فصل: (كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجوهرة النيرة (نسخة منقحة)



.(كِتَابُ الْخُنْثَى):

هُوَ اسْمٌ لِمَوْلُودٍ لَهُ فَرْجٌ وَذَكَرٌ يُورَثُ مِنْ حَيْثُ مَبَالِهِ فَإِذَا اشْتَبَهَ حَالُهُ وَرِثَ بِالْأَحْوَطِ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرْجٌ وَلَا ذَكَرٌ وَيَخْرُجُ الْحَدَثُ مِنْ دُبُرِهِ أَوْ مِنْ سُرَّتِهِ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إذَا كَانَ لِلْمَوْلُودِ فَرْجٌ وَذَكَرٌ فَهُوَ خُنْثَى فَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الذَّكَرِ فَهُوَ غُلَامٌ، وَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الْفَرْجِ فَهُوَ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْهُمَا وَالْبَوْلُ يَسْبِقُ مِنْ أَحَدِهِمَا يُنْسَبُ إلَى الْأَسْبَقِ)؛ لِأَنَّ السَّبْقَ مِنْ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ وَأَنَّهُ عَدَلَ إلَى الْمَجْرَى الْآخَرِ لِعِلَّةٍ أَوْ عَارِضٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَا فِي السَّبْقِ سَوَاءً فَلَا مُعْتَبَرَ بِالْكَثْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ لِأَجْلِ ضِيقِ الْمَخْرَجِ وَسَعَتِهِ فَلَا دَلَالَةَ لِقِلَّتِهِ وَلَا لِكَثْرَتِهِ قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُنْسَبُ إلَى أَكْثَرِهِمَا) بَوْلًا؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَجْرَى فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فَيَتَرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْكَثْرَةِ قَالُوا جَمِيعًا لَا عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ وَهُوَ مُشْكِلٌ يَنْتَظِرُ بِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا بَلَغَ الْخُنْثَى وَخَرَجَ لَهُ لِحْيَةٌ أَوْ وَصَلَ إلَى النِّسَاءِ فَهُوَ رَجُلٌ) وَكَذَا إذَا احْتَلَمَ كَمَا يَحْتَلِمُ الرِّجَالُ أَوْ كَانَ لَهُ ثَدْيٌ مُسْتَوِي.
قَوْلُهُ (وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ ثَدْيٌ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ نَزَلَ لَهُ لَبَنٌ فِي ثَدْيِهِ أَوْ حَاضَ أَوْ حَبِلَ أَوْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ مِنْ الْفَرْجِ فَهُوَ امْرَأَةٌ)؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ عَلَامَاتِ النِّسَاءِ.
وَأَمَّا خُرُوجُ الْمَنِيِّ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْمَرْأَةِ كَمَا يَخْرُجُ مِنْ الرَّجُلِ كَذَا فِي شَرْحِهِ وَصُورَةُ الْحَبَلِ بِأَنْ يَتَمَسَّحَ بِخِرْقَةٍ فِيهَا مَنِيٌّ فَإِنْ قِيلَ ظُهُورُ الثَّدْيَيْنِ عَلَامَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ اللَّبَنِ قِيلَ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ قَدْ يَنْزِلُ وَلَا ثَدْيَ أَوْ يَظْهَرُ لَهُ ثَدْيٌ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْ ثَدْيِ الرَّجُلِ فَإِذَا نَزَلَ اللَّبَنُ وَقَعَ التَّمْيِيزُ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ إحْدَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ) إنَّمَا قَالَ فَهُوَ وَلَمْ يَقُلْ فَهِيَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنَّثَهُ يَكُونُ تَعْيِينًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَقِيلَ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ التَّذْكِيرَ هُوَ الْأَصْلُ لَا عَلَى التَّعْيِينِ.
قَوْلُهُ (فَإِذَا وَقَفَ خَلْفَ الْإِمَامِ قَامَ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ يُؤْخَذُ لَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بِالْأَحْوَطِ فِي أُمُورِ الدِّينِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا يَقِفُ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَإِذَا وَقَفَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ أَفْسَدَ عَلَيْهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَإِذَا وَقَفَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ أَفْسَدْنَ عَلَيْهِ فَأُمِرَ بِالْوُقُوفِ بَيْنَ ذَلِكَ لِيَأْمَنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ وَقَفَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ أَعَادَ صَلَاتَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ وَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَيُعِيدُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ وَاَلَّذِي عَنْ يَسَارِهِ وَاَلَّذِي خَلْفَهُ بِحِذَائِهِ صَلَاتَهُمْ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُصَلِّيَ بِقِنَاعٍ وَيَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ كَمَا تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ قِنَاعٍ أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالْحُلِيِّ وَأَنْ يَنْكَشِفَ قُدَّامَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهِ غَيْرُ مَحْرَمٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَأَنْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ مِنْ الرِّجَالِ وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ، وَقَدْ رَاهَقَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا عِلْمَ لِي بِلِبَاسِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا يُكْرَهُ لَهُ لُبْسُ الْمَخِيطِ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَلْبَسُ لِبَاسَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَهُوَ امْرَأَةٌ أَفْحَشُ مِنْ لُبْسِهِ وَهُوَ رَجُلٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ وَفِي شَرْحِهِ إذَا أَحْرَمَ بَعْدَ مَا بَلَغَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا عِلْمَ لِي بِلِبَاسِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَلْبَسُ لِبَاسَ امْرَأَةٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَسَتْرُهُ أَوْلَى مِنْ كَشْفِهِ وَيَنْبَغِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ لَمْ يُغَسِّلْهُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ بَلْ يُيَمَّمُ فَإِنْ يَمَّمَهُ أَجْنَبِيٌّ يَمَّمَهُ بِخِرْقَةٍ، وَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ يَمَّمَهُ بِغَيْرِ خِرْقَةٍ وَلَا يُقَالُ هَلَّا يُشْتَرَى لَهُ جَارِيَةٌ تُغَسِّلُهُ كَمَا قُلْتُمْ فِي الْخِتَانِ قُلْنَا الْمَيِّتُ لَا يَمْلِكُ فَالْجَارِيَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ يُجْعَلُ فِي كُوَّارَةٍ وَيُغَسَّلُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ يُشْتَهَى أَمَّا إذَا كَانَ طِفْلًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَيُسْجَى قَبْرُهُ وَيُكَفَّنُ كَمَا تُكَفَّنُ الْمَرْأَةِ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ لَا يُقْتَلُ الْخُنْثَى بِالرِّدَّةِ وَيُحَدُّ فِي الْقَذْفِ فِي السَّرِقَةِ إذَا كَانَ قَدْ بَلَغَ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْبُوبِ وَقَاذِفُ الْمَجْبُوبِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ فِي أَطْرَافِهِ وَيَجِبُ فِيهِ دِيَةُ الْأُنْثَى إذَا قُتِلَ خَطَأً.
قَوْلُهُ (وَتُبْتَاعُ لَهُ أَمَةٌ تَخْتِنُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ)؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِمَمْلُوكَتِهِ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ رَجُلًا فَأَمَةُ الرَّجُلِ تَنْظُرُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَالْمَرْأَةُ تَنْظُرُ إلَى الْمَرْأَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ يُشْتَهَى أَمَّا إذَا كَانَ لَا يُشْتَهَى جَازَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَنْ يَخْتِنُوهُ قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ابْتَاعَ لَهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَمَةً تَخْتِنُهُ فَإِذَا خَتَنَتْهُ بَاعَهَا الْإِمَامُ وَرَدَّ ثَمَنَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ)؛ لِأَنَّ شِرَاءَهَا إنَّمَا هُوَ لِلْحَاجَةِ وَبَعْدَ فَرَاغِهَا زَالَتْ الْحَاجَةُ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ مَاتَ أَبُوهُ وَخَلَّفَ ابْنًا وَخُنْثَى فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لِلِابْنِ سَهْمَانِ وَلِلْخُنْثَى وَهُوَ ابْنَةُ عِنْدَهُ فِي الْمِيرَاثِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ غَيْرُ ذَلِكَ) يَعْنِي إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ نَصِيبَ الْأُنْثَى أَكْثَرُ مِنْ نَصِيبِ الذَّكَرِ فَيُعْطَى حِينَئِذٍ نَصِيبَ ذَكَرٍ وَذَلِكَ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَوَلَدٍ خُنْثَى فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ وَلِلْأَبَوَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ إذْ لَوْ كَانَ أُنْثَى لَكَانَ لَهُ سِتَّةٌ وَكَانَتْ تَعُولُ الْمَسْأَلَةُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَمِنْهَا إذَا مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَأَخٍ لِأُمٍّ وَخُنْثَى لِأَبٍ وَأُمٍّ مِنْ سِتَّةٍ لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ وَلِلْأَخِ لِلْأُمِّ سَهْمٌ وَالْبَاقِي لِلْخُنْثَى وَهُوَ سَهْمَانِ، وَلَوْ كَانَ أُنْثَى لَهَا ثَلَاثَةٌ وَمِنْهَا إذَا مَاتَتْ عَنْ زَوْجٍ وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخُنْثَى لِأَبٍ مِنْ اثْنَيْنِ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ سَهْمٍ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ سَهْمٍ وَلَا شَيْءَ لِلْخُنْثَى بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى مَتَى وَرِثَ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ لَا يَرِثُ بِالشَّكِّ.
قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لِلْخُنْثَى نِصْفُ مِيرَاثِ رَجُلٍ وَنِصْفُ مِيرَاثِ أُنْثَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ) وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ شَرَحِيلَ.
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَا فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ) يَعْنِي قَوْلَ الشَّعْبِيِّ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ لِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِابْنَ يَسْتَحِقُّ الْكُلَّ إذَا انْفَرَدَ وَالْخُنْثَى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ فَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا هَذَا يُضْرَبُ بِثَلَاثَةٍ وَذَاكَ بِأَرْبَعَةٍ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الِابْنِ أَرْبَعَةُ أَرْبَاعٍ وَنَصِيبُ الْخُنْثَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ قَوْلُهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ لِلِابْنِ سَبْعَةٌ وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ) وَوَجْهُهُ أَنْ يَقُولَ لَوْ كَانَ ذَكَرًا لَكَانَ لَهُ النِّصْفُ، وَلَوْ كَانَ أُنْثَى كَانَ لَهُ الثُّلُثُ فَيُعْطَى نِصْفَ النِّصْفِ وَنِصْفَ الثُّلُثِ فَيَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لِنِصْفِهِ نِصْفٌ وَلِثُلُثِهِ نِصْفٌ وَأَقَلُّهُ اثْنَا عَشَرَ فَيُعْطِيهِ نِصْفَ النِّصْفِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفُ الثُّلُثِ وَهُوَ سَهْمَانِ فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَلِلِابْنِ سَبْعَةٌ وَطَرِيقٌ أُخْرَى أَنْ تَقُولَ لَوْ كَانَ ذَكَرًا كَانَتْ مِنْ اثْنَيْنِ، وَلَوْ كَانَ أُنْثَى كَانَتْ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَاضْرِبْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى يَكُونُ سِتَّةً فَالنِّصْفُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ثُمَّ اقْسِمْ النِّصْفَ الثَّانِيَ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ فَيَنْكَسِرُ فَأَضْعِفْ الْفَرِيضَةَ وَهِيَ سِتَّةٌ تَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ ثُمَّ اقْسِمْ النِّصْفَ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَيَكُونُ لِلْخُنْثَى سَهْمَانِ وَلِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ اقْسِمْ النِّصْفَ الثَّانِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَيَحْصُلُ لِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ إلَى هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ يَكُونُ خَمْسَةً، وَإِنْ شِئْت قُلْت لَوْ كَانَ الْخُنْثَى ذَكَرًا لَكَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَهُوَ أَثْلَاثٌ فَاحْتَجْت إلَى شَيْءٍ لَهُ نِصْفٌ وَثُلُثٌ وَذَلِكَ سِتَّةٌ فَفِي حَالِ الْمَالِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ وَلِلِابْنِ ثَلَاثَةٌ وَفِي حَالِ أَثْلَاثٍ لِلْخُنْثَى سَهْمَانِ وَلِلِابْنِ أَرْبَعَةٌ فَسَهْمَانِ لِلْخُنْثَى ثَابِتَانِ بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي السَّهْمِ الزَّائِدِ فَيَتَنَصَّفُ فَيَكُونُ لَهُ سَهْمَانِ وَنِصْفٌ فَانْكَسَرَ فَأَضْعِفْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ؛ لِأَنَّك لَوْ زِدْت نِصْفَ السَّبْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْبَاعٍ يَصِيرُ نِصْفَ الْمَالِ وَالْخَمْسَةُ لَا تَصِيرُ نِصْفَ الْمَالِ إلَّا بِزِيَادَةِ سَهْمٍ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَذَلِكَ نِصْفُ السُّدُسِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ السَّبْعِ فَثَبَتَ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ أَنْفَعُ لِلْخُنْثَى وَالطَّرِيقُ الْوَاضِحُ أَنْ تَضْرِبَ السَّبْعَةَ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ حَيْثُ لَا مُوَافَقَةَ بَيْنَهُمَا تَكُونُ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ ثُمَّ اضْرِبْ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ سَبْعَةٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَيَكُونُ لِلْخُنْثَى سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ وَاضْرِبْ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ فِي سَبْعَةٍ وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ مَضْرُوبَةٌ فِي سَبْعَةٍ يَكُونُ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ فَظَهَرَ أَنَّ التَّفَاوُتَ سَهْمٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ وَهُوَ نِصْفُ سُدُسِ سَبْعٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

.(كِتَابُ الْمَفْقُودِ):

هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي جِهَةٍ فَيُفْقَدُ وَلَا تُعْرَفُ جِهَتُهُ وَلَا مَوْضِعُهُ وَلَا يَسْتَبِينُ أَمْرُهُ وَلَا حَيَاتُهُ وَلَا مَوْتُهُ أَوْ يَأْسِرُهُ الْعَدُوُّ وَلَا يَسْتَبِينُ أَمْرُهُ وَلَا قَتْلُهُ وَلَا حَيَاتُهُ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إذَا غَابَ الرَّجُلُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَوْضِعٌ وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ نَصَّبَ الْقَاضِي مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْفِي حُقُوقَهُ)؛ لِأَنَّهُ نَصَّبَ نَاظِرًا لِكُلِّ عَاجِزٍ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَالْمَفْقُودُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ حِفْظِ مَالِهِ فَصَارَ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَقَوْلُهُ وَيَسْتَوْفِي حُقُوقَهُ يَعْنِي الدُّيُونَ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا غَرِيمٌ مِنْ غُرَمَائِهِ وَيَسْتَوْفِي غَلَّاتِهِ يَتَقَاضَاهَا وَيُخَاصِمُ فِي دَيْنٍ وَجَبَ بِعَقْدِهِ وَلَا يُخَاصِمُ فِي الَّذِي تَوَلَّاهُ الْمَفْقُودُ وَلَا فِي نَصِيبٍ لَهُ فِي عَقَارٍ أَوْ عَرُوضٍ فِي يَدِ رَجُلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَلَا نَائِبٍ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ مِنْهُ جِهَةَ الْقَاضِي وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ فِي الدَّيْنِ وَمَا كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ مَالِ الْمَفْقُودِ أَمَرَ الْقَاضِي بِبَيْعِهِ كَالثِّمَارِ وَنَحْوِهَا وَمَا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ لَا يُبَاعُ لَا فِي نَفَقَةٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا وَلَايَةَ عَلَى الْغَالِبِ إلَّا فِي حِفْظِ مَالِهِ وَمَا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ قَالَ الْخُجَنْدِيُّ الْمَفْقُودُ مَيِّتٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَيٌّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ مَيِّتٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ غَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ مُورِثِهِ فَلَا يَرِثُ بِالشَّكِّ وَحَيٌّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى إنَّهُ لَا يُورَثُ مِنْهُ وَلَا يُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّا عَرَفْنَا الْمَالَ لَهُ بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَكَذَا لَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّا عَرَفْنَا النِّكَاحَ قَائِمًا بَيْنَهُمَا فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمَفْقُودَ حَيٌّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى عَكْسِ الْأَوَّلِ أَمَّا كَوْنُهُ حَيًّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَإِنَّا لَا نُزِيلُ أَمْلَاكَهُ عَنْهُ لِاسْتِصْحَابِ الْحَيَاةِ فِيهِ وَمَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى لَا نُورِثُهُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ حَيَاتَهُ فَلَا نُوَرِّثُهُ بِالشَّكِّ.
قَوْلُهُ (وَيُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ مِنْ مَالِهِ) يَعْنِي أَوْلَادَهُ الصِّغَارَ، وَكَذَا يُنْفِقُ عَلَى أَبَوَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَعَلَى جَمِيعِ قَرَابَةِ الْوَلَاءِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ حَالَ حَضْرَتِهِ بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ حِينَئِذٍ يَكُونُ إعَانَةً وَكُلُّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا حَالَ حَضْرَتِهِ إلَّا بِالْقَضَاءِ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ تَجِبُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ فَمِنْ الْأَوْلَى الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ وَالْإِنَاثُ مِنْ أَوْلَادِ الْكِبَارِ وَالزَّمْنَى مِنْ الذُّكُورِ الْكِبَارِ وَمِنْ الثَّانِي الْأَخُ وَالْأُخْتُ وَالْخَالُ وَالْخَالَةُ وَقَوْلُهُ مِنْ مَالِهِ يَعْنِي الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ وَالْكِسْوَةَ وَالْمَأْكُولَ فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَبِيدِ فَلَا يُبَاعُ إلَّا الْأَبَ فَإِنَّهُ يَبِيعُ الْمَنْقُولَ فِي النَّفَقَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَبِيعُ غَيْرَ الْمَنْقُولِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَبِيعُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ (وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ) وَقَالَ مَالِكٌ إذَا مَضَتْ أَرْبَعُ سِنِينَ يُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَكَذَا قَضَى فِي الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الْجِنُّ فِي الْمَدِينَةِ وَكَفَى بِهِ إمَامًا وَقُدْوَةً وَلِأَنَّهُ مَنَعَ حَقَّهَا بِالْغَيْبَةِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ اعْتِبَارًا بِالْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ وَبَعْدَ هَذَا الِاعْتِبَارِ أُخِذَ الْمِقْدَارُ مِنْهُمَا الْأَرْبَعُ مِنْ الْإِيلَاءِ وَالسِّنِينَ مِنْ الْعُنَّةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ وَقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هِيَ امْرَأَتُهُ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَسْتَبِينَ مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ خَرَجَ بَيَانًا لِلْبَيَانِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَرْفُوعِ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَوْ قَضَى فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ رُجُوعُ عُمَرَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَكَانَ الْإِمَامُ السَّمَرْقَنْدِيُّ يُفْتِي بِأَنَّهُ يَنْفُذُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَوْلُهُ (فَإِذَا تَمَّ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وُلِدَ حَكَمْنَا بِمَوْتِهِ وَاعْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ) هَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ يُقَدَّرُ بِمَوْتِ الْأَقْرَانِ وَفِي الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِتِسْعِينَ سَنَةً فَإِذَا حُكِمَ بِمَوْتِهِ وَجَبَ عَلَى امْرَأَتِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنْ وَقْتِ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ.
قَوْلُهُ (وَقُسِّمَ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) كَأَنَّهُ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُعَايَنَةً.
قَوْلُهُ (وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ) لِأَنَّهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ مُبْقًى عَلَى الْحَيَاةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَرِثُ الْمَفْقُودُ مِنْ أَحَدٍ مَاتَ فِي حَالِ فَقْدِهِ) لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا يَرِثُ فِي كَوْنِهِ مَيِّتًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ بَلْ يُوقَفُ نَصِيبُهُ وَلَا يُصْرَفُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ، وَكَذَا إذَا أُوصِي لَهُ بِوَصِيَّةٍ كَانَتْ مَوْقُوفَةً؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا فَلَا يَصِحُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَيًّا فَيَصِحُّ فَلِهَذَا وُقِفَتْ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

.(كِتَابُ الْإِبَاقِ):

وَالْإِبَاقُ هُوَ التَّمَرُّدُ وَالِانْطِلَاقُ وَهُوَ مِنْ سُوءِ الْأَخْلَاقِ وَرَدَاءَةِ الْأَعْرَاقِ وَرَدُّهُ إلَى مَوْلَاهُ إحْسَانٌ وَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ وَأَخْذُ الْآبِقِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ فِي حَقِّ مَنْ يَقْوَى عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إحْيَائِهِ قَالَ الثَّعَالِبِيُّ الْآبِقُ الْهَارِبُ مِنْ غَيْرِ ظُلْمِ السَّيِّدِ فَإِنْ هَرَبَ مِنْ الظُّلْمِ لَا يُسَمَّى آبِقًا بَلْ يُسَمَّى هَارِبًا فَعَلَى هَذَا الْإِبَاقُ عَيْبٌ وَالْهَرَبُ لَيْسَ بِعَيْبٍ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إذَا أَبَقَ الْمَمْلُوكُ فَرَدَّهُ رَجُلٌ عَلَى مَوْلَاهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَلَهُ عَلَيْهِ جُعْلٌ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ إلَّا بِالشَّرْطِ.
وَأَمَّا رَدُّ الْعَبْدِ الضَّالِّ أَوْ الشَّاةِ أَوْ الْبَعِيرَ فَلَا شَيْءَ فِيهِمْ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ رَدُّهُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَبِحِسَابِهِ).
وَفِي الْهِدَايَةِ يُقَدَّرُ الرَّضْخُ فِي الرَّدِّ عَمَّا دُونَ الثَّلَاثَةِ بِاصْطِلَاحِهِمَا أَوْ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَقِيلَ يُقْسَمُ الْأَرْبَعُونَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ، وَإِنْ جَاءَ بِالْآبِقِ رَجُلٌ إلَى مَوْلَاهُ فَأَنْكَرَ مَوْلَاهُ أَنْ يَكُونَ آبِقًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بِرَدِّهِ وُجُوبِ حَقٍّ عَلَى الْمَوْلَى وَهُوَ يُنْكِرُهُ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ آبِقٌ مِنْ مَوْلَاهُ أَوْ أَنَّ مَوْلَاهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَيَجِبُ الْجُعْلُ وَفِي رَدِّ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ إذَا كَانَ فِي حَيَاةِ الْمَوْلَى فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ أَنْ يَصِلَ بِهِمَا فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا عَتَقَا بِمَوْتِهِ وَيَجِبُ الْجُعْلُ فِي رَدِّ الْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ وَإِبَاقُهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ وَإِنْ أَبَقَ الْمُكَاتَبُ فَرَدَّهُ رَجُلٌ عَلَى مَوْلَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَلَمْ يَسْتَفِدْ الْمَوْلَى بِالرَّدِّ مِلْكًا زَالَ عَنْهُ بِالْإِبَاقِ فَإِنْ كَانَ الرَّادُّ اثْنَيْنِ وَالْعَبْدُ وَاحِدًا فَجُعْلُ الْوَاحِدِ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ اثْنَيْنِ وَالْعَبْدُ وَاحِدًا فَالْجُعْلُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ اثْنَيْنِ وَالسَّيِّدُ وَاحِدًا فَعَلَيْهِ جُعْلَانِ وَلِمَنْ جَاءَ بِالْآبِقِ أَنْ يَمْسِكَهُ بِالْجُعْلِ فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يَمْسِكُهُ بِالْجُعْلِ، وَكَذَا لَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ سَقَطَ بِالْهَلَاكِ وَإِنْ جَاءَ بِالْآبِقِ فَوَجَدَ السَّيِّدَ قَدْ مَاتَ فَالْجُعْلُ فِي تَرِكَتِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ وَهُوَ أَحَقُّ بِالْعَبْدِ حَتَّى يُعْطَى الْجُعْلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ بِيعَ الْعَبْدُ وَبُدِئَ بِالْجُعْلِ ثُمَّ قُسِّمَ الْبَاقِي بَيْنَ الْغُرَمَاءِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّادُّ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَوْلَى كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ وَسَائِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ، وَإِنْ وَجَدَ الرَّجُلُ عَبْدَ أَبِيهِ فَرَدَّهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ وَإِنْ وَجَدَ الْأَبُ عَبْدَ ابْنِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ وَإِنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ فَلَا جُعْلَ لَهُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ إذَا كَانَ الرَّادُّ أَبًا لِلْمَوْلَى أَوْ ابْنِهِ وَهُوَ فِي عِيَالِهِ أَوْ رَدَّهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَلَا جُعْلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَتَبَرَّعُونَ بِالرَّدِّ عَادَةً، وَإِنْ أَبَقَ عَبْدُ الصَّبِيِّ فَرَدَّهُ إنْسَانٌ فَالْجُعْلُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ.
وَأَمَّا إذَا رَدَّهُ وَصِيُّهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى يَدِ نَفْسِهِ، وَإِنْ رَدَّ السُّلْطَانُ آبِقًا عَلَى مَوْلَاهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ كَالْوَصِيِّ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا قُضِيَ لَهُ بِقِيمَتِهِ إلَّا دِرْهَمًا) هَذَا قَوْلُهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجِبُ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمًا وَاحِدًا؛
لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَرْبَعِينَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ فَلَا يَنْقُصُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ حِينَ أَوْجَبُوا ذَلِكَ لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ قَلِيلِ الْقِيمَةِ وَكَثِيرِهَا وَلَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى الرَّدِّ لِيَحْيَى مَالُ الْمَالِكِ فَيَنْقُصُ دِرْهَمًا لِيَسْلَمَ لِلْمَالِكِ شَيْءٌ تَحْقِيقًا لِلْفَائِدَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَبَقَ مِنْ الَّذِي رَدَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَكِنْ هَذَا إذَا أَشْهَدَ حِينَ أَخْذِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَائِعِ مِنْ الْمَالِكِ وَلِهَذَا إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْآبِقَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْجُعْلَ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ يَحْبِسُ الْمَبِيعَ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ وَلِهَذَا إذَا مَاتَ فِي يَدِهِ لَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى فِي حَالِ إبَاقِهِ وَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْجُعْلِ لِأَنَّ الْمِلْكَ زَالَ بِالْعِتْقِ فَصَارَ كَأَنَّهُ رَدَّ حُرًّا، وَإِنْ أَعْتَقَهُ حِينَ رَدَّهُ فَلَهُ الْجُعْلُ؛ لِأَنَّهُ بِالْعِتْقِ قَابِضٌ لَهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ، وَكَذَا إذَا بَاعَهُ مِنْ الرَّادِّ كَانَ لَهُ الْجُعْلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ وَبِقَبْضِهِ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ وَلِأَنَّهُ قَدْ سَلِمَ لَهُ الْبَدَلُ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ إنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ حِينَ أَخَذَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَشْهَدَ صَارَ أَخْذُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ ضَمِنَ عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ إذَا أَخَذَهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ)؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ فَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ لِتَزُولَ التُّهْمَةُ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ الْإِشْهَادُ حَتْمٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ حَتَّى لَوْ رَدَّهُ مَنْ لَمْ يُشْهِدْ وَقْتَ الْأَخْذِ لَا جُعْلَ لَهُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِشْهَادِ أَمَارَةُ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ وَإِذَا جَاءَ بِالْآبِقِ إلَى مَوْلَاهُ فَوَهَبَهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ فَلَهُ الْجُعْلُ، وَإِنْ أَدْخَلَهُ مِصْرَ مَوْلَاهُ فَأَبَقَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ بِهِ إلَى مَوْلَاهُ فَلَا جُعْلَ لَهُ فَإِنْ جَاءَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِلَّذِي جَاءَ بِهِ الْجُعْلُ إذَا رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَيَجُوزُ عِتْقُ الْآبِقِ عَنْ ظِهَارِهِ إذَا كَانَ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُهُ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى قَبْضِهِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ رَهْنًا فَالْجُعْلُ عَنْ الْمُرْتَهِنِ) وَإِبَاقُهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الرَّهْنِ وَالرَّدِّ فِي حَيَاةِ الرَّاهِنِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ فَبِقَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَالْبَاقِي عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْقَدْرِ الْمَضْمُونِ ثُمَّ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ وَالدَّيْنُ سَوَاءً وَأَدَّى الرَّاهِنُ الْجُعْلَ قَضَاءً مِنْ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ كَانَ الْآبِقُ أَمَةً وَمَعَهَا وَلَدٌ رَضِيعٌ فَالْجُعْلُ وَاحِدٌ وَلَا عِبْرَةَ بِالْوَلَدِ كَذَا فِي الْيَنَابِيعِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

.(كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ):

أَرْضُ الْمَوَاتِ هِيَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ مَرَافِقِ الْبَلَدِ وَكَانَتْ خَارِجَ الْبَلَدِ قَرُبَتْ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ بَعُدَتْ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الْمَوَاتُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهُ أَوْ لِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الزِّرَاعَةَ) بِأَنْ صَارَتْ سَبِخَةً أَوْ نَزِيَّةً؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ قَوْلُهُ (فَمَا كَانَ مِنْهَا عَادِيًا لَا مَالِكَ لَهُ أَوْ كَانَ مَمْلُوكًا فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَالِكٌ بِعَيْنِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ الْقَرْيَةِ بِحَيْثُ إذَا وَقَفَ إنْسَانٌ فِي أَقْصَى الْعَامِرِ فَصَاحَ لَمْ يُسْمَعْ الصَّوْتُ مِنْهُ فَهُوَ مَوَاتٌ) الْعَادِي هُوَ مَا تَقَدَّمَ خَرَابُهُ لَا أَنَّهُ مَكَانٌ لِعَادٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَوَاتِ لَمْ تَكُنْ لِعَادٍ وَقَوْلُهُ إذَا وَقَفَ إنْسَانٌ فِي أَقْصَى الْعَامِرِ يَعْنِي إنْسَانًا جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَا لَيْسَتْ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَلَا هِيَ مِنْ مَرَافِقِ الْبَلَدِ وَكَانَتْ خَارِجَ الْبَلَدِ سَوَاءٌ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ فَهِيَ مَوَاتٌ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَأَبُو يُوسُفَ اشْتَرَطَ الْبُعْدَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا يَكُونُ قَرِيبًا مِنْ الْقَرْيَةِ لَا يَنْقَطِعُ ارْتِفَاقُ أَهْلِهَا عَنْهُ وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ انْقِطَاعَ ارْتِفَاقِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَنْهَا حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ (مَنْ أَحْيَاهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ مَلَكَهُ، وَإِنْ أَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَمْلِكْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يَمْلِكُهُ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ «لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ إمَامِهِ» وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِحْيَاءِ وَمَلَّكَهُ إيَّاهَا الْإِمَامُ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ تَصِيرُ مِلْكًا لَهُ وَالْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ إذَا أَحْيَاهَا وَلَا يَسْتَرِدُّهَا مِنْهُ، وَهَذَا إذَا تَرَكَ الِاسْتِئْذَانَ جَهْلًا أَمَّا إذَا تَرَكَهُ تَهَاوُنًا بِالْإِمَامِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا زَجْرًا لَهُ فَإِذَا تَرَكَهَا لَهُ الْإِمَامُ تَرَكَهَا بِعُشْرٍ أَوْ خَرَاجٍ.
وَفِي الْهِدَايَةِ يَجِبُ فِيهَا الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا سَقَاهَا بِمَاءِ الْخَرَاجِ حِينَئِذٍ يَكُونُ إبْقَاءُ الْخَرَاجِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ (وَيَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ كَمَا يَمْلِكُ الْمُسْلِمُ)؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ سَبَبُ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذْنُ الْإِمَامِ مِنْ شَرْطِهِ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا وَلَمْ يَعْمُرْهَا ثَلَاثَ سِنِينَ أَخَذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ وَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ) حَجَّرَ بِالتَّشْدِيدِ وَيُرْوَى بِالتَّخْفِيفِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ عِمَارَتَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ فَقَدْ أَهْمَلَهَا وَالْمَقْصُودُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إظْهَارُ عِمَارَةِ أَرَاضِيهَا تَحْصِيلًا لِمَنْفَعَةٍ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ الْعُشْرُ أَوْ الْخَرَاجُ وَلِأَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ يُمْلَكُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْإِحْيَاءُ هُوَ الْعِمَارَةُ وَالتَّحْجِيرُ إنَّمَا هُوَ لِلْإِعْلَامِ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَهُ بِوَضْعِ الْحِجَارَةِ حَوْلَهُ أَوْ يَعْلَمُونَهُ بِحَجَرِ غَيْرِهِمْ عَنْ إحْيَائِهِ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْأَرَاضِيَ تُزْرَعُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَأَكْثَرَ مَا جُعِلَ لِلِارْتِيَاءِ فِي جِنْسِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الرَّغْبَةِ وَالِاخْتِيَارِ الثَّلَاثُ وَهِيَ الثَّلَاثُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ فَإِذَا تَرَكَهَا هَذَا الْقَدْرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ إتْلَافَهَا وَمَوْتَهَا فَوَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إزَالَةُ يَدِهِ عَنْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ دِيَانَةً، أَمَّا إذَا أَحْيَاهَا غَيْرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ مَلَكَهَا، وَإِنَّمَا هَذَا كَالِاسْتِيَامِ فَيُكْرَهُ، وَلَوْ فَعَلَهُ جَازَ الْعَقْدُ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَيُتْرَكُ مَرْعًى لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَمَطْرَحًا لِحَصَائِدِهِمْ) وَمُحْتَطَبِهِمْ لِتَحَقُّقِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهَا فَلَا تَكُونُ مَوْتًا لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهَا.
قَوْلُهُ (وَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي بَرِّيَّةٍ فَلَهُ حَرِيمُهَا) مَعْنَاهُ إذَا حَفَرَ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِإِذْنِهِ وَغَيْرِ إذْنِهِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ حَفْرَ الْبِئْرِ إحْيَاءٌ وَلِأَنَّ حَرِيمَ الْبِئْرِ كَفِنَاءِ الدَّارِ وَصَاحِبُ الدَّارِ أَحَقُّ بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَذَا حَرِيمُ الْبِئْرِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَتْ لِلْعَطَنِ فَحَرِيمُهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا) يَعْنِي مِنْ كُلِّ جَانِبٍ أَرْبَعُونَ هُوَ الصَّحِيحُ عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ فَإِنْ كَانَ الْحَبْلُ الَّذِي يَنْزِعُ بِهِ يُجَاوِزُ الْأَرْبَعِينَ فَلَهُ مُنْتَهَى الْحَبْلِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ لِلنَّاضِحِ فَسِتُّونَ ذِرَاعًا) هَذَا عِنْدَهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَرْبَعُونَ كَمَا فِي الْعَطَنِ وَالْكَلَامُ فِي طُولِ الْحَبْلِ كَالْكَلَامِ فِي الْعَطَنِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا سِتُّونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ذَكَرَهُ الْخُجَنْدِيُّ وَالذِّرَاعُ الْمُعْتَبَرُ يَزِيدُ عَلَى ذِرَاعِ الْعَامَّةِ بِقَبْضَةٍ وَالنَّاضِحُ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ الْمَاءُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا فَحَرِيمُهَا ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ) وَفِي الْهِدَايَةِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ تُسْتَخْرَجُ لِلزِّرَاعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَوْضِعٍ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ وَمِنْ حَوْضٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ وَمِنْ نَهْرٍ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ إلَى الْمَزْرَعَةِ فَلِهَذَا قُدِّرَ بِالزِّيَادَةِ وَالتَّقْدِيرُ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ قَوْلُهُ (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ فِي حَرِيمِهَا بِئْرًا مُنِعَ مِنْهُ) كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ حَقِّهِ وَالْإِخْلَالِ بِهِ فَإِنْ حَفَرَ فَلِلْأَوَّلِ أَنْ يَكْبِسَهَا تَبَرُّعًا فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّانِيَ بِكَبْسِهَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَفْرَهُ جِنَايَةٌ مِنْهُ كَمَا فِي الْكُنَاسَةِ يُلْقِيهَا فِي دَارِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِرَفْعِهَا وَقِيلَ يُضَمِّنُهُ النُّقْصَانَ ثُمَّ يَكْبِسُهَا لِنَفْسِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ حَفَرَ الثَّانِيَ بِئْرًا وَرَاءَ حَرِيمِ الْأُولَى فَذَهَبَ مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي الْحَفْرِ فَلِلثَّانِي الْحَرِيمُ مِنْ الْجَوَانِبِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْجَانِبِ الْأَوَّلِ لِسَبْقِ مِلْكِ الْحَافِرِ الْأَوَّلِ فِيهِ وَالشَّجَرَةُ تُغْرَسُ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ لَهَا حَرِيمٌ أَيْضًا حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرًا فِي حَرِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى حَرِيمٍ لِيَجِدَ فِيهِ ثَمَرَهُ وَيَضَعَهُ فِيهِ وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِخَمْسَةِ أَذْرُعٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
قَوْلُهُ (مَا تَرَكَ الْفُرَاتُ أَوْ الدِّجْلَةُ وَعَدَلَ عَنْهُ الْمَاءُ فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ) لِحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى كَوْنِهِ نَهْرًا قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ فَهُوَ كَالْمَوَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِعَامِرٍ يَمْلِكُهُ مَنْ أَحْيَاهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ) اشْتِرَاطُ إذْنِ الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ (وَمَنْ كَانَ لَهُ نَهْرٌ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَرِيمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَهُ مُسَنَّاةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا وَيُلْقِي عَلَيْهَا طِينَهُ)؛ لِأَنَّ النَّهْرَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِحَرِيمٍ يُلْقِي عَلَيْهِ طِينَهُ وَيَجْتَازُ عَلَيْهِ إلَى النَّهْرِ لِيَنْظُرَ مَصَالِحَهُ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَرِيمَ لَهُ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْمَشْيِ لِيَسِيلَ الْمَاءُ عَنْهُ وَلَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَادَةً فِي بَطْنِ النَّهْرِ وَلَا يُمْكِنُهُ إلْقَاءُ الطِّينِ إلَى مَكَان بَعِيدٍ إلَّا بِحَرَجٍ فَيَكُونُ لَهُ الْحَرِيمُ اعْتِبَارًا بِالْبِئْرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَرِيمَ فِي الْبِئْرِ عَرَفْنَاهُ بِالْأَثَرِ وَلِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمَاءِ فِي النَّهْرِ مُمْكِنٌ بِدُونِ الْحَرِيمِ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْبِئْرِ إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ وَلَا اسْتِيفَاءَ إلَّا بِالْحَرِيمِ.
وَقَوْلُهُ مُسَنَّاةٌ وَهُوَ الطَّرِيقُ وَقِيلَ هُوَ الزَّبِيرُ بِلُغَتِنَا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهُ قَدْرُ نِصْفِ بَطْنِ النَّهْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قَدْرُ جَمِيعِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّ وَلَايَةَ الْغَرْسِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا لِصَاحِبِ النَّهْرِ.
وَأَمَّا إلْقَاءُ طِينِ النَّهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْقُلُهُ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِأَحَدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ عَلَى الْمُسَنَّاةِ مَا لَمْ يَفْحُشْ.
وَأَمَّا الْمُرُورُ فَقَدْ قِيلَ يُمْنَعُ مِنْهُ عِنْدَهُ وَقِيلَ لَا يُمْنَعُ لِلضَّرُورَةِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ نَأْخُذُ بِقَوْلِهِ فِي الْغَرْسِ وَبِقَوْلِهِ مَا فِي إلْقَاءِ الطِّينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

.(كِتَابُ الْمَأْذُونِ):

الْإِذْنُ عِبَارَةٌ عَنْ فَكِّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطِ الْحَقِّ عِنْدَنَا وَالْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِذْنِ بَقِيَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ بِلِسَانِهِ النَّاطِقِ وَعَقْلِهِ الْمُمَيِّزِ وَانْحِجَارِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْمَوْلَى كَيْ لَا يَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ كَسْبِهِ وَذَلِكَ مَالُ الْمَوْلَى فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إذَا أَذِنَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ إذْنًا عَامًّا جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي سَائِرِ التِّجَارَاتِ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُ أَذِنْتُ لَك فِي التِّجَارَةِ وَلَا يُقَيِّدُهُ.
قَوْلُهُ (يَبِيعُ وَيَشْتَرِي يَعْنِي بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَبِنُقْصَانٍ) لَا يُتَغَابَنُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِنُقْصَانٍ يَسِيرٍ إجْمَاعًا وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ فَلَا يَنْظِمُهُ الْإِذْنُ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْحُرِّ وَعَلَى هَذَا الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ فَإِنْ حَابَى الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنْ كَانَ فَمِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي الْحُرِّ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَلَا وَارِثَ لِلْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُحْبَطًا بِمَا فِي يَدِهِ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي إذْ جَمِيعُ الْمُحَابَاةِ وَإِلَّا فَارْدُدْ الْمَبِيعَ كَمَا فِي الْحُرِّ وَلَهُ أَنْ يُسْلِمَ وَيَقْبَلَ السَّلَمَ؛ لِأَنَّهُ تِجَارَةٌ وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَفَرَّغُ بِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ (وَيَرْهَنُ وَيَسْتَرْهِنُ)؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهَا إيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ وَيَمْلِكُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأُجَرَاءَ وَالْبُيُوتَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ وَيَأْخُذُ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الرِّبْحِ وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ عِنَانً وَيَدْفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَيَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ يَنْحَجِرُ وَلَا أَنْ يَرْهَنَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهُ يُحْبَسُ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْمَوْلَى، أَمَّا الْإِجَارَةُ فَلَا يَنْحَجِرُ بِهَا وَيَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ وَهُوَ الرِّبْحُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي جَمِيعِهَا)، مِثْلُ أَنْ يَأْذَنَ فِي الْبُرِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ إلَّا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ مِنْ الْمَوْلَى، وَلَنَا أَنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ وَفَكُّ الْحَجْرِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ مَالِكِيَّةُ الْعَبْدِ فَلَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَإِنْ وَقَّتَ لَهُ الْإِذْنَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَذِنْت لَك شَهْرًا فِي التِّجَارَةِ فَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ أَبَدًا حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ إذْنَهُ إطْلَاقٌ مِنْ حَجْرٍ فَلَا يَتَوَقَّفُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَالْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ، وَكَذَا إذَا رَآهُ الْمَوْلَى يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَلَمْ يَنْهَهُ وَسَكَتَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ إذْنًا؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ وَلِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي تَصَرُّفِهِ فَصَارَ سُكُوتُهُ رِضًا بِهِ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمَّا كَانَ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ وَلِلشَّفِيعِ حَقٌّ فِي تَصَرُّفِهِ كَانَ سُكُوتُهُ عَنْ الطَّلَبِ إسْقَاطًا لِحَقِّهِ كَذَا هَذَا وَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا رَأَى رَجُلًا يَبِيعُ لَهُ شَيْئًا فَسَكَتَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ إذْنًا فِي جَوَازِ بَيْعِهِ؛ لِأَنَّ بَائِعَ عَبْدِ غَيْرِهِ إنَّمَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِالتَّوْكِيلِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَا بِالتَّوْكِيلِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ وَإِنْ قَالَ أَجِّرْ نَفْسَك أَوْ اُقْعُدْ قَصَّارًا أَوْ صَبَّاغًا فَهُوَ إذْنٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مِنْ التِّجَارَةِ وَذِكْرُ بَعْضِ التِّجَارَةِ إذْنٌ لَهُ فِي جَمِيعِهَا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ بِمَأْذُونٍ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ، مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ لِلْكِسْوَةِ أَوْ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ مَأْذُونًا بِهَذَا يَنْسَدُّ عَلَيْهِ بَابُ الِاسْتِخْدَامِ وَلَوْ قَالَ لَهُ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ أَذِنْتُ لَك فِي التِّجَارَةِ صَارَ مَأْذُونًا لَهُ إذَا جَاءَ غَدٌ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتَ وَكِيلِي فَجَاءَ غَدٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَكِيلًا، وَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ عَزَلْتُك أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ الْمَأْذُونُ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ حَجَرْت عَلَيْك أَوْ قَالَ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ إذَا جَاءَ غَدٌ فَقَدْ رَاجَعْتُك فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا كُلُّهُ وَلَا يَصِيرُ الْوَكِيلُ مَعْزُولًا وَلَا الْعَبْدُ مَحْجُورًا وَلَا الْمُطْلَقَةُ مُرَاجَعَةً ثُمَّ الْعَبْدُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا إلَّا بِالْعِلْمِ حَتَّى لَوْ قَالَ الْمَوْلَى أَذِنْتُ لِعَبْدِي فِي التِّجَارَةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا لِلتِّجَارَةِ كَالْوَكَالَةِ، وَلَوْ قَالَ بَايِعُوا عَبْدِي فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَبَايَعُوهُ وَالْعَبْدُ لَا يَعْلَمُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْمَأْذُونِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَكُونُ مَأْذُونًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا عَلِمَ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ لَا يَصِيرُ مَحْجُورًا وَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ فِي سُوقِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، إنْ أَخْبَرَهُ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَدْلَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ عَدْلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ وَامْرَأَةٌ عَدْلَةٌ صَارَ مَحْجُورًا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا غَيْرَ عَدْلٍ لَا يَصِيرُ مَحْجُورًا إلَّا إذَا صَدَّقَهُ وَعِنْدَهُمَا يَنْحَجِرُ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ إذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ رَسُولًا صَارَ مَحْجُورًا بِالْإِجْمَاعِ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ.
قَوْلُهُ (وَإِقْرَارُ الْمَأْذُونِ بِالدُّيُونِ وَالْغُصُوبِ جَائِزٌ) وَكَذَا بِالْوَدَائِعِ إذَا أَقَرَّ بِاسْتِهْلَاكِهَا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لَاجْتَنَبَتْ النَّاسُ مُبَايَعَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدُّيُونُ دُيُونَ التِّجَارَةِ أَمَّا الْمَهْرُ وَالْجِنَايَةُ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ يُسْتَوْفَى مِنْهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَلَا يُسْتَوْفَى مِنْ رَقَبَتِهِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَهْرِ مَا كَانَ مِنْ التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَلَوْ أَقَرَّ بِمَهْرِ امْرَأَةٍ وَصَدَّقَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ افْتَضَّ حُرَّةً أَوْ أَمَةً بِكْرًا بِأُصْبُعِهِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ إلَّا بِتَصْدِيقِ الْمَوْلَى وَهُوَ إقْرَارٌ بِجِنَايَةٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ إقْرَارٌ بِالْمَالِ وَيُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ قَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ فِي مَقَالَاتِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ قَالَ مَأْذُونٌ أَزَالَتْ أُصْبُعِي بِغَسْلُ يُؤْخَذُ لِلْحَالِ اسْمَعْ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِمَا إذَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَهْرِ كَمَا إذَا دَفَعَ أَجْنَبِيَّةً فَسَقَطَتْ فَذَهَبَتْ بِغَسْلُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا.
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَلَا أَنْ يُزَوِّجَ مَمَالِيكَهُ)؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ وَالْإِذْنُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى التِّجَارَةِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُجِزْهُ الْمَوْلَى فَسَدَ فَإِذَا دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ ثَابِتٍ فِي حَقِّ الْمَوْلَى.
وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ لِمَمَالِيكِهِ فَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ لَمْ يَجُزْ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِدَلَالَةِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ رَقَبَتَهُ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَالُ بِمَنَافِعِهَا فَأَشْبَهَ إجَارَتَهَا وَلَهُمَا أَنَّ التَّزْوِيجَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمُضَارِبُ وَالشَّرِيكُ شَرِكَةَ عِنَانٍ، قَالَ فِي الْمَنْظُومَةِ فِي مَقَالَاتِ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَيَمْلِكُ الْمَأْذُونُ تَزْوِيجَ الْأَمَهْ وَصَاحِبُ الْعِنَانِ وَالْمُضَارَبَهْ قُيِّدَ بِالْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ ذَلِكَ إجْمَاعًا وَقُيِّدَ بِالْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ تَزْوِيجُ الْعَبْدِ إجْمَاعًا وَقُيِّدَ بِصَاحِبِ الْعِنَانِ؛ لِأَنَّ الْمُفَاوِضَ يَمْلِكُ ذَلِكَ إجْمَاعًا.
قَوْلُهُ (وَلَا يُكَاتِبُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَالْبَدَلُ فِي الْكِتَابَةِ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ فَلَمْ يَكُنْ تِجَارَةً إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْمَوْلَى وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى قَدْ مَلَّكَهُ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ نَائِبًا عَنْهُ وَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الْكِتَابَةِ سَفِيرٌ عَنْهُ فَإِذَا كَاتَبَ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَأَجَازَهُ الْمَوْلَى جَازَ فَمَالُ الْكِتَابَةِ لِلْمَوْلَى لَا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ عَلَى قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ وَقَبْضُ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ حُقُوقِ الْعَبْدِ فَإِنْ دَفَعَ الْمُكَاتَبُ إلَى الْعَبْدِ لَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ الْمَوْلَى بِقَبْضِهَا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ وَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ فَإِنْ لَحِقَ الْمَأْذُونَ دَيْنٌ بَعْدَمَا أَجَازَ الْمَوْلَى فَالْكِتَابَةُ لِلْمَوْلَى لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ فِيهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمَّا صَحَّتْ بِالْإِجَازَةِ خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ كَسْبِ الْمَأْذُونِ وَصَارَ فِي يَدِ الْمَوْلَى وَمَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ قَبْلَ الدَّيْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ كَانَ الْمَأْذُونُ كَاتَبَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ مَعَ وُجُودِ الدَّيْنِ فَلَا يَمْلِكُ إجَازَةَ الْكِتَابَةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَعْتِقُ عَلَى مَالٍ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْكِتَابَةَ فَالْعِتْقُ أَوْلَى لِأَنَّ الْعِتْقَ تَبَرُّعٌ وَلَا يُقْرَضُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ «قَرْضُ مَرَّتَيْنِ صَدَقَةُ مَرَّةٍ».
قَوْلُهُ (وَلَا يَهَبُ بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ) وَلَا يَتَصَدَّقُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِالنَّفْسِ وَلَا بِالْمَالِ إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمَّا إذَا كَانَ مَدْيُونًا فَلَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَا تَجُوزُ كَفَالَتُهُ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى فَإِنْ كَفَلَ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا فِي الْحَالِ وَيُؤَاخَذُ بِهَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَلِلْمَأْذُونِ أَنْ يُعِيرَ الدَّابَّةَ وَالثَّوْبَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ وَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَأَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَيَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ عِنَانٍ؛ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ دُونَ الْكَفَالَةِ وَهُوَ يَمْلِكُ أَنْ يُوَكِّلَ وَيَتَوَكَّلَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْكَفَالَةِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُهْدِيَ الْيَسِيرَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ يُضَيِّفَ مَنْ يَصِلُهُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا أَعْطَاهُ الْمَوْلَى قُوتَ يَوْمِهِ فَدَعَا بَعْضَ رُفَقَائِهِ عَلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ لَا بَأْسَ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَاهُ قُوتَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَكَلُوهُ قَبْلَ الشَّهْرِ يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَوْلَى قَالُوا وَلَا بَأْسَ أَنْ تَتَصَدَّقَ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ كَالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ وَلَا يَجُوزُ بِالدَّرَاهِمِ وَالثِّيَابِ وَالْأَثَاثِ.
قَوْلُهُ (وَدُيُونُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ يُبَاع فِيهَا لِلْغُرَمَاءِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى) وَالْمُرَادُ دَيْنُ التِّجَارَةِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَضَمَانُ الْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ إذَا جَحَدَهَا وَمَا يَجِبُ مِنْ الْعُقْرِ بِوَطْءِ الْمُشْتَرَاةِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ عَقَرَ دَابَّةً أَوْ خَرَقَ ثَوْبًا أَمَّا الدَّيْنُ الثَّابِتُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالْمَهْرِ وَالْجِنَايَةِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ يُسْتَوْفَى مِنْهُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَقَوْلُهُ يُبَاعُ فِيهَا يَعْنِي يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمَوْلَى وَلِلْغُرَمَاءِ فِيهِ حَقٌّ وَفِي بَيْعِهِ إسْقَاطُ حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَخْتَارُونَ تَرْكَ الْبَيْعِ لِيَسْتَوْفُوا مِنْ كَسْبِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَإِذَا بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وُقِفَ عَلَى إجَازَتِهِمْ كَمَا فِي الرَّهْنِ، وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضُهُمْ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى يَعْنِي يَفْدِيَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذْ أَفْدَاهُ لَمْ يَبْقَ فِي رَقَبَتِهِ لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ يُبَاعُ لِأَجْلِهِ قَوْلُهُ (وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ) سَوَاءٌ ثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ أَوْ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ بَقِيَ لَهُمْ دَيْنٌ لَا يُطَالَبُ بِهِ الْمَوْلَى وَلَكِنْ يَتَّبِعُونَ بِهِ الْعَبْدَ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهَذَا إذَا بَاعَهُ الْقَاضِي أَمَّا إذَا بَاعَهُ الْمَوْلَى بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَهُمْ حَقُّ الْفَسْخِ إلَّا إذَا كَانَ فِي الثَّمَنِ وَفَاءٌ بِدُيُونِهِمْ أَوْ قَضَى الْمَوْلَى دَيْنَهُمْ أَوْ أَبْرَءُوا الْعَبْدَ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ الْفَسْخِ وَلَيْسَ هَذَا كَالْوَصِيِّ إذَا بَاعَ التَّرِكَةَ فِي الدَّيْنِ لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ حَقُّ الْفَسْخِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ هُنَا لِلْغُرَمَاءِ اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ فَلَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْبَيْعَ وَيَسْتَسْعُوهُ فِي دَيْنِهِمْ وَهُنَاكَ لَيْسَ لَهُمْ اسْتِسْعَاءُ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ.