فصل: (فَصْلٌ): في نصارى العرب كـ(نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العناية شرح الهداية



.(فَصْلٌ): في نصارى العرب كـ(نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ):

(وَنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الزَّكَاةِ)؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَالَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ (وَيُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِبْيَانِهِمْ) لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَاعَفَةِ، وَالصَّدَقَةُ تَجِبُ عَلَيْهِنَّ دُونَ الصِّبْيَانِ فَكَذَا الْمُضَاعَفُ.
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ، وَلِهَذَا تُصْرَفُ مَصَارِفَ الْجِزْيَةِ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسْوَانِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ بِهِ الصُّلْحُ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ مِثْلِهِ عَلَيْهَا وَالْمَصْرِفُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْجِزْيَةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهَا (وَيُوضَعُ عَلَى مَوْلَى التَّغْلِبِيِّ الْخَرَاجُ) أَيْ الْجِزْيَةُ (وَخَرَاجُ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ مَوْلَى الْقُرَشِيِّ) وَقَالَ زُفَرُ: يُضَاعَفُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «إنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ»؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ يَلْحَقُ بِهِ فِي حَقِّ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا تَخْفِيفٌ وَالْمَوْلَى لَا يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ فِيهِ، وَلِهَذَا تُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى مَوْلَى الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا، بِخِلَافِ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَأُلْحِقَ الْمَوْلَى بِالْهَاشِمِيِّ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَلْزَمُ مَوْلَى الْغَنِيِّ حَيْثُ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، لِأَنَّ الْغَنِيَّ مِنْ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا الْغَنِيُّ مَانِعٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، أَمَّا الْهَاشِمِيُّ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِهَذِهِ الصِّلَةِ أَصْلًا لِأَنَّهُ صِينَ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَوْلَاهُ.
الشَّرْحُ:
فَصْلٌ: ذَكَرَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، لِأَنَّ لَهُمْ أَحْكَامًا مَخْصُوصَةً بِهِمْ تُخَالِفُ أَحْكَامَ سَائِرِ النَّصَارَى، وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ بِإِسْنَادِهِ إلَى دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ التَّغْلِبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ بَنِي تَغْلِبَ مَنْ قَدْ عَلِمْت شَوْكَتَهُمْ وَإِنَّهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَإِنْ ظَاهَرُوا عَلَيْك الْعَدُوَّ اشْتَدَّتْ الْمُؤْنَةُ، فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تُعْطِيَهُمْ شَيْئًا فَافْعَلْ، قَالَ: فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَنْ لَا يَغْمِسُوا أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَتُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ، وَعَلَى أَنْ تَسْقُطَ الْجِزْيَةُ عَنْ رُءُوسِهِمْ، فَكُلُّ نَصْرَانِيٍّ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ لَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً سَائِمَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا أَرْبَعٌ مِنْ الْغَنَمِ، وَعَلَى هَذَا الْحِسَابِ تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ، وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ فَعَلَى التَّغْلِبِيِّ مِثْلُهُ مَرَّتَيْنِ، وَنِسَاؤُهُمْ كَرِجَالِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الصِّبْيَانُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ أَرَاضِيِهِمْ الَّتِي كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ يَوْمَ صُولِحُوا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ الضِّعْفُ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ مِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ مَالٍ وَجَبَ بِالصُّلْحِ.
وَقَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ شَرَائِطُهَا) أَيْ فِيمَا أُخِذَ مِنْهُمْ مِنْ الْمُضَاعَفَةِ شَرَائِطُ الْجِزْيَةِ مِنْ وَصْفِ الصِّغَارِ كَعَدَمِ الْقَبُولِ مِنْ يَدِ النَّائِبِ وَالْإِعْطَاءِ قَائِمًا وَالْقَابِضُ قَاعِدٌ، وَأَخْذِ التَّلْبِيبِ عَلَى مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ (وَيُوضَعُ عَلَى مَوْلَى التَّغْلِبِيِّ الْخَرَاجُ: أَيْ الْجِزْيَةُ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ بِمَنْزِلَةِ مَوْلَى الْقُرَشِيِّ) أَيْ لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ وَخَرَاجُ الْأَرْضِ مِنْ الْقُرَشِيِّ وَتُؤْخَذُ مِنْ مُعْتَقِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ مُعْتَقِ التَّغْلِبِيِّ وَإِنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ التَّغْلِبِيِّ (قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ هَذَا) أَيْ أَخْذَ مُضَاعَفِ الزَّكَاةِ (تَخْفِيفٌ) يَعْنِي لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ وَصْفُ الصَّغَارِ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ (وَالْمَوْلَى لَا يُلْحَقُ بِالْأَصْلِ فِيهِ) أَيْ فِي التَّخْفِيفِ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ الْمَوْلَى لَا يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ فِي التَّخْفِيفِ (تُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى مَوْلَى الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا) وَلَمْ يَلْحَقْ بِمَوْلَاهُ فِي تَرْكِ الْجِزْيَةِ وَإِنْ كَانَ الْإِسْلَامُ أَعْلَى أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ وَأَوْلَاهَا.
فَإِنْ قِيلَ: حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ لَيْسَتْ بِتَغْلِيظٍ بَلْ هِيَ تَخْفِيفٌ بِالتَّخْلِيصِ عَنْ التَّدَنُّسِ بِالْآثَامِ وَقَدْ أُلْحِقَ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ فِيهَا بِالْهَاشِمِيِّ أَجَابَ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (فِي حَقِّهِ) أَيْ فِيمَا هُوَ حَقُّ مَوْلَاهُ وَهُوَ حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا بَالُ مَوْلَى الْغَنِيِّ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ فِي حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ وَالْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَهِيَ أَنَّ الْحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ مَوْجُودَةٌ؟.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْغَنِيَّ مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَلِهَذَا حَلَّتْ لَهُ إذَا كَانَ عَامِلًا (وَإِنَّمَا الْغَنِيُّ مَانِعٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الْمَوْلَى، وَأَمَّا الْهَاشِمِيُّ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا أَصْلًا لِأَنَّهُ صِينَ لِشَرَفِهِ.
وَكَرَامَتِهِ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَوْلَاهُ) وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ تَشْرِيفٌ لَهُمْ، وَفِي إلْحَاقِ الْمَوَالِي بِهِمْ زِيَادَةٌ فِي التَّشْرِيفِ وَحُرْمَتُهَا عَلَى الْغَنِيِّ لِغِنَاهُ، وَفِي إلْحَاقِ مَوْلَاهُ بِهِ لَا يَزْدَادُ غِنًى، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوَابَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ زُفَرُ مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنَّهُ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى عُمُومِهِ، فَإِنَّ مَوْلَى الْهَاشِمِيِّ لَيْسَ كَهُوَ فِي الْكَفَاءَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَوَجَبَ التَّأْوِيلُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ مِنْ الْقَوْمِ يَقُومُ بِنُصْرَتِهِمْ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: الْقِيَاسُ فِي الْكُلِّ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يَلْحَقَ مَوْلَى الْقَوْمِ بِهِمْ إلَّا أَنَّ وُرُودَ الْحَدِيثِ كَانَ فِي حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَهُوَ مَا رُوِيَ: «أَنَّ أَبَا رَافِعٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، أَنْتَ مَوْلَانَا وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» وَالْمَخْصُوصُ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِإِظْهَارِ فَضِيلَةِ قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إلْحَاقِهِمْ مَوْلَاهُمْ بِهِمْ وَمَوْلَى التَّغْلِبِيِّ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ. قَالَ: (وَمَا جَبَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الْخَرَاجِ وَمِنْ أَمْوَالِ بَنِي تَغْلِبَ وَمَا أَهْدَاهُ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى الْإِمَامِ وَالْجِزْيَةُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدِّ الثُّغُورِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ، وَيُعْطَى قُضَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَعُمَّالُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِمْ، وَيُدْفَعُ مِنْهُ أَرْزَاقُ الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ)؛ لِأَنَّهُ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّهُ وَصَلَ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَهُوَ مُعَدٌّ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ عَمَلَتُهُمْ وَنَفَقَةُ الذَّرَارِيِّ عَلَى الْآبَاءِ، فَلَوْ لَمْ يُعْطَوْا كِفَايَتَهُمْ لَاحْتَاجُوا إلَى الِاكْتِسَابِ فَلَا يَتَفَرَّغُونَ لِلْقِتَالِ (وَمَنْ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعَطَاءِ) لِأَنَّهُ نَوْعُ صِلَةٍ وَلَيْسَ بِدَيْنٍ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ عَطَاءً فَلَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَيَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَأَهْلُ الْعَطَاءِ فِي زَمَانِنَا مِثْلُ الْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ وَالْمُفْتِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَمَا جَبَاهُ الْإِمَامُ) أَيْ جَمْعُهُ، وَالثُّغُورُ جَمْعُ ثَغْرٍ وَهُوَ مَوْضِعُ مَخَافَةِ الْبُلْدَانِ، وَالْقَنْطَرَةُ مَا لَا يُرْفَعُ، وَالْجِسْرُ مَا يُرْفَعُ.
(قَوْلُهُ وَهَؤُلَاءِ عَمَلَتُهُمْ) أَيْ الْقُضَاةُ وَعُمَّالُهُمْ وَالْعُلَمَاءُ عَمَلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَمَلَةُ جَمْعُ عَامِلٍ (قَوْلُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْعَطَاءِ) الْعَطَاءُ مَا يُكْتَبُ لِلْغُزَاةِ فِي الدِّيوَانِ وَلِكُلِّ مَنْ قَامَ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ، وَفِي الِابْتِدَاءِ كَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ ضَرْبُ مَزِيَّةٍ فِي الْإِسْلَامِ كَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ فِي آخِرِ السَّنَةِ لَا يُورَثُ الْعَطَاءُ لِأَنَّهُ صِلَةٌ فَلَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي آخِرِ السَّنَةِ يُسْتَحَبُّ صَرْفُ ذَلِكَ إلَى قَرِيبِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْفَى عَنَاءَهُ فَيُسْتَحَبُّ الصَّرْفُ إلَى قَرِيبِهِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الْوَفَاءِ.

.بَابُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ:

قَالَ (وَإِذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ كُشِفَتْ عَنْهُ) لِأَنَّهُ عَسَاهُ اعْتَرَتْهُ شُبْهَةٌ فَتُزَاحُ، وَفِيهِ دَفْعُ شَرِّهِ بِأَحْسَنِ الْأَمْرَيْنِ، إلَّا أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى مَا قَالُوا غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ بَلَغَتْهُ.
قَالَ (وَيُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْمُرْتَدُّ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ) وَتَأْوِيلُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَسْتَمْهِلُ فَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ طَلَبَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُؤَجِّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ارْتِدَادَ الْمُسْلِمِ يَكُونُ عَنْ شُبْهَةٍ ظَاهِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ التَّأَمُّلُ فَقَدَّرْنَاهَا بِالثَّلَاثَةِ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} مِنْ غَيْرِ قَيْدِ الْإِمْهَالِ، وَكَذَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَيُقْتَلُ لِلْحَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِمْهَالٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْوَاجِبِ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ لِإِطْلَاقِ الدَّلَائِلِ.
وَكَيْفِيَّةُ تَوْبَتِهِ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا سِوَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا دِينَ لَهُ، وَلَوْ تَبَرَّأَ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ كَفَاهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
الشَّرْحُ:
بَابُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ: لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحْكَامَ الْكُفْرِ الطَّارِئِ، لِأَنَّ الطَّارِئَ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ وُجُودِ الْأَصْلِيِّ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى مَا قَالُوا غَيْرُ وَاجِبٍ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: وَيُسْتَحَبُّ عَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمُرْتَدِّينَ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لِأَنَّ رَجَاءَ الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الرِّدَّةَ كَانَتْ بِاعْتِرَاضِ شُبْهَةٍ.
وَقَوْلُهُ (وَتَأْوِيلُ الْأَوَّلِ) يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ وَيُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (أَنَّهُ يُسْتَمْهَلُ) أَيْ يَطْلُبُ الْمُهْلَةَ فَيُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَطْلُبْ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ مُتَعَنِّتٌ فِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَتَابَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَافِرٍ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: تَقْدِيرُ الْمُدَّةِ هَاهُنَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ نَصَبَ الْحُكْمَ بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَقَادِيرِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، لِأَنَّ وُرُودَ النَّصِّ فِي خِيَارِ الْبَيْعِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَرَدَ فِيهِ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هُنَاكَ إنَّمَا كَانَ لِلتَّأَمُّلِ، وَالتَّقْدِيرُ بِهَا هَاهُنَا أَيْضًا لِلتَّأَمُّلِ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ) بَيَانُهُ أَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ لَا مَحَالَةَ وَلَيْسَ بِمُسْتَأْمَنٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ الْأَمَانَ وَلَا ذِمِّيٍّ لِأَنَّهُ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فَكَانَ حَرْبِيًّا.
وَقَوْلُهُ (لِإِطْلَاقِ الدَّلَائِلِ) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} وَقَوْلُهُ (عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ») (وَكَيْفِيَّةُ تَوْبَتِهِ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا) يَعْنِي بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَالَ (فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ كُرِهَ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ) وَمَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ هَاهُنَا تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ وَانْتِفَاءُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وَالْعَرْضُ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ. (وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا تُقْتَلُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُقْتَلُ لِمَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ مُبِيحَةٌ لِلْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنَايَةٌ مُتَغَلَّظَةٌ فَتُنَاطُ بِهَا عُقُوبَةٌ مُتَغَلَّظَةٌ وَرِدَّةُ الْمَرْأَةِ تُشَارِكُهَا فِيهَا فَتُشَارِكُهَا فِي مُوجِبِهَا.
وَلَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ»، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَأْخِيرُ الْأَجْزِيَةِ إلَى دَارِ الْآخِرَةِ إذْ تَعْجِيلُهَا يُخِلُّ بِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ، وَإِنَّمَا عُدِلَ عَنْهُ دَفْعًا لِشَرٍّ نَاجِزٍ وَهُوَ الْحِرَابُ، وَلَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْبِنْيَةِ، بِخِلَافِ الرِّجَالِ فَصَارَتْ الْمُرْتَدَّةُ كَالْأَصْلِيَّةِ قَالَ (وَلَكِنْ تُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ)؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ عَنْ إيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَتُجْبَرُ عَلَى إيفَائِهِ بِالْحَبْسِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَتُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الْإِسْلَامِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
وَالْأَمَةُ يُجْبِرُهَا مَوْلَاهَا) أَمَّا الْجَبْرُ فَلِمَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ الْمَوْلَى؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَيُرْوَى تُضْرَبُ فِي كُلِّ أَيَّامٍ مُبَالَغَةً فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِسْلَامِ.
الشَّرْحُ:
(وَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَلَا تُقْتَلُ) فَإِنْ قَتَلَهَا رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وَلِأَنَّ رِدَّةَ الرَّجُلِ مُبِيحَةٌ لِلْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا جِنَايَةٌ مُتَغَلِّظَةٌ وَكُلُّ مَا هُوَ جِنَايَةٌ مُتَغَلِّظَةٌ (يُنَاطُ بِهَا عُقُوبَةٌ مُتَغَلِّظَةٌ، وَرِدَّةُ الْمَرْأَةِ تُشَارِكُ رِدَّةَ الرَّجُلِ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ فَيَجِبُ أَنْ تُشَارِكَهَا فِي مُوجَبِهَا) لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْعِلَّةِ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْمَعْلُولِ وَصَارَ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَا يُدْرَأُ بِالرَّأْيِ وَلَنَا «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» وَلِأَنَّ الْقَتْلَ جَزَاءُ الْكُفْرِ (وَالْأَصْلُ فِي الْأَجْزِيَةِ تَأْخِيرُهَا إلَى دَارِ الْجَزَاءِ وَهِيَ الْآخِرَةُ لِأَنَّ تَعْجِيلَهَا يُخِلُّ بِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ) الَّذِي هُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إظْهَارُ عِلْمِهِ لِأَنَّ النَّاسَ يَمْتَنِعُونَ خَوْفًا مِنْ لُحُوقِهِ فَصَارُوا فِي الْمَعْنَى كَالْمَجْبُورِينَ وَفِيهِ إخْلَالٌ بِالِابْتِلَاءِ (وَإِنَّمَا عُدِلَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ إلَى تَعْجِيلِ بَعْضِهَا (دَفْعًا لِشَرٍّ نَاجِزٍ وَهُوَ الْحِرَابُ، وَلَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ) لِأَنَّ بِنْيَتَهُنَّ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِذَلِكَ (بِخِلَافِ الرِّجَالِ فَصَارَتْ الْمُرْتَدَّةُ كَالْأَصْلِيَّةِ) وَالْكَافِرَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَا تُقْتَلُ فَكَذَا الْمُرْتَدَّةُ.
وَمَا قِيلَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ مُرْتَدَّةً» فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَقْتُلْهَا بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ بَلْ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَاحِرَةً شَاعِرَةً تَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُونَ ابْنًا وَهِيَ تُحَرِّضُهُمْ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا.
وَالْجَوَابُ عَمَّا رُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْرًى عَنْ ظَاهِرِهِ لِأَنَّ التَّبْدِيلَ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ عَامٌّ لِحَقِّهِ خُصُوصٌ فَيُخَصَّصُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُ (وَلَكِنْ تُحْبَسُ) ظَاهِرٌ وَأَعَادَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى ذِكْرِ الْجَبْرِ وَالْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ.
وَقَوْلُهُ (وَالْأَمَةُ يُجْبِرُهَا مَوْلَاهَا) قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذَا ارْتَدَّتْ الْأَمَةُ وَاحْتَاجَ الْمَوْلَى إلَى خِدْمَتِهَا دُفِعَتْ إلَيْهِ وَأَمَرَهُ الْقَاضِي أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (أَمَّا الْجَبْرُ فَلِمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي أَنَّهَا امْتَنَعَتْ عَنْ إيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ (وَمِنْ الْمَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ) أَيْ الْجَبْرِ وَالِاسْتِخْدَامِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْكِتَابِ حَاجَةُ الْمَوْلَى إلَى خِدْمَتِهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَشَرَطَهَا فِي رِوَايَةٍ.
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُدْفَعُ إلَى الْمَوْلَى احْتَاجَ إلَيْهَا أَوْ اسْتَغْنَى.
وَقَالَ: وَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ طَلَبُ الْمَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: لِلْمَوْلَى حَقُّ الِاسْتِخْدَامِ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ جَمِيعًا فَكَيْفَ دُفِعَتْ إلَيْهِ الْأَمَةُ دُونَ الْعَبْدِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَبَى قُتِلَ فَلَا فَائِدَةَ فِي الدَّفْعِ إلَى الْمَوْلَى قَالَ (وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ أَمْوَالِهِ بِرِدَّتِهِ زَوَالًا مُرَاعًى، فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَتْ عَلَى حَالِهَا، قَالُوا: هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ)؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ، فَإِلَى أَنْ يُقْتَلَ يَبْقَى مِلْكُهُ كَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ.
وَلَهُ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا حَتَّى يُقْتَلَ، وَلَا قَتْلَ إلَّا بِالْحِرَابِ، وَهَذَا يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ مَدْعُوٌّ إلَى الْإِسْلَامِ بِالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ وَيُرْجَى عَوْدُهُ إلَيْهِ فَتَوَقَّفْنَا فِي أَمْرِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ جُعِلَ الْعَارِضُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَعْمَلْ السَّبَبُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ اسْتَقَرَّ كُفْرُهُ فَيَعْمَلُ السَّبَبُ عَمَلَهُ وَزَالَ مِلْكُهُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ عَنْ أَمْوَالِهِ بِرِدَّتِهِ زَوَالًا مُرَاعًى) أَيْ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَتْ عَلَى حَالِهَا، قَالُوا أَيْ الْمَشَايِخُ (هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَزُولُ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ) وَكُلُّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ يَجِبُ عَدَمُ زَوَالِ مِلْكِهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ مُوجَبِ التَّكْلِيفِ إلَّا بِالْمِلْكِ، فَيَبْقَى مِلْكُهُ (إلَى أَنْ يُقْتَلَ كَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ) وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُكَلَّفٌ مُبَاحُ الدَّمِ (وَلَهُ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا) بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ (وَلَا قَتْلَ إلَّا بِالْحِرَابِ) فَكَانَ الْقَتْلُ هَاهُنَا مُسْتَلْزِمًا لِلْحِرَابِ لِأَنَّ نَفْسَ الْكُفْرِ لَيْسَ بِمُبِيحٍ لَهُ وَلِهَذَا لَا يُقْتَلُ الْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ وَالشَّيْخُ الْفَانِي، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْمَلْزُومُ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ كَوْنُهُ مِمَّنْ يَقْتُلُ فَلَا بُدَّ مِنْ لَازِمِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ حَرْبِيًّا (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُهُ حَرْبِيًّا مَقْهُورًا تَحْتَ أَيْدِينَا (يُوجِبُ زَوَالَ مِلْكِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ) لِأَنَّ الْمَقْهُورِيَّةَ أَمَارَةُ الْمَمْلُوكِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ مَقْهُورًا ارْتَفَعَتْ مَالِكِيَّتُهُ، وَارْتِفَاعُهَا يَسْتَلْزِمُ ارْتِفَاعَ الْمِلْكِ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْمَالِكِيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ مُحَالٌ (غَيْرَ أَنَّهُ مَدْعُوٌّ إلَى الْإِسْلَامِ بِالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ وَعَوْدُهُ مَرْجُوٌّ) وَذَلِكَ يُوجِبُ بَقَاءَ الْمَالِكِيَّةِ لِأَنَّهُ حَيٌّ مُكَلَّفٌ يَحْتَاجُ إلَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ أَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ، فَبِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ يَزُولُ مِلْكُهُ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِي لَا يَزُولُ (فَتَوَقَّفْنَا فِي أَمْرِهِ) وَقُلْنَا بِزَوَالٍ مَوْقُوفٍ (فَإِنْ أَسْلَمَ جُعِلَ الْعَارِضُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ وَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَعْمَلْ السَّبَبُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحُكِمَ بِلَحَاقِهِ اسْتَقَرَّ كُفْرُهُ فَعَمِلَ السَّبَبُ عَمَلَهُ وَزَالَ مِلْكُهُ) لَا يُقَالُ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ لَا يَخْرُجَ الْمَالُ عَنْ مِلْكِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى هَذَا الدَّلِيلِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ إذَا تَسَاوَى الْجِهَتَانِ وَأَفْضَى إلَى الشَّكِّ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ جِهَةَ الْخُرُوجِ ظَنٌّ وَجِهَةُ عَدَمِهِ دُونَهُ فَيَلْزَمُ التَّوَقُّفُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ احْتِرَازًا عَنْ إحْبَاطِ طَاعَاتِهِ وَوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ الِارْتِدَادَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا قَدْ عَمِلَ عَمَلَهُ. قَالَ (وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ انْتَقَلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي إسْلَامِهِ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَيْئًا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: كِلَاهُمَا لِوَرَثَتِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كِلَاهُمَا فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا وَالْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ، ثُمَّ هُوَ مَالُ حَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ فَيَكُونُ فَيْئًا.
وَلَهُمَا أَنَّ مِلْكَهُ فِي الْكَسْبَيْنِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بَاقٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَيَنْتَقِلُ بِمَوْتِهِ إلَى وَرَثَتِهِ وَيَسْتَنِدُ إلَى مَا قُبَيْلَ رِدَّتِهِ إذْ الرِّدَّةُ سَبَبُ الْمَوْتِ فَيَكُونُ تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ لِعَدَمِهِ قَبْلَهَا وَمِنْ شَرْطِهِ وُجُودُهُ، ثُمَّ إنَّمَا يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ حَالَةَ الرِّدَّةِ وَبَقِيَ وَارِثًا إلَى وَقْتِ مَوْتِهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا لِلِاسْتِنَادِ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ الرِّدَّةِ، وَلَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ بِمَوْتِهِ بَلْ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَ تَمَامِهِ كَالْحَادِثِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ) أَعَادَهُ لِأَنَّهُ لَفْظُ الْقُدُورِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَالْأَوَّلُ كَانَ لَفْظُهُ ذَكَرَهُ شَرْحًا لِلْكَلَامِ.
وَقَوْلُهُ (ثُمَّ هُوَ مَالُ حَرْبِيٍّ فَيَكُونُ فَيْئًا) يَعْنِي يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْتَاجٌ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (وَيَسْتَنِدُ) يَعْنِي التَّوْرِيثَ (إلَى مَا قُبَيْلَ رِدَّتِهِ) فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ مِنْهُ مِنْ وَقْتِ الْإِسْلَامِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ أَيْ اسْتِنَادُ التَّوْرِيثِ (فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِهِ) أَيْ لِوُجُودِ الْكَسْبِ (قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ لِعَدَمِهِ قَبْلَهَا) أَيْ لِعَدَمِ الْكَسْبِ قَبْلَ الرِّدَّةِ (وَمِنْ شَرْطِهِ وُجُودُهُ) قَبْلَهَا أَيْ وَمِنْ شَرْطِ اسْتِنَادِ التَّوْرِيثِ وُجُودُ الْكَسْبِ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِيَكُونَ فِيهِ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ.
لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالتَّوْرِيثِ فِيمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ لَزِمَ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (ثُمَّ إنَّمَا يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ حَالَةَ الرِّدَّةِ وَبَقِيَ وَارِثًا إلَى وَقْتِ مَوْتِهِ) حَتَّى لَوْ حَدَثَ لَهُ وَارِثٌ بَعْدَ الرِّدَّةِ بِأَنْ أَسْلَمَ بَعْضُ قَرَابَتِهِ أَوْ وَلَدٌ لَهُ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ بَعْدَ رِدَّتِهِ لَا يَرِثُهُ (فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ) وَهِيَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْهُ (اعْتِبَارًا لِلِاسْتِنَادِ) يَعْنِي أَنَّ الرِّدَّةَ يَثْبُتُ بِهَا الْإِرْثُ بَعْدَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ وَالْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَبْلَ وُجُودِهَا، فَإِذَا وُجِدَتْ صَارَ كَأَنَّ الْوَارِثَ وَرِثَهُ حِينَ الرِّدَّةِ فَلِأَجْلِ هَذَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا إلَى وُجُودِ أَحَدِهِمَا (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (أَنَّهُ يَرِثُهُ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ عِنْدَ الرِّدَّةِ ثُمَّ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ بِمَوْتِهِ) أَيْ بِمَوْتِ الْوَارِثِ (بَلْ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ لِأَنَّ الرِّدَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ) فِي التَّوْرِيثِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ قَبْلَ قِسْمَةِ مِيرَاثِهِ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ وَلَكِنْ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِيهِ فَهَذَا كَذَلِكَ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ (أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْوَارِثِ عِنْدَ الْمَوْتِ) يَعْنِي أَحَدَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الرِّدَّةِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ (لِأَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَ تَمَامِهِ كَالْحَادِثِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ كَمَا فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ) فِي أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْقُودًا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ فَيَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يُشْتَرَطُ الْوَصْفَانِ وَهُمَا كَوْنُهُ وَارِثًا وَقْتَ الرِّدَّةِ وَكَوْنُهُ بَاقِيًا إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ؛ حَتَّى لَوْ كَانَ وَارِثًا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ أَوْ حَدَثَ وَارِثٌ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَإِنَّهُمَا لَا يَرِثَانِ.
وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُشْتَرَطُ الْوَصْفُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي.
وَعَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ يُشْتَرَطُ الْوَصْفُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَتَرِثُهُ امْرَأَتُهُ الْمُسْلِمَةُ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَارًّا، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَقْتَ الرِّدَّةِ.
الشَّرْحُ:
(وَتَرِثُهُ امْرَأَتُهُ الْمُسْلِمَةُ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَارًّا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا) لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْهَلَاكِ كَالْمَرَضِ فَأَشْبَهَ رِدَّتَهُ الَّتِي حَصَلَتْ بِهَا الْبَيْنُونَةُ لِلطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ، وَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ حَالَةَ الْمَرَضِ يُوجِبُ الْإِرْثَ إذَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَبُو حَنِيفَةَ يُسْنِدُ التَّوْرِيثَ إلَى مَا قَبْلَ الرِّدَّةِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَتَفَاوَتَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّ الرِّدَّةَ مَوْتٌ وَامْرَأَةُ الْمَيِّتِ تَرِثُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَوْتَ الْحَقِيقِيَّ سَبَبٌ لِلْإِرْثِ حَقِيقَةً فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا، وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَإِنَّهَا جُعِلَتْ مَوْتًا حُكْمًا لِيَكُونَ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ فَهِيَ ضَعِيفَةٌ فِي السَّبَبِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْوِيَتِهَا بِمَا هُوَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ مِنْ الدُّخُولِ وَقِيَامِ الْعِدَّةِ.
وَالْمُرْتَدَّةُ كَسْبُهَا لِوَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حِرَابَ مِنْهَا فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْفَيْءِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ إنْ ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ لِقَصْدِهَا إبْطَالَ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَا يَرِثُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِمَالِهَا بِالرِّدَّةِ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فَإِنَّ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَهُوَ فَيْءٌ عِنْدَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا حِرَابَ مِنْهَا، وَمَعْنَاهُ فَلَا قَتْلَ إذْ ذَاكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُلَازَمَةِ.
وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُقْتَلُ وَالرَّجُلُ يُقْتَلُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ عِصْمَةَ الْمَالِ تَبَعٌ لِعِصْمَةِ النَّفْسِ، وَبِالرِّدَّةِ لَا تَزُولُ عِصْمَةُ نَفْسِهَا حَتَّى لَا تُقْتَلَ فَكَذَلِكَ عِصْمَةُ مَالِهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ، فَلَمَّا كَانَتْ عِصْمَةُ مَالِهَا بَاقِيَةً بَعْدَ رِدَّتِهَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ مِلْكَهَا فَيَكُونُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهَا (وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ إنْ ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرِثَهَا لِأَنَّ فِرَارَ الزَّوْجِ إنَّمَا كَانَ يَتَحَقَّقُ إذَا مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فِي مَرَضِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمِيرَاثُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ ثُمَّ هَاهُنَا لَا عِدَّةَ عَلَى الرَّجُلِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَرِثَهَا الزَّوْجُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لِقَصْدِهَا إبْطَالَ حَقِّهِ) وَبَيَانُهُ أَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِمَالِهَا بِمَرَضِهَا فَكَانَتْ بِالرِّدَّةِ قَاصِدَةً إبْطَالَ حَقِّهِ فَارَّةً عَنْ مِيرَاثِهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهَا قَصْدُهَا كَمَا فِي جَانِبِ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً حِينَ ارْتَدَّتْ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ فَلَمْ تَصِرْ مُشْرِفَةً عَلَى الْهَلَاكِ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَلَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْفَارَّةِ الْمَرِيضَةِ فَلَا يَرِثُ زَوْجُهَا مِنْهَا قَالَ: (وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِلَحَاقِهِ عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَحَلَّتْ الدُّيُونُ الَّتِي عَلَيْهِ وَنُقِلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ إلَى وَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْقَى مَالُهُ مَوْقُوفًا كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ غَيْبَةٍ فَأَشْبَهَ الْغَيْبَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَلَنَا أَنَّهُ بِاللَّحَاقِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَهُمْ أَمْوَاتٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ كَمَا هِيَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الْمَوْتَى فَصَارَ كَالْمَوْتِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لَحَاقُهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي لِاحْتِمَالِ الْعَوْدِ إلَيْنَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ مَوْتُهُ ثَبَتَتْ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ وَهِيَ مَا ذَكَرْنَاهَا كَمَا فِي الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا عِنْدَ لَحَاقِهِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ اللَّحَاقَ هُوَ السَّبَبُ وَالْقَضَاءُ لِتَقَرُّرِهِ بِقَطْعِ الِاحْتِمَالِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَقْتَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَوْتًا بِالْقَضَاءِ، وَالْمُرْتَدَّةُ إذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا) إنْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ (عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَحَلَّتْ الدُّيُونُ الَّتِي عَلَيْهِ، وَنُقِلَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ) عِنْدَنَا (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَبْقَى مَالُهُ مَوْقُوفًا) وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِهِ (لِأَنَّهُ نَوْعُ غَيْبَةٍ فَأَشْبَهَ الْغَيْبَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) وَالْجَامِعُ كَوْنُهُ غَيْبَةً كَمَا تَرَى وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا (وَلَنَا أَنَّهُ بِاللِّحَاقِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا) أَمَّا حَقِيقَةً فَلِأَنَّهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَاعْتِقَادُهُ كَاعْتِقَادِهِمْ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهُ لَمَّا أَبْطَلَ إحْرَازَهُ نَفْسَهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ حِينَ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ صَارَ حَرْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأُعْطِيَ حُكْمَ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُمْ كَالْمَيِّتِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى {أَوْ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} وَلِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِلْزَامِ مُنْقَطِعَةٌ عَنْهُمْ (كَمَا هِيَ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ الْمَوْتَى إلَّا أَنَّ لِحَاقَهُ لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي لِاحْتِمَالِ الْعَوْدِ إلَيْنَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ مَوْتُهُ الْحُكْمِيُّ تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ وَهِيَ مَا ذَكَرْنَاهَا) يَعْنِي قَوْلَهُ عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ إلَخْ (كَمَا فِي الْمَوْتِ الْحَقِيقِيِّ) (قَوْلُهُ ثُمَّ يُعْتَبَرُ) ظَاهِرٌ، وَالضَّمِيرُ فِي لِتَقَرُّرِهِ لِلِّحَاقِ، وَقِيلَ لِلسَّبَبِ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ (وَتُقْضَى الدُّيُونُ الَّتِي لَزِمَتْهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ، وَمَا لَزِمَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ مِنْ الدُّيُونِ يُقْضَى مِمَّا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ) قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ: هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَنْهُ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ وَعَنْهُ عَلَى عَكْسِهِ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالسَّبَبَيْنِ مُخْتَلِفٌ.
وَحُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الدَّيْنُ فَيُقْضَى كُلُّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ الْمُكْتَسَبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ.
وَجْهُ الثَّانِي أَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ مِلْكُهُ حَتَّى يَخْلُفَهُ الْوَارِثُ فِيهِ، وَمِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْخِلَافَةِ الْفَرَاغُ عَنْ حَقِّ الْمُوَرِّثِ فَيُقَدَّمُ بِالدَّيْنِ عَلَيْهِ، أَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ؛ لِبُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ بِالرِّدَّةِ عِنْدَهُ فَلَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْهُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحِلٍّ آخَرَ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى مِنْهُ، كَالذِّمِّيِّ إذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ يَكُونُ مَالُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُقْضَى مِنْهُ كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَجْهُ الثَّالِثِ أَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ حَقُّ الْوَرَثَةِ وَكَسْبَ الرِّدَّةِ خَالِصُ حَقِّهِ، فَكَانَ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ أَوْلَى إلَّا إذَا تَعَذَّرَ بِأَنْ لَمْ يَفِ بِهِ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ تَقْدِيمًا لِحَقِّهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ الْكَسْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِلْكُهُ حَتَّى يَجْرِيَ الْإِرْثُ فِيهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) هُوَ رِوَايَةُ زُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ (عَلَى عَكْسِهِ) وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ بِكَسْبِ الرِّدَّةِ (قَوْلُهُ وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالسَّبَبَيْنِ) أَيْ الْمُدَايَنَتَيْنِ (مُخْتَلِفٌ) وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالسَّبَبَيْنِ مُخْتَلِفٌ وَالْمُؤَدَّى مِنْ كَسْبٍ وَاحِدٍ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، فَالْمُسْتَحَقُّ بِالسَّبَبَيْنِ غَيْرُ مُؤَدًّى مِنْ كَسْبٍ وَاحِدٍ فَلَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهِ مِنْ كَسْبَيْنِ تَحْقِيقًا لِلِاخْتِلَافِ وَحُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الْمُسْتَحَقُّ وَهُوَ الدَّيْنُ فَيُضَافُ أَدَاؤُهُ إلَيْهِ لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِإِزَاءِ الْغُنْمِ وَقَوْلُهُ (وَجْهُ الثَّانِي) تَقْرِيرُهُ أَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ مِلْكُهُ وَكُلُّ مَا هُوَ مِلْكُهُ يَخْلُفُهُ الْوُرَّاثُ فِيهِ، وَمِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْخِلَافَةِ الْفَرَاغُ عَنْ حَقِّ الْمُوَرِّثِ فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ، وَأَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ لِبُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ بِالرِّدَّةِ عِنْدَهُ فَلَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْهُ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبُ الْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِلْكَهُ كَيْفَ يُؤَدَّى مِنْهُ دَيْنُهُ؟ أَجَابَ بِقَوْلِهِ (كَالذِّمِّيِّ إذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ) فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِلْكٌ فِيمَا اكْتَسَبَهُ بَلْ يَكُونُ مَالُهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُقْضَى مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ (وَجْهُ الثَّالِثِ أَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ حَقُّ الْوَرَثَةِ) تَقْرِيرُهُ: كَسْبُ الْإِسْلَامِ حَقُّ الْوَرَثَةِ وَكَسْبُ الرِّدَّةِ خَالِصُ حَقِّهِ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ أَوْلَى مِنْهُ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ بِأَنْ لَمْ يَفِ بِهِ فَحِينَئِذٍ يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ تَقْدِيمًا لِحَقِّهِ.
وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ مَا قِيلَ إنَّ هَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ: أَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ لِبُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ بِالرِّدَّةِ.
وَالثَّانِي أَنَّ كَوْنَ كَسْبِ الْإِسْلَامِ حَقَّ الْوَرَثَةِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ حَقَّهُمْ إنَّمَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّرِكَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ حَقِّ الْمُوَرِّثِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ وَاجِبٌ وَمِنْ حَقِّ غَيْرِهِ مُمْتَنِعٌ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فَكَانَ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ أَوْلَى.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَعْنَى مِنْ خُلُوصِ الْحَقِّ هَاهُنَا هُوَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِهِ كَمَا ثَبَتَ التَّعَلُّقُ فِي مَالِ الْمَرِيضِ، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ خَالِصَ حَقِّهِ كَوْنُهُ مِلْكًا لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ كَسْبَ الْمُكَاتَبِ خَالِصُ حَقِّهِ وَلَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ إذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا آنِفًا.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، لَا بِمَا زَالَ مِنْ قَبْلُ، وَكَسْبُ الْإِسْلَامِ قَدْ زَالَ وَانْتَقَلَ بِالرِّدَّةِ إلَى الْوَرَثَةِ، وَكَسْبُهُ فِي الرِّدَّةِ هُوَ مَالُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِهِ.
وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ خَالِصَ حَقِّهِ بِالتَّوْبَةِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا خَالِصَ حَقِّهِ، وَالْآخَرُ بِعَرْضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ خَالِصَ حَقِّهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْلَى.
هَذَا عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْ الْكَسْبَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مِلْكُهُ حَتَّى يَجْرِيَ الْإِرْثُ فِيهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا. قَالَ: (وَمَا بَاعَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ صَحَّتْ عُقُودُهُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ مَا صَنَعَ فِي الْوَجْهَيْنِ.
اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ عَلَى أَقْسَامٍ: نَافِذٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَتَمَامِ الْوِلَايَةِ.
وَبَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لَهُ.
وَمَوْقُوفٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْمُفَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يُسْلِمْ.
وَمُخْتَلَفٌ فِي تَوَقُّفِهِ وَهُوَ مَا عَدَدْنَاهُ.
لَهُمَا أَنَّ الصِّحَّةَ تَعْتَمِدُ الْأَهْلِيَّةَ وَالنَّفَاذَ يَعْتَمِدُ الْمِلْكَ، وَلَا خَفَاءَ فِي وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا، وَكَذَا الْمِلْكُ لِقِيَامِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلِهَذَا لَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ يَرِثُهُ وَلَوْ مَاتَ وَلَدُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ قَبْلَ الْمَوْتِ لَا يَرِثُهُ فَتَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ.
إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهُ إلَى الْإِسْلَامِ، إذْ الشُّبْهَةُ تُزَاحُ فَلَا يُقْتَلُ وَصَارَ كَالْمُرْتَدَّةِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَصِحُّ كَمَا تَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ مَنْ انْتَحَلَ إلَى نِحْلَةٍ لاسيما مُعْرِضًا عَمَّا نَشَأَ عَلَيْهِ قَلَّمَا يَتْرُكُهُ فَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ ظَاهِرًا، بِخِلَافِ الْمُرْتَدَّةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي تَوَقُّفِ الْمِلْكِ وَتَوَقُّفُ التَّصَرُّفَاتِ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَصَارَ كَالْحَرْبِيِّ يَدْخُلُ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَيُؤْخَذُ وَيُقْهَرُ وَتَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُهُ؛ لِتَوَقُّفِ حَالِهِ، فَكَذَا الْمُرْتَدُّ، وَاسْتِحْقَاقُهُ الْقَتْلَ لِبُطْلَانِ سَبَبِ الْعِصْمَةِ فِي الْفَصْلَيْنِ فَأَوْجَبَ خَلَلًا فِي الْأَهْلِيَّةِ، بِخِلَافِ الزَّانِي وَقَاتِلِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي ذَلِكَ جَزَاءٌ عَلَى الْجِنَايَةِ.
وَبِخِلَافِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَرْبِيَّةً؛ وَلِهَذَا لَا تُقْتَلُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَمَا بَاعَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ) ذَكَرَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي نَفَاذِهِ وَتَوَقُّفِهِ وَقَالَ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا قَالَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ مَسَائِلِ الْقُدُورِيِّ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِيهِ مَذْكُورًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَ أَقْسَامَ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ وَهُوَ وَاضِحٌ إلَّا مَا نَذْكُرُهُ، فَقَوْلُهُ يَجُوزُ مَا صُنِعَ فِي الْوَجْهَيْنِ يُرِيدُ بِأَحَدِهِمَا الْإِسْلَامَ وَبِالثَّانِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ وَاللِّحَاقَ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَتَمَامِ الْوِلَايَةِ) نَشْرٌ لِقَوْلِهِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ، فَقَوْلُهُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ: يَعْنِي فِي الِاسْتِيلَادِ، فَلَوْ وُلِدَتْ جَارِيَتُهُ وَادَّعَى نَسَبَهُ يَثْبُتُ مِنْهُ وَيَرِثُهُ هَذَا الْوَلَدُ مَعَ وَرَثَتِهِ وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي مَالِهِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ الْأَبِ فِي جَارِيَةِ الِابْنِ وَاسْتِيلَادُ الْأَبِ صَحِيحٌ، فَكَذَلِكَ اسْتِيلَادُهُ حَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى فِيهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ.
وَقَوْلُهُ (وَتَمَامُ الْوِلَايَةِ) يَعْنِي فِي الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ مَعَ قُصُورِ الْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْفُرْقَةُ تَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالِارْتِدَادِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الطَّلَاقُ مِنْ الْمُرْتَدِّ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يَقَعُ طَلَاقُهُ كَمَا لَوْ أَبَانَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا عَلَى مَا عُرِفَ، عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُوجَدَ الِارْتِدَادُ وَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ كَمَا لَوْ ارْتَدَّا مَعًا (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ (يَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لَهُ) لِأَنَّهُ تَرْكُ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَا يُقَرُّ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ لِوُجُوبِ الْقَتْلِ.
وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّةِ إنْ كَانَ الْإِسْلَامُ يَنْتَقِضُ بِنِكَاحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْمِلَّةَ السَّمَاوِيَّةَ يَنْتَقِضُ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مِلَّةٌ سَمَاوِيَّةٌ لَا مُقَرَّرَةٌ وَلَا مُحَرَّفَةٌ، وَقَدْ حُكِمَ بِصِحَّةِ نِكَاحِهِمْ وَلِهَذَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى وَجَرَيَانِ التَّوَارُثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْهُمْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّةِ مَا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ نِكَاحًا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ وَيَجْرِي بِهِ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِأَنَّ مَا هُوَ الْغَرَضُ مِنْ النِّكَاحِ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ وَهُوَ التَّوَالُدُ وَالتَّنَاسُلُ، وَالْمُرْتَدُّ وَالْمُرْتَدَّةُ لَيْسَا عَلَى تِلْكَ الْمِلَّةِ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُهُمَا، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ وَالْمُرْتَدَّةُ تُحْبَسُ فَكَيْفَ يَتِمُّ لَهُمَا هَذِهِ الْأَغْرَاضُ مِنْ النِّكَاحِ، بِخِلَافِ الْمَجُوسِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ فَإِنَّهُمْ دَانُوا دِينًا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ مِنْ مَحَارِمِهِ فَكَانَتْ الْمَصَالِحُ مُنْتَظِمَةً.
وَقَوْلُهُ (كَالْمُفَاوَضَةِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إنْ فَاوَضَ مُسْلِمًا تَوَقَّفَ، فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ الْمُفَاوَضَةُ وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ قَضَى بِلِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ الْمُفَاوَضَةُ بِالِاتِّفَاقِ (قَوْلُهُ وَهُوَ مَا عَدَدْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَمَا بَاعَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ يَحْتَاجُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا لَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ) تَوْضِيحٌ لِوُجُودِ مِلْكِ الْمُرْتَدِّ: يَعْنِي فَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ زَائِلًا لِمَا وَرِثَهُ هَذَا الْوَلَدُ لِكَوْنِ عُلُوقِهِ بَعْدَ الِارْتِدَادِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ مَاتَ وَلَدُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ) يَعْنِي لَوْ مَاتَ وَلَدُهُ الْمَوْلُودُ قَبْلَ الرِّدَّةِ بَعْدَهَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ لَا يَرِثُهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكُهُ قَائِمًا بَعْدَ الرِّدَّةِ لَوَرِثَهُ هَذَا الْوَلَدُ لِأَنَّهُ كَانَ حَيًّا وَقْتَ رِدَّةِ الْأَبِ، فَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُ الْأَهْلِيَّةِ وَقِيَامُ الْمِلْكِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لَكِنْ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ (عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي تَوَقُّفِ الْمِلْكِ) إشَارَةٌ إلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَهُ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ تَحْتَ أَيْدِينَا (وَتَوَقُّفِ التَّصَرُّفَاتِ بِنَاءً عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى تَوَقُّفِ الْمِلْكِ.
وَقَوْلُهُ (لِتَوَقُّفِ حَالِهِ) أَيْ حَالِ الْحَرْبِيِّ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْقَتْلِ وَالْمَنِّ.
وَقَوْلُهُ (وَكَذَا الْمُرْتَدُّ) يَعْنِي: حَالُهُ يَتَوَقَّفُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْإِسْلَامِ، ثُمَّ هُنَاكَ إنْ اُسْتُرِقَّ أَوْ قُتِلَ بَطَلَ وَإِنْ تُرِكَ نَفَذَ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْحَرْبِيَّ الَّذِي دَخَلَ دَارَنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ يَكُونُ فَيْئًا فَكَيْفَ تَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُهُ، وَالِاعْتِرَافُ بِجَوَازِ الْمَنِّ يُسْقِطُ الِاعْتِرَاضَ.
وَقَوْلُهُ (وَاسْتِحْقَاقُهُ الْقَتْلَ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلَا خَفَاءَ فِي الْأَهْلِيَّةِ.
وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّ الصِّحَّةَ تَقْتَضِي أَهْلِيَّةً كَامِلَةً وَلَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْمُرْتَدِّ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْحَرْبِيِّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ لِبُطْلَانِ سَبَبِ الْعِصْمَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ آدَمِيًّا مُسْلِمًا وَذَلِكَ يُوجِبُ الْخَلَلَ فِي الْأَهْلِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ (فِي الْفَصْلَيْنِ) يُرِيدُ بِهِ فَصْلَ الْحَرْبِيِّ وَفَصْلَ الْمُرْتَدِّ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ مُوجِبًا لِخَلَلٍ فِي الْأَهْلِيَّةِ مُؤَثِّرًا فِي تَوَقُّفِ التَّصَرُّفَاتِ لَكَانَ تَصَرُّفَاتُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الرَّجْمَ وَقَاتِلِ الْعَمْدِ مَوْقُوفَةً لِاسْتِحْقَاقِهِمَا الْقَتْلَ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِي ذَلِكَ) يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ الْمُوجِبَ لِلْخَلَلِ وَهُوَ مَا كَانَ بِاعْتِبَارِ بُطْلَانِ سَبَبِ الْعِصْمَةِ، وَالزَّانِي وَالْقَاتِلُ لَيْسَا كَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ فِيهِمَا (جَزَاءٌ عَلَى الْجِنَايَةِ) وَقَوْلُهُ (وَبِخِلَافِ الْمَرْأَةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَصَارَ كَالْمُرْتَدَّةِ. (فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِلَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا فَمَا وَجَدَهُ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ)؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَخْلُفُهُ فِيهِ لِاسْتِغْنَائِهِ، وَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا احْتَاجَ إلَيْهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا أَزَالَهُ الْوَارِثُ عَنْ مِلْكِهِ، وَبِخِلَافِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ صَحَّ بِدَلِيلٍ مُصَحَّحٍ فَلَا يُنْقَضُ، وَلَوْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِذَلِكَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا لِمَا ذَكَرْنَا.
الشَّرْحُ:
قَالَ (فَإِنْ عَادَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِلِحَاقِهِ) أَيْ إذَا عَادَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ الْحُكْمِ بِلِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (مُسْلِمًا فَمَا وَجَدَهُ فِي يَدِ وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ) لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يَخْلُفُهُ فِيهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ حَيْثُ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ (وَإِذَا عَادَ مُسْلِمًا احْتَاجَ إلَيْهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَارِثِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا: وَلَوْ كَانَ هَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ حَقِيقَةً بِأَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعَادَهُ إلَى الدُّنْيَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ هَكَذَا إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ (بِخِلَافِ مَا إذَا أَزَالَهُ الْوَارِثُ عَنْ مِلْكِهِ) فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ لِأَنَّهُ أَزَالَهُ فِي وَقْتٍ كَانَ فِيهِ بِسَبِيلٍ مِنْ الْإِزَالَةِ فَنَفَذَتْ (وَبِخِلَافِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُدَبَّرِينَ) فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِمْ (لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِعِتْقِهِمْ قَدْ صَحَّ بِدَلِيلٍ مُصَحَّحٍ) وَهُوَ قَضَاءُ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ عَنْ وِلَايَةٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ أَنْ يُمِيتَهُ حَقِيقَةً، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ وِلَايَتِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُمِيتَهُ حُكْمًا، فَإِذَا كَانَ قَضَاؤُهُ عَنْ وِلَايَةٍ نَفَذَ، وَالْعِتْقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ (وَلَوْ جَاءَ مُسْلِمًا قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِذَلِكَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا) فَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرُوهُ عَلَى حَالِهِمْ لَا يَعْتِقُونَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ فَهُوَ إلَى أَجَلِهِ كَمَا كَانَتْ (لِمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ لِحَاقُهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي. (وَإِذَا وَطِئَ الْمُرْتَدُّ جَارِيَةً نَصْرَانِيَّةً كَانَتْ لَهُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ ارْتَدَّ فَادَّعَاهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَالْوَلَدُ حُرٌّ وَهُوَ ابْنُهُ وَلَا يَرِثُهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ مُسْلِمَةً وَرِثَهُ الِابْنُ إنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ) أَمَّا صِحَّةُ الِاسْتِيلَادِ فَلِمَا قُلْنَا، وَأَمَّا الْإِرْثُ فَلِأَنَّ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ نَصْرَانِيَّةً وَالْوَلَدُ تَبَعٌ لَهُ لِقُرْبِهِ إلَى الْإِسْلَامِ لِلْجَبْرِ عَلَيْهِ فَصَارَ فِي حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً فَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ تَبَعًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا خَيْرُهُمَا دِينًا وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَإِذَا وَطِئَ الْمُرْتَدُّ جَارِيَةً نَصْرَانِيَّةً) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (فَلِمَا قُلْنَا) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حَقِيقَةِ الْمِلْكِ ثُمَّ حُكْمُ تَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حُكْمُ الْأَكْثَرِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَرِثُ أَبَاهُ الْمُرْتَدَّ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ نَصْرَانِيَّةً، لِأَنَّا تَيَقَّنَّا حِينَئِذٍ بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبِيهِ، وَأَمَّا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِعُلُوقِ الْوَلَدِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَلَا يُجْعَلُ الْوَلَدُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ الْأَبِ قَبْلَ الرِّدَّةِ (وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِمَالِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَهُوَ فَيْءٌ، فَإِنْ لَحِقَ ثُمَّ رَجَعَ وَأَخَذَ مَالًا وَأَلْحَقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَظُهِرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَوَجَدَتْهُ الْوَرَثَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ رُدَّ عَلَيْهِمْ)؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَالٌ لَمْ يَجْرِ فِيهِ الْإِرْثُ، وَالثَّانِيَ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَكَانَ الْوَارِثُ مَالِكًا قَدِيمًا.
الشَّرْحُ:
(وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِمَالِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَهُوَ فَيْءٌ) أَيْ الْمَالُ فَيْءٌ دُونَ نَفْسِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فَيْئًا دُونَ نَفْسِهِ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ (وَإِنْ لَحِقَ ثُمَّ رَجَعَ) يَعْنِي وَإِنْ لَحِقَ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ ثُمَّ رَجَعَ (وَأَخَذَ مَالًا وَأَلْحَقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَظَهَرَ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَوَجَدَتْهُ الْوَرَثَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ رُدَّ عَلَيْهِمْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَالٌ لَمْ يَجْرِ فِيهِ الْإِرْثُ فَهُوَ مَالُ الْحَرْبِيِّ، وَإِذَا ظَهَرَ عَلَى مَالِ الْحَرْبِيِّ فَهُوَ فَيْءٌ لَا مَحَالَةَ (وَالثَّانِي انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ فَكَانَ الْوَارِثُ مَالِكًا قَدِيمًا) وَالْمَالِكُ الْقَدِيمُ إذَا وَجَدَ مَالَهُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ مَجَّانًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي حَكَمَ بِلِحَاقِهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا؛ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُرَدُّ عَلَى الْوَرَثَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَتَى لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَعُودُ فَكَانَ مَيِّتًا ظَاهِرًا.
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ السِّيَرِ يَكُونُ فَيْئًا لَا حَقَّ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ إلَّا بِالْقَضَاءِ (وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ عَبْدٌ فَقُضِيَ بِهِ لِابْنِهِ وَكَاتَبَهُ الِابْنُ ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ، وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْوَلَاءُ لِلْمُرْتَدِّ الَّذِي أَسْلَمَ)؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ لِنُفُوذِهَا بِدَلِيلٍ مُنَفِّذٍ، فَجَعَلْنَا الْوَارِثَ الَّذِي هُوَ خَلَفُهُ كَالْوَكِيلِ مِنْ جِهَتِهِ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ فِيهِ تَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَالْوَلَاءُ لِمَنْ يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْهُ.
الشَّرْحُ:
(وَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ عَبْدٌ فَقَضَى بِهِ لِابْنِهِ فَكَاتَبَهُ الِابْنُ ثُمَّ جَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ، وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْوَلَاءُ لِلْمُرْتَدِّ الَّذِي أَسْلَمَ) أَمَّا جَوَازُ الْكِتَابَةِ (فَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى بُطْلَانِهَا لِنُفُوذِهَا بِدَلِيلٍ مُنَفَّذٍ) وَهُوَ قَضَاءُ الْقَاضِي بِاللِّحَاقِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَبْقَى الْمُكَاتَبُ عَلَى مِلْكِ الِابْنِ أَوْ يَنْتَقِلَ إلَى الْأَبِ، لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تُخِلُّ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا عَادَ مُسْلِمًا أَخَذَ مَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فِي يَدِ وَارِثِهِ، وَلَا إلَى الثَّانِي لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَجَعَلْنَا الْوَارِثَ الَّذِي هُوَ خَلَفُهُ كَالْوَكِيلِ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّ فِي الْوَكَالَةِ خِلَافَةً احْتِيَالًا لِبَقَاءِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي صِحَّةِ الْكِتَابَةِ فَكَأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي كِتَابَةِ عَبْدِهِ (وَحُقُوقُ الْعَقْدِ فِيهِ) أَيْ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ (تَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ) وَأَمَّا أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُرْتَدِّ الَّذِي أَسْلَمَ فَلِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَالْعِتْقُ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْهُ بَعْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ مُسْلِمًا بَعْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي كَانَ لَهُ لَمْ يَبْقَ قَائِمًا حِينَئِذٍ. (وَإِذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ رَجُلًا خَطَأً ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ قَتَلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَالدِّيَةُ فِي مَالٍ اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَا: الدِّيَةُ فِيمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمُرْتَدَّ؛ لِانْعِدَامِ النُّصْرَةِ فَتَكُونُ فِي مَالِهِ.
وَعِنْدَهُمَا الْكَسْبَانِ جَمِيعًا مَالُهُ؛ لِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَلِهَذَا يَجْرِي الْإِرْثُ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَهُ مَالُهُ الْمُكْتَسَبُ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِنَفَاذِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ دُونَ الْمَكْسُوبِ فِي الرِّدَّةِ؛ لِتَوَقُّفِ تَصَرُّفِهِ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَوَّلُ مِيرَاثًا عَنْهُ، وَالثَّانِي فَيْئًا عِنْدَهُ.
الشَّرْحُ:
قَالَ: (وَإِذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ رَجُلًا) كَلَامُهُ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ (لِانْعِدَامِ النُّصْرَةِ) يَعْنِي أَنَّ التَّعَاقُلَ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ التَّنَاصُرِ، وَأَحَدٌ لَا يَنْصُرُ الْمُرْتَدَّ فَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ كَسَائِرِ دُيُونِهِ وَمَالُهُ هُوَ الْمُكْتَسَبُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ دُونَ الرِّدَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وَعِنْدَهُمَا الْكَسْبَانِ جَمِيعًا مَالُهُ) فَقَوْلُهُ وَعِنْدَهُ مَالُهُ الْمُكْتَسَبُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَكَانَ الْمَقَامُ مُقْتَضِيًا لِضَمِيرِ الْفَصْلِ لِيَفْصِلَهُ عَنْ الصِّفَةِ (وَإِذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُسْلِمِ عَمْدًا فَارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى الْقَاطِعِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ لِلْوَرَثَةِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ السِّرَايَةَ حَلَّتْ مَحَلًّا غَيْرَ مَعْصُومٍ فَأُهْدِرَتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُرْتَدِّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِهْدَارَ لَا يَلْحَقُهُ الِاعْتِبَارُ، أَمَّا الْمُعْتَبَرُ قَدْ يُهْدَرُ بِالْإِبْرَاءِ فَكَذَا بِالرِّدَّةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا لَحِقَ وَمَعْنَاهُ إذَا قُضِيَ بِلَحَاقِهِ فَلِأَنَّهُ صَارَ مَيِّتًا تَقْدِيرًا، وَالْمَوْتُ يَقْطَعُ السِّرَايَةَ، وَإِسْلَامُهُ حَيَاةٌ حَادِثَةٌ فِي التَّقْدِيرِ فَلَا يَعُودُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ الْأُولَى، فَإِذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ (فَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ وَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ: فِي جَمِيعِ ذَلِكَ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِرَاضَ الرِّدَّةِ أَهْدَرَ السِّرَايَةَ فَلَا يَنْقَلِبُ بِالْإِسْلَامِ إلَى الضَّمَانِ، كَمَا إذَا قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ.
وَلَهُمَا أَنَّ الْجِنَايَةَ وَرَدَتْ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ وَتَمَّتْ فِيهِ فَيَجِبُ ضَمَانُ النَّفْسِ، كَمَا إذَا لَمْ تَتَخَلَّلْ الرِّدَّةُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِقِيَامِ الْعِصْمَةِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ قِيَامُهَا فِي حَالِ انْعِقَادِ السَّبَبِ وَفِي حَالِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَحَالَةُ الْبَقَاءِ بِمَعْزِلٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصَارَ كَقِيَامِ الْمِلْكِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْيَمِينِ.
الشَّرْحُ:
(قَوْلُهُ أَمَّا الْأَوَّلُ) يَعْنِي مَا إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ (قَوْلُهُ فَأُهْدِرَتْ) يَعْنِي السِّرَايَةَ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُهْدَرْ لَوَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ الْكَامِلَةُ فِي الْخَطَإِ لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ صَارَ نَفْسًا (بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُرْتَدِّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ) فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْقَاطِعُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مَعْصُومًا وَقْتَ السِّرَايَةِ (لِأَنَّ الْإِهْدَارَ لَا يَلْحَقُهُ الِاعْتِبَارُ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَقَعْ مُعْتَبَرًا ابْتِدَاءً لَا يَنْقَلِبُ مُعْتَبَرًا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُوجِبِ لَا يَنْقَلِبُ مُوجِبًا (أَمَّا الْمُعْتَبَرُ فَقَدْ يُهْدَرُ بِالْإِبْرَاءِ فَكَذَلِكَ بِالرِّدَّةِ.
قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ وَأَسْلَمَ) يَعْنِي إذَا قَطَعَ يَدَ الْمُسْلِمِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَلْحَقْ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ (قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا أَوْ لَمْ يَلْحَقْ وَأَسْلَمَ وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ اعْتِرَاضَ الرِّدَّةِ أَهْدَرَ السِّرَايَةَ فَلَا يَنْقَلِبُ بِالْإِسْلَامِ إلَى الضَّمَانِ) دَلِيلُهُ أَنَّ الرِّدَّةَ مَعْنًى لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ بِالسِّرَايَةِ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَمُتْ عَلَيْهِ كَعَبْدٍ قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ بَاعَهُ الْمَوْلَى ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَوْ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةُ الْيَدِ كَمَا لَوْ مَاتَ عَلَى الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ مَعْنًى لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ بِالسِّرَايَةِ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْبَيْعِ إبْرَاءٌ عَنْ الْجِنَايَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَصَارَ كَمَا إذَا قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ سَوَاءٌ مَاتَ مِنْ الْقَطْعِ أَوْ لَمْ يَمُتْ حَيْثُ لَا يَجِبُ ضَمَانُ النَّفْسِ فِي الْأَوَّلِ وَلَا ضَمَانُ الْيَدِ فِي الثَّانِي بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَارِّ أَنَّ الْمُهْدَرَ لَا يَلْحَقُهُ الِاعْتِبَارُ (وَلَهُمَا أَنَّ الْجِنَايَةَ وَرَدَتْ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ) لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَتَمَّتْ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ لَمْ يَلْحَقْ وَأَسْلَمَ فَيَجِبُ ضَمَانُ النِّصْفِ وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (وَصَارَ كَقِيَامِ الْمِلْكِ فِي حَالِ بَقَاءِ الْيَمِينِ) يَعْنِي إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ عَتَقَ، أَمَّا لَوْ عُدِمَ الْمِلْكُ عِنْدَ الْيَمِينِ أَوْ عِنْدَ الْحِنْثِ لَمْ يَعْتِقْ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ الرِّدَّةِ وَالْبَيْعِ بِأَنَّ الرِّدَّةَ لَيْسَتْ بِإِبْرَاءٍ وَلَا مُسْتَلْزِمَةً لَهُ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِتَبْدِيلِ الدِّينِ وَتَصِحُّ مِنْ غَيْرِ إبْرَاءٍ، إلَّا أَنَّهُ إذَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ لِهَدْرِ دَمِهِ بِالرِّدَّةِ، بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ وُضِعَ لِقَطْعِ مِلْكِهِ وَالضَّمَانُ بَدَلُ مِلْكِهِ، فَإِذَا قُطِعَ الْأَصْلُ قَصْدًا فَقَدْ قُطِعَ الْبَدَلُ أَيْضًا فَصَارَ كَالْإِبْرَاءِ.
وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قِيَاسٌ، وَقَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا اسْتِحْسَانٌ.
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَا إذَا كَانَ الْقَاطِعُ هُوَ الَّذِي ارْتَدَّ فَقُتِلَ وَمَاتَ الْمَقْطُوعُ يَدُهُ بِالسِّرَايَةِ مُسْلِمًا.
وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْعَمْدِ الْقَوَدُ، وَقَدْ فَاتَ مَحَلُّهُ حِين قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ دِيَةُ النَّفْسِ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْجِنَايَةِ كَانَ مُسْلِمًا، وَجِنَايَةُ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَتْ خَطَأً عَلَى عَاقِلَتِهِ وَتَبِينُ بِالسِّرَايَةِ أَنَّ جِنَايَتَهُ كَانَتْ قَتْلًا فَلِهَذَا كَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ النَّفْسِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ كَانَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ فِي مَالِهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَعْقِلُ جِنَايَتَهُ أَحَدٌ. (وَاذَا ارْتَدَّ الْمُكَاتَبُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَاكْتَسَبَ مَالًا فَأُخِذَ بِمَالِهِ وَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ يُوَفِّي مَوْلَاهُ مُكَاتَبَتَهُ وَمَا بَقِيَ فَلِوَرَثَتِهِ) وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِهِمَا؛ لِأَنَّ كَسْبَ الرِّدَّةِ مِلْكُهُ إذَا كَانَ حُرًّا، فَكَذَا إذَا كَانَ مُكَاتَبًا.
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ بِالْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ لَا تَتَوَقَّفُ بِالرِّدَّةِ فَكَذَا أَكْسَابُهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ بِالْأَقْوَى وَهُوَ الرِّقُّ، فَكَذَا بِالْأَدْنَى بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُرْتَدِّ الْحُرِّ وَالْمُكَاتَبِ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ كَسْبَهُ مِلْكًا لَهُ إذَا كَانَ حُرًّا وَجَعَلَهُ مِلْكًا لَهُ إذَا كَانَ مُكَاتَبًا.
وَجْهُ الْفَرْقِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ وَعَقْدُ الْكِتَابَةِ لَا يَتَوَقَّفُ بِالرِّدَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ بِحَقِيقَةِ الْمَوْتِ فَكَذَا بِاللِّحَاقِ الَّذِي هُوَ شِبْهُ الْمَوْتِ، وَإِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ الْعَقْدُ لَمْ تَتَوَقَّفْ الْأَكْسَابُ الْحَاصِلَةُ بِسَبَبِهِ وَاسْتَوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُكَاتَبَ (لَا يَتَوَقَّفُ تَصَرُّفُهُ بِالْأَقْوَى وَهُوَ الرِّقُّ فَكَذَا بِالْأَدْنَى) يَعْنِي الرِّدَّةَ (بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى) وَإِنَّمَا كَانَ الرِّقُّ أَقْوَى مِنْ الرِّدَّةِ فِي الْمَانِعِيَّةِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِأَنَّ بَعْضَ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ نَافِذٌ بِالْإِجْمَاعِ كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ.
وَعِنْدَهُمَا عَامَّةُ تَصَرُّفَاتِهِ نَافِذَةٌ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَمَمْنُوعٌ عَنْ التَّصَرُّفَاتِ كُلِّهَا، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ تَصَرُّفُ الْمُكَاتَبِ مَعَ كَوْنِهِ رَقِيقًا لَمْ يَتَوَقَّفْ تَصَرُّفُهُ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ أَوْلَى.
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ: قُلْت لِشَيْخِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَنْعِ الرِّقِّ الْمُكَاتَبَ عَنْ التَّصَرُّفِ عَدَمُ مَنْعِ الرِّدَّةِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ جَازَ أَنْ يَمْنَعَاهُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، لِأَنَّ لِلِاجْتِمَاعِ تَأْثِيرًا كَمَا فِي الشَّاهِدَيْنِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ هَاهُنَا لِلْمُكَاتَبِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ كَوْنُهُ مُكَاتَبًا وَرَقِيقًا وَمُرْتَدًّا، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا عِنْدَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَمَّا الْكِتَابَةُ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ لِلتَّصَرُّفِ لَا مَانِعَةٌ، وَأَمَّا الرِّقُّ وَالرِّدَّةُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةٌ فِي الْمَنْعِ عَنْ التَّصَرُّفِ بِانْفِرَادِهِ فَلَا يَثْبُتُ الرُّجْحَانُ بِزِيَادَةِ الْعِلَّةِ، كَمَا إذَا أَقَامَ أَحَدُ الْمُدَّعِينَ أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهُودِ، بَلْ الرُّجْحَانُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِوَصْفٍ فِي الْعِلَّةِ لَا بِالْعِلَّةِ نَفْسِهَا إلَى هَذَا لَفْظُهُ.
وَأَرَى أَنَّ الْجَوَابَ بِحَسَبِ النَّظَرِ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلسُّؤَالِ لِأَنَّهُ مَا أُبْرِزَ السُّؤَالُ مِنْ حَيْثُ إنَّ إحْدَى عِلَّتَيْ الْمَنْعِ تُعَارِضُ عِلَّةَ الْإِطْلَاقِ وَتَتَرَجَّحُ بِالْأُخْرَى، بَلْ أُبْرِزَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَانِعًا عَنْ التَّصَرُّفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهَيْئَةَ بِالِاجْتِمَاعِيَّةِ لَهَا مِنْ الْخَوَاصِّ مَا لَيْسَ لِكُلٍّ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَلَعَلَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ إنَّمَا يَكُونُ لَهَا زِيَادَةُ تَأْثِيرٍ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ تَرْكِيبِهَا أَمْرٌ خَارِجِيٌّ أَوْ اعْتِبَارٌ حَقِيقِيٌّ لَا فَرْضِيٌّ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ الرِّقِّ وَالرِّدَّةِ. (وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَحَبِلَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَوَلَدَتْ وَلَدًا وَوُلِدَ لِوَلَدِهِمَا وَلَدٌ فَظُهِرَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَالْوَلَدَانِ فَيْءٌ)؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْتَرَقُّ فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، وَيُجْبَرُ الْوَلَدُ الْأَوَّلُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُجْبَرُ وَلَدُ الْوَلَدِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُجْبَرُ تَبَعًا لِلْجَدِّ، وَأَصْلُهُ التَّبَعِيَّةُ فِي الْإِسْلَام وَهِيَ رَابِعَةُ أَرْبَعِ مَسَائِلَ كُلُّهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالثَّانِيَةُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ.
وَالثَّالِثَةُ جَرُّ الْوَلَاءِ.
وَالْأُخْرَى الْوَصِيَّةُ لِلْقَرَابَةِ.
الشَّرْحُ:
قَالَ (وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ) قِيلَ قَوْلُهُ فَحَبِلَتْ الْمَرْأَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَقْيِيدُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ اتِّفَاقِيٌّ فَإِنَّهَا إنْ حَبِلَتْ فِي دَارِنَا ثُمَّ لَحِقَتْ بِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ لِفَائِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْعُلُوقَ إذَا كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ أَبْعَدَ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الدَّارِ لِكَوْنِ الدَّارِ جِهَةً فِي الِاسْتِتْبَاعِ، فَالْجَبْرُ هُنَاكَ يَكُونُ جَبْرًا هَاهُنَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (وَلَا يُجْبَرُ وَلَدُ الْوَلَدِ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلْجَدِّ كَانَ تَبَعًا لِلْجَدِّ جَدُّهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُسْلِمِينَ بِتَبَعِيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَوْ كَانَ تَبَعًا لِأَبِيهِ وَهُوَ تَبَعٌ لَكَانَ التَّبَعُ مُسْتَتْبِعًا لِغَيْرِهِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ يُجْبَرُ تَبَعًا لِلْجَدِّ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ فِي حَقِّ الْأَبِ لِلتَّفَرُّعِ، وَالتَّفَرُّعُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْجَدِّ وَلِهَذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي النِّكَاحِ وَبَيْعِ مَالِ الصَّغِيرِ.
وَقَوْلُهُ (كُلُّهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) يَعْنِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَمْ يُجْعَلْ الْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جُعِلَ الْجَدُّ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، أَمَّا صَيْرُورَةُ الْوَلَدِ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ جَدِّهِ فَهِيَ مَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا صُورَةُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَهِيَ أَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ فَقِيرًا أَوْ عَبْدًا وَالْجَدُّ مُوسِرٌ هَلْ تَجِبُ فِطْرَةُ الْحَافِدِ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ وَأَمَّا صُورَةُ جَرِّ الْوَلَاءِ فَلِأَنَّهُ إذَا أُعْتِقَ الْجَدُّ وَالْحَافِدُ حُرٌّ وَالْأَبُ رَقِيقٌ هَلْ يَكُونُ وَلَاءُ الْحَافِدِ لِمَوَالِي الْجَدِّ أَوْ لَا يَكُونُ.
وَصُورَةُ الْوَصِيَّةِ لِلْقَرَابَةِ إذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِذِي قَرَابَتِهِ لَا يَدْخُلُ الْوَالِدَانِ فِيهَا، وَهَلْ يَدْخُلُ الْجَدُّ أَوْلَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي شَرْحِ الْفَرَائِضِ السِّرَاجِيَّةِ وَشَرْحِ رِسَالَتِنَا. قَالَ (وَارْتِدَادُ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ ارْتِدَادٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُ، وَإِسْلَامُهُ إسْلَامٌ لَا يَرِثُ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَا كَافِرَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ارْتِدَادُهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ وَإِسْلَامُهُ إسْلَامٌ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: إسْلَامُهُ لَيْسَ بِإِسْلَامٍ وَارْتِدَادُهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ.
لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ أَنَّهُ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِيهِ فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا.
وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَحْكَامًا تَشُوبُهَا الْمَضَرَّةُ فَلَا يُؤَهَّلُ لَهُ.
وَلَنَا فِيهِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْلَمَ فِي صِبَاهُ، وَصَحَّحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إسْلَامَهُ، وَافْتِخَارُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ.
وَلِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَنْ طَوْعٍ دَلِيلٌ عَلَى الِاعْتِقَادِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالْحَقَائِقُ لَا تُرَدُّ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ وَنَجَاةٌ عَقْبَاوِيَّةٌ، وَهِيَ مِنْ أَجَلِّ الْمَنَافِعِ وَهُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ، ثُمَّ يُبْتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهَا فَلَا يُبَالِي بِشَوْبِهِ.
وَلَهُمْ فِي الرِّدَّةِ أَنَّهَا مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ أَعْلَى الْمَنَافِعِ عَلَى مَا مَرَّ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِيهَا أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً، وَلَا مَرَدَّ لِلْحَقِيقَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ لَهُ، وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَالْعُقُوبَاتُ مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصِّبْيَانِ مَرْحَمَةً عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ.
الشَّرْحُ:
وَقَوْلُهُ (وَارْتِدَادُ الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ ارْتِدَادٌ) يَعْنِي يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ فَيَبْطُلُ نِكَاحُهُ وَيَحْرُمُ عَنْ الْمِيرَاثِ وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُقْتَلُ وَإِنْ أُدْرِكَ كَافِرًا وَيُحْبَسُ، وَتَوْجِيهُ تَحْرِيرِ الْمَذَاهِبِ فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (لَهُمَا) أَيْ لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (أَنَّهُ) أَيْ الصَّبِيَّ الَّذِي يَعْقِلُ (تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِسْلَامِ (فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا) يَعْنِي يَصِحُّ إسْلَامُهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأَبَوَيْنِ فَلَا يَصِحُّ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، إذْ التَّبَعِيَّةُ دَلِيلُ الْعَجْزِ وَالْأَصَالَةُ دَلِيلُ الْقُدْرَةِ، وَبَيْنَ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ تَنَافٍ وَأَحَدُ الْمُتَنَافِيَيْنِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ مَوْجُودٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَنْتَفِي الْآخَرُ ضَرُورَةً.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ) دَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ وَاضِحٌ (قَوْلُهُ وَافْتِخَارُهُ بِذَلِكَ مَشْهُورٌ) يُشِيرُ إلَى مَا قَالَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَبَقْتُكُمُو إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا غُلَامًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِي وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي سِنِّهِ حِين أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحِينَ مَاتَ.
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ فِي أَوَّلِ مَبْعَثِهِ وَمُدَّةُ الْبَعْثِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَالْخِلَافَةُ بَعْدَهُ ثَلَاثُونَ انْتَهَتْ بِمَوْتِ عَلِيٍّ، فَإِذَا ضَمَمْت خَمْسًا إلَى ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ صَارَ ثَمَانِيًا وَخَمْسِينَ.
وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ) دَلِيلٌ آخَرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى التَّصْدِيقِ: أَيْ هُوَ التَّصْدِيقُ الْأَصْلِيُّ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ هُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مُبْتَدَأً، وَقَوْلُهُ (سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ) خَبَرَهُ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَحْكَامًا تَشُوبُهَا الْمَضَرَّةُ.
وَعُورِضَ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ إسْلَامُهُ بِنَفْسِهِ وَقَعَ فَرْضًا لِأَنَّهُ لَا نَفْلَ فِي الْإِيمَانِ وَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ فَرْضًا أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا بِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُهُ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ فَرْضًا أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا.
فَإِنَّ الْمُسَافِرَ إذَا حَضَرَ الْجُمُعَةَ وَصَلَّى وَقَعَ فَرْضًا وَلَيْسَ بِمُخَاطَبٍ بِهِ، وَمَنْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَعَ فَرْضًا وَهُوَ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ بِهِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمَا إنَّهُ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ فِيهِ فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا أَنَّ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ مُؤَيَّدَةٌ بِالْأُخْرَى فَلَا يَكُونَانِ مُتَنَافِيَيْنِ، وَذَلِكَ كَالْجُنْدِيِّ إذَا سَافَرَ مَعَ السُّلْطَانِ وَنَوَى السَّفَرَ فَهُوَ مُسَافِرٌ بِنِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ وَتَبَعًا لِلسُّلْطَانِ أَيْضًا (قَوْلُهُ وَلَهُمْ) أَيْ لِأَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِيهَا) أَيْ فِي الرِّدَّةِ (أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً وَلَا مَرَدَّ لِلْحَقِيقَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِسْلَامِ) فَإِنَّ رَدَّ الرِّدَّةِ يَكُونُ بِالْعَفْوِ عَنْهَا وَذَلِكَ قَبِيحٌ، كَمَا أَنَّ رَدَّ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَجْرِ عَنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا اعْتِبَارُ مَا هُوَ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ بِمَا هُوَ مَنْفَعَةٌ مَحْضَةٌ وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِالْقِيَاسِ، وَفَرَّقَ الشَّارِعُ بَيْنَهُمَا، وَمِثْلُهُ فَاسِدٌ فِي الْوَضْعِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ مِنَّا بِوُجُودِ شَيْءٍ وَتَحَقُّقِهِ بِوُجُودِ شَيْءٍ آخَرَ وَتَحَقُّقِهِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الرَّدِّ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الشَّارِعَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
وَقَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ) هَذَا جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ وَفِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ لِرِدَّتِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ وَالْعُقُوبَاتُ مَوْضُوعَةٌ عَنْ الصِّبْيَانِ مَرْحَمَةٌ عَلَيْهِمْ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عُقُوبَةَ الْقَتْلِ عَنْ الصَّبِيِّ الْمُرْتَدِّ مَرْحَمَةً لِصِبَاهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَهُوَ لَمْ يَرْحَمْ عَلَيْهِ حَتَّى عَاقَبَهُ فِي النَّارِ مُخَلَّدًا كَسَائِرِ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأَسْرَارِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ التُّمُرْتَاشِيِّ وَمُشَارٌ إلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَوْلَى مَا يُعَلَّلُ بِهِ فِي عَدَمِ قَتْلِ الصَّبِيِّ الْمُرْتَدِّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعْلِيلِ الْمَبْسُوطِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَإِنَّمَا لَا يُقْتَلُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ فِي الصِّغَرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمَنْ لَا يَعْقِلُ مِنْ الصِّبْيَانِ لَا يَصِحُّ ارْتِدَادُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَغَيُّرِ الْعَقِيدَةِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ.