُ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ صُلْحًا، وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ مِنْ الْحَالِمَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا الْجِزْيَةُ.
الشَّرْحُ:
بَابُ الْجِزْيَةِ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ خَرَاجِ الْأَرَاضِي ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ خَرَاجَ الرُّءُوسِ وَهُوَ الْجِزْيَةُ، إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ الْعُشْرَ يُشَارِكُهُ فِي سَبَبِهِ، وَفِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ وَبَيَانُ الْقُرُبَاتِ مُقَدَّمٌ.
وَالْجِزْيَةُ اسْمٌ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْجَمْعُ الْجِزَى كَاللِّحْيَةِ وَاللِّحَى، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهَا تُجْزِي عَنْ الذِّمِّيِّ: أَيْ تَقْضِي وَتَكْفِي عَنْ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ إذَا قَبِلَهَا سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهْم صَاغِرُونَ} فَإِنْ قِيلَ الْكُفْرُ مَعْصِيَةٌ وَهُوَ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَخْذُ الْبَدَلِ عَلَى تَقْرِيرِهِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تَكُنْ بَدَلًا عَنْ تَقْرِيرِ الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا هِيَ عِوَضٌ عَنْ تَرْكِ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ الْوَاجِبَيْنِ فَجَازَ كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ بِعِوَضٍ، أَوْ هِيَ عُقُوبَةٌ عَلَى الْكُفْرِ فَيَجُوزُ كَالِاسْتِرْقَاقِ (قَوْلُهُ وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ) ظَاهِرٌ.
وَنَجْرَانُ بِلَادٌ وَأَهْلُهَا نَصَارَى، وَالْحُلَّةُ إزَارٌ وَرِدَاءٌ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَلَا تُسَمَّى حُلَّةً حَتَّى تَكُونَ ثَوْبَيْنِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ التَّرَاضِي) أَيْ الْمُوجِبُ لِتَقْرِيرِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْمَالِ هُوَ التَّرَاضِي لَا الْمُوجِبُ لِوُجُوبِ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّ مُوجِبَهُ فِي الْأَصْلِ اخْتِيَارُهُمْ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ غَلَبُوا.
وَقَوْلُهُ (فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ الظَّاهِرِ الْغِنَى) قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: مَنْ مَلَكَ مَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ أَوْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا لَكِنَّهُ مُعْتَمِلٌ فَعَلَيْهِ اثْنَا عَشَرَ، وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا إلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَهُوَ مُعْتَمِلٌ أَيْضًا فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَمَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَهُوَ مُعْتَمِلٌ أَيْضًا فَعَلَيْهِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ.
ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا شَرْطُ الْمُعْتَمِلِ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ فَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ حَتَّى لَا يَلْزَمَ الزَّمِنَ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَإِنْ كَانَ مُفْرِطًا فِي الْيَسَارِ.
قَالَ: وَالْمُعْتَمِلُ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ حِرْفَةً.
وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ: يُنْظَرُ إلَى عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ لِأَنَّ عَادَةَ الْبُلْدَانِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْغِنَى، أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنْ الْمُكْثِرِينَ وَإِنْ كَانَ بِبَغْدَادَ أَوْ بِالْبَصْرَةِ لَا يُعَدُّ مِنْ الْمُكْثِرِينَ، وَفِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ صَاحِبُ عَشَرَةِ آلَافٍ يُعَدُّ مِنْ الْمُكْثِرِينَ، فَيَعْتَبِرُ عَادَةُ كُلِّ بَلَدٍ وَذُكِرَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ وَقَوْلُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ») مَعْنَاهُ بَالِغٌ وَبَالِغَةٌ (أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ) أَيْ أَوْ خُذْ مِثْلَ دِينَارٍ بُرْدًا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ يُقَالُ ثَوْبٌ مَعَافِرِيٌّ مَنْسُوبٌ إلَى مَعَافِرِ بْنِ مُرٍّ ثُمَّ صَارَ لَهُ اسْمًا بِغَيْرِ نِسْبَةٍ.
وَذُكِرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ مَعَافِرٌ حَيٌّ مِنْ هَمْدَانَ يُنْسَبُ إلَيْهِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الثِّيَابِ وَعَدْلُ الشَّيْءِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِثْلُهُ إذَا كَانَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ) وَكُلُّ مَا وَجَبَ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ وَجَبَ مُتَفَاوِتًا (كَمَا فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ) وَقَوْلُهُ (وَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ: يَعْنِي وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ نُصْرَةً لِلْمُقَاتِلَةِ لِأَنَّهَا تَجِبُ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِبَذْلِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ تَجِبُ عَلَيْهِ النُّصْرَةُ لِلدَّارِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لَكِنَّ الْكَافِرَ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ لِنُصْرَتِنَا لِمَيْلِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ اعْتِقَادًا قَامَ الْخَرَاجُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْمَصْرُوفُ إلَى الْغُزَاةِ مَقَامَ النُّصْرَةِ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ النُّصْرَةُ مِنْ الْمُسْلِمِ تَتَفَاوَتُ إذْ الْفَقِيرُ يَنْصُرُ دَارَنَا رَاجِلًا، وَمُتَوَسِّطُ الْحَالِ يَنْصُرُهَا رَاكِبًا وَرَاجِلًا وَالْمُوسِرُ بِالرُّكُوبِ بِنَفْسِهِ وَإِرْكَابِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ الْأَصْلُ لَمَّا كَانَ مُتَفَاوِتًا تَفَاوَتَ الْخَرَاجُ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: النُّصْرَةُ طَاعَةُ اللَّهِ وَهَذِهِ عُقُوبَةٌ فَكَيْفَ تَكُونُ الْعُقُوبَةُ خَلَفًا عَنْ الطَّاعَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْخَلِيفَةَ عَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْقُوَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يُثَابُونَ عَلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِ أَمْوَالِهِمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعَارُوا دَوَابَّهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ (وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا) وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالْأَخْذِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْجِزْيَةُ لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ. قَالَ (وَتُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} الْآيَةَ، «وَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ».
قَالَ: (وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ) وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ.
هُوَ يَقُولُ: إنَّ الْقِتَالَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَاتِلُوهُمْ} إلَّا أَنَّا عَرَفْنَا جَوَازَ تَرْكِهِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَفِي حَقِّ الْمَجُوسِ بِالْخَبَرِ فَبَقِيَ مَنْ وَرَاءَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ.
وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَيَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى سَلْبِ النَّفْسِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ وَيُؤَدِّي إلَى الْمُسْلِمِينَ وَنَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ، (وَإِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ)؛ لِجَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ (وَلَا تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَا الْمُرْتَدِّينَ) لِأَنَّ كُفْرَهُمَا قَدْ تَغَلُّظَ، أَمَّا مُشْرِكُو الْعَرَبِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ؛ فَلِأَنَّهُ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعْدَمَا هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَوَقَفَ عَلَى مَحَاسِنِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُسْتَرَقُّ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا (وَإِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ فَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَرَقَّ نِسْوَانَ بَنِي حَنِيفَةَ وَصِبْيَانِهِمْ لَمَّا ارْتَدُّوا وَقَسَّمَهُمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ رِجَالِهِمْ قُتِلَ) لِمَا ذَكَرْنَا.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَتُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ) سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْعَجَمِ,لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} وَعَلَى الْمَجُوسِ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى الْمَجُوسِ» رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» وَهَجَرُ اسْمُ بَلَدٍ فِي الْبَحْرَيْنِ (وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ) وَهُوَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْعَجَمِ احْتِرَازًا عَنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَإِنَّهُ لَا تُوضَعُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ (وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ) وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ (وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ) وَكُلُّ مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ يَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ (لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى سَلْبِ النَّفْسِ مِنْهُمْ) أَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ نَفْعَ الرَّقِيقِ يَعُودُ إلَيْنَا جُمْلَةً، وَأَمَّا الْجِزْيَةُ فَلِأَنَّ الْكَافِرَ يُؤَدِّيهَا مِنْ كَسْبِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ نَفَقَتَهُ فِي كَسْبِهِ فَكَانَ إذًا كَسْبُهُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ حَيَاتِهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ دَارَّةً رَاتِبَةً فِي مَعْنَى أَخْذِ النَّفْسِ مِنْهُ حُكْمًا.
وَنُوقِضَ بِأَنَّ مَنْ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ لَوْ جَازَ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ لَجَازَ ضَرْبُهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِمَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلُ النُّصْرَةِ وَلَا نُصْرَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ فَكَذَا بَدَلُهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِدَافِعٍ بَلْ هُوَ مُقَرِّرٌ لِلنَّقْضِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ قَبُولَ الْمَحَلِّ شَرْطُ تَأْثِيرِ الْمُؤَثِّرِ فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَكُلُّ مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ يَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا، وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ لَيْسَا كَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْكَسْبِ وَهُمَا عَاجِزَانِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ وَضْعِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ (فَهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ) أَيْ غَنِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِجَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ (وَلَا تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَلَا الْمُرْتَدِّينَ لِأَنَّ كُفْرَهُمَا قَدْ تَغَلُّظَ) عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَكُلُّ مَنْ تَغَلُّظَ كُفْرُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا السَّيْفُ أَوْ الْإِسْلَامُ.
(زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ) عَلَيْهِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مَنْقُوضٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ تَغَلُّظَ كُفْرُهُمْ، فَإِنَّهُمْ عَرَفُوا النَّبِيَّ مَعْرِفَةً تَامَّةً مُمَيِّزَةً مُشَخِّصَةً وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرُوهُ وَغَيَّرُوا اسْمَهُ وَنَعْتَهُ مِنْ الْكُتُبِ وَقَدْ قَبِلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ.
وَأَيْضًا الْفَصْلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ بِجَوَازِ اسْتِرْقَاقِهِمْ دُونَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أَوْطَاسٍ «لَوْ جَرَى رِقٌّ عَلَى عَرَبِيٍّ لَجَرَى الْيَوْمَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقِيَاسَ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إلَّا أَنَّهُ تُرِكَ بِالْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ} الْآيَةَ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ مُرَادَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَرَبِيُّ الْأَصْلِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ وَإِنْ سَكَنُوا فِيمَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَتَوَالَدُوا فَهُمْ لَيْسُوا بِعَرَبٍ فِي الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا الْعَرَبُ فِي الْأَصْلِ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فَإِنَّهُمْ أُمِّيُّونَ.
وَقَوْلُهُ (وَجَوَابُهُ مَا قُلْنَا) يُرِيدُ بِهِ قَوْلَهُ لِأَنَّ كُفْرَهُمَا قَدْ تَغَلُّظَ.
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ (فَنِسَاؤُهُمْ وَصِبْيَانُهُمْ فَيْءٌ) إلَّا أَنَّ ذَرَارِيَّ الْمُرْتَدِّينَ وَنِسَاءَهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ ذَرَارِيِّ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَنِسَائِهِمْ، لِأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ، وَذَرَارِيُّ الْمُرْتَدِّينَ قَدْ ثَبَتَ فِي حَقِّهِمْ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ فَيُجْبَرُونَ عَلَيْهِ.
وَالْمُرْتَدَّاتُ كُنَّ مُقِرَّاتٍ بِالْإِسْلَامِ فَيُجْبَرْنَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ ذَرَارِيِّ الْعَبَدَةِ وَنِسَائِهِمْ.
وَحَنِيفَةُ أَبُو حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِبَنِي حَنِيفَةَ رَهْطُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَقَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ. (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ أَوْ عَنْ الْقِتَالِ وَهُمَا لَا يُقْتَلَانِ وَلَا يُقَاتِلَانِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ.
قَالَ (وَلَا زَمِنٍ وَلَا أَعْمَى) وَكَذَا الْمَفْلُوجُ وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ لِمَا بَيَّنَّا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تَجِبُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ لَهُ رَأْيٌ (وَلَا عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
لَهُ إطْلَاقُ حَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَلَنَا أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُوَظِّفْهَا عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ لَا يُوَظَّفُ عَلَى أَرْضٍ لَا طَاقَةَ لَهَا فَكَذَا هَذَا الْخَرْجُ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعْتَمِلِ (وَلَا تُوضَعُ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا تَجِبُ فَلَا تَجِبُ بِالشَّكِّ (وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ مَوَالِيهِمْ) لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا الزِّيَادَةَ بِسَبَبِهِمْ (وَلَا تُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ) كَذَا ذَكَرَ هَاهُنَا.
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُوضَعُ عَلَيْهِمْ إنْ كَانُوا يَقْدِرُونَ عَلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَجْهُ الْوَضْعِ عَلَيْهِمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَهَا فَصَارَ كَتَعْطِيلِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ.
وَوَجْهُ الْوَضْعِ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ، وَالْجِزْيَةُ فِي حَقِّهِمْ لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَمِلُ صَحِيحًا وَيَكْتَفِي بِصِحَّتِهِ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ) يَعْنِي فِي حَقِّ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ (أَوْ عَنْ الْقِتَالِ) أَيْ عَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَجِبُ الْبَدَلُ إلَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَصْلُ، وَالْأَصْلُ وَهُوَ الْقَتْلُ أَوْ الْقِتَالُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فَكَذَا الْبَدَلُ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا بَيَّنَّا) يَعْنِي قَوْلَهُ وَهُمَا لَا يُقْتَلَانِ وَلَا يُقَاتِلَانِ.
وَقَوْلُهُ (لَهُ إطْلَاقُ حَدِيثِ مُعَاذٍ) هُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ وَحَالِمَةٍ» وَقَوْلُهُ (وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا تَجِبُ) يَعْنِي أَنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنْ الْأَمْرَيْنِ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ يَجِبُ وَضْعُ الْجِزْيَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّ الْمَمَالِيكِ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ الْحَرْبِيَّ يُقْتَلُ فَيَتَحَقَّقُ الْبَدَلُ أَيْضًا، وَعَلَى اعْتِبَارِ الثَّانِي لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّصْرَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَلُهُ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا الزِّيَادَةَ بِسَبَبِهِمْ) أَيْ صَارَ مَوَالِيهِمْ بِسَبَبِهِمْ مِنْ صِنْفِ الْأَغْنِيَاءِ أَوْ وَسَطِ الْحَالِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِمْ زِيَادَةٌ عَلَى مِقْدَارِ الْوَاجِبِ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ، فَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا عَلَى الْمَوَالِي بِسَبَبِهِمْ لَكَانَ وُجُوبُ الْجِزْيَةِ مَرَّتَيْنِ بِسَبَبِ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا تُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ) وَاضِحٌ. (وَمَنْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ سَقَطَتْ عَنْهُ) وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ كَافِرًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا.
لَهُ أَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ أَوْ عَنْ السُّكْنَى وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْعِوَضُ بِهَذَا الْعَارِضِ كَمَا فِي الْأُجْرَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ.
وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ وَلِهَذَا تُسَمَّى جِزْيَةً وَهِيَ وَالْجَزَاءُ وَاحِدٌ، وَعُقُوبَةُ الْكُفْرِ تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَلَا تُقَامُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ شَرْعَ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا لَا يَكُونُ إلَّا لِدَفْعِ الشَّرِّ وَقَدْ انْدَفَعَ بِالْمَوْتِ وَالْإِسْلَامِ؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
وَالْعِصْمَةُ تَثْبُتُ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَالذِّمِّيُّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ بَدَلِ الْعِصْمَةِ وَالسُّكْنَى.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَمَنْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ سَقَطَتْ عَنْهُ) إذَا أَسْلَمَ مَنْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَوْ مَاتَ كَافِرًا أَوْ عَمِيَ أَوْ صَارَ زَمِنًا أَوْ مُقْعَدًا أَوْ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ الْعَمَلَ أَوْ فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ سَقَطَتْ عَنْهُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْعَوَارِضُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا (خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
لَهُ أَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ أَوْ عَنْ السُّكْنَى وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ) وَكُلُّ مَا وَجَبَ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ (لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْعِوَضُ بِهَذَا الْعَارِضِ) أَيْ بِالْإِسْلَامِ أَوْ الْمَوْتِ (كَمَا فِي الْأُجْرَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ) فَإِنَّ الذِّمِّيَّ إذَا اسْتَوْفَى مَنَافِعَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْأُجْرَةُ لِأَنَّ الْمُعَوَّضَ قَدْ وَصَلَ إلَيْهِ وَهِيَ مَنَافِعُ الدَّارِ، وَكَذَا إذَا قَتَلَ الذِّمِّيُّ رَجُلًا عَمْدًا ثُمَّ صَالَحَ عَنْ الدَّمِ عَلَى بَدَلٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْبَدَلُ لِأَنَّ الْمُعَوَّضَ وَهُوَ نَفْسُهُ قَدْ سُلِّمَ لَهُ، وَإِنَّمَا رَدَّدَ فِي قَوْلِهِ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ أَوْ السُّكْنَى لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلًا عَمَّا ذَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ الثَّابِتَةِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْقِتَالِ وَمَدَّهُ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ إعْطَاءُ الْجِزْيَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ السُّكْنَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَصِيرُونَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِمَا يُؤَدُّونَ مِنْ الْجِزْيَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ الَّتِي فَاتَتْ بِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَأُعِيدُهُ هَاهُنَا تَوْضِيحًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِقَبُولِ الذِّمَّةِ وَلِهَذِهِ الدَّارِ دَارٌ مُعَادِيَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ بِنُصْرَتِهَا، وَلَا تَصْلُحُ أَبْدَانُهُمْ لِهَذِهِ النُّصْرَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يَمِيلُونَ إلَى أَهْلِ الدَّارِ الْمُعَادِيَةِ لِاتِّحَادِهِمْ فِي الِاعْتِقَادِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الشَّرْعُ الْجِزْيَةَ لِتُؤْخَذَ مِنْهُمْ فَتُصْرَفَ إلَى الْمُقَاتِلَةِ فَتَكُونَ خَلَفًا عَنْ النُّصْرَةِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الْأَعْمَى وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُقْعَدِ مَعَ أَنَّهُمْ مُشَارِكُونَ فِي السُّكْنَى لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ أَصْلُ النُّصْرَةِ بِأَبْدَانِهِمْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا هُوَ خَلَفٌ عَنْهُ.
وَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ الْإِنْصَافُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا تَكُونُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، إذْ لَوْ لَمْ تَسْقُطْ لَصَدَقَ أَنَّ عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ جِزْيَةً.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً إلَخْ) ظَاهِرٌ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ أَلْحَقَ ضَرْبَ الْجِزْيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِالِاسْتِرْقَاقِ بِالْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَيَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى سَلْبِ النَّفْسِ مِنْهُمْ فَكَيْفَ افْتَرَقَا فِي الْبَقَاءِ حَيْثُ يَبْقَى الْعَبْدُ رَقِيقًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا تَبْقَى الْجِزْيَةُ بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي الِابْتِدَاءِ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ لِكُفْرِهِمْ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا بِوَصْفِ الصَّغَارِ، وَمَا شُرِعَ بِوَصْفٍ لَا يَبْقَى بِدُونِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَالْإِسْلَامُ يُنَافِي الصَّغَارَ فَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِهِ، بِخِلَافِ الِاسْتِرْقَاقِ فَإِنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (وَالْعِصْمَةُ تَثْبُتُ بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ إنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا مِنْ الْعِصْمَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِصْمَةَ ثَابِتَةٌ لِلْآدَمِيِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ خُلِقَ مُتَحَمِّلًا أَعْبَاءَ التَّكَالِيفِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ الْجِزْيَةُ الطَّارِئَةُ بَدَلًا عَنْهَا.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: سَلَّمْنَا أَنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلْآدَمِيَّةِ وَلَكِنَّهَا سَقَطَتْ بِالْكُفْرِ، فَالْجِزْيَةُ تُعِيدُهَا عَلَى مَا كَانَتْ فَكَانَتْ بَدَلًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَنْ عِصْمَةٍ فِيمَا مَضَى أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا إلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُغْنِي عَنْهَا.
وَقَوْلُهُ (وَالذِّمِّيُّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ أَوْ السُّكْنَى، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَمْلِكُ مَوْضِعَ السُّكْنَى بِالشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ، فَلَا يَجُوزُ إيجَابُ الْبَدَلِ بِسُكْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ مَمْلُوكٍ لَهُ، فَلَوْ كَانَتْ الْجِزْيَةُ أُجْرَةً كَانَ وُجُوبُهَا بِالْإِجَارَةِ لَا مَحَالَةَ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا التَّأْقِيتُ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ يُبْطِلُهَا، وَحَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّأْقِيتُ فِي السُّكْنَى دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَمْ تَكُنْ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ وَالسُّكْنَى فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ اسْتَعَانَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَاتَلُوا مَعَهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُمْ جِزْيَةُ تِلْكَ السَّنَةِ، فَلَوْ كَانَتْ بَدَلًا عَنْهَا لَسَقَطَتْ لِأَنَّهُ قَدْ نُصِرَ بِنَفْسِهِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهَا إنَّمَا لَمْ تَسْقُطْ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ طَرِيقَ النُّصْرَةِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ الْمَالَ دُونَ النَّفْسِ. (وَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَوْلَانِ تَدَاخَلَتْ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَمَنْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى لَمْ يُؤْخَذْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ (وَإِنْ مَاتَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَوْتِ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا.
وَقِيلَ خَرَاجُ الْأَرْضِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
وَقِيلَ لَا تَدَاخُلَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ.
لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّ الْخَرَاجَ وَجَبَ عِوَضًا، وَالْأَعْوَاضُ إذَا اجْتَمَعَتْ وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا تُسْتَوْفَى، وَقَدْ أَمْكَنَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بَعْدَ تَوَالِي السِّنِينَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ لَوْ بَعَثَ عَلَى يَدِ نَائِبِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِنَفْسِهِ فَيُعْطِيَ قَائِمًا، وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ وَيَهُزُّهُ هَزًّا وَيَقُولُ: أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ فَثَبَتَ أَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَالْعُقُوبَاتُ إذَا اجْتَمَعَتْ تَدَاخَلَتْ كَالْحُدُودِ؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ وَعَنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا كَمَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ لَا لِحِرَابٍ مَاضٍ، وَكَذَا النُّصْرَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ وَقَعَتْ الْغُنْيَةُ عَنْهُ.
ثُمَّ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي الْجِزْيَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى، حَمَلَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى الْمُضِيِّ مَجَازًا.
وَقَالَ: الْوُجُوبُ بِآخِرِ السَّنَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُضِيِّ لِيَتَحَقَّقَ الِاجْتِمَاعُ فَتَتَدَاخَلَ.
وَعِنْدَ الْبَعْضِ هُوَ مُجْرًى عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ فَيَتَحَقَّقُ الِاجْتِمَاعُ بِمُجَرَّدِ الْمَجِيءِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَنَا فِي ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالزَّكَاةِ.
وَلَنَا أَنَّ مَا وَجَبَ بَدَلًا عَنْهُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فَتَعَذَّرَ إيجَابُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ فَأَوْجَبْنَاهُ فِي أَوَّلِهِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (فَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَوْلَانِ) أَنَّثَ فِعْلَ الْحَوْلَيْنِ، إمَّا بِاعْتِبَارِ حَذْفِ الْمُضَافِ: أَيْ اجْتَمَعَتْ جِزْيَةُ الْحَوْلَيْنِ، وَإِمَّا بِتَأْوِيلِ السَّنَتَيْنِ، وَأَتَى بِعِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِتَفْصِيلٍ فِي اللَّفْظِ وَلِإِبْهَامٍ فِي قَوْلِهِ وَجَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى عَلَى مَا بَيَّنَهُ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ وَقَوْلُهُ (وَقِيلَ لَا تَدَاخُلَ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ) يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخَرَاجَ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ مُؤْنَةٌ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى مَعْنَى الْعُقُوبَةِ، وَلِهَذَا إذَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَجَازَ أَنْ لَا يَتَدَاخَلَ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهَا عُقُوبَةٌ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً وَلِهَذَا لَمْ تُشْرَعْ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ أَصْلًا وَالْعُقُوبَاتُ تَتَدَاخَلُ.
وَقَوْلُهُ (لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ) أَيْ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْحَوْلَانِ (أَنَّ الْخَرَاجَ وَجَبَ عِوَضًا) عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكُلُّ مَا وَجَبَ عِوَضًا إذَا اجْتَمَعَ وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ يُسْتَوْفَى كَمَا فِي سَائِرِ الْأَعْوَاضِ وَقَدْ أَمْكَنَ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ حَيٌّ، وَاسْتِيفَاءُ الْمَالِ مِنْ الْحَيِّ مُمْكِنٌ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ الْإِسْلَامُ (بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ) وَقَوْلُهُ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) أَرَادَ بِهِ مَا ذَكَرَهُ قَبْلَ هَذَا بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ تَكَرَّرَ فِي كَلَامِهِمْ أَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ أَوْ السُّكْنَى أَوْ الْعِصْمَةِ، وَتَكَرَّرَ أَيْضًا فِيهِ أَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ؛ وَمَعْنَى الْعُقُوبَةِ غَيْرُ مَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ عَنْ شَيْءٍ فَيَلْزَمُ تَوَارُدُ عِلَّتَيْنِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ كَوْنَهَا عُقُوبَةً لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ كَوْنِهِ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ لِأَنَّ إيجَابَ النُّصْرَةِ لِغَيْرِ أَهْلِ دِينِهِ يَسْتَلْزِمُ عُقُوبَةً لَا مَحَالَةَ.
وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا) تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّلْبِيبُ أَخْذُ مَوْضِعِ اللَّبَبِ مِنْ الثِّيَابِ، وَاللَّبَبُ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ) اسْتِدْلَالٌ مِنْ جِهَةِ الْمَلْزُومِ، وَمَا تَقَدَّمَ كَانَ مِنْ جِهَةِ اللَّازِمِ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ.
وَقَوْلُهُ (حَمَلَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى الْمُضِيِّ مَجَازًا) قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي قَوْلِهِ جَاءَتْ سَنَةٌ أُخْرَى؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ مَضَتْ حَتَّى يَتَحَقَّقَ اجْتِمَاعُهُمَا لِأَنَّهَا عِنْدَ آخِرِ الْحَوْلِ تَجِبُ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ الْمَجَازِ لِأَنَّ مَجِيءَ كُلِّ شَهْرٍ بِمَجِيءِ أَوَّلِهِ.
وَأَقُولُ فِي مُجَوِّزِ الْمَجَازِ أَنَّ مَجِيءَ الشَّهْرِ يَسْتَلْزِمُ مَجِيءَ الْآخَرِ لَا مَحَالَةَ وَذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ مَجَازٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ دُخُولُ أَوَّلِهَا لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ وَالتَّأْخِيرُ إلَى آخِرِهِ تَخْفِيفٌ وَتَأْجِيلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى هَذَا يَتَحَقَّقُ التَّدَاخُلُ عِنْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ بِلَا ارْتِكَابِ الْمَجَازِ، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَالِ لَا لِحِرَابٍ مَاضٍ إلَخْ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ الزَّكَاةِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي آخِرِ الْحَوْلِ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي الْمَالِ النَّامِي وَحَوَلَانُ الْحَوْلِ هُوَ الْمُمْكِنُ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى مَا مَرَّ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْحَوْلِ لِيَتَحَقَّقَ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ.
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالسُّكْنَى:
(وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ بِيعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ)؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» وَالْمُرَادُ إحْدَاثُهَا (وَإِنْ انْهَدَمَتْ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ الْقَدِيمَةُ أَعَادُوهَا) لِأَنَّ الْأَبْنِيَةَ لَا تَبْقَى دَائِمًا، وَلَمَّا أَقَرَّهُمْ الْإِمَامُ فَقَدْ عَهِدَ إلَيْهِمْ الْإِعَادَةَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ نَقْلِهَا؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالصَّوْمَعَةُ لِلتَّخَلِّي فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْبِيعَةِ، بِخِلَافِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلسُّكْنَى، وَهَذَا فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى؛ لِأَنَّ الْأَمْصَارَ هِيَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الشَّعَائِرُ فَلَا تُعَارَضُ بِإِظْهَارِ مَا يُخَالِفُهَا.
وَقِيلَ فِي دِيَارِنَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِيهَا بَعْضَ الشَّعَائِرِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ فِي قُرَى الْكُوفَةِ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ.
وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَمْصَارِهَا وَقُرَاهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ».
الشَّرْحُ:
فَصْلٌ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ بِسُكْنَاهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالسُّكْنَى (وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ بِيعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ») وَالْخِصَاءُ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ مَصْدَرُ خَصَاهُ: إذَا نَزَعَ خُصْيَتَيْهِ، وَالْإِخْصَاءُ فِي مَعْنَاهُ خَطَأٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ، وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ ذِكْرِ الْخِصَاءِ وَالْكَنِيسَةُ هِيَ أَنَّ إحْدَاثَ الْكَنِيسَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إزَالَةٌ لِفُحُولِيَّةِ أَهْلِ دَارِهِ مَعْنًى، كَمَا أَنَّ الْخِصَاءَ إزَالَةٌ لِفُحُولِيَّةِ الْحَيَوَانِ إنْ كَانَ الْخِصَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ التَّبَتُّلَ وَالِامْتِنَاعَ عَنْ النِّسَاءِ بِمُلَازَمَةِ الْكَنَائِسِ فَالْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «وَلَا كَنِيسَةَ» إحْدَاثُهَا فَهُوَ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ: أَيْ لَا تُحْدَثُ كَنِيسَةٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيُقَالُ كَنِيسَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِمُتَعَبَّدِهِمْ، وَكَذَا الْبِيعَةُ كَانَ مُطْلَقًا فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الْكَنِيسَةِ لِمُتَعَبَّدِ الْيَهُودِ وَالْبِيعَةِ لِمُتَعَبَّدِ النَّصَارَى.
وَقَوْلُهُ:وَالصَّوْمَعَةُ لِلتَّخَلِّي فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْبِيعَةِ أَيْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ إحْدَاثِ الصَّوْمَعَةِ الَّتِي يَتَخَلَّوْنَ فِيهَا أَيْضًا لِلْعِبَادَةِ (بِخِلَافِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الذِّمِّيِّ (فِي الْبَيْتِ) فَإِنَّهُمْ يُمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ (لِأَنَّهُ تَبَعُ السُّكْنَى) وَقَوْلُهُ (وَالْمَرْوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْمُرَادُ بِالْمَرْوِيِّ هُوَ مَا ذَكَرَهُ آنِفًا بِقَوْلِهِ وَهَذَا فِي الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى.
وَقَوْلُهُ (فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) قِيلَ: إنَّمَا سُمِّيَتْ أَرْضُ الْعَرَبِ بِالْجَزِيرَةِ لِأَنَّ بَحْرَ فَارِسَ وَبَحْرَ الْحَبَشِ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهَا. قَالَ (وَيُؤْخَذُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالتَّمَيُّزِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي زِيِّهِمْ وَمَرَاكِبِهِمْ وَسُرُوجِهِمْ وَقَلَانِسِهِمْ فَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِالسِّلَاحِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَيُؤْخَذُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِإِظْهَارِ الْكُسْتِيجَاتِ وَالرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ الَّتِي هِيَ كَهَيْئَةِ الْأَكُفِّ) وَإِنَّمَا يُؤْخَذُونَ بِذَلِكَ إظْهَارًا لِلصَّغَارِ عَلَيْهِمْ وَصِيَانَةً لِضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ يُكْرَمُ، وَالذِّمِّيُّ يُهَانُ، وَلَا يُبْتَدَأُ بِالسَّلَامِ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَامَةٌ مُمَيِّزَةٌ فَلَعَلَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ وَالْعَلَامَةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ خَيْطًا غَلِيظًا مِنْ الصُّوفِ يَشُدُّهُ عَلَى وَسَطِهِ دُونَ الزُّنَّارِ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ فَإِنَّهُ جَفَاءٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَيَجِب أَنْ يَتَمَيَّزَ نِسَاؤُهُمْ عَنْ نِسَائِنَا فِي الطُّرُقَاتِ وَالْحَمَّامَاتِ، وَيُجْعَلُ عَلَى دُورِهِمْ عَلَامَاتٌ كَيْ لَا يَقِفَ عَلَيْهَا سَائِلٌ يَدْعُوَ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ.
قَالُوا: الْأَحَقُّ أَنْ لَا يُتْرَكُوا أَنْ يَرْكَبُوا إلَّا لِلضَّرُورَةِ.
وَإِذَا رَكِبُوا لِلضَّرُورَةِ فَلِيَنْزِلُوا فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَزِمَتْ الضَّرُورَةُ اتَّخَذُوا سُرُوجًا بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ لِبَاسٍ يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَيُؤْخَذُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالتَّمَيُّزِ) ظَاهِرٌ.
وَذَكَرَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِكَوْنِهَا كَالتَّفْسِيرِ لِمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ كَأَنَّهُ قَالَ: وَكَيْفِيَّةُ التَّمَيُّزِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَخْ.
وَالْكِسْتِيجُ خَيْطٌ غَلِيظٌ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ يَشُدُّهُ الذِّمِّيُّ فَوْقَ ثِيَابِهِ دُونَ مَا يَتَزَيَّنُونَ بِهِ مِنْ الزَّنَانِيرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ.
وَقَوْلُهُ (صِيَانَةً لِضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ الضَّعَفَةِ فِي الدِّينِ لَا الْبَدَنِ: أَيْ يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ لِكَيْ يَكُونُوا فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَصَلَّبُوا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَذِلَّاءَ صَاغِرِينَ حَتَّى لَا يَمِيلُوا إلَى الْكُفْرِ بِسَبَبِ سِعَتِهِمْ فِي الرِّزْقِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَرَاكِبِ وَرَوْنَقِ حَالِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَأْخُذْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَلَا نَصَارَى نَجْرَانَ وَلَا مَجُوسِ هَجَرَ بِذَلِكَ فَيَكُونَ بِدْعَةً.
أُجِيبَ بِأَنَّهُمْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ فِي الْمَدِينَةِ لَا يَشْتَبِهُ حَالُهُمْ فَلَمْ يَقَعْ الِاحْتِيَاجُ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ مِمَّنْ يُعْرَفُ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكَانَ صَوَابًا.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيْنَمَا دَارَ عُمَرُ فَالْحَقُّ مَعَهُ» وَقَوْلُهُ (فَإِنَّهُ جَفَاءٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ) أَيْ تَرْكُ حُسْنِ الْعِشْرَةِ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ فِي الْأَمْرِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ بِتَمَيُّزِهِمْ بِمَا يُوجِبُ إعْزَازَهُمْ مِنْ اتِّخَاذِ الزُّنَّارِ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ إهَانَةً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ مَنْ أَعَزَّ عَدُوَّ صَدِيقِهِ فَقَدْ أَهَانَ صَدِيقَهُ مَعْنًى.
وَقَوْلُهُ (أَنْ لَا يَرْكَبُوا إلَّا لِلضَّرُورَةِ) يَعْنِي كَالْخُرُوجِ إلَى الرُّسْتَاقِ وَذَهَابِ الْمَرِيضِ إلَى مَوْضِعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ) يَعْنِي كَهَيْئَةِ الْأَكُفِّ. (وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْجِزْيَةِ أَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ) لِأَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الْقِتَالُ الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ لَا أَدَاؤُهَا وَالِالْتِزَامُ بَاقٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَبُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ نَقْضًا؛ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ إيمَانَهُ فَكَذَا يَنْقُضُ أَمَانَهُ إذْ عَقْدُ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنْهُ.
وَلَنَا أَنَّ سَبَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفْرٌ مِنْهُ، وَالْكُفْرُ الْمُقَارِنُ لَا يَمْنَعُهُ فَالطَّارِئُ لَا يَرْفَعُهُ.
قَالَ (وَلَا يُنْقَضُ الْعَهْدُ إلَّا أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ يَغْلِبُوا عَلَى مَوْضِعٍ فَيُحَارِبُونَنَا)؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا حَرْبًا عَلَيْنَا فَيُعَرَّى عَقْدُ الذِّمَّةِ عَنْ الْفَائِدَةِ وَهُوَ دَفْعُ شَرِّ الْحِرَابِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ يَنْقُضُ إيمَانَهُ) يَعْنِي لَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَيَسُبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ نُقِضَ إيمَانُهُ (فَكَذَا يُنْقَضُ أَمَانُهُ) وَذِمَّتُهُ. (وَإِذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ) مَعْنَاهُ فِي الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ بِاللَّحَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْأَمْوَاتِ، وَكَذَا فِي حُكْمِ مَا حَمَلَهُ مِنْ مَالِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ يُسْتَرَقُّ بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ.
الشَّرْحُ:
قَوْلُهُ (وَكَذَا فِي حُكْمِ مَا حَمَلَهُ مِنْ مَالِهِ) يَعْنِي أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ يَكُونُ فَيْئًا، كَالْمُرْتَدِّ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَالِهِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الدَّارِ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا.
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ لَوْ أُسِرَ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ: يَعْنِي بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَرَقُّ بَلْ يُقْتَلُ إنْ أَصَرَّ عَلَى ارْتِدَادِهِ.